١٩ مارس ٢٠٢٦
أفادت صحيفة ذا ناشيونال بأن سوريا كشفت، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، عن خطة وصفتها بالتاريخية وبدعم أميركي، تستهدف القضاء على بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية العائد إلى حقبة رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد، في خطوة قالت الصحيفة إنها ترمي إلى طي واحد من أكثر فصول الحرب السورية قسوة ووحشية.
وذكرت الصحيفة أن المبادرة أُعلنت يوم أمس الأربعاء، وجمعت إلى جانب سوريا عددا من الحكومات الغربية، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا، على أن تقوم الخطة على تشكيل قوة مهام مشتركة تتولى العثور على ما تبقى من مخزونات الأسلحة الكيميائية السورية وتأمينها ثم تفكيكها، في ظل اعتقاد واسع بأن قسما كبيرا من هذه المخزونات أُخفي خلال سنوات حكم النظام البائد.
وظل برنامج الأسلحة الكيميائية السوري لأكثر من عقد رمزا صارخا لوحشية الحرب، بعدما وثق محققون ومنظمات حقوقية الاستخدام المتكرر لعوامل محظورة، بينها غاز السارين وغاز الكلور، في هجمات أسفرت عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين.
وانضمت سوريا رسميا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013، وأعلنت في ذلك الوقت مخزونا قُدر بنحو ألف وثلاثمئة طن، غير أن جهات الرقابة الدولية واصلت التأكيد أن ذلك الإعلان لم يكن كاملا، وأن أنشطة محظورة استمرت بعده.
وقال مسؤولين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن أكثر من مئة موقع لم يُعلن عنه سابقا سيحتاج إلى عمليات تفتيش، بما يعكس اتساع المهمة وتعقيدها.
وقال سفير سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، محمد كتوب، خلال إطلاق الخطة، إن هذا المسار سيستغرق وقتا، وإن التحديات المقبلة هائلة، موضحا أن جزءا كبيرا من البرنامج أُخفي عمدا وما يزال غير واضح بالكامل.
وتابع كتوب، أن المحققين سيُرجح أن يواجهوا صعوبات تتعلق بتقييد الوصول إلى مواقع رئيسية، إلى جانب أخطار ميدانية تشمل الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة، وهو ما يضيف أعباء أمنية ولوجستية على المهمة المنتظرة.
ونقلت الصحيفة عن ممثل سوريا لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، وصفه المبادرة بأنها خطوة تاريخية على طريق المساءلة بعد سنوات من الانتهاكات، مشددا على أن اسم سوريا شُوّه لسنوات بفعل استخدام النظام البائد الأسلحة الكيميائية ضد شعبه، وأن دمشق تقود اليوم هذا المسار، بعدما كانت سوريا في عهد النظام البائد موضع اشتباه بسبب تلك الجرائم.
وقال علبي، إن سوريا تقود هذه الجهود الآن بدعم من دول كبرى تقف خلفها، بعد المرحلة التي حوّل فيها النظام البائد البلاد إلى دولة مرتبطة بملف السلاح الكيميائي والانتهاكات الجسيمة.
وأضاف علبي، أن كثيرا من الموجودين اليوم في قيادة الدولة السورية هم أنفسهم من ضحايا تلك الجرائم، وأنهم يواجهون هذا الملف مباشرة لأنه يمثل مسؤولية لا يمكن التهرب منها.
وأشار علبي إلى أن هذا الملف يستدعي صدمة الماضي ويوقظ آثاره، لكنه في الوقت ذاته يضع على عاتق الدولة السورية مسؤولية واضحة لضمان ألا تتكرر مثل هذه الجرائم مرة أخرى، في إشارة إلى أن التحرك الجديد لا يقتصر على الجانب التقني المرتبط بالتفكيك والتأمين، بل يمتد إلى تثبيت مسار سياسي وأخلاقي يقطع مع إرث النظام البائد.
١٩ مارس ٢٠٢٦
تنظر المحكمة العليا في الولايات المتحدة في قضيتين رفعتا من مهاجرين سوريين وهايتيين للطعن في قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء وضع الحماية المؤقتة الممنوح لهم، في خطوة قد تعيد رسم مسار دعاوى أوسع مرتبطة بمحاولات واشنطن سحب هذه الحماية من مئات آلاف المهاجرين من عدة دول، بحسب ما أفادت صحيفة واشنطن بوست، فيما أبقت المحكمة الحماية سارية مؤقتاً إلى حين نظر النزاع على أساسه القانوني الكامل. 
ويتيح برنامج الحماية المؤقتة للأشخاص القادمين من دول تشهد نزاعات مسلحة أو كوارث طبيعية الإقامة والعمل في الولايات المتحدة بصورة قانونية.
ومنذ العام الماضي، دفعت الإدارة الأمريكية في سياق تشديد واسع على ملف الهجرة نحو سحب هذه الصفة من مهاجرين ينتمون إلى ما لا يقل عن ست دول، بذريعة أن الأوضاع في بلدانهم تحسنت بما يكفي لعودتهم.
وتشمل إحدى القضيتين نحو ثلاثمئة وثلاثة وخمسين ألف هايتي حصلوا على هذه الحماية عقب زلزال عام ألفين وعشرة، قبل أن تُمدد لاحقاً بسبب استمرار العنف المرتبط بالعصابات وتفاقم الاضطراب السياسي في البلاد. 
وفي الشق السوري من القضية، تمتد الحماية المؤقتة في الولايات المتحدة لأكثر من ستة آلاف سوري منذ عام ألفين واثني عشر، بعد القمع الذي مارسه رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد، وما أعقبه من حرب مدمرة أودت بحياة مئات الآلاف ودفعت ملايين السوريين إلى النزوح واللجوء.
وتشير المعطيات الواردة في التغطية الأمريكية إلى أن الإدارة الأمريكية تحاجج بأن خروج الأسد من السلطة في عام ألفين وأربعة وعشرين جعل ظروف المعيشة في سوريا آمنة، رغم استمرار بعض المواجهات بين فصائل محلية في مناطق متفرقة. 
غير أن الطعون المقدمة من السوريين تؤكد أن البلاد ما تزال تعاني آثار نزاع مسلح وأزمة إنسانية ممتدة منذ أكثر من عقد، وأن إنهاء الحماية في هذا التوقيت لا يستند، وفق دفوعهم، إلى قراءة قانونية وميدانية مكتملة للواقع السوري.
وتأتي هذه القضية في مرحلة ما بعد سقوط النظام البائد، وفي ظل مسار سياسي جديد تقوده الدولة السورية برئاسة الرئيس السوري أحمد الشرع، مع استمرار تحديات أمنية وإنسانية في بعض المناطق الخارجة عن الاستقرار الكامل. 
وكانت محاكم أدنى درجة قد أصدرت في القضيتين أوامر بتأجيل تنفيذ إلغاء الحماية المؤقتة إلى حين استكمال نظر الدعاوى، قبل أن تطلب الحكومة الأمريكية من المحكمة العليا إلغاء تلك القرارات.
وأعلنت المحكمة الاثنين أنها ستستمع إلى المرافعات خلال الأسبوع الثاني من نيسان المقبل، ما يجعل الملفين أول اختبار مباشر في الولاية الثانية لترامب تنظر فيه المحكمة العليا من حيث الأسس القانونية الموضوعية لقرارات إلغاء الحماية، بعدما سمحت منذ أيار ألفين وخمسة وعشرين مرتين بإلغاء الحماية الممنوحة لمئات آلاف الفنزويليين. 
ونقلت التغطية عن الخبير القانوني أهيلان أرولانانثام، وهو من محامي الطعون في ملفات مشابهة، قوله إن اتساع الحكم أو ضيقه قد ينعكس على عدد كبير من القضايا الأخرى، مع تأكيده أن ملفات الحماية المؤقتة ليست متطابقة، وأن أثر الحكم النهائي قد يختلف من حالة إلى أخرى.
كما أبدت محامية تمثل السوريين اعتراضها على نظر المحكمة في القضية في هذه المرحلة المبكرة، معتبرة أن السجل الوقائعي لم يكتمل بعد، فيما رأت في استمرار الحماية الراهن بارقة ارتياح مؤقتة لآلاف السوريين المهددين بالإبعاد القسري. 
١٨ مارس ٢٠٢٦
عقد مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، جلسة إحاطة مفتوحة حول الأوضاع السياسية والإنسانية في سوريا، أعقبتها مشاورات مغلقة، حيث قدّم الإحاطة السياسية نائب المبعوث الخاص إلى سوريا كلاوديو كوردوني، إلى جانب إحاطة إنسانية من مساعدة الأمين العام للشؤون الإنسانية جويس مسويا.
وخلال الجلسة، أكد مندوب سوريا الدائم لدى مجلس الأمن إبراهيم علبي أن البلاد تمضي في "مرحلة جديدة" قائمة على إعادة البناء السياسي والمؤسساتي، مشيراً إلى التزام سوريا بتعهداتها وتنفيذ الاتفاقات الداخلية، بما في ذلك الاتفاق مع "قسد" لتعزيز الأمن والاستقرار واستكمال عملية الدمج الوطني.
وأوضح أن الحكومة بدأت خطوات عملية، من بينها إنشاء هيئات وطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين، إلى جانب استمرار بناء المؤسسات، لافتاً إلى أن الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب تأتي ضمن هذا المسار.
وأضاف أن سوريا تعمل على تعزيز إدارة التنوع، مشيراً إلى صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الذي يؤكد أن السوريين الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، مع الالتزام بحماية هويتهم الثقافية واللغوية.
وفي الشأن الاقتصادي، أشار إلى توجه سوريا نحو إعادة الاندماج في النظام المالي الدولي، مع التركيز على جذب الاستثمارات بدل الاعتماد على المساعدات.
كما تطرق إلى ملفات الأمن، مؤكداً تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، بما في ذلك الانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، إلى جانب ما وصفه بإنهاء صناعة الكبتاغون وتعزيز جهود مكافحة المخدرات.
وفي المقابل، اتهم إسرائيل بمواصلة الانتهاكات في الجنوب السوري، داعياً مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم ووضع حد لها.
وعلى صعيد التقييم الأممي، أشار نائب المبعوث الأممي إلى سوريا كلاوديو كوردوني إلى أنه لمس حجم الدمار الكبير وإرث الانتهاكات خلال سنوات الحرب، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن مؤشرات أولية لتحسن اقتصادي، مع استمرار دعم العملية السياسية الانتقالية، إلى جانب دعوته لاحترام سيادة سوريا والالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
بدورها، أكدت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية جويس مسويا أن التصعيد الإقليمي يحد من فرص التقدم، مشيرة إلى أن سوريا أمام فرصة لتعزيز التعافي الاقتصادي وتقليل الاعتماد على المساعدات، خاصة مع إعادة الارتباط بالمحيط الدولي.
في السياق ذاته، أكد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس باراك أن سوريا شهدت خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية تحولات "غير مسبوقة"، مشيراً إلى دعم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للحكومة السورية في جهودها لاستعادة موقعها.
وأوضح أن واشنطن تركز على دعم "سوريا موحدة"، لافتاً إلى تعزيز وقف إطلاق النار في السويداء بدعم أمريكي وأردني، إضافة إلى خطوات تهدف إلى خفض التصعيد ضمن مسار أوسع للاستقرار.
وتقاطعت مواقف عدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن حول ضرورة دعم استقرار سوريا واحترام سيادتها، حيث شددت روسيا والصومال وباكستان ودول أخرى على رفض الانتهاكات الإسرائيلية في الجولان، والدعوة إلى الالتزام باتفاقية فض الاشتباك.
في المقابل، دعت الصين إلى تسريع تحقيق الاستقرار، فيما أكدت البحرين أهمية وحدة سوريا ورفض التدخلات الخارجية، وربطت استقرارها باستقرار المنطقة، إلى جانب الترحيب بخطوات التعاون السوري اللبناني في ضبط الحدود.
كما شددت دول أوروبية، بينها فرنسا ولاتفيا واليونان، على ضرورة منع توسع التصعيد الإقليمي، ودعم جهود التعافي والإصلاح، بينما رأت دول أخرى أن التقدم الذي أحرزته سوريا يستدعي دعماً دولياً أوسع خلال المرحلة المقبلة.
وفي السياق نفسه، أكد عدد من المندوبين، بينهم ممثلو الدنمارك وكولومبيا وبنما، أهمية دعم جهود السلام في سوريا، واحترام سيادتها ووحدة أراضيها، معتبرين أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز التعاون الدولي لتثبيت الاستقرار.
بدوره، أكد مندوب تركيا ضرورة دعم الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب بصفتها عضواً في التحالف الدولي، مشدداً على أهمية تعزيز الاستقرار وعزل سوريا عن التوترات الإقليمية، إلى جانب دعم المسار الشامل لإشراك مختلف مكونات المجتمع.
١٨ مارس ٢٠٢٦
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التقارير الإعلامية حول أدوار محتملة لسوريا في المشهد اللبناني، برزت مواقف رسمية سورية وأميركية تسعى إلى توضح وتحدد طبيعة التحركات العسكرية على الأرض، في وقت تتقاطع فيه الهواجس الأمنية مع الحسابات السياسية لكل من دمشق وبيروت.
في هذا السياق، نفى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس براك، صحة التقارير التي تحدثت عن تشجيع الولايات المتحدة لدمشق على إرسال قوات إلى لبنان، مؤكداً عبر منصة X أن هذه الأنباء عارية عن الصحة وغير دقيقة.
بالتوازي، جاءت التصريحات الرسمية للدولة السورية لتؤكد ذات المنحى، حيث شدد الناطق باسم وزارة الدفاع، العميد حسن عبد الغني، على أن الحشد العسكري على الحدود السورية–اللبنانية يندرج ضمن إجراءات احترازية دفاعية بحتة.
موضحاً أن هذه الخطوات بدأت قبل اندلاع الحرب الإقليمية الحالية، وتم تعزيزها لاحقاً استجابة للتطورات المتسارعة، دون أن تحمل أي طابع هجومي أو نية لاستهداف أي طرف.
وذكر أن الانتشار العسكري يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الحدود السورية وضبطها، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، لافتاً إلى أن الدولة السورية تتحرك ضمن مسؤولياتها السيادية للحفاظ على أمنها القومي، خاصة في مواجهة تحديات تهريب المخدرات والأسلحة وتحركات فلول النظام السابق.
كما أكد وجود تنسيق مستمر وعالي المستوى مع الجيش اللبناني، يشمل تواصلاً يومياً لضمان استقرار الحدود ومنع أي احتكاك غير محسوب وفي ما يتعلق بالبعد الأمني، نوه إلى وجود محاولات لاستغلال الأراضي السورية أو المناطق الحدودية لإطلاق صواريخ أو جرّ البلاد إلى مواجهات أوسع.
وعلى صعيد التقارير الدولية، أشار عبد الغني إلى ما نشرته وكالة رويترز بشأن طرح أميركي لإرسال قوات سورية إلى شرق لبنان ضمن جهود مرتبطة بنزع سلاح حزب الله، موضحاً أن هذا الطرح لم يُقدَّم بشكل رسمي إلى دمشق، وأن أي قرار بهذا الشأن يبقى سيادياً سورياً ويُتخذ حصراً وفق مصلحة الدولة، مع التأكيد على أن الأولوية الحالية تتركز على الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد.
هذه المواقف تعكس حذراً سورياً واضحاً من الانخراط في أي ترتيبات عسكرية خارج الحدود، خاصة في ظل مخاوف من الانجرار إلى حرب أوسع أو تأجيج التوترات الطائفية في المنطقة، وهو ما يتقاطع مع تقديرات تفيد بأن دمشق تنظر إلى استقرار لبنان كجزء لا يتجزأ من استقرارها الداخلي.
في الإطار الميداني، كانت وزارة الدفاع قد أعلنت في وقت سابق، عبر مسؤول الإعلام والاتصال عاصم غليون، عن تعزيز انتشار الجيش على طول الحدود مع لبنان والعراق، من خلال وحدات حرس الحدود وكتائب الاستطلاع، بهدف مراقبة الأنشطة الحدودية ومنع عمليات التهريب والتسلل، في خطوة تعكس انتقالاً إلى نمط رقابة أكثر تشدداً في إدارة الحدود.
وتأتي هذه التطورات في ظل واقع ميداني متوتر على الحدود السورية–اللبنانية، حيث شكّل سقوط قذائف قرب منطقة سرغايا نقطة تحوّل دفعت الجانبين إلى رفع مستوى التنسيق الأمني والعسكري، وفتح قنوات تواصل مباشرة للتحقيق في الحادثة ومنع تكرارها.
وبينما تبدي بعض الأوساط اللبنانية قلقاً من التعزيزات السورية، تؤكد مصادر رسمية في دمشق أنها ذات طابع دفاعي، في وقت تخشى دمشق من استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لتهديد أمنها.
كما تتزايد الهواجس السورية من تحركات إسرائيل في منطقة البقاع، واحتمال تنفيذ عمليات عسكرية قد تمنحها موطئ قدم متقدم يهدد العمق السوري، ما يفسر جزئياً طبيعة الانتشار العسكري الحالي وأهدافه الوقائية.
هذا وتكشف هذه المعطيات عن مشهد معقد تحاول فيه دمشق موازنة ضرورات الأمن الحدودي مع تجنب الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة، في وقت يتعزز فيه التنسيق مع لبنان كخيار أساسي لمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، وسط إدراك متبادل بأن استقرار البلدين بات مترابطاً بشكل وثيق في ظل الظروف الراهنة.
١٧ مارس ٢٠٢٦
وصلت اليوم الثلاثاء الدفعة الأولى من الموقوفين السوريين القادمين من لبنان إلى معبر جديدة يابوس الحدودي بريف دمشق، بإشراف وزارة الخارجية والمغتربين، وبالتنسيق مع وزارتي العدل والداخلية، في إطار تنفيذ اتفاقية نقل المحكومين بين البلدين.
وتضم الدفعة الأولى 136 موقوفًا كانوا محتجزين في سجن رومية المركزي ومراكز توقيف أخرى، حيث جرى تسلّمهم وفق الإجراءات القانونية المعتمدة، على أن تتبعها دفعات إضافية تباعًا مع استكمال الملفات الأصولية لبقية المشمولين بالاتفاق.
وفي هذا السياق، أكد وزير العدل مظهر الويس شكره للجهات اللبنانية على تعاونها وتسهيل إنجاز هذه الخطوة، مشددًا على استمرار تنفيذ كامل بنود الاتفاقية وفق الأصول القانونية المعتمدة.
كما أوضح القائم بأعمال السفارة السورية في لبنان إياد هزاع أن عملية التنفيذ بدأت فعليًا اليوم عبر إخراج واستلام الدفعة الأولى، مؤكدًا استمرار التنسيق لاستكمال نقل باقي المحكومين ضمن الآلية المتفق عليها بين الجانبين.
وأشار هزاع إلى أن التعاون بين الجانبين أسهم في إنجاز الاتفاق، ويعكس مستوى العلاقات القائمة، مع التأكيد على مواصلة العمل المشترك بما يخدم المصالح المتبادلة.
بدوره، بيّن ممثل وزارة العدل القاضي المستشار نمور أحمد النمر أن الاتفاقية تقتصر على المحكومين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية عن القضاء اللبناني، لافتًا إلى وجود مسارات أخرى لمعالجة أوضاع فئات مختلفة خارج نطاقها.
وأضاف النمر أن تنفيذ الأحكام بحق المنقولين سيتم وفق القوانين السورية الناظمة، وبما ينسجم مع الإجراءات المتبعة بحق المحكومين داخل سوريا.
ويأتي ذلك تنفيذًا لاتفاقية وُقّعت في بيروت في السادس من شباط الماضي، تنص على نقل المحكومين السوريين من لبنان إلى سوريا، ضمن إطار قانوني مشترك بين البلدين.
١٦ مارس ٢٠٢٦
قال قائد ميليشيا قسد مظلوم عبدي في تصريحات إنه دخل ما وصفها بـ”مرحلة جديدة”، زاعماً أن خطوات ستُتخذ في إطار الاندماج، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن مؤسساته ستبقى كما هي.
تصريحات عبدي أتت يوم أمس خلال كلمة له أثناء تشييع صالح مسلم الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي في مدينة عين العرب "كوباني"، ما اثار موجة انتقادات واسعة بوصفه تناقضاً صريحاً مع أي مسار يفترض أن يفضي إلى تثبيت سلطة الدولة السورية ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية.
وفي التصريحات ذاتها، قال عبدي إن “شعبنا سيدير نفسه بنفسه في المرحلة الجديدة”، مضيفاً أن “الكرد سيديرون مناطقهم الكردية”، كما زعم أن مؤسساته الأمنية والعسكرية والإدارية ستبقى قائمة كما هي، وأن “الكرة الآن في ملعب دمشق”، في إشارة إلى أنه، بحسب وصفه، قام بكل ما طُلب منه لتنفيذ خطوات الاندماج، وأن المطلوب الآن بات من الدولة السورية.
ولم تتوقف تصريحات عبدي عند حدود الحديث عن الاندماج، بل مضى ليقول إن النضال ابتداء من اليوم سيكون “نضال إعادة بناء روج آفا” في جميع المجالات، وإنه سيجعل منها “نموذجاً” أو “مثالاً يحتذى به” لجميع المناطق في سوريا.
كما قال أيضاً إنهم، “كما دافعوا عن أنفسهم طوال السنوات الأربع عشرة الماضية، سيدافعون عن أنفسهم ضد جميع الاعتداءات والتهديدات”، وهو ما عُدّ تمسكاً واضحاً ببنية الانفصال الإداري والأمني تحت تسميات جديدة.
وأثارت هذه المواقف ردود فعل غاضبة في الأوساط المتابعة، إذ اعتبر نشطاء أن عبدي خرج بتصريحات “تنسف كل ما تم الاتفاق عليه مع الدولة السورية”، مطالبين الحكومة السورية بالرد على هذه التصريحات التي تهدد، بحسب النشطاء، وحدة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية
١٣ مارس ٢٠٢٦
أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين في الجمهورية العربية السورية ترحيبها بالتقرير الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، معتبرة أنه يوثق مرحلة دقيقة تمر بها البلاد بعد عقود من الاستبداد والانتهاكات المنهجية التي تركت آثاراً عميقة على مؤسسات الدولة والمجتمع وعلى حياة السوريين وأمنهم واستقرارهم.
وأوضحت الوزارة في بيان رسمي أن التقرير سجل عدداً من الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية الجديدة في مجال التحقيق والمساءلة، من بينها عمل اللجان الوطنية المستقلة، وإقرار حق الضحايا في الوصول المتساوي إلى العدالة، إضافة إلى إجراءات العفو العام عن غير المتورطين بدماء السوريين، وجهود دمج الفصائل، وتعزيز دور وزارتي الدفاع والداخلية في حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
ولفت البيان إلى أن التقرير تطرق إلى خطوات إصلاحية أخرى، من بينها إنشاء اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث الساحل، ومتابعة نتائجها وتوصياتها، إلى جانب خارطة الطريق التي أعلن عنها وزير الخارجية بشأن أحداث السويداء، في إطار العمل على تعزيز المساءلة وترسيخ دولة القانون.
وفي سياق الإصلاحات السياسية والحقوقية، لفتت الخارجية السورية إلى أن التقرير أشار أيضاً إلى الإعلان الدستوري الذي يكرس الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، إضافة إلى توسع هامش حرية الإعلام وانتعاش نشاط المجتمع المدني، فضلاً عن صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 الذي يضمن الحقوق الثقافية واللغوية وحقوق المواطنة للكرد السوريين.
وأكد البيان أن التقرير وثق كذلك مجموعة من الإجراءات التي كان لها أثر مباشر على حياة السوريين اليومية، من بينها رفع قيود السفر عن ملايين المواطنين، وإنهاء حالة الخوف المرتبطة بالتجنيد الإجباري والاعتقال التعسفي، إضافة إلى عودة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ ونازح إلى البلاد منذ كانون الأول 2024، في مؤشرات اعتبرتها الحكومة تعكس نهاية مرحلة الخوف والانغلاق وبداية مرحلة جديدة من الحرية والكرامة.
وأشارت وزارة الخارجية إلى أن الفترة التي يغطيها التقرير شهدت أيضاً توسيع التعاون مع آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، ومع منظمات دولية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بما في ذلك السماح لجهات مراقبة مستقلة بالوصول إلى أماكن الاحتجاز وإجراء تحقيقات ميدانية داخل البلاد لأول مرة منذ عام 2011.
وفي الوقت ذاته، أكدت الحكومة السورية أنها تنظر بجدية إلى ما أورده التقرير من انتهاكات أو تجاوزات، لا سيما الأحداث المأساوية في الساحل والسويداء، مشددة على التزامها بمحاسبة جميع المتورطين في أي اعتداءات على المدنيين أو خروقات للقانون، بصرف النظر عن الجهة المسؤولة، مشيرة إلى بدء إجراءات قضائية ومحاكمات علنية بحق عدد من المتهمين بحضور مراقبين مستقلين.
كما لفت البيان إلى أن التقرير وثق الانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل داخل الأراضي السورية، بما في ذلك تكثيف الغارات الجوية والعمليات العسكرية منذ نهاية عام 2024، وما نتج عنها من سقوط ضحايا مدنيين وتدمير ممتلكات وتهجير سكان من مناطقهم، إضافة إلى توغل قوات الاحتلال واحتجاز مدنيين سوريين ونقل بعضهم إلى داخل الأراضي الإسرائيلية.
وأشار البيان أيضاً إلى استمرار التهديد الذي تمثله التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش، الذي نفذ هجمات استهدفت مدنيين وأماكن عبادة داخل سوريا، في وقت أكدت فيه الحكومة السورية استمرار جهودها في مكافحة الإرهاب وحماية المدنيين.
وفي ختام البيان، أعربت الحكومة السورية عن تقديرها للتوصيات الواردة في التقرير، معتبرة أنها تمثل أساساً يمكن البناء عليه في إطار حوار مؤسسي مع الأمم المتحدة، مؤكدة التزامها بالمضي في مسار وطني يوازن بين العدالة والاستقرار ويعزز احترام الكرامة الإنسانية وصون التنوع المجتمعي وترسيخ دولة القانون.
وشددت الخارجية السورية على أن نجاح عملية التعافي في البلاد يتطلب دعماً دولياً مسؤولاً يسهم في تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية ودعم جهود العدالة والمساءلة والتعافي الاقتصادي، بما يساعد السوريين على تجاوز آثار سنوات الحرب وبناء مستقبل أكثر استقراراً.
١٣ مارس ٢٠٢٦
أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، في تقريرها المرفوع إلى الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان، أن البلاد دخلت مرحلة انتقالية شديدة التعقيد عقب سقوط رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد، في مسار يتداخل فيه تثبيت الأمن مع إعادة بناء المؤسسات وتحقيق العدالة الانتقالية وإنعاش الاقتصاد واستعادة السيادة وسط وجود عسكري أجنبي وتراكم هائل لانتهاكات تعود إلى سنوات الحرب وحكم النظام البائد.
وأوضحت اللجنة أن التقرير يغطي الفترة الممتدة من 8 كانون الأول 2024 حتى 31 كانون الثاني 2026، وأنه استند إلى أكثر من 500 مقابلة وتحليل وثائق وصور ومقاطع فيديو وصور أقمار صناعية، مع الإشارة إلى أن الحكومة السورية أتاحت لها الوصول إلى البلاد لأول مرة منذ عام 2011، غير أن اللجنة نبهت أيضاً إلى أن ما ورد في التقرير لا يمثل جميع الانتهاكات، بل ما تمكنت من التحقق منه وفق معيارها الإثباتي وفي ظل قيود ناجمة عن أزمة سيولة موازنة الأمم المتحدة  .
وقالت اللجنة إن الحكومة السورية الجديدة حققت خطوات أولية إيجابية ومهمة في مسار التحقيق والمساءلة، تمثلت في تشكيل هيئتين وطنيتين للعدالة الانتقالية والمفقودين، وإشراك شخصيات حقوقية سورية، بينهن نساء، في عضويتهما، وبدء مشاورات مع منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية، إلى جانب الإعلان عن مشروع قانون للعدالة الانتقالية.
كما أشادت بإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس النظام السوري البائد وعدد من كبار مسؤولي جيشه وأجهزته الأمنية بتهم ترتبط بانتهاكات حقوقية وفساد، وباعتبار توقيف شخصيات من أركان النظام البائد خطوة أسهمت في كبح نزعات الانتقام ومنع الضحايا من أخذ القانون بأيديهم  .
وأضافت اللجنة أن الحكومة اتخذت إجراءات رأت فيها مؤشرات على تفكيك إرث النظام البائد، من بينها رفع ملايين قرارات منع السفر، وإنهاء التجنيد الإجباري المرتبط بأجهزة ذلك العهد، وتوسيع هامش الحريات الإعلامية وتجدد نشاط المجتمع المدني، وهو ما قالت إنه بدد جانباً من خوف ملايين السوريين من الاعتقال التعسفي وساهم في عودة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ ونازح داخلي منذ كانون الأول 2024.
كما أشارت إلى نجاح الحكومة في الدفع نحو رفع عقوبات قطاعية كانت تثقل البلاد، وإلى توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع إعلاناً دستورياً بعد مؤتمر الحوار الوطني، نص على مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات .
لكن التقرير أشار بوضوح إلى أن الانتقال السياسي ما يزال هشاً، وأن هناك رؤى متنافسة حول شكل الدولة المقبلة، مع اعتراضات صدرت من الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي وبعض قادة السويداء على الإعلان الدستوري وبنية السلطة الجديدة، بدعوى أنها لا تعكس بصورة كافية التنوع السوري وأن السلطة التنفيذية تركزت بيدها صلاحيات واسعة في ظل رقابة مؤسسية محدودة.
كما سجل التقرير ملاحظات على محدودية التمثيل النسائي في مواقع القرار، إذ لم تُعيَّن سوى امرأة واحدة وزيرة، ولم تُنتخب سوى ست نساء فقط حتى ذلك الوقت في البرلمان، مع بقاء انتخابات السويداء والحسكة والرقة مؤجلة، وعدم اكتمال تشكيل البرلمان الجديد وقت إعداد التقرير .
وفي تقييمها للمؤسسات العدلية والأمنية الجديدة، قالت اللجنة إن الحكومة رفعت رواتب القضاة، وأبعدت قضاة شغلوا مناصب سياسية في حزب البعث ومجلس الشعب، وأحالت قضاة من محكمة الإرهاب المنحلة إلى التحقيق، وأنشأت لجنة قضائية متخصصة لمراجعة أحكام المحاكم الاستثنائية، لكنها تحدثت في المقابل عن مخاوف تتعلق بتعيين بعض الأشخاص في مواقع قضائية من دون المؤهلات القانونية المطلوبة، وهو ما يثير تساؤلات حول استقلال القضاء الجديد وصلابة بنائه المؤسسي.
قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إن البلاد شهدت خلال عام 2025 موجتين كبيرتين من العنف ضد المدنيين؛ الأولى استهدفت العلويين في المناطق الساحلية والوسطى الغربية خلال كانون الثاني وآذار، والثانية طالت الدروز والبدو في محافظة السويداء خلال تموز.
وأوضحت اللجنة أن أكثر من 1400 شخص قُتلوا في موجة العنف الأولى، بينهم نحو مئة امرأة، ومعظمهم من المدنيين العلويين في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، وذلك عقب هجمات أولية شنتها جماعات مسلحة مرتبطة بفلول النظام البائد وما أعقبها من صدامات.
أما في السويداء، فقالت اللجنة إن أكثر من 1500 شخص قُتلوا في تموز، بينهم مدنيون دروز وبدو، مشيرة إلى أن الانتهاكات ارتكبها، بحسب ما وثقته، عناصر من القوات المسلحة الحكومية، وجماعات مسلحة درزية، ومقاتلون عشائريون، في سياق نزاع مع الجماعات المسلحة الدرزية، وأن هذه الوقائع تنطوي على جرائم حرب، وقد ترقى، إذا استكملت عناصرها القانونية، إلى جرائم ضد الإنسانية.
وأضافت اللجنة أن أنماط العنف في الحدثين حملت طابعاً قائماً على الانتماء الديني والإثني والعمر والنوع الاجتماعي، إذ تحدثت عن اقتحام منازل، وقتل رجال وفتيان بعد إخراجهم قسراً، وقتل نساء وأطفال صغار خلال المداهمات، إلى جانب نهب منازل وممتلكات وإحراقها وتدميرها، ما تسبب في تهجير واسع للسكان.
وفي هذا السياق قالت اللجنة إن جميع البدو تقريباً أُجبروا على النزوح من محافظة السويداء الخاضعة لسيطرة جماعات مسلحة درزية، وإنهم ظلوا ممنوعين من العودة من قبل هذه الجماعات وقت إعداد التقرير.
وفي ما يتصل بملف النساء خلال أحداث السويداء، قالت اللجنة إنها وثقت عنفاً جنسياً ضد نساء درزيات، شمل الاغتصاب والتعري القسري وعمليات تفتيش مهينة وتهديدات جنسية خلال الاقتحامات وعمليات تفتيش المنازل، كما تحدثت عن احتجاز أو خطف نساء درزيات وبدويات على يد فاعلين مسلحين.
وأضاف التقرير أن 11 امرأة درزية وأربع فتيات خُطفن ثم أُفرج عنهن بين تموز وتشرين الثاني 2025، بينما ظلت ثلاث نساء بدويات وفتاة واحدة محتجزات لدى الحرس الوطني في السويداء وقت كتابة التقرير.
كما وثقت حالات حرمان لمصابين علويين وبدو من الرعاية الصحية أو تعرضهم لمعاملة تمييزية في مستشفيات بحمص وحماة واللاذقية والسويداء بسبب انتمائهم المجتمعي، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى الوفاة.
وفي هذا السياق، سجلت اللجنة للحكومة أنها أنشأت لجنة وطنية للتحقيق في أحداث الساحل وأخرى للتحقيق في عنف السويداء، وأتاحت للجنة الدولية نفسها الوصول للتحقيق في تلك الوقائع.
كما أشارت إلى بدء محاكمة 14 متهماً في قضايا ترتبط بعنف الساحل في جلسات علنية حضرها مراقبون مستقلون، مع توقيف مشتبه بهم على صلة بأحداث السويداء.
غير أن اللجنة شددت على أن مسؤوليات القيادات العليا والضباط لم تتضح بالكامل بعد، وأن الثقة بين المجتمعات المحلية والسلطات ما تزال بحاجة إلى جهد أوسع بكثير.
ولم يقتصر التقرير على القتل المباشر، بل توسع في رصد الانتهاكات التي مست البيوت والأرض والممتلكات.
ورصدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا انتهاكات إسرائيلية واسعة في الجنوب السوري، مؤكدة أن إسرائيل وسعت عملياتها العسكرية ووجودها داخل الأراضي السورية منذ 8 كانون الأول 2024، عبر غارات جوية وعمليات برية في القنيطرة ودرعا وريف دمشق، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين ونزوح سكان وإلحاق أضرار بالممتلكات وفرض قيود على الحريات الأساسية.
وقالت اللجنة إن القوات الإسرائيلية أقامت مواقع عسكرية داخل المنطقة الفاصلة في خرق لاتفاق فض الاشتباك، ونفذت مئات التوغلات داخل الأراضي السورية، ما مكنها، بحسب تقدير اللجنة، من بسط سلطة فعلية على أراضٍ إضافية وتوسيع نطاق الاحتلال القائم في محافظة القنيطرة.
وأضاف التقرير أن هذه العمليات شملت إخلاء سكان من قراهم تحت التهديد، وتجريف أراضٍ زراعية ومراعٍ، وتدمير أكثر من 15 مبنى في الحميدية، والسيطرة على موارد مائية وأراضٍ وطرق، إلى جانب اعتقال عشرات السوريين ونقل بعضهم إلى داخل الأراضي المحتلة، مع توثيق إطلاق نار على متظاهرين ومدنيين غير مسلحين، وقصف وغارات أوقعت قتلى وجرحى في درعا ودمشق وبيت جن، وهو ما قالت اللجنة إنه قد يرقى في بعض حالاته إلى جرائم حرب.
وأشار التقرير إلى أن نزاعات السكن والأرض والملكية التي خلفها النظام البائد فجرت أعمال انتقام وتهجير في حمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودمشق وريفها والسويداء، وفي بعض الحالات شاركت فيها، بحسب التقرير، عناصر من القوات الحكومية أو مجموعات مسلحة مرتبطة بها.
كما تحدث عن إخلاءات قسرية وتخريب لمساكن ومحال، ولا سيما في السومرية والزَّهريات بدمشق، بما أثار مخاوف من تغيرات ديموغرافية طويلة الأمد ومن عجز السلطات عن حماية العائدين أو تسوية هذه الملفات وفق القانون.
وفي ملف النساء والفتيات، خصص التقرير مساحة ثقيلة اللهجة للحديث عن عمليات خطف طالت 21 امرأة وفتاة، معظمهن من العلويات، في دمشق واللاذقية وطرطوس وحماة وريف دمشق وحمص.
وقالت اللجنة إن ثماني مختطفات على الأقل تعرضن لعنف جنسي، بما في ذلك اغتصاب جماعي وزواج قسري، وإن ثلاث ناجيات عدن وهن حوامل، كما تحدثت عن تفاوت استجابة الأجهزة الرسمية، بين فتح تحقيقات لم تستكمل، أو تثبيط عائلات الضحايا عن المتابعة، أو حتى توقيف ناجيات بعد تحريرهن في قضيتين بدعوى مخالفات أخلاقية، وهي واحدة من أكثر النقاط التي حمل فيها التقرير انتقاداً مباشراً لفعالية الاستجابة الرسمية.
وفي الشمال الشرقي، جاء التقرير شديد القسوة على ميليشيا قسد، إذ قال إن اللجنة وثقت استمرار انتهاكات مزمنة مرتبطة بالاحتجاز، شملت الاعتقال التعسفي، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والاختفاء القسري، والوفاة تحت الاحتجاز، بما في ذلك توقيف أشخاص على خلفية سياسية لمجرد احتفالهم بتغيير السلطة في دمشق أو تأييدهم للرئيس السوري أحمد الشرع.
كما تحدث عن حالات قتل ومدنيين متضررين في دير الزور، وعن استمرار تجنيد الأطفال على يد قسد و”الشبيبة الثورية” رغم التعهدات السابقة بوقف ذلك.
وأضاف التقرير أن نحو 27 ألف شخص، أكثر من تسعين في المئة منهم نساء وأطفال، ظلوا محتجزين حتى نهاية 2025 في مخيمي روج والهول بسبب صلات عائلية مزعومة بتنظيم الدولة، من دون مراجعة قانونية فردية أو دورية، في حين بقي نحو 9 آلاف رجل وفتى محتجزين في ظروف وصفها التقرير بالمروعة داخل منشآت أخرى في الشمال الشرقي.
واعتبرت اللجنة أن هذا الاحتجاز الجماعي على يد قسد يشكل حرماناً غير مشروع من الحرية، وأن ظروفه قد ترقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية، بل وقد تصل في بعض أوجهها إلى جرائم حرب.
كما قالت اللجنة إن السيطرة على مخيم الهول انتقلت إلى الحكومة السورية في كانون الثاني 2026 وسط ظروف فوضوية، مع بقاء مخيم روج تحت سيطرة قسد وقت كتابة التقرير، وإن نقل 5704 محتجزين إلى العراق، بينهم 3526 سورياً و157 طفلاً من 61 دولة، أثار مخاوف عميقة من الإعادة القسرية الجماعية. وربط التقرير ذلك كله بمشهد أكثر اتساعاً من الفوضى القانونية والإنسانية في هذا الملف.
وخلصت اللجنة إلى أن الحكومة السورية الجديدة اتخذت، خطوات ملموسة وإيجابية أولية لتحقيق العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب ورفع بعض القيود الخانقة التي فرضها عهد النظام البائد على الحريات الأساسية، لكنها شددت على أن هذه الخطوات لا تزال غير كافية، وأن البلاد تحتاج إلى مؤسسات دولة جديدة قائمة على سيادة القانون، وبرلمان تمثيلي، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية محترفة خاضعة لرقابة مدنية، مع مسار عدالة انتقالية شامل يشمل الحقيقة والإنصاف والجبر والمحاسبة ومنع التكرار.
كما دعت إلى دعم مالي وفني عاجل للحكومة السورية، وإلى تمويل إعادة الإعمار والاستجابة الإنسانية، مشيرة إلى أن 16.5 مليون سوري ما يزالون بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن الفقر واليأس الاقتصادي قد يغذيان موجات عنف جديدة إذا لم يُعالجا سريعاً  .
١٣ مارس ٢٠٢٦
أكد أحمد معاذ الخطيب، في مقابلة بودكاست على منصة «سوريا الآن»، أن سؤال الهوية السورية لا يزال في صلب التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد عقود الاستبداد التي رسخها النظام البائد، معتبراً أن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يكتمل من دون إعادة تعريف الهوية الوطنية على نحو جامع لكل المكونات، إلى جانب إرساء قانون شفاف واقتصاد وطني منتج يعيد للدولة توازنها ويمنع تفكك المجتمع تحت ضغط الانقسامات والمصالح الضيقة.
واستهل الخطيب حديثه بالتأكيد أنه لا ينظر إلى نفسه باعتباره سياسياً محافظاً بالمعنى التقليدي ولا رجل دين دفعت به الظروف قسراً إلى الحقل السياسي فقط، بل رأى أن الإنسان في ظل الوضع السابق كان مضطراً إلى العمل على كل المحاور في وقت واحد، لأن شدة الضغط لم تكن تسمح بفصل حاد بين الدعوي والسياسي والاجتماعي، وقال إن السياسة لم تفسد على الناس دينهم بقدر ما نقلتهم إلى واقع جديد لا يستوعب كثيرون مفرداته، مضيفاً أن الثورة حققت إنجازاً عظيماً جداً، غير أن اكتمال المسار ما يزال يتطلب خطوات أخرى، وشدد في الوقت نفسه على أنه لا يبحث عن دور شخصي في مستقبل سوريا السياسي، بل يعمل وفق ما تفرضه الضرورة المحيطة به لا وفق هدف ذاتي يتعلق بمنصب أو موقع.
ورأى الخطيب أن الأولوية الأولى أمام السوريين اليوم هي إعادة تعريف الهوية الوطنية بشكل واضح يضم كل مكونات الشعب السوري، على أن تترافق هذه الأولوية مع قانون واضح وشفاف أمام الجميع، ومع اقتصاد يبني البلد فعلاً بدلاً من اقتصاد سلعي أو خدمي أو استثماري هش مرتبط بجهات لا جذور حقيقية لها في البلاد ويمكن أن تغادر عند أول عائق، وأوضح أن الاقتصاد المطلوب هو اقتصاد وطني حريص على الصناعة الوطنية، الكبرى منها والصغرى، وقادر على تثبيت المجتمع لا على استنزافه.
وفي شرحه لمفهوم الهوية، قال إن الهوية هي مجموعة المكونات التي تختص بها جماعة بشرية معينة، وإن المشكلة السورية لا تحل بترحيل التوترات بين المكونات أو بتغطيتها بطبقة من المجاملة العلنية فيما تستمر تحت السطح مشاعر الحذر أو الكره أو العدائية، وأكد أن الأوطان لا تبنى بهذه الطريقة، لأن بقاء العلاقات بين المكونات في مستويين، أحدهما معلن والآخر مكتوم، يعني بقاء أسباب الانفجار قائمة، ولذلك لا بد من شيء جامع يعيد بناء الثقة بين الجميع، وشدد على أن الهوية السورية لم تكن وهماً طارئاً، بل كانت موجودة بالفعل وبقوة، غير أنها تعرضت لاحقاً للتآكل والإجهاض.
واستدل الخطيب على ذلك بالمرحلة التي أعقبت عام 1920، حين قال إن خيرة الشخصيات الوطنية والإسلامية في بلاد الشام عملت لمدة سنة ونصف لإنتاج دستور وصفه بأنه من أميز الدساتير حتى الآن، قبل أن تأتي السلطات الفرنسية وتجهض هذا الجهد بعد خمسة أيام فقط من خلال احتلال سوريا.
وأضاف أن مقاومة الاحتلال الفرنسي لم تكن عملاً خاصاً بمكون واحد، بل شاركت فيها كل مكونات الشعب السوري، وكذلك صياغة الدستور، بما يعكس وجود هوية جامعة في تلك اللحظة، وتابع أن السوريين لم ينعموا بالاستقرار بعد ذلك، إذ استمر الاحتلال الفرنسي حتى عام 1946، ثم جاءت أول انتخابات في عام 1947 وسط ما وصفه بتدخل أمريكي فج شمل، بحسب قوله، حتى انتخابات مخاتير القرى.
ومضى الخطيب في سرد مسار التآكل، مشيراً إلى أن البلد دخل لاحقاً في سلسلة من الضغوط والانقلابات العسكرية، وقال إن سوريا شهدت خلال سنتين فقط خمسة انقلابات، الأمر الذي جعل الاستقرار شبه مستحيل، رغم بقاء النفس الوطني حياً بقيادة شخصيات مثل شكري القوتلي وخالد العظم، إلى جانب عدد كبير من رجالات سوريا.
وأضاف أن الضغوط الغربية ذات الأبعاد الاقتصادية والسياسية دفعت البلاد إلى تغيير اتجاهها السياسي، وصولاً إلى تجربة الاتحاد مع مصر، وهي تجربة قال إنها أخفقت لأسباب كثيرة وأرهقت الجسم السوري، ثم جاءت مرحلة الانفصال، قبل أن يستولي حزب البعث على السلطة ستين عاماً في ظل وضع قوض ما تبقى من البنية الوطنية، وترك البلد في حالة اهتراء شديد.
وأشار أيضاً إلى أن الاستعمار الفرنسي حاول تقسيم سوريا إلى خمس دول، وفي أحد الاحتمالات إلى ثماني عشرة دولة، غير أن تحرك السوريين في الساحل وجبل العرب ودمشق وحلب ومناطق أخرى لإفشال المشروع برهن، بحسب قوله، على وجود روح سورية لم تكن قد انطفأت، وإن كانت قد تآكلت لاحقاً.
وأكد الخطيب أن الهوية السورية لم تتبلور بالقدر الكافي، لكنها كانت تتشكل بصورة واعدة، ولا سيما في مرحلة الخمسينيات وقبل الوحدة، حين كانت سوريا أولوية في وجدان الناس وكانت الخلافات الحزبية محدودة، فيما لم تكن المكونات في حال صراع معلن.
وأضاف أن الإنسان حين يتوتر ينكفئ إلى الهوية الأصغر، لكن الهوية الكبرى لا تذوب تماماً، بل تبقى كامنة عند أهلها وتظهر عند توفر الظروف المناسبة.. وقال إن السوريين، رغم ما أصابهم، ما زالوا يحملون صفات الكرم والتسامح والتعاون والقدرة على الإبداع والعمل والنشاط، وإن حضورهم في بلدان اللجوء والاغتراب ترك بصمات واضحة في الصناعة والتجارة، ما يدل على رصيد حضاري متراكم في الشخصية السورية.
وحذر الخطيب من محاولات بعض التيارات حصر المكون السوري كله داخل سياق أيديولوجي ضيق، سواء أتت هذه المحاولات من تيارات إسلامية تنظر إلى الحدود الراهنة بوصفها نتاجاً لاتفاقية سايكس بيكو فتتعامل معها بنفور، أو من تيارات قومية أو شيوعية فعلت الشيء نفسه من زاوية أخرى.. وقال إن مثل هذا الحصر يؤدي إلى تقزيم الهوية بدلاً من توسيعها، في وقت تمضي فيه دول متقدمة نحو توسيع فضائها الهوياتي لا تضييقه.
وفي ما يتعلق بالمكون الكردي، أكد الخطيب أن الأكراد هم ورثة هذه الحضارة أيضاً، وأن الهوية السورية تجمع الجميع، مستشهداً بالنموذج الفرنسي الذي يضم قوميات ولغات متعددة تحت مظلة وطنية واحدة ولغة رسمية جامعة، مع الاعتراف بلغات أخرى على المستوى الثقافي، وأوضح أن أحداً من المكونات السورية لم يكن يبحث في الأصل عن الابتعاد عن الهوية الكاملة، لكن دخول التيارات اللاحقة والمصالح السياسية وسياسات التهجير وقضم الحقوق هو الذي أيقظ الهويات الأصغر وأبعد السوريين عن بعضهم، واستحضر في هذا السياق دور محمد كرد علي في الدفاع عن العربية، معتبراً أن ذلك جرى في إطار هوية جامعة لم تكن تثير الخوف لدى أحد.
وعند تناوله مسألة التنوع، قال الخطيب إن هذا التنوع تحول من مصدر غنى إلى مصدر ضعف بسبب النحت المستمر فيه وتفكيكه بخطابات الجهل والمصالح، واستشهد بشخصيات وطنية مثل سلطان باشا الأطرش، الذي قال إنه خاض عشرات المعارك ضد الفرنسيين وكان من أكثر المتحمسين للثورة السورية وحماية قادتها، محذراً من خطورة إسقاط أدوار هذه الشخصيات من الذاكرة الوطنية، لأن ذلك يعني إلغاء الاعتراف بمكونات كاملة ودفعها إلى النظر إلى الآخرين بحذر.
وأضاف أن سلطان باشا الأطرش رد ألف ليرة ذهبية أهداها له الجنرال كاترو، وأن هويته الأساسية كانت ممتدة عروبياً وعابرة للحدود الضيقة، كما أشار إلى دعم الشيخ أمين الحسيني له، وإلى تجربة الشيخ عز الدين القسام والشيخ صالح العلي، معتبراً أن بلاد الشام كانت كتلة واحدة في الوجدان والعمل، وأن التعاون بين رموزها كان قائماً ضمن هوية أوسع، واستعاد كذلك ما أورده الدكتور محمد حرب فرزات عن احتفال أقامه شكري القوتلي لصالح العلي ورفض الأخير لأي منصب، فضلاً عن واقعة قال إنها وردت في محضر جمعية التمدن الإسلامي عام 1938 حين رد صالح العلي إنجيلاً أُهدي إليه وأخرج مصحفاً قائلاً إن هذا كتابه.
ودعا الخطيب إلى حوار وطني حقيقي ومفتوح “حتى العظم”، على حد تعبيره، يجلس فيه عقلاء السوريين معاً لمناقشة الإشكالات من دون مواربة، محذراً من الاستغراق في متاهات تاريخ قال إن أكثر من سبعين بالمئة منه غير صحيح أو مزور.. وأضاف أن المطلوب ليس التطابق بين السوريين بل البحث عن المشتركات، مشيراً إلى أن الجغرافيا نفسها تظهر دوائر تشابه اجتماعي من شرق حلب إلى بغداد ضمن حوض الفرات، وأن المشتركات ليست قليلة كما قد يبدو.
وأوضح الخطيب، في معرض حديثه عن كواليس اتصالاته الخارجية، أنه خاض تواصلاً مباشراً مع موسكو وطهران انطلاقاً من ما وصفه بضرورات العمل السياسي الهادف إلى حقن دماء السوريين وتخفيف معاناتهم، رغم علمه الكامل بالأدوار العسكرية التي لعبها الطرفان في دعم النظام البائد.
وقال إن الجانب الروسي أبلغه صراحة، في ست أو سبع مناسبات، أنه “لن يخرج من سوريا ولو قامت حرب عالمية ثالثة”، الأمر الذي دفعه إلى التعامل مع موسكو باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي مسار للحل، ولا سيما أنه كان يرى أن وجودها جرى برضا الولايات المتحدة وضمن تفاهمات مشتركة بينهما.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن مجموعة “سوريا الأم” التي شارك فيها قدمت عدة مقترحات أدرجت ضمن الملف السوري، مؤكداً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرأها شخصياً وأبدى ملاحظات إيجابية عليها، وأن من بين أبرز ما طرح في تلك المرحلة مبادرة تقضي بخروج رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد مع خمسمئة عائلة، مقابل وقف القتل وفتح باب التهدئة.
ودافع الخطيب عن هذا المسار بالقول إن أصول العمل السياسي الصحيح تقوم على “عدم قطع الحبال مع أحد” وعلى التواصل مع جميع الأطراف، مع الفصل بين مقتضيات السياسة من جهة والجرائم المرتكبة من جهة أخرى، باعتبار أن المسؤولين عن تلك الجرائم يجب أن يخضعوا للمحاسبة.
وفي ما يتعلق بإيران، كشف الخطيب أنه التقى وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي صالحي مرة واحدة فقط، موضحاً أن هدف اللقاء كان منع انزلاق الصراع السياسي في سوريا إلى صراع اجتماعي مفتوح، ومشدداً على أن تواصله مع طهران لم يكن تراجعاً عن موقفه من دورها، إذ وصف موسكو وطهران معاً بأنهما “يشربان من دماء السوريين”، لكنه رأى مع ذلك أن التواصل السياسي معهما قد يكون مدخلاً لتخفيف المأساة.
وأضاف أنه لم يُقدم على هذه الخطوة إلا بعد سلسلة مشاورات مع شخصيات إسلامية وسياسية وازنة، من بينها عصام العطار في ألمانيا الذي حذره من أن الغرب يسعى إلى تدمير العالم السني بالشيعي ثم القضاء على الشيعة، كما استشار الشيخ سرور زين العابدين حول جواز التواصل مع الإيرانيين لحل المشكلة، فجاءه الجواب، بحسب روايته، بأنه “لا يوجد مانع سياسي ولا شرعي”، فضلاً عن استشارته رئيساً سابقاً للجمهورية لا يزال على قيد الحياة ووزير خارجية أفغانياً سابقاً، وكلاهما شجعه على المضي في هذا المسار فوراً.
وربط الخطيب هذه التحركات كلها بسياق دولي قال إنه كان قائماً على قرار بعدم إسقاط الأسد في تلك المرحلة، مستشهداً برفض تزويد المعارضة بصواريخ “ستينغر” لمواجهة الطيران، ومؤكداً أن هدفه من هذه الاتصالات كان كسب مختلف الأطراف ومراعاة مصالحها سعياً إلى حل يوقف نزيف الدم السوري، بعيداً عن حملات المزايدة التي اتهمته بمجرد التواصل مع هذه القوى بالانحياز إليها.
وفي حديثه عن بناء الدولة، قال الخطيب إن مجرد وجود السلطة لا يكفي لضبط المشهد، بل لا بد من بناء ثقافي واضح عند المواطن قائم على العدل الحقيقي، وأشار إلى أن أهل الجزيرة السورية يعيشون فوق بحر من الثروات الزراعية والنفطية، لكنهم كانوا من أكثر الفئات تهميشاً خلال ستين عاماً، مضيفاً أن المنطقة أخذت من النفط، بحسب وصفه، الغبار والسرطان فقط، فيما بقيت الثروات بعيدة عن أهلها، وقال إن الأمن يجب أن يكون وسيلة لحماية مكونات المجتمع لا غاية قائمة بذاتها، وإن وجود عدل واستقرار قد يجعل مؤسسة صغيرة كافية لإدارة المشهد.
كما شدد على أن الهوية الوطنية ليست مجرد شعار، بل هي حصيلة تنشئة متقاربة وقانون يحميها، ولهذا رأى أن وزارات الثقافة والإعلام والأوقاف تتحمل مسؤولية مباشرة في هذا المجال، وحذر من خطابات التكفير على المنابر، معتبراً أنها خطيرة لأنها تفضي إلى المحاصرة الاجتماعية واستباحة الأموال والأعراض، وفي ملف الحقوق اللغوية، قال إن تنظيم هذا الأمر يجب أن يتم عبر مؤسسات الدولة واللوائح الناظمة، من دون إنكار لوجود لغات متعددة، ولكن مع الإبقاء على عنصر جامع يلتقي عنده الناس جميعاً.
وفي تناوله لطبيعة الدولة، أكد الخطيب أنه لا توجد دولة دينية بالمعنى الذي يتصوره البعض، معتبراً أن الإسلام دولة مدنية وأن القرارات التقنية، كما في جائحة كورونا، مرجعها أهل الاختصاص، واستشهد بما وصفه بحجم التسامح والاستيعاب في الدولة الأموية، وبموقف الإمام الأوزاعي في الدفاع عن المسيحيين، مضيفاً أن فقه الدعوة شيء وفقه الدولة شيء آخر، وأن الدستور الأول في سوريا شاركت فيه كل المكونات، كما قال إن استحضار التجربة الأموية يأتي من كونها منحت دمشق مكانة حضارية استثنائية وأثبتت قدرة على الاستيعاب، لا من باب فرض نموذج مغلق على الحاضر، لأن أي مكون لا يمكن إخضاعه بالقوة في العصر الحديث من دون أن تنشأ تحت الجرح توترات قابلة للانفجار لاحقاً.
وفي ما يخص الخطاب الإسلامي المعاصر، قال الخطيب إن الحديث عن “العقد الاجتماعي” ليس قفزة على التراث كما يظن البعض، بل إن وثيقة المدينة مثلت أول عقد اجتماعي في الإسلام، معتبراً أن جوهر العقد هو الاتفاق على سلامة المجتمع، وأضاف أن الخطاب الديني يحتاج إلى ثورة وعي، لأن الخلل فيه لا يتعلق فقط بنقص المعرفة الشرعية أحياناً، بل أيضاً بضيق الأفق، وضرب مثلاً بقضية الطلاق، داعياً إلى اشتراط الإشهاد فيه درءاً للمفاسد التي تصيب الأسر المهجرة، ولا سيما أن النساء في المخيمات كن، بحسب وصفه، البطلات الأوليات في الثورة السورية. كما دعا إلى تثبيت نسب الأطفال مجهولي النسب عبر البصمة الوراثية، منتقداً التعصب والانغلاق داخل المؤسسة الدينية، مع تأكيده أن شخصيات فكرية كابن تيمية نفسها كانت أوسع أفقاً مما يتصوره كثيرون.
وفي ملف العدالة الانتقالية، قال الخطيب إن إنصاف الأكثرية السنية لا يتم بالشعارات، بل عبر دستور واضح وبرلمان يمثل الجميع ومعايير دقيقة للمحاسبة تميز بين من توغل في الدماء ومن كان مجرد عنصر ضمن مؤسسة، وعند سؤاله عن فك الارتباط بين إرث رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد والطائفة العلوية، قال إن الطريق يبدأ بالاعتراف والمصارحة والمكاشفة، مضيفاً أن السني عانى وأن العلوي عانى أيضاً، ومشيراً إلى وجود ثمانين ألف أرملة في طرطوس، بحسب ما ذكر.
واتهم النظام البائد باستخدام الجميع في مواجهة بعضهم بعضاً، وقال إن رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد أوحى للطائفة بأن السنة سيذبحونهم، فيما لم يُبقِ حافظ الأسد، بحسب تعبيره، رأساً في الطائفة العلوية، معتبراً أن ما سماه “العلوية السياسية” احتكرت القرار بينما كانت الدولة تستخدم أبناء الطائفة أداةً في صراعاتها. ودعا إلى بناء جسور المواطنة ونزع فتيل التحريض، محذراً من استخدام فتاوى ابن تيمية للتحريض خارج سياقاتها الخاصة، ومستشهداً برسالته إلى ملك قبرص التي طالب فيها بإطلاق أسرى اليهود والنصارى قبل المسلمين لأنهم من أهل الذمة.
وفي حديثه عن السويداء، قال الخطيب إن الدروز عرب أقحاح وإن فيهم تياراً وطنياً صافياً، لكنه اتهم إسرائيل باستغلال الأخطاء والتسلل إلى المشهد، مضيفاً أن التيار الموالي لها تصدر الساحة. وتناول ما سماه تعاطي ميليشيات الهجري، قائلاً إنه كان، بحسب وصفه، راقياً، وكاشفاً عن مبادرة اقترحت ذهاب مشايخ إلى السويداء لتقديم اعتذار معنوي والمساعدة في حل المشكلات. وأكد أن السوريين يجري اللعب بهم لدفعهم إلى كراهية بعضهم، وأنه لا مخرج لهم إلا بالالتئام مجدداً، لكنه شدد في المقابل على أن الكلام الطيب وحده لا يكفي، بل لا بد من مؤسسة تتبنى تجريم الخطاب الطائفي وتفتح ما وصفه بـ”هايد بارك” وطني للحوار الحر بلا إكراه.
وفي الشق الخارجي، وصف الخطيب الوضع مع إسرائيل بأنه معقد، مؤكداً أنه لا يقبل بسلام يحرمه من بناء القوة، وأن الأمن يجب أن يكون متبادلاً وعلى قاعدة الندية. وقال إنه عُرض عليه ضمان أمن إسرائيل مقابل بديل سياسي ورفض ذلك، كما أشار إلى أن الروس أبلغوه أنهم لن يخرجوا من سوريا ولو قامت حرب عالمية ثالثة، وأن هناك قراراً دولياً بعدم إسقاط النظام البائد، مضيفاً أنهم رفضوا تزويد المعارضة بصواريخ “ستينغر” لمواجهة الطيران. كما كشف أنه التقى وزير الخارجية الإيراني علي صالحي مرة واحدة في محاولة لحقن الدماء، معتبراً أن التواصل مع مختلف الأطراف من أصول العمل السياسي الصحيح، وقال إنه استشار في ذلك عصام العطار والشيخ سرور زين العابدين، وإنهما لم يعترضا سياسياً أو شرعياً.
وعند سؤاله عن مقالته الشهيرة “هل ستشرق الشمس من موسكو”، قال الخطيب إن المقالة كانت استفهامية في أصلها، وإن من وصفهم بالمفترين حذفوا كلمة “هل”، مضيفاً أن شمس الحرية لن تشرق إلا بأيدي أبناء سوريا. وختم برسالته الأخيرة إلى السوريين، مستعيداً العبارة التي قال إنه وجهها منذ اليوم الأول، ومفادها: “أيها السوريون.. أحبوا بعضكم”.
١٢ مارس ٢٠٢٦
أكّد بيان سوري أردني مشترك صدر في دمشق، اليوم الخميس 12 آذار 2026، تعزيز التعاون الثنائي في المجالات السياسية والأمنية والدفاعية، ومواصلة التنسيق في مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح.
وجاء البيان عقب استقبال الرئيس أحمد الشرع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي، يرافقه رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف الحنيطي ومدير المخابرات العامة اللواء أحمد حسني، وذلك بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ووزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وخلال اللقاء نقل الصفدي تحيات الملك عبدالله الثاني إلى الرئيس الشرع، مؤكداً وقوف المملكة إلى جانب سوريا والحرص على تعزيز العلاقات الأخوية التاريخية بين البلدين، فيما بعث الرئيس الشرع تحياته إلى الملك عبدالله الثاني، مشدداً على عمق العلاقات بين دمشق وعمّان والحرص على تطويرها وتوسيع مجالات التعاون بما يخدم مصالح البلدين والشعبين.
وتناولت المباحثات التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين، حيث أكد الجانبان استمرار التنسيق في مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح، من خلال آليات العمل المشتركة التي أسسها البلدان خلال الفترة الماضية.
كما أعرب أسعد حسن الشيباني وأيمن الصفدي عن ارتياحهما للتطور الذي تشهده العلاقات الأخوية بين البلدين في مختلف المجالات، مؤكدين أهمية مواصلة الجهود المشتركة لتوسيع التعاون، ومتابعة ما تحقق من خطوات في قطاعات الاقتصاد والتجارة والنقل والمياه والطاقة، إضافة إلى مجالات الدفاع والأمن.
وفي هذا الإطار كلف الوزيران مسؤولي الارتباط في وزارتي خارجية البلدين التحضير لعقد الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى في عمّان قريباً، استكمالاً لأعمال المجلس الذي عقد اجتماعه الأول في 20 أيار 2025.
كما أكد الصفدي دعم المملكة لجهود الحكومة السورية في عملية إعادة البناء والتعافي والتنمية، بما يضمن وحدة سوريا وأمنها واستقرارها وسيادتها وسلامة مواطنيها ويحفظ حقوق جميع السوريين.
وتناول الاجتماع كذلك تطورات التصعيد في المنطقة، حيث ناقش الجانبان تداعيات الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، مؤكدين إدانة هذه الاعتداءات على أراضي المملكة الأردنية وعلى دول الخليج العربي.
وجدد الوزيران إدانتهما الغارات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، معتبرين أنها تمثل خرقاً للقانون الدولي واعتداءً على السيادة السورية وتهدد أمن واستقرار المنطقة، مع التأكيد على ضرورة انسحاب إسرائيل إلى خطوط اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
واختُتمت المباحثات بالتأكيد على مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين على مختلف المستويات الثنائية والإقليمية بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
١٢ مارس ٢٠٢٦
مثل سالم ميشيل السالم، العقيد السابق في إدارة الاستخبارات التابعة لسلاح الجو السوري في عهد رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد، أمام محكمة بريطانية في لندن عبر دائرة تلفزيونية، بعدما وُجّهت إليه تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتعذيب وقتل، على خلفية دوره في قمع الاحتجاجات في دمشق عام 2011.
وظهر السالم، البالغ من العمر 58 عاماً ويقيم حالياً في بريطانيا، خلال جلسة استماع عقدتها محكمة ويستمنستر الجزئية في لندن من منزله، فيما بدا جالساً طوال الجلسة وهو يرتدي قناع أوكسجين أو جهاز تنفس، وأُبلغت المحكمة أنه يعاني من مرض تنكسي في الخلايا العصبية الحركية، أو ما وُصف أيضاً بمرض العصبون الحركي الذي يبدأ في العمود الفقري، وأن حالته الصحية سيئة إلى حد أنه لم يتمكن حتى من تأكيد اسمه بنفسه.
ويواجه السالم سبع تهم، تشمل ثلاث تهم قتل مصنفة على أنها جرائم ضد الإنسانية، وتتعلق بوفيات وقعت في أبريل/نيسان ويوليو/تموز من عام 2011، ضمن ما قالت هيئة الادعاء البريطانية إنه هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين مع علم المتهم بطبيعة ذلك الهجوم.
كما يواجه ثلاث تهم أخرى تتعلق بالتعذيب في حوادث وقعت خلال عامي 2011 و2012، إلى جانب تهمة واحدة تتعلق بالمساعدة في القتل بوصفها أيضاً جريمة ضد الإنسانية.
وترتبط هذه التهم، بحسب ما عُرض أمام المحكمة، بأحداث شهدتها دمشق في عامي 2011 و2012، من بينها مقتل متظاهرين في الثاني والعشرين من أبريل/نيسان 2011، عند إطلاق النار، وفق الادعاء، على محتجين كانوا يطالبون بالإفراج عن سجناء.
وقال ممثلو الادعاء البريطانيون إن السالم كان عقيداً في جهاز المخابرات الجوية السورية، ومسؤولاً عن فرع المعلومات في منطقة جوبر شرق وسط دمشق، وإنه كان يقود مجموعة كُلّفت بقمع الاحتجاجات التي كانت تقع في الغالب خلال صلاة الجمعة.
وأضاف الادعاء أن السالم أعطى رجاله أوامر بإطلاق النار على المحتجين، ما أدى إلى مقتل عدد منهم، كما قال إنه كان حاضراً أو مشاركاً في تعذيب رجال داخل مبنى فرع المعلومات.
ولم يتحدث المتهم خلال الجلسة، كما لم تُقدَّم أي إشارة إلى الكيفية التي سيدافع بها عن نفسه في مواجهة التهم المنسوبة إليه.
وقال محامي السالم، شون كولفيلد، للمحكمة إن موكله في حالة صحية سيئة للغاية، حتى إنه لا يستطيع تأكيد اسمه، كما طلب فريق الدفاع إصدار أمر بحجب هوية السالم ومنع ذكر اسمه في وسائل الإعلام، بحجة أن كشف هويته قد يشكل خطراً على سلامته ويعرضه للخطر، غير أن كبير القضاة في إنجلترا، بول غولدسبرينغ، رفض الطلب، قائلاً إن احتمال أن يثير الأمر مشاعر عدائية وقلقاً شديدين لدى الناس ليس، ولم يكن يوماً، سبباً كافياً للتراجع عن مبدأ علنية العدالة، مع إصداره أمراً بعدم الإفصاح عن عنوان إقامة المتهم.
وكان السالم قد أُلقي القبض عليه للمرة الأولى في وسط إنجلترا في ديسمبر/كانون الأول 2021، فيما ذكرت هيئة الادعاء البريطانية أن التهم السبع وُجهت إليه بموجب قانون بريطاني يتيح ملاحقة الجرائم الدولية الخطيرة المرتكبة خارج المملكة المتحدة.
وأكدت الهيئة أن هذه هي المرة الأولى التي تُوجَّه فيها في بريطانيا تهم قتل مصنفة كجرائم ضد الإنسانية.
وقرر القاضي إبقاء السالم مفرجاً عنه بكفالة إلى حين مثوله مجدداً يوم الجمعة المقبل أمام المحكمة الجنائية المركزية في لندن، المعروفة باسم “أولد بيلي”. وقد كُشف اسمه علناً للمرة الأولى خلال هذه القضية، بعدما رفضت المحكمة طلب الدفاع منع نشر هويته. وتمت مراعاة دليل المعايير التحريرية وضبط الجودة في هذه الصياغة. 
١١ مارس ٢٠٢٦
أعاد قرار قضائي بريطاني فتح النقاش حول ملف المواطنين البريطانيين الموجودين في مخيمات شمال شرقي سوريا، بعد أن أمرت محكمة مختصة وزارة الداخلية بإعادة النظر في قرار منع عودة امرأة بريطانية محتجزة مع طفلها في أحد تلك المخيمات، وجاء الحكم بعد أن اعتبر القضاة أن الحكومة لم تقدم مبررات قانونية كافية لرفض السماح لها بالعودة إلى المملكة المتحدة.
ووفق تقرير نشرته مجلة "بوليتيكو"، فإن القضية تتعلق بامرأة في الأربعينيات من عمرها، جُرّدت من جنسيتها البريطانية بعد سفرها إلى سوريا عام 2014 خلال فترة سيطرة تنظيم "داعش"، وتعيش المرأة حالياً في مخيم الروج شمال شرقي سوريا مع ابنها البالغ عشرة أعوام، بعد إصابتها في عام 2019 بغارة جوية أدت إلى إصابتها بإعاقة عصبية دائمة شملت شللاً في الجانب الأيمن من جسدها، ما جعلها بحاجة إلى رعاية طبية مستمرة.
وأظهرت وثائق قضائية أن لجنة الطعون الخاصة بقضايا الهجرة رأت أن قرار الحكومة السابق لم يتضمن أسباباً كافية تبرر رفض عودة المرأة، ما دفع المحكمة إلى إلغاء القرار وإلزام وزارة الداخلية باتخاذ قرار جديد بشأن قضيتها. ومع ذلك، أكدت وزارة الداخلية البريطانية أنها تدرس الحكم القضائي، مشددة على أن أولويتها تبقى حماية الأمن القومي وسلامة المواطنين.
وتسلط هذه القضية الضوء على الجدل المستمر داخل بريطانيا بشأن كيفية التعامل مع مواطنيها الذين توجهوا إلى مناطق سيطرة تنظيم "داعش" خلال السنوات الماضية، ففي حين اختارت دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا إعادة عدد من مواطنيها من المخيمات والسجون في شمال شرقي سوريا، اتبعت بريطانيا نهجاً أكثر تشدداً عبر رفض استقبال معظم النساء والأطفال الذين عاشوا في مناطق التنظيم.
وتشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن نحو 15 امرأة بريطانية و30 طفلاً ما زالوا يقيمون في مخيمات شمال شرقي سوريا، أبرزها مخيم الروج الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. كما تبرز بين الحالات المعروفة قضية شاميما بيغوم التي سافرت إلى سوريا وهي في سن الخامسة عشرة، ولا تزال قضيتها محور جدل قانوني وسياسي داخل المملكة المتحدة.
ويرى مراقبون أن القرار القضائي الأخير قد يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لسياسات الحكومة البريطانية تجاه مواطنيها المحتجزين في تلك المخيمات، خاصة في ظل الدعوات الدولية لإعادة الأطفال والنساء لأسباب إنسانية وأمنية على حد سواء.
وتحذر تقارير دولية من أن استمرار بقاء الآلاف في هذه المخيمات قد يسهم في خلق بيئة خصبة للتطرف، خصوصاً مع وجود نسبة كبيرة من الأطفال الذين نشأوا في ظروف إنسانية وأمنية معقدة.