مجتمع
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
الذهب والليرة السورية في الديون: جدلية السداد بين النص القانوني والواقع الاقتصادي

مع الهبوط الحاد في قيمة الليرة السورية، والارتفاع الكبير في أسعار الذهب، برزت إشكاليات متزايدة تتعلق بالديون بين الأفراد، خاصة في الحالات التي استُدينت فيها مبالغ مالية قبل سنوات، ثم فقدت قيمتها مع تراجع العملة، هذا الواقع خلق نزاعات بين الدائنين والمدينين حول آلية السداد وقيمة الدين، ما يسلّط الضوء على كيفية تعامل القانون السوري مع هذه الحالات.

العقد شريعة المتعاقدين 

وقال الأستاذ علي محمد إسكان، المحامي والباحث في السياق القانوني والحقوقي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن العقد يُعد شريعة المتعاقدين، وبالتالي فإن ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف هو ما يُعتد به وينفذ لاحقاً، شريطة أن يكون متوافقاً مع القوانين النافذة في سوريا.

وأوضح أنه على سبيل المثال، في حال اقتراض شخص مبلغاً مالياً من آخر بالدولار الأمريكي، فإن الطرفين يكونان قد وقعا في مخالفة قانونية تتعلق بالتعامل بغير الليرة السورية، وذلك قبل سقوط النظام السابق.

وبيّن أن المحاكم لا تنظر في أي دعوى أو قضية إلا بناءً على ادعاء شخصي يقدمه الدائن في حال امتناع المدين عن السداد، أو في حال تقديم دعوى بشكل قانوني أمام المحاكم السورية، وذلك وفقاً لأحكام القانون المدني السوري، ولفت إلى أن المحاكم تعتمد في هذا السياق مبدأين أساسيين، وهما:

المبدأ الأول: هو الوفاء بالمثل، وهو يعني أن عملية سداد الديون والالتزامات المالية تكون وفق ما تم الاتفاق عليه، فيما لو كان هناك عقد اتفاق بين الطرفين، ويعني أيضاً أن يتم السداد وفق المبلغ الأساسي، بغض النظر عن تراجع قيمة الليرة السورية.

 وذكر مثال توضيحي: استدان سامر من سامي بموجب عقد كتابي مبلغ 25 مليون ليرة سورية، فهنا يقع على عاتق سامر سداد المبلغ وفق العقد، وهو مبلغ 25 مليون ليرة سورية، بغض النظر عن قيمة العملة في لحظة السداد.

وأشار اسكان إلى أنه خلال سنوات الثورة وانهيار قيمة الليرة السورية، أخذت بعض المحاكم ببعض المواد والقواعد القانونية للموازنة بين قيمة الديون والالتزامات المالية وقيمة الليرة، مثل نظرية الظروف الطارئة، وهي نظرية مرهقة لجميع الأطراف.

وبيّن أنه يمكن للمحاكم تحقيق التوازن في الديون من خلال قاعدة التعويض عن الضرر في حال تأخر المدين عن سداد ديونه أو التزاماته لفترة طويلة نسبياً، مما يلحق ضرراً بالغاً بالدائن، موضحاً أن هذه إجراءات استثنائية وليست القاعدة الأصلية التي تؤكد على مبدأ الوفاء بالمثل.

تأثير الانهيار الاقتصادي على النزاعات المالية

وأشار إلى أنه في بعض الحالات الاستثنائية يمكن للمحكمة النظر في الظروف الاقتصادية، خاصة في حالات الانهيار المستمر والطويل، حيث قد تتسم بعض الاجتهادات القضائية بالمرونة في ما يتعلق بتقدير حالات التأخير أو الامتناع عن السداد، مع التأكيد على ضرورة أن يكون الامتناع مقترناً بأدلة وإثباتات قانونية.

ونوّه إلى أنه يمكن للمحاكم تقدير التعويض المناسب في حال إثبات تأخر المدين عن السداد لفترة طويلة نسبياً، بما قد يشير إلى استفادته من انهيار قيمة الليرة السورية، كما يمكن تطبيق نظرية الظروف الطارئة في بعض الحالات، لكنه أشار إلى أن هذا النوع من القضايا والنزاعات المالية يلحِق ضرراً كبيراً بالدائن نتيجة تراجع قيمة الليرة السورية، في حين أن تمسك الطرف الآخر بالعقد، في حال وجوده، يمنحه الحق القانوني في ذلك.

وذكر أنه في العادة تنشأ العديد من الإشكاليات والنزاعات بين الدائن والمدين نتيجة الضرر الكبير الذي قد يلحق بالدائن بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية، حيث يتعرض في بعض الحالات لضرر فعلي نتيجة فقدان الليرة السورية لقيمتها، ولا سيما عند الانخفاض الحاد للعملة، بحيث يصبح المبلغ المحصّل وكأنه لم يكن، ما يعرضه لخسارة مالية، وفي المقابل، أشار إلى أن الأمر ذاته قد ينعكس على المدين في حال جرى الوفاء بالقيمة مع احتساب الفارق بين قيمة الدين وقت التعاقد وقيمة السداد.

التعامل القانوني مع الديون المرتبطة بالذهب

وتحدث الحقوقي إسكان لـ "شام" عن بعض الحالات التي يتم فيها الاتفاق على الديون بالذهب بدلاً من الليرة السورية، موضحاً أن القانون يعامل الذهب في هذه الحالة على أساس قاعدة «مقياس قيمة»، أي أنه في حال اتفاق الدائن والمدين على كمية محددة من الذهب، فإن الالتزام يُعد متعلقاً بشيء عيني ومحدد بالذات وليس مبلغاً مالياً، وبناءً عليه، يكون المدين ملزماً برد ذات كمية الذهب المتفق عليها، وليس ما يعادل قيمتها بالليرة السورية وقت السداد، بغض النظر عن قيمة الذهب بالليرة السورية عند الاتفاق أو عند السداد.

وأكد أنه في حال تغيّر سعر الذهب بشكل كبير بين وقت الاتفاق ووقت السداد، فإن الأثر ينعكس على حقوق الدائن والمدين ضمن ما تم الاتفاق عليه بينهما، وأوضح أنه إذا كان الاتفاق على كمية محددة من الذهب، فيجب أن يتم السداد بذات الكمية وبنفس عيار الذهب المتفق عليه، ولا يمكن من حيث المبدأ سداد قيمته النقدية وفق سعر وقت الاتفاق.
 
وأشار إلى أنه في حال كانت الديون بالذهب، فإن هناك عدداً من الحالات التي تتعامل معها المحاكم. ففي حال كان الدين محدداً بالكمية والنوعية، فإنه يجب سداد الدين بالمثل وفق الاتفاق، حيث تُلزم المحكمة المدين برد الدين بذات الكمية أو بقيمة الذهب وقت الوفاء حصراً.

كما تحدث عن حالة أخرى عندما يرتبط الدفع بالليرة السورية مع ربط ضمني بالذهب، وهو ما يتطلب أن يُنص على ذلك صراحة في الاتفاق، مثل عبارة «ما يعادله من ذهب». وفي هذه الحالة تنظر المحكمة إلى نية أطراف العقد وطريقة صياغته لتحديد الالتزام القانوني.

أهمية الصياغة القانونية الدقيقة للعقود

وأكد أن هذه الحالات تُعد من المسائل التي تستوجب دراسة تفصيلية دقيقة، نظراً لتعدد جوانبها وتنوع الاجتهادات القضائية المتعلقة بها، مشيراً إلى ضرورة صياغة العقود والاتفاقات بشكل مفصل ومن خلال محامين مختصين، تجنباً للنزاعات والإشكاليات والخلافات.

ووجّه نصائح للأشخاص لتجنّب الخلافات القانونية الناتجة عن تغيّر قيمة الدين مع الوقت، من بينها تحديد قيمة الديون في العقود والاتفاقات بشكل واضح ومفصل، وعدم استدانة مبالغ كبيرة لا يمكن سدادها في الوقت المحدد، إلى جانب تحديد آجال قصيرة للسداد، وإمكانية استخدام مؤشر القيمة مثل ربط الدين بالذهب، ومثال ذلك أن يكون الدين معادلاً لـ50 غراماً من الذهب عيار 20 تُدفع قيمتها يوم استحقاق الدين.

وأكد المحامي علي محمد اسكان في ختام حديثه أنه من المهم والضروري أن تُكتب عقود الديون عبر محامين مختصين من ذوي الخبرة، نظراً لما تتضمنه من تفاصيل دقيقة ومهمة تؤثر بشكل مباشر على الحقوق والالتزامات.

اقرأ المزيد
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
ضغوط العمل وتداعياتها على الأداء والصحة النفسية والجسدية للعاملين

يشهد العديد من العاملين في بيئات مختلفة مستويات متزايدة من ضغوط العمل التي تنعكس على الأداء والصحة النفسية والجسدية على حد سواء، وتتراوح بين عوامل مرتبطة بطبيعة المهام وتراكمها، وأخرى تتعلق ببيئة العمل والدعم المتاح داخلها، ما يجعل فهم أسبابها وآثارها وطرق التعامل معها ضرورة أساسية للحفاظ على التوازن المهني والشخصي.

وتتفاوت مستويات تأثير ضغوط العمل بين الأفراد تبعاً لطبيعة المهام الموكلة إليهم، ودرجة التعقيد والتراكم في تلك المهام، إضافة إلى طبيعة بيئة العمل وما توفره من دعم أو ما قد تشهده من ضغوط تنظيمية، فضلاً عن الظروف الشخصية والمهنية التي تحيط بكل حالة، الأمر الذي ينعكس بتباين واضح في كيفية الاستجابة لهذه الضغوط والتعامل معها.

ضغوط العمل بين التحفيز الطبيعي وتفاقمها في بيئات العمل غير الداعمة

وقال أيوب حميدة، مدير الحالة في قسم الصحة النفسية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن ضغوط العمل تمثل استجابة نفسية وجسدية تحدث عندما تتجاوز متطلبات العمل قدرة الفرد على التكيف، وأوضح أنها قد تكون استجابة طبيعية في بعض الحالات، وقد تنعكس بشكل إيجابي عندما تسهم في تحفيز الأداء ورفع مستوى الإنتاجية.

وأضاف أن ضغوط العمل تتحول إلى إشكالية عندما تستمر لفترات طويلة دون فترات راحة كافية، ما يؤدي إلى تراجع الأداء بدلاً من تحسينه، مشيراً إلى أن أبرز العوامل التي تسهم في زيادة هذه الضغوط تتمثل في تراكم المهام وعدم وضوح الأولويات.

ولفت إلى أن بيئة العمل تؤدي دوراً محورياً في تفاقم ضغوط العمل، ولا سيما عندما تتسم بالسلبية أو تفتقر إلى عناصر الأمان الوظيفي. كما أشار إلى أن العمل لساعات طويلة، إلى جانب ضعف الدعم الاجتماعي داخل الفريق والشعور بعدم التقدير، جميعها عوامل تسهم في زيادة مستوى الضغط لدى العاملين.

مؤشرات الإرهاق الوظيفي وانعكاساته النفسية والجسدية والاجتماعية

وبيّن أيوب حميدة أن الفرد يصل إلى مرحلة الإرهاق الوظيفي عندما تتراكم عليه المهام وتتزايد حالات التأجيل والتسويف، ما يؤدي إلى شعور الموظف بالإجهاد الجسدي والنفسي، ويترتب على ذلك انخفاض في مستوى الإنتاجية.

وأضاف أن من أبرز العلامات الدالة على ذلك: التعب الذهني، الشرود، وصعوبة التركيز، إلى جانب الانفعالية والعصبية لأسباب بسيطة، فضلاً عن انخفاض الأداء الوظيفي، والانسحاب الاجتماعي، وتبلّد المشاعر، كما قد تظهر أعراض جسدية تشمل الصداع، وآلام الرقبة والكتفين، واضطرابات هضمية، إضافة إلى الأرق ومشكلات في النوم.

وتحدث عن التأثيرات النفسية التي قد تنجم عن استمرار ضغوط العمل، ومنها القلق والاكتئاب والتوتر والانفعال الزائد، إضافة إلى انخفاض تقدير الذات واضطرابات النوم، ولفت إلى أن هذه الضغوط لا تبقى محصورة في بيئة العمل، بل تمتد إلى الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية، حيث تؤدي إلى ضعف في التواصل، وبرود وإهمال في العلاقات الاجتماعية والعائلية، إلى جانب سرعة الغضب والانفعالية، والعزلة الاجتماعية.

وأشار حميدة إلى أن الضغوط قد تترك آثاراً جسدية تظهر على شكل صداع مزمن، واضطرابات في النوم، إلى جانب آلام في العضلات ومشكلات في الجهاز الهضمي.

استراتيجيات عملية لتحقيق التوازن النفسي والتخفيف من ضغوط العمل

وأكد حميدة أنه يمكن للفرد تحقيق توازن بين متطلبات العمل والحفاظ على صحته النفسية من خلال إدارة الوقت، ووضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، إضافة إلى تخصيص وقت للراحة، وممارسة الرياضة والأنشطة الممتعة.

إرشادات للوقاية من ضغوط العمل ومؤشرات تستدعي التدخل النفسي المختص

ونصح الموظفين والعاملين بمجموعة من الخطوات العملية للتخفيف من ضغوط العمل والوقاية من الإرهاق، تمثلت في أخذ فترات استراحة قصيرة يومياً، وترتيب المهام وفق الأولوية، إلى جانب ممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس، والمواظبة على نشاط بدني يومي، إضافة إلى تخصيص وقت لقضائه مع العائلة والأصدقاء بشكل أسبوعي.

وذكر الحالات التي تستدعي اللجوء إلى مختص نفسي، ومنها استمرار الأعراض لأكثر من عدة أسابيع مع تدهور واضح، أو حدوث نوبات قلق شديدة أو هلع، إلى جانب الأعراض الاكتئابية مثل الانخفاض الحاد في المزاج، وفقدان المتعة، وتكرار الأفكار السلبية.

 كما تشمل اضطرابات النوم الملحوظة التي لا تتحسن بتنظيم بسيط، وتأثيراً كبيراً على الوظيفة والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى الأفكار المؤذية للنفس أو الشعور بفقدان السيطرة، فضلاً عن وجود تاريخ سابق لاضطرابات القلق أو الاكتئاب.

ويرى مختصون أن التعامل مع ضغوط العمل يتطلب بناء بيئة مهنية داعمة داخل المؤسسات، تقوم على وضوح المهام وتوزيعها بشكل عادل، وتعزيز التواصل بين أفراد الفريق، بما يحدّ من تراكم الضغط على العاملين. كما يشيرون إلى أن وجود ثقافة مؤسسية قائمة على التقدير والدعم النفسي يسهم بشكل مباشر في تقليل مستويات التوتر وتحسين الأداء العام.

تعكس ضغوط العمل واقعاً متزايد الحضور في بيئات العمل المختلفة، وتتباين مستويات تأثيرها تبعاً لطبيعة المهام والظروف المحيطة بكل فرد. كما تمتد انعكاساتها لتشمل الجوانب النفسية والجسدية والاجتماعية، ما يجعلها قضية مرتبطة بجوانب متعددة من حياة العاملين اليومية.

اقرأ المزيد
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
الألعاب العنيفة وتأثيرها على سلوك الأطفال: بين التحذير العلمي ودور الأسرة في المواجهة

مع انتشار الألعاب الإلكترونية بين الأطفال، يزداد الجدل حول تأثير المحتوى العنيف على سلوكهم، خاصة في ظل قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، وبين التحذيرات التربوية والدراسات العلمية، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول حدود هذا التأثير ودور الأسرة في التعامل معه.

وقال الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي وباحث في المناهج وطرائق التدريس في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الأصل العلمي هنا أن يُقال: ليست كل لعبة عنيفة تُنتج طفلاً عدوانياً، لكن التعرّض المتكرر للمحتوى العنيف قد يتحول إلى عامل خطر مهم، خاصة عندما يترافق مع ضعف الرقابة الأسرية، وكثرة ساعات الشاشة، والهشاشة الانفعالية، والعزلة الاجتماعية، وغياب الحوار والتفريغ النفسي.

وأضاف أن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تذكر أن عقوداً من البحث تربط العنف الافتراضي بارتفاع الأفكار والمشاعر والسلوكات العدوانية عند الأطفال، كما أن دراسات حديثة ما تزال تجد ارتباطاً موجباً بين التعرض للعنف الإعلامي وبين العدوان، وإن كان حجم الأثر يختلف من دراسة إلى أخرى.

وأشار إلى أن هذه الألعاب تنعكس على تصرفات الطفل اليومية وتعاملاته مع الآخرين في عدة صور: سرعة الاستثارة، وضعف الصبر، إلى جانب ارتفاع الحساسية للاستفزاز، والميل إلى حل الخلاف بالقوة أو التهديد، إضافة إلى تراجع التعاطف، والاعتياد على الألفاظ الخشنة، عدا عن تحول اللعب من مساحة متعة إلى تدريب متكرر على الاستجابة العنيفة.

وبيّن أن بعض الأطفال لا يظهرون عدواناً مباشراً، لكن يظهر عليهم التبلد تجاه الألم، أو الضحك على الإيذاء، أو التقليد الحركي واللفظي للمشاهد التي شاهدوها، ما يجعل التعامل مع المسألة ليس كترفيه محايد دائم، بل خبرةً تربويةً متكررة قد تبني في الذهن “نموذجاً سلوكياً” جاهزاً للاستدعاء عند الغضب.

وأوضح الدكتور كنعان لـ "شام" أن هذه الألعاب تؤدي إلى زيادة السلوك العدواني عند بعض الأطفال، وأن الآلية التربوية المفهومة في هذه الحالة تقوم على ثلاثة مسارات: أولاً، التعلم بالملاحظة والتقليد؛ فالطفل يرى نموذجاً يضرب أو يهدد أو ينتصر بالعنف، فيتعلم أن هذا سلوك فعال، ثانياً، التكرار؛ فكلما تكرر المشهد خفّ استنكاره له، وثالثاً، التفاعل؛ فاللعبة ليست مشاهدة فقط، بل مشاركة وتنفيذ ومكافأة على الفعل العنيف، وهذا قد يجعل الأثر أعمق من مجرد المشاهدة السلبية.

وذكر أن دراسة طولية منشورة عام 2025 تابعت 259 طالباً في المرحلة الإعدادية على ثلاث موجات خلال سنة كاملة، وُجدت فيها علاقة تبادلية موجبة بين التعرض للعنف الإعلامي والعدوان؛ فالتعرض الأعلى تنبأ بعدوان أعلى لاحقاً، كما أن العدوان المرتفع ارتبط لاحقاً بمزيد من التعرض للعنف الإعلامي.

وفي المقابل، هناك دراسات أحدث تشكك في تضخيم أثر الألعاب العنيفة وحدها، وتدعو إلى قراءة أوسع تأخذ في الحسبان الشخصية والبيئة والعلاقات الأسرية، لهذا فالموقف العلمي المنضبط هو: نعم، هناك خطر معتبر، لكن ليس بشكل ميكانيكي وبسيط.

وفيما يتعلق بالفئة العمرية الأكثر تأثراً بهذه الألعاب، أشار الدكتور عماد إلى أن الأطفال غالباً هم الأكثر هشاشة في الطفولة المبكرة والمتوسطة، ثم بدايات المراهقة، مضيفاً أن في السنوات الأولى يكون الخيال والواقع أقل تمايزاً، والقدرة على الضبط الذاتي والنقد الأخلاقي ما تزال في طور التكوين، وفي بدايات المراهقة يزداد التأثر بالمثيرات والانفعال والبحث عن الإثارة والانتماء والتقليد.

ونوّه إلى دراسة حديثة استندت إلى بيانات طولية من كيبيك تابعت 975 بنتاً و987 ولداً، وركزت على الأعمار من 4 إلى 6 سنوات، وخلصت إلى وجود ارتباط موجب بين التعرض المبكر للمحتوى العنيف وتطور العدوان الانفعالي أو التفاعلي، مع دلالة واضحة على أن الاكتفاء بالرقابة المتأخرة بعد ظهور المشكلة ليس كافياً، ولفت إلى أن الدراسة الصينية الطولية تذكر أن مرحلة الإعدادية مرحلة حساسة فعلاً لهذا النوع من التأثيرات.

وأكد كنعان أن دور الأهل ليس المنع الأعمى فقط، بل القيادة التربوية الواعية، فالمطلوب من الوالدين أن يعرفا: ماذا يلعب الطفل؟ مع من؟ كم ساعة؟ ما طبيعة المكافآت داخل اللعبة؟ هل تقوم على القتل، أو السخرية، أو السرقة، أو الانتقام، أم على البناء والتعاون والتفكير؟

وشدد على عدم ترك الطفل وحده أمام الشاشة بحجة أنه “هادئ”، لأن بعض الهدوء الظاهر يكون في الحقيقة اندماجاً مقلقاً وانفصالاً تدريجياً عن الواقع، منوهاً إلى أن اليونيسف دعت بوضوح إلى تعليم الأطفال الثقافة الرقمية والأمان الرقمي، وإلى دعم الوالدين ببرامج تربية إيجابية، مع توفير تدخلات متخصصة للأطفال الذين تظهر لديهم سلوكيات مؤذية.

وفيما يتعلق بإمكانية تمييز الأهل بين الألعاب المناسبة وغير المناسبة لأطفالهم، أشار إلى وجود معايير عملية بسيطة، فاللعبة غير المناسبة هي التي تُكافئ على القتل أو الإيذاء، أو تُطبّع مع الشتائم والإهانة، أو تسمح بتواصل مفتوح غير مضبوط مع غرباء، أو تدفع إلى الإدمان عبر ساعات طويلة ومهام لا تنتهي، أو تحتوي على إثارة مفرطة لا تناسب عمر الطفل.

أما اللعبة المناسبة فهي التي تراعي العمر، وتنمي التفكير أو التعاون أو الإبداع أو حل المشكلات، وتكون خالية من العنف الفج أو الإثارة الجنسية أو اللغة السوقية، ويمكن للأهل فهم محتواها ومتابعته بسهولة، والمهم جداً ألا يكتفي الأهل باسم اللعبة أو شهرتها، بل يشاهدوا فعلياً دقائق من اللعب أو يجربوها بأنفسهم، كما أن الإشارات العمرية والتصنيفات تساعد، لكنها لا تكفي وحدها من دون متابعة أسرية واعية.

وأكد أن أفضل بديل ليس “إبعاد الشاشة” فحسب، وإنما “ملء الفراغ بما هو أجمل”، لذلك ينصح بستة بدائل عملية، وهي: الرياضة المنتظمة، خاصة ما يفرغ الطاقة ويعلم الانضباط، والألعاب الجماعية التعاونية لا التنافسية فقط، إلى جانب القراءة القصصية والحوار حول الشخصيات والقيم، والأنشطة الفنية كالرسم والتركيب والأعمال اليدوية والتمثيل الهادف، فضلاً عن المهام المنزلية الصغيرة التي تعزز المسؤولية، والصحبة الطيبة والأنشطة المجتمعية والكشفية.

وأوضح أن الطفل إذا وجد متعة بديلة، وانتماءً حقيقياً وفرصة نجاح محسوسة، يقلّ تعلّقه بالعنف الافتراضي، وهنا يتم الاستفادة من التوجيهات المعاصرة في التربية الإيجابية، ومن فكرة دويك الشهيرة بأننا نمدح الجهد والاستراتيجية والمثابرة، لا مجرد “الذكاء” كصفة جامدة؛ لأن بناء الطفل من الداخل يقلل حاجته إلى التعويض العدواني من الخارج.

ووجّه الدكتور عماد كنعان مجموعة من النصائح للأهالي، تتمثل بـ: عدم جعل الهاتف أو الجهاز مربّياً بديلاً، ووضع وقت يومي محدد للشاشات، ووقت آخر خالٍ منها قبل النوم، إلى جانب مراقبة المحتوى قبل الوقت؛ فالمشكلة ليست في عدد الساعات فقط، بل في نوع المادة.

وأشار إلى ضرورة اللعب مع الطفل ومتابعة الألعاب التي يشاهدها، للتعرف على عالمه، وملاحظة العلامات التحذيرية، كالألفاظ العدوانية، وتقليد إطلاق النار، والتلذذ بالإيذاء، والعصبية بعد المنع، والعزلة، واضطراب النوم، فضلاً عن تعليم الطفل تسمية مشاعره: غضب، خوف، غيرة، إحباط؛ لأن الطفل الذي يعبّر أقلّ عنفاً من الطفل الذي ينفجر.

ونوّه إلى أهمية ربط الانضباط بالشرح والاحتواء، لا بالصراخ وحده، وبناء علاقة حوار يومية قصيرة لكن ثابتة، فالوقاية تبدأ قبل المشكلة، وشدد على وجوب استشارة مختص نفسي أو تربوي مبكر في حال ملاحظة تحول سلوكي واضح ومستمر، إلى جانب حماية الطفل من اجتماع ثلاثة أشياء معاً: محتوى عنيف، وعزلة طويلة، وإهمال انفعالي؛ مؤكداً أنها من أخطر التركيبات التربوية.

وأكد أن الألعاب العنيفة ليست السبب الوحيد في السلوك العدواني، لكنها قد تكون عامل خطر مؤثر، خاصة عند الطفل الذي يفتقد الاحتواء والرقابة والبدائل الصحية، مضيفاً في ختام حديثه أن الحماية الحقيقية لا تقوم على المنع وحده، بل على بناء عقل الطفل، وتهذيب انفعاله، وتنظيم بيئته الرقمية، وإشباعه بالحب والحوار والأنشطة النافعة.

اقرأ المزيد
١٩ أبريل ٢٠٢٦
مرض الجرب: بين طرق العدوى وإجراءات الحد من انتشاره

تصدر الحديث مؤخراً عن مرض الجرب في سوريا منصات التواصل الاجتماعي، عقب تسجيل حالات داخل مشفى المجتهد في العاصمة دمشق، حيث قدّم أحد مسؤولي المشفى توضيحاً حول عدد الإصابات المسجلة والعوامل التي ساهمت في ظهورها داخل المشفى.

فيما بعد انتشرت أنباء عن وجود حالات لهذا المرض في مناطق أخرى من البلاد، ما أثار حالة من القلق والمخاوف لدى الأهالي، ومع تصاعد المخاوف المرتبطة بهذا المرض، تبرز أهمية الإحاطة بطبيعته بشكل علمي، والتعرّف على أساليب انتشاره وطرق الوقاية منه، بعيداً عن الشائعات أو المعلومات المبالغ فيها.

ماهو مرض الجرب؟

وبحسب دراسات طبية يُعد الجرب، المعروف علمياً باسم (Scabies)، من الأمراض الجلدية المعدية التي يسببها طفيل دقيق يُعرف بالقارمة الجربية، وهو كائن مجهري صغير جداً لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، ويعيش هذا الطفيل على الجلد، حيث لا يكتفي بالبقاء على سطحه، بل يحفر انفاقاً دقيقة في طبقته السطحية.

وقال الممرض عبدالكريم حمدو الدرباس في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن مرض الجرب يُعد من الأمراض الجلدية التي قد تصيب مختلف الفئات العمرية، وليس بالضرورة مؤشراً على سوء نظافة الفرد أو الأسرة، مؤكداً أنه لا ينتقل عبر الحيوانات، وإنما ينتج عن انتقال طفيل العث من شخص مصاب إلى شخص سليم.

وأوضح الدرباس أن طرق انتقال العدوى المباشرة تتمثل في ملامسة جلد الشخص المصاب، أو ارتداء ملابسه، أو النوم في فراشه، مشيراً إلى أنه لا ينتقل عادةً عبر المصافحة السريعة، إذ يتطلب ذلك تلامساً جلدياً مباشراً ومطوّلاً نسبياً، أو استخدام الأغراض الشخصية للمصاب مثل الملابس أو الفراش أو المناشف.

ونوه إلى أن أعراض المرض تظهر بعد فترة من الإصابة الأولية، وقد تختلف هذه الفترة من شخص لآخر، خاصة في الحالات الأولى للإصابة، بينما قد تظهر بشكل أسرع عند من سبق له التعرض للمرض.

أسباب انتشار المرض 

وذكر أن أسباب انتشار المرض ترتبط أساساً بالتلامس الجلدي المباشر، إضافة إلى استخدام الأدوات الشخصية للمصاب مثل الفراش والمناشف وغيرها، كما يُسهم سوء الظروف المعيشية في تسريع انتشاره داخل المجتمعات، خاصة في الأماكن المغلقة أو ضعيفة التهوية التي لا تتعرض لأشعة الشمس بشكل كافٍ، والتي تكون عادةً مكتظة بالأشخاص، مثل مراكز اللجوء والسجون والملاجئ والأماكن التي يعيش فيها عدد من الأشخاص في بيئة واحدة، حيث يسهل انتقال العدوى بين الأفراد.

أما السبب الثالث فيرتبط بفترة ما قبل ظهور الأعراض، حيث يكون الشخص مصاباً دون أن يدرك ذلك، ما يجعله خلال زياراته العائلية أو تجمعاته الاجتماعية مصدراً محتملاً لنقل العدوى إلى الآخرين، وخلال هذه الفترة قد ينتقل المرض من حالة فردية إلى حالات متعددة، مع استمرار المخالطة بين الأشخاص، ما يؤدي إلى اتساع دائرة الانتشار داخل المجتمع، وقد يصل الأمر إلى تفشٍّ واضح إذا لم يتم اكتشاف المرض والسيطرة عليه وعلاجه في الوقت المناسب.

وأكد أن إهمال المرض أو عدم الالتزام بالعلاج الموصوف من قبل الطبيب وتعليمات استخدام الدواء يؤدي إلى صعوبة السيطرة عليه وإطالة مدة العلاج، كما يسهم في زيادة احتمالية انتقال العدوى إلى أشخاص آخرين من خلال المصاب نفسه، ما يوسع دائرة انتشار المرض داخل المحيط الاجتماعي.

إجراءات العزل والتعامل مع الإصابة داخل الأسرة

وشدد لـ "شام" على أنه عند ملاحظة إصابة أي فرد من العائلة بالمرض ينبغي عزله قدر الإمكان، ومراجعة الطبيب في أقرب وقت لوضع خطة علاج مناسبة، إلى جانب تخصيص ملابس وأدوات خاصة به وعدم استخدامها من قبل الآخرين حتى تمام الشفاء، وبعد انتهاء فترة العلاج، يُنصح بغسل الملابس والفراش بماء ساخن، ثم تعريضها لأشعة الشمس والهواء لضمان تقليل احتمالية بقاء الطفيل.

وأشار إلى أهمية تهوية المكان الذي كان يقيم فيه المصاب وفتح الأبواب والنوافذ للسماح بتجدد الهواء، مع الاهتمام بتنظيف الملابس والفراش، كما أوضح أن إجراءات العزل تشمل جميع أفراد الأسرة بغض النظر عن العمر، نظراً لسهولة انتقال العدوى داخل المحيط الأسري، خصوصاً في حالات كثرة المخالطة.

وبيّن أن الإصابة لدى الأطفال قد تكون أوسع انتشارًا في بعض مناطق الجسم، مثل الطيات الجلدية كالبطن وتحت الإبط وبين الفخذين، مقارنة بالبالغين.

آليات الوقاية والتعامل الطبي مع الجرب داخل المجتمع

وتناول إجراءات الوقاية، مشيراً إلى أهمية استخدام الصابون المطهّر في غسل اليدين والالتزام بالنظافة الشخصية، إضافة إلى غسل الملابس بماء ساخن أو بدرجات حرارة عالية، مع تعريضها لأشعة الشمس قدر الإمكان.

 كما شدد على ضرورة تجنب الاحتكاك المباشر بالأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض المرض، وعدم زيارتهم أو استقبالهم في المنازل، وحذّر كذلك من إرسال الأطفال المصابين إلى المدارس أو المساجد أو حلقات تحفيظ القرآن، نظراً لاحتمال نقلهم العدوى إلى الآخرين داخل التجمعات.

ونوّه إلى ضرورة تعزيز وجود المراكز الصحية والمستشفيات في المدن والقرى والبلدات، بما يسهم في تسهيل وصول المرضى إلى الخدمات العلاجية، ولا سيما في حالات الأمراض الجلدية المعدية وغيرها من الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً مبكراً.

وأكد أن التشخيص المبكر والعلاج الصحيح يسهمان في الحد من انتشار العدوى داخل المجتمع، لافتًا إلى أن علاج الجرب غالبًا لا يقتصر على الشخص المصاب فقط، بل قد يشمل المخالطين القريبين داخل المنزل. 

وأوضح أنه عند اكتشاف المرض بعد ظهور الأعراض يكون المصاب قد نقل العدوى بالفعل إلى بعض من يعيشون معه أو يشاركونه المكان، خصوصاً في البيئات المزدحمة مثل المنازل المكتظة أو أماكن الإقامة الجماعية كالمهجع والسجون وغيرها.

وشدد على ضرورة مراجعة المصاب لأقرب مركز صحي لتلقي العلاج المناسب وتشخيص المرض في أسرع وقت ممكن، بما يحدّ من احتمال انتقال العدوى إلى الآخرين، كما أكد أن الالتزام بخطة العلاج الموصوفة من قبل الطبيب والتقيد بالتعليمات يعدّان خطوة أساسية في الشفاء، مع ضرورة إكمال العلاج حتى نهايته لضمان فعاليته.

ويظل الجرب من الأمراض الجلدية المعدية التي يمكن الحد من انتشارها عند تشخيصها مبكراً والالتزام بالعلاج، بما يقلل من انتقال العدوى داخل المجتمع، كما يسهم رفع الوعي بطبيعة المرض وطرق انتقاله في تعزيز الوقاية منه، والحد من انتشاره بين الأفراد، خاصة في البيئات التي تشهد كثافة سكانية أو ظروفاً معيشية صعبة.

 

اقرأ المزيد
١٩ أبريل ٢٠٢٦
التعامل مع الطالب المشاغب في الصف بين الفهم التربوي وأساليب التوجيه الإيجابي

يمثل التعامل مع الطالب المشاغب داخل الصف أحد أبرز التحديات التي تواجه المعلم في العملية التعليمية، إذ لا يقتصر أثر هذا السلوك على سير الحصة الدراسية فحسب، بل يمتد ليؤثر على تركيز الزملاء وانضباطهم داخل البيئة الصفية، وفي ظل هذا الواقع، يبرز دور المعلم في إدارة الموقف التربوي بحكمة، من خلال أساليب تجمع بين الحزم والمرونة، بما يضمن الحفاظ على النظام من جهة، ودعم الطالب وتوجيه سلوكه من جهة أخرى.

وغالباً ما يُوصف الطالب المشاغب داخل الصف بأنه كثير الحركة وغير مستقر في مقعده، ويقوم بسلوكيات مثل مقاطعة المعلم أثناء الشرح، وإصدار ضجيج أو أصوات تشتت انتباه الآخرين، إضافة إلى القيام بحركات أو تصرفات مزعجة لزملائه، كما قد يفتقر إلى الالتزام بالقواعد الصفية، ما يؤدي إلى إرباك سير الحصة والتأثير على تركيز البيئة التعليمية داخل الصف.

دوافع السلوك المشاغب لدى الطلاب بين العوامل النفسية والأسرية والتعليمية

في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال الأستاذ عبد الرزاق الحريري، إن الطالب المشاغب يُعرَّف تربوياً من خلال سلوكيات متكررة تهدف غالباً إلى لفت الانتباه أو تنجم عن الشعور بالملل، وتشمل إثارة الفوضى، والاعتداء اللفظي أو الجسدي على الزملاء، وعدم الالتزام بالقواعد الصفية.

وأضاف أن الطالب المشاغب يتسم بسرعة الانفعال وصعوبة ضبطه داخل الصف، وغالباً ما تعود هذه السلوكيات إلى أسباب نفسية وأسرية وتعليمية؛ فالأسباب النفسية تتمثل في الرغبة في جذب الانتباه، أو الشعور بالإحباط، وعدم القدرة على الاندماج الاجتماعي أو التعبير عن المشاعر بطريقة إيجابية.

كما تتمثل بعض الدوافع في الرغبة بإثبات الذات من خلال كسر القواعد المألوفة، في حين تعود الأسباب الأسرية إلى اضطرابات داخل الأسرة، مثل الخلافات الزوجية أو الطلاق، ما يسبب عدم استقرار عاطفي يدفع الطالب إلى التمرد، إلى جانب أساليب التربية، كالقسوة في المعاملة أو انشغال الآباء عن الأبناء، الأمر الذي يؤدي إلى نقص الحنان والرعاية، ويدفع الطفل إلى البحث عن الاهتمام بطرق سلبية.

ونوّه إلى أن رغبة الطالب في تقليد الأقران المشاغبين للحصول على القبول داخل المجموعة التعليمية تلعب دوراً بارزاً، إلى جانب صعوبة الدروس وشعوره بالملل داخل الصف، إضافة إلى ضعف الأنشطة المدرسية الرياضية والفنية، فضلاً عن عدم قدرته على فهم أسلوب المعلم، ما يدفعه إلى تفريغ طاقته بالمشاغبة، كما أن الفشل الدراسي وتراكُمه يولّد إحباطاً لدى الطفل، ويقوده إلى تبنّي سلوكيات عدوانية.

استراتيجيات تربوية للتعامل مع الطالب المشاغب بين الحزم والتعزيز الإيجابي

وأكد الأستاذ عبد الرزاق الحريري أن التعامل مع الطلاب المشاغبين يتطلب مزيجاً من الحزم والتعاطف، وأن الهدف دائماً هو تعديل السلوك لا العقاب، موضحاً وجود عدة استراتيجيات للتعامل مع الطالب المشاغب، مثل الإدارة الصفية الفعّالة ووضع قواعد واضحة، إلى جانب استخدام التواصل غير اللفظي، كالنظرات أو الصمت المفاجئ أمام الطالب، لإيصال رسالة حازمة دون مقاطعة سير الدرس.

ومن بين الاستراتيجيات التي ذكرها تغيير مكان جلوس الطالب المشاغب ووضعه في المقاعد الأمامية، وتجاهل السلوكيات البسيطة مع تعزيز السلوكيات الإيجابية، وأشار إلى أن طريقة التعامل مع الطالب المشاغب تختلف بناءً على فهم السبب الكامن وراء سلوكه، مثل إدراك دوافع لفت الانتباه، والإلمام بالمشكلات الخارجية المرتبطة بالأسرة.

ونصح باستخدام نبرة صوت حازمة وهادئة، ووضع قواعد صفية واضحة مع إشراك الطالب في تطبيقها، إلى جانب تعزيز السلوك الإيجابي، والتحدث معه بشكل فردي، وإشراكه في الأنشطة الصفية المتنوعة، التعليمية والرياضية والفنية، واحتوائه من خلال التعامل الهادئ والمحادثات الفردية، فضلاً عن توجيه طاقاته نحو مهام صفية إيجابية.

وأكد الحريري أن التشجيع يلعب دوراً مهماً في تعديل سلوك الطالب، حيث ينتقل التركيز من العقاب إلى البناء، وبدلاً من كبت الطاقات يتم توجيهها نحو مسارات إيجابية تحقق للطالب التقدير الذي يبحث عنه ويحاول إيجاده بطرق فوضوية

أخطاء تربوية شائعة في التعامل مع الطالب المشاغب

قد يقع بعض المعلمين في أخطاء تربوية عند التعامل مع الطالب المشاغب، أبرزها الاعتماد المفرط على العقاب المباشر دون محاولة فهم أسباب السلوك، أو التعامل معه بانفعال ورفع الصوت أمام الطلاب، ما قد يزيد من حدة المشكلة بدلاً من معالجتها. 

كما قد يؤدي التمييز السلبي أو التوبيخ المتكرر إلى تعزيز شعور الطالب بالرفض، فينعكس ذلك سلباً على سلوكه داخل الصف، وفي بعض الحالات، يُهمل المعلم السلوكيات البسيطة في بدايتها، ما يسمح بتفاقمها وتحولها إلى سلوكيات أكثر حدة.

بين الدافعية والاضطراب: تفسير السلوك المشاغب

يشير مختصون إلى أن السلوك المشاغب داخل الصف لا يُعد إخلالاً بالنظام فحسب، وإنما يرتبط في كثير من الحالات بعوامل نفسية وتربوية لدى الطالب، مثل ضعف الدافعية، أو الحاجة إلى الانتباه، أو صعوبة التكيف مع البيئة الصفية.

كما يوضحون أن بعض هذه السلوكيات قد تعكس ضغوطاً أو مشكلات خارج الإطار المدرسي، مؤكدين أن المعالجة التربوية الفعّالة تقوم على الفهم والتوجيه والتعزيز الإيجابي، إلى جانب ضبط القواعد الصفية، بدلاً من الاقتصار على العقاب.

يرتبط التعامل مع الطالب المشاغب داخل الصف بفهم العوامل النفسية والأسرية والتعليمية المؤثرة في سلوكه، إلى جانب وعي المعلم بأساليب تربوية تقوم على الاحتواء والتوجيه والتعزيز الإيجابي قبل العقاب، بما يسهم في خلق بيئة صفية متوازنة قادرة على تحويل السلوك غير المنضبط إلى طاقة إيجابية داخل العملية التعليمية.

اقرأ المزيد
١٧ أبريل ٢٠٢٦
التهويدات السورية: عادة قديمة ترافق نوم الأطفال من جيل إلى آخر

تلجأ بعض الأمهات السوريات لاستخدام أسلوب الغناء لأطفالهنّ الصغار، لتهدئتهم ومساعدتهم على النوم أو التوقف عن البكاء، فيرددن كلمات هادئة وعذبة تمنح الطفل إحساساً بالسكينة والأمان، فيستسلم للنوم وقد تلاشت عنه آثار التعب والإرهاق بعد يومٍ طويل.

وتُعدّ هذه العادة تقليداً قديماً متوارثاً، تناقلته الأمهات جيلاً بعد جيل عن الجدّات، حيث حملت التهويدات في طياتها ذاكرة شعبية حيّة، ترافق الطفل في لحظاته الأولى، ويحمل هذا النوع من الأغاني مسميات متعددة تختلف باختلاف المجتمعات ولهجاتها، مثل: المهاواة، والهدهدة، وأغاني المهد، والترويدة، والتهويدة.

ورغم تنوّع أسمائها، فإنها تتفق في مضمونها وغايتها، خاصة أنها تهدف إلى تدليل الطفل وتهدئته حتى ينام، عبر كلمات عذبة وصوت حنون وإيقاع هادئ، كما تحمل هذه الأغاني في طياتها مشاعر الأم، وتعكس ما تختزنه من أفكار وعادات ومعتقدات.

ومن أكثر الأغاني التي ترددت على لسان الجدات في بلاد المشرق العربي ومنها سوريا، "يلا تنام يلا تنام وادبحلك طير الحمام روح يا حمام لا تصدق بضحك على الغالي لينام"، ويمكن وضع اسم الطفل الذي تغني الأم له.

كما رددت الأمهات أغنية بسياق مشابه بعيداً عن ذكر موضوع إيذاء الحمام: "يلا تنام يلا تنام وأهديلك طير الحمام.. روح يا حمام لا تصدق بغنيله حتى ينام.. شعره نازل على جبينه.. روحي وعمري بهدي له".

أحياناً تلجأ بعض الأمهات إلى تأليف هذه الأغاني بشكلٍ ارتجالي، فتنسج كلماتها من مشاعرها الخاصة، وتميل في الوقت نفسه إلى الاستمتاع بالغناء لأطفالهن، حيث يجدن فيه وسيلة للتعبير عن حبهن وحنانهن، لذلك تتنوع مضامينها بين كلمات دافئة مليئة بالمودة، وفي حالات أخرى تعكس ما تعيشه الأم من معاناة أو ضغوط في حياتها اليومية.

من جهة أخرى تأثرت الأمهات والجدات بالأعمال الغنائية التي قدّمها فنانون معروفون عن الأطفال، مثل الأغنية التي غنّتها المطربة اللبنانية فيروز لابنتها “ريما” عندما كانت طفلة، والتي جاء فيها: “يلا تنام ريما يلا يجيها النوم، يلا تحب الصلاة يلا تحب الصوم، ياللا تجيها العوافي كل يوم بيوم”، وقد تداولتها الأمهات في سوريا لاحقاً، مع استبدال اسم “ريما” باسم طفلها أو طفلتها، لتصبح جزءاً من التهويدات الشعبية المتداولة.

وغالباً ما تحكي التهويدات عن قصص قديمة وظروف قاسية عاشتها الأمهات أو الجدات نتيجة الفقدان، فتكون ممزوجة بين كلمات أغاني المهد البسيطة والحالمة وبين أشكال من العتابا المرتجلة، المشبعة بمشاعر الشوق والحنين، فتخاطب من خلالها طفلتها عن غياب الأحبّة وأثره.

وفي بعض الأحيان يكون لكل أم أغنية خاصة بها، تحمل طابعاً فريداً تمتزج فيه مشاعر الحب والحنان وهي تضم طفلها بين ذراعيها، ولا يقتصر استخدام هذه الأغاني على مساعدته على النوم، بل تمتد أيضاً لتهدئته عند البكاء أو التخفيف عنه في حال المرض، عبر تحويل انتباهه عن الألم والتعب من خلال الأهازيج الخفيفة والقصائد الشعبية والعتابا المغنّاة.

مع تطور التكنولوجيا وانتشار الأجهزة الذكية، باتت بعض الأمهات يلجأن إلى تشغيل أغنيات جاهزة عبر الهاتف لمساعدة الطفل على النوم، بدلاً من غنائها بشكل مباشر، وغالباً ما تُختار هذه المقاطع من بين أغانٍ مخصصة للأطفال أو حتى أغانٍ هادئة غير موجهة للصغار، خاصة في الحالات التي تكون فيها الأم منشغلة بأعمال أخرى أو لا تفضل ممارسة الغناء التقليدي.

وبرغم توفر العديد من الأغاني على منصات مثل يوتيوب وغيرها من الثقافتين العربية والأجنبية، إلا أن بعض الأمهات يفضلن الغناء لأطفالهن بأنفسهن بدل تشغيل المقاطع الجاهزة، ما يعكس رغبة الأمهات بتعزيز الارتباط  العاطفي المباشر بالطفل، حيث يحمل صوت الأم الحيّ دفئاً وطمأنينة خاصة، ويجعل لحظة النوم أو التهدئة أكثر حميمية وارتباطاً وجدانياً بين الأم وطفلها.

ولا تقتصر فائدة غناء الأم للطفل على مساعدته على النوم وتهدئته فحسب، وإنما تقدم فوائد على الصعيد النفسي، حيث تشير دراسات في علم نفس النمو إلى أن غناء الأم للطفل يساعد على تهدئته وخفض مستوى التوتر لديه، من خلال تأثير الإيقاع الصوتي والنبرة الهادئة في تنظيم الحالة الانفعالية للرضيع، ما يسهّل انتقاله إلى النوم أو الاسترخاء في بعض الحالات.

ويحمل حفاظ الأمهات في سوريا على غناء التهويدات للأطفال العديد من الدلالات الاجتماعية والثقافية، أبرزها الحرص على استمرار العادات والتقاليد الموروثة التي انتقلت من الجدات إلى الأمهات، وسعيهن لإبقائها حاضرة لدى الأجيال الجديدة، كما يدل هذا السلوك على طبيعة العلاقة العاطفية بين الأم وطفلها، القائمة على الاحتواء والحنان والرغبة في تهدئته وإسعاده.

اقرأ المزيد
١٧ أبريل ٢٠٢٦
الحضانة والوصاية في القانون السوري: اختلاف المفهوم وترتيب الصلاحيات القانونية

تعد قضايا الحضانة والوصاية من أبرز المسائل القانونية المرتبطة بشؤون الأسرة، وغالباً ما يختلط المفهومان لدى الكثيرين رغم اختلاف كل منهما من حيث الصلاحيات والدور، ويبرز هذا الخلط بشكل خاص في حالات الانفصال، حيث تتداخل الجوانب القانونية مع احتياجات الطفل اليومية، ما ينعكس على تنظيم شؤونه ورعايته.

في هذا التقرير توضح الأستاذة ردينة تميم، تمارس مهنة المحاماة بمحاكم دمشق، متطوعة بمنظمة الأمم المتحدة للاجئين بمشروع مكتب الوفاق الأسري المعنى بملف معالجة وضع الأطفال في المناطق المحاصرة في فترة الثورة، الفارق بين الحضانة والوصاية، إضافة إلى شروط الحضانة وإمكانية نزعها في بعض الحالات.

قالت المحامية ردينة تميم في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه من الناحية القانونية يوجد فرق بين الحضانة والوصاية، إلا أن كثيراً من الناس يخلطون بينهما، ما يؤدي إلى تشكيل فهم غير دقيق لدى البعض حول هذا الموضوع.

الحضانة للأم.. الشروط الأساسية 

وأوضحت أن الحضانة تعني البيئة الحاضنة للطفل، إذ إن القاصر الذي يقل عمره عن 18 عاماً يحتاج إلى رعاية وإشراف واهتمام وتربية ومتابعة صحية وتعليمية، وهي مهام يتولاها عادةً الحاضن، وغالباً ما تكون الأم هي الحاضنة للطفل.

وأشارت إلى أن القانون يميل في هذه النقطة لصالح الأم، إذ تُعد الحضانة في الأصل من حقها، لافتة إلى أنه وضع شروطاً على الحاضنة، من بينها أن تتمتع بحسن السلوك، والأهلية القانونية، وأن تكون خالية من أي إشكالات قانونية أو اضطرابات عقلية أو عوائق جسدية تحول دون قيامها بمهامها، إضافة إلى قدرتها على رعاية الطفل وعدم غيابه عنها لفترات طويلة، مع مراعاة طبيعة التفرغ لمتابعة شؤونه اليومية.

ترتيب الحضانة في القانون السوري وشروط حصول الأب عليها

ونوّهت إلى أنه في حال مطالبة الأب بالحضانة، يجب توفر شروط معينة، من بينها وجود معيلة إلى جانبه، كزوجة أو أم أو أخت، لتتولى رعاية الطفل.

 وأضافت أن المادة /139/ من قانون الأحوال الشخصية نصّت على أن ترتيب الحضانة يكون للأم، ثم للأب، ثم لأم الأم وإن علت، ثم لأم الأب وإن علت، ثم للأخت الشقيقة، ثم للأخت لأم، ثم للأخت لأب، ثم لبنت الشقيقة، ثم لبنت الأخت لأم، ثم لبنت الأخت لأب، ثم للخالات، ثم للعمات، ثم ينتقل الحق بعد ذلك إلى العصبات من الذكور وفق الترتيب القانوني.

وأكدت تميم أن القانون لا يميز بين الذكر والأنثى، إذ تكون الحضانة في المرحلة الأولى للأم حتى سن الخامسة عشرة، وبعد ذلك يُخيَّر الطفل بين البقاء مع أمه أو الانتقال للعيش مع أبيه.

الفرق بين التعديل الجديد والسابق

وبيّنت أن هناك فرقاً بين التعديل الجديد والسابق، إذ كانت الحضانة في السابق تُمنح للأم ثم لأم الأم ثم للأب ثم لأم الأب، مع استمرار نفس التراتبية، وأضافت أنه في حال زواج المرأة المطلقة ولديها أطفال من رجل آخر، كان ذلك يُعد من أسباب إسقاط الحضانة، حيث كانت تنتقل في هذه الحالة إلى أمها، وهو ما اعتبرته بعض النساء آنذاك عاملاً يخفف القلق لكون الأطفال سيبقون في كنف جدتهم.

أما في التعديل الجديد، بحسب ما أوضحت المحامية ردينة، فإن المرأة تفقد حضانة الطفل في حال زواجها من رجل أجنبي عن الطفل، فتنتقل الحضانة إلى الأب، وأضافت أنه في حال غياب الأب أو فقدانه أو تغيّبه، وعدم توفر شروط بيئة الحاضن المناسب، تعود الحضانة إلى أم الأم.

ونوّهت إلى أنه في السابق كان هناك تمييز في سن الحضانة بين الذكر والأنثى، حيث كانت تنتهي عند 13 سنة للذكر و15 سنة للأنثى، بينما وحّد التعديل الجديد السن لكلا الجنسين عند 15 عاماً، وبعد هذا العمر، لا تبقى الحضانة قائمة بالشكل السابق، إذ يُخيَّر الطفل بين البقاء مع الأم أو الانتقال إلى الأب وفق رغبته، قبل سن الخامسة عشرة، فتكون الحضانة للأم ما دامت لم تتزوج ولم تُسحب منها الحضانة تحت أسباب قانونية.

دعوى نزع الحضانة وشروطها

وذكرت أن القانون السوري يتيح إمكانية نزع الحضانة عبر دعوى تُعرف بدعوى نزع الحضانة، وهي دعوى قانونية قد تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب إثباتات قوية، وأكدت أن هذا الأمر يُعد نقطة إيجابية لصالح المرأة، إذ لا يمكن لأي أب أن يطالب بنزع الحضانة بشكل تلقائي، بل يجب تقديم أدلة ووثائق واضحة وثبوتية لإثبات وجود مبررات قانونية لذلك.

ونوّهت إلى أنه في كثير من حالات الانفصال يتم استخدام الطفل كوسيلة ضغط بين الطرفين، إذ قد تكون الأم قادرة ومؤهلة للحضانة، إلا أن الأب يلجأ أحياناً إلى تقديم ادعاءات تهدف إلى التأثير عليها أو الإضرار بها، مثل الطعن في أخلاقها أو التشكيك في التزامها بالشروط المطلوبة، أو الإشارة إلى طبيعة عملها أو ظروفه، في محاولة لدعم مطلب نزع الحضانة، إلا أن القانون صارم في هذا الموضوع، ولايقبل أي دعوى لنزع الحضانة إلا بإثباتات دامغة.

الاختلاف بين الوصاية والحضانة

وأكدت تميم أن الوصاية تختلف عن الحضانة، إذ إن الوصي على الطفل القاصر هو من يتولى شؤونه الإدارية والقانونية، وليس بالضرورة أن يكون الحاضن هو نفسه الوصي، فالوصي هو المسؤول قانونياً عن القاصر، وله صلاحية التصرف نيابة عنه باعتباره غير مكتمل الأهلية وغير قادر على اتخاذ القرارات أو إدارة شؤونه المادية والإدارية، بما في ذلك السفر والرعاية.

وبيّنت أن هناك ما يُعرف بالوصي الجبري، وهو الوصي الأساسي الذي يكون في العادة الأب، ويُعد المسؤول الأول قانونياً عن شؤون الأطفال القاصرين، وتكمن الإشكالية في حال غياب الوصي الجبري، أي الأب، أو في حال عدم توفره، إذ يمكن أن تنتقل الوصاية إلى العم الشقيق، وفي حال غيابه إلى الجد من جهة الأب، باعتباره أيضاً من الأوصياء الجبريين وفق التسلسل القانوني.

وأشارت إلى أنه في حال غياب هذا الوصي، تبرز إشكالية تتطلب تعيين وصي شرعي على الطفل، ولفتت في ختام حديثها إلى أنه في بعض الحالات قد تنشأ صعوبات عندما لا يكون الوصي المعين متعاوناً مع الأم الحاضنة، ما قد يؤدي إلى تضارب في مصلحة القاصر، كما قد تحتاج الأم إلى اتخاذ إجراء معين، لكنها لا تكون مخوّلة قانونياً للقيام به إلا ضمن شروط محددة، ما يدفعها إلى اللجوء إلى القضاء.

اقرأ المزيد
١٧ أبريل ٢٠٢٦
مسارات الحياة داخل الأسرة السورية بين القوالب التقليدية والاختيار الفردي

تسير بعض الأسر في سوريا وفق أنماط اجتماعية محددة ترسم من خلالها مسار حياة الأبناء في مختلف جوانبها، بما في ذلك الدراسة واختيار التخصصات والارتباط وتشكيل الأسرة وغيرها من الشؤون، وغالباً ما يُنظر إلى أي خروج عن هذا الإطار التقليدي على أنه غير مقبول، وقد يترتب عليه رفض أو ضغوط داخل الأسرة، في ظل اعتقاد بأن الالتزام بهذا النمط يضمن استقرار الحياة الأسرية ويحافظ على توازنها.

ومن بين هذه الأنماط التي تتمسك بها بعض العائلات تحديد سن معين للزواج والإنجاب، إلى جانب توجيه الأبناء نحو دراسات أو تخصصات بعينها أو مسارات مهنية محددة، وفي بعض الحالات، قد يميل الأب إلى دفع ابنه نحو ممارسة المهنة التي يعمل بها واعتبارها الخيار الأنسب له، حتى وإن لم تكن متوافقة مع رغبة الابن أو ميوله الشخصية، في مقابل خيارات مهنية أخرى قد يفضلها.

تعود هذه الأنماط لدى بعض الأسر إلى مجموعة من الأسباب، من بينها الطبيعة التقليدية في إدارة القرار داخل الأسرة، والعادات والتقاليد السائدة، إضافة إلى الخوف على مستقبل الأبناء والسعي لاختيار مسارات تُعتبر أكثر أماناً من الناحية المعيشية أو المهنية. 

كما يلعب غياب ثقافة الحوار داخل بعض البيوت دوراً في ترسيخ هذا التوجه، إلى جانب تأثر بعض الأسر بتجارب سابقة أو نجاحات معينة داخل العائلة تدفعهم لتكرارها، ولا يمكن إغفال تأثير النظرة المجتمعية والضغط الاجتماعي في بعض الحالات، بما في ذلك ما يرتبط بالسمعة أو القبول الاجتماعي، فضلاً عن ضعف التوجيه المهني الذي يساعد الأبناء على اختيار مسارات تتناسب مع ميولهم وقدراتهم.

تسبب هذه الممارسات ضغوطاً نفسية على الأبناء نتيجة فرض خيارات لا تتوافق مع رغباتهم أو ميولهم، ما ينعكس سلباً على دافعيتهم في الدراسة أو العمل، كما قد يؤدي ذلك إلى خلافات داخل الأسرة، خاصة عندما يحاول الأبناء اختيار مسار مختلف عما يُفرض عليهم.

وفي بعض الحالات، يؤثر هذا الضغط على التحصيل الدراسي أو الأداء المهني بسبب عدم الانسجام مع المجال المفروض، كما قد يحدّ من اكتشاف قدراتهم الحقيقية ويقلل من قدرتهم على اتخاذ القرار بأنفسهم.

مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي وتطور أساليب التربية الحديثة، بات الجيل الجديد أكثر ميلاً إلى رفض القوالب التقليدية المفروضة على مسارات الدراسة والعمل والحياة، وفي المقابل، بدأت بعض الأسر تمنح أبناءها مساحة أوسع من الحرية في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم.

غير أن هذا التحول لا يزال غير متوازن، إذ تتمسك بعض العائلات بنمطها التقليدي، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى صدام داخل الأسرة بين رؤيتين مختلفتين؛ رؤية الجيل القديم القائم على التوجيه والالتزام بالقواعد، ورؤية الجيل الجديد التي تميل إلى الاستقلالية في الاختيار.

يرى مختصون في علم النفس والاجتماع أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يكون بالمنع أو الصدام، بل عبر تعزيز الحوار داخل الأسرة وإتاحة قدر أكبر للأبناء للتعبير عن رغباتهم واختيار مساراتهم بما يتناسب مع قدراتهم وميولهم، كما يشيرون إلى أهمية أن يكون دور الأسرة قائماً على التوجيه والدعم بدل فرض الخيارات.

ويضيفون أن تفعيل الإرشاد التربوي في المدارس، إلى جانب رفع وعي الأهل بأهمية تنوع الخيارات وعدم حصرها في مسارات محددة مسبقاً، يساهم في تخفيف التوتر داخل الأسرة والحد من الخلاف بين الأجيال.

تعكس هذه القوالب الاجتماعية داخل بعض الأسر في سوريا تبايناً بين التمسك بالخيارات التقليدية واتجاه الأبناء نحو الاختيار الفردي في الدراسة والعمل والحياة، ما يؤدي أحياناً إلى اختلاف في وجهات النظر داخل الأسرة حول مسارات الأبناء وتوجهاتهم المستقبلية.

 

اقرأ المزيد
١٧ أبريل ٢٠٢٦
المساعدات الرقمية في سوريا… بين الواقع الإنساني والتسول الإلكتروني

مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي، باتت هذه المنصات وسيلة يلجأ إليها بعض الأشخاص لطلب الدعم، سواء لتلبية احتياجات مادية أو معيشية أو طبية، من خلال نشر تفاصيل حالاتهم أملاً في الوصول إلى من يقدّم لهم العون، وهو ما يتحقق أحياناً، بينما لا يجد آخرون الاستجابة المطلوبة.

طلب المساعدة عبر الإنترنت في ظل الظروف القاسية

وخلال سنوات الثورة السورية، وفي ظل ما شهدته من ظروف قاسية كالإصابات وفقدان الأطراف وخسارة المنازل ومصادر الدخل، إلى جانب النزوح، لجأ عدد من الأشخاص إلى هذه الوسائل لطلب المساعدة، خاصة في الحالات الطارئة.

وفي هذا السياق، يشير مختصون إلى أن طلب المساعدة في مثل هذه الحالات يُعد سلوكاً طبيعياً، إذ يلجأ الأفراد عند الوقوع في أزمات إلى البحث عن الدعم من الآخرين، خاصة في ظل غياب البدائل أو محدودية الإمكانات المتاحة.

آليات نشر طلبات المساعدة وتفاصيلها المرفقة

عادةً ما يتم تداول هذه الحالات عبر منصات التواصل الاجتماعي، سواء من خلال مجموعات “واتساب” أو صفحات “فيسبوك”، وأحياناً عبر الاستعانة بشخصيات عامة أو صفحات ذات انتشار واسع لإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين.

ويجري عرض تفاصيل الحالة بشكل مباشر، سواء كانت مرتبطة بوضع صحي يستدعي تدخلاً عاجلاً أو عملية جراحية، أو حالات إعاقة أو ظروف معيشية صعبة، وغالباً ما تُرفق هذه المعلومات بوثائق أو تقارير طبية، كما تتضمن بعض الحالات إشارات إلى أوضاع سكنية متدهورة، مثل منازل مهدمة أو خيم غير صالحة للإقامة، بهدف تعزيز فرص الحصول على الدعم.

التسول الإلكتروني

إلا أن هذا المسار لم يخلُ من الاستغلال، إذ برزت حالات لأشخاص لا يندرجون ضمن دائرة الحاجة الفعلية، عمدوا إلى نشر معلومات غير دقيقة أو قصص غير حقيقية بهدف الحصول على المال أو المساعدة، في إطار ما يُعرف بالتسول الإلكتروني.

ويُعرّف هذا النوع من التسول بأنه نمط من الاستجداء يتم عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُنشر طلبات مساعدة مالية أو عينية تحت غطاء إنساني أو ادعاءات مرتبطة بمعاناة صحية أو معيشية، إلا أن جزءاً من هذه الحالات قد يكون غير دقيق أو مبالغاً فيه أو غير قابل للتحقق. 

ويُعد هذا السلوك استغلالاً للتفاعل والتعاطف العام بهدف جمع أموال أو مساعدات دون وجود حاجة حقيقية واضحة، ما يميّزه عن حالات طلب المساعدة الفعلية في الظروف الطارئة.

وقال الكاتب الصحفي أسامة الشهاب في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن التسول الإلكتروني ليس ظاهرة غريبة في السياق الحالي، بل يُعد امتداداً للتغيرات التي فرضها التحول الرقمي، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي مساحة يستخدمها مختلف الأفراد لتحقيق أهدافهم ونشاطاتهم، ومن بينهم من يلجأ إلى هذا النوع من الطلبات.

صعوبة التمييز بين الحالات الحقيقية والأخرى الوهمية 

وأضاف أنه من الصعب عملياً التمييز بين الحالات الحقيقية التي تحتاج إلى المساعدة وتلك الوهمية، مؤكداً أن الأمر ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب قدراً من التحقق والتدقيق في تفاصيل الحالة. 


ولفت إلى أنه يمكن أحياناً التواصل مباشرة، مثل إجراء مكالمة فيديو مع الشخص الذي يطلب المساعدة، خاصة في الحالات التي يدّعي فيها وجود إعاقة أو مشكلة صحية واضحة، إلا أن التمييز يبقى معقداً بشكل عام في كثير من الحالات.

أسباب انتشار التسول الإلكتروني

وأشار إلى أن الأسباب التي ساهمت في انتشار التسول الإلكتروني متعددة، أبرزها ما توفره منصات التواصل الاجتماعي من سهولة وسرعة في الوصول إلى الجمهور، إضافة إلى إمكانية إخفاء الهوية أو عدم الكشف الكامل عن الشخصية الحقيقية، وهو ما يشكّل عاملاً محفزاً في هذا السياق، خاصة في الحالات غير المستندة إلى حاجة فعلية.

ولفت إلى أن كثرة الأزمات والحروب في المنطقة، ومنها سوريا خلال سنوات الحرب، أدت إلى ارتفاع نسب الحاجة وتفاقم الفقر، ما أسهم بدوره في زيادة حالات طلب المساعدة. 

وأضاف أن انتشار منصات الدردشة وبرامج البث المباشر التي تعتمد على الهدايا الرقمية أو ما يُعرف بـ”الكوينزات”، فتح مجالاً آخر لجمع الدعم من الجمهور، حيث يقوم بعض المستخدمين بتحويل هذه الهدايا إلى مقابل مادي، ما يجعل بعض الممارسات تقترب من مفهوم التسول الإلكتروني في بعض صورها.

التداعيات السلبية 

وشدد أسامة الشهاب على أن التسول الإلكتروني يترك تداعيات سلبية، أبرزها تراجع ثقة أهل الخير وداعمي العمل الإنساني، نتيجة تكرار حالات الاحتيال أو الشك في مصداقية بعض الطلبات، ما قد يدفع البعض إلى التوقف حتى عن دعم الحالات الحقيقية، منوهاً إلى أن هذه الظاهرة قد تسهم أيضاً في تعزيز الاتكال على طلب المساعدة بدلاً من البحث عن العمل، في ظل تفاقم معدلات البطالة.

الحلول الممكنة

وذكر أن الحلول تكمن في التحري الدقيق قبل تقديم أي دعم، واعتماد وساطات موثوقة للتحقق من الحالات، وتحويل عملية المساعدة من الطابع الإلكتروني إلى الواقع قدر الإمكان. 

وأوضح أنه في حال وجود حالة بحاجة للدعم، يمكن مثلاً التواصل مع شخص من نفس المنطقة للتأكد من وضعها، أو الاستعانة بجهة أو فرد موثوق لإيصال المساعدة بشكل مباشر، كما شدد على ضرورة توجيه المبادرات الإنسانية نحو جهات أو أشخاص معروفين وموثوقين، بدلاً من الاكتفاء بحسابات أو أسماء إلكترونية غير قابلة للتحقق.

ويرى أخصائيون اجتماعيون أن انتشار ظاهرة طلب المساعدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما يرتبط بها من حالات غير موثوقة، يعكس تحولاً في أنماط التواصل الإنساني مع تزايد الاعتماد على الفضاء الرقمي. 

ويشيرون إلى أن هذا الواقع يفرض تحديات متزايدة تتعلق بآليات التحقق من الحالات، والحفاظ على الثقة بين المتبرعين والمحتاجين الحقيقيين، كما يؤكدون أن الحل لا يكمن في تقليل التفاعل الإنساني، بل في تعزيز أدوات التثبت والرقابة المجتمعية، وتطوير ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والتأكد قبل الدعم، بما يضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها الفعليين ويحد من حالات الاستغلال.

مع تطور التكنولوجيا واتساع استخدام الوسائط الرقمية، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة لعرض طلبات المساعدة في ظل الأزمات، حيث تُنشر حالات إنسانية تستدعي الدعم، وفي المقابل، تظهر ممارسات تستغل هذا الفضاء لتحقيق مكاسب، ما يجعلها تجمع بين الحاجة الفعلية ومحاولات الاستغلال، مع صعوبة التمييز بين الطرفين أحياناً.

اقرأ المزيد
١٦ أبريل ٢٠٢٦
“طلابي أمانة”... معلم مصاب يختصر في فيديو تضحيات المعلم في سوريا

تداولت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً للمعلم مازن الزعبي، الذي تعرض لحادث سير، حيث ظهر من داخل المشفى ورغم إصابته البالغة وهو يتحدث عن طلابه، ولا سيما طلاب البكالوريا، معرباً عن قلقه على سير دراستهم.

وأكد الزعبي في المقطع الذي لاقى تفاعلاً واسعاً أنه سيعود إلى المدرسة لمتابعة الدروس معهم، مشيراً، وهو يبكي، إلى أنهم أمانة في عنقه، وأنهم يمثلون أولوية لديه حتى قبل وضعه الصحي.

يعكس هذا الفيديو حجم اهتمام المعلمين السوريين بطلابهم ومستقبلهم وتحصيلهم العلمي، حتى في أصعب الظروف، ويبرز ذلك من خلال التزامهم المستمر برسالتهم التعليمية عاماً بعد عام، وحرصهم على متابعة الطلاب ودعمهم وتحسين مستواهم الدراسي رغم ما يواجهونه من تحديات.

تبدأ مهمة المعلم منذ ساعات الصباح الباكر، حيث يتوجه إلى المدرسة ليقضي ساعات الدوام في أداء رسالته التعليمية، فيمضي وقته واقفاً خلال الحصص لشرح الدروس على السبورة، ويوزع انتباهه بين الطلاب، ويحرص على منح الجميع فرصة للمشاركة وطرح الأسئلة، كما يتابع حضورهم وتفاعلهم داخل الصف ويتأكد من مدى فهمهم ومواكبتهم للشرح.

ولا تنتهي مهامه بانتهاء الدوام المدرسي، إذ يواصل عمله في المنزل، من خلال الإجابة عن أسئلة الطلاب عبر المجموعات، وتحضير الدروس، وتصحيح الاختبارات والواجبات، إلى جانب مهام تعليمية وتنظيمية أخرى تتطلب جهداً ووقتاً مستمراً، ما يعكس أن دوره لا يتوقف بعد مغادرة المدرسة، بل يمتد إلى وقت وجهد متواصلين على مدار اليوم.

وبقي المعلم في سوريا محافظاً على أداء رسالته التعليمية رغم ما مرّ به خلال سنوات الحرب من قصفٍ واستهداف للمدارس وخطرٍ دائم على حياته، إلى جانب الخوف على أسرته من تلك الظروف، وتدهور الأوضاع المعيشية من فقرٍ وفقدانٍ للممتلكات وتراجعٍ في الموارد، ومع ذلك، واصل عمله في بيئة كانت محفوفة بالمخاطر، دون أن يتخلى عن واجبه تجاه طلابه.

وبالفعل، استهدف نظام الأسد السابق العديد من المدارس، ما ألحق أذىً وخطراً مباشراً بالطلاب، ومن بين هذه الحوادث مجزرة “الأقلام” في بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي، والتي طالت مدارس تعليمية جراء قصف الطيران الحربي التابع له، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا والجرحى من طلاب المدارس.

وفي شهادة سابقة حصلت عليها شبكة شام الإخبارية من المدرّس أحمد مرعي، مدرس اللغة العربية، روى خلالها أنه فقد زوجته، وهي مدرسة رياضيات، خلال مجزرة “الأقلام” التي ارتكبها النظام السابق في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2016 في بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي.

وأشار مرعي إلى أن زوجته كانت تؤدي عملها كمعلمة في المدرسة في ذلك اليوم، مضيفاً أن العائلة كانت تعيش حياة مستقرة نسبياً رغم ظروف الحرب القاسية، مع أطفالهم الأربعة، ولفت إلى أن البلدة تعرضت لقصف جوي، ما أدى إلى إصابة زوجته بشظية قاتلة، واستشهادها إلى جانب عدد من الأطفال الذين كانوا داخل المدرسة.

وأكد أنهم واجهوا خلال تلك السنوات صعوبات كبيرة تمثلت بالخوف والرعب والقلق والاضطراب النفسي، في ظل استمرار القصف الجوي، ما حرم المعلمين والطلاب من أي شعور بالاستقرار.

وتعرض العديد من المعلمين للفصل من وظائفهم بسبب مواقفهم الثورية ورفضهم الالتحاق بمؤسسات النظام البائد، ما أدى إلى انقطاع رواتبهم واضطرار بعضهم للعمل بشكل تطوعي دون مقابل، أو بأجور قليلة لا تسد الرمق، مقارنة بالاحتياجات الأساسية والأعباء المفروضة.

كما واجهوا ظروف نزوح قاسية، فقدوا خلالها منازلهم وممتلكاتهم، واضطر بعضهم للإقامة في المخيمات أو في منازل مستأجرة، في ظل أعباء معيشية ثقيلة وفقر متزايد، ومع ذلك، حافظوا على مهنتهم واستمروا في أداء رسالتهم رغم كل التحديات.

وحتى بعد التحرير، لم يحظَ المعلم بالاهتمام الذي يستحقه، ولم يُحسَّن وضعه المعيشي بشكل فعلي، إذ ما تزال أجوره محدودة مقارنة بالأعباء المعيشية المتزايدة والجهد الذي يبذله في أداء مهنته.

وقد دفع ذلك العديد من المعلمين إلى تنفيذ إضرابات عن التعليم والخروج في وقفات احتجاجية رفعوا من خلال شعارات دعت إلى إنصاف المعلم، إلى جانب توجيه مناشدات متكررة للجهات المعنية، التي أكدت في أكثر من مناسبة تقديرها لدور المعلم في بناء الأجيال، وأعلنت عن وعود بتحسين الرواتب، غير أن هذه الوعود لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن.

ويبقى المعلم في سوريا رمزاً للتضحية والعطاء والصبر، وحاضناً حقيقياً لطلابه، الذين لا يراهم متلقين للعلم فحسب، وإنما أبناءً يحمل همّ مستقبلهم ويسعى لتحقيق الأفضل لهم، ورغم كل الظروف القاسية التي مرّت بها البلاد، يواصل أداء رسالته بأمانة، محافظاً على دوره الإنساني والتربوي في بناء الأجيال.

اقرأ المزيد
١٦ أبريل ٢٠٢٦
حين تصبح الدراسة عبئاً: طلاب يواجهون ضغطاً متزايداً من أسرهم

يعاني بعض الطلاب في سوريا من ضغط متزايد من قبل الأهالي، ولا سيما طلاب الصف التاسع ومرحلة البكالوريا، لدفعهم نحو الدراسة بشكل أفضل وتحقيق علامات مرتفعة، خاصة أن هاتين المرحلتين يُنظر إليهما على أنهما مفصليتان في المسار التعليمي، إلا أن هذه الأساليب قد تترك آثاراً نفسية سلبية تنعكس على الطالب وتؤثر على أدائه واستقراره.

لماذا يمارس الأهالي الضغط على أبنائهم؟

ويعود اتجاه بعض الأهالي إلى استخدام وسائل قاسية مع أبنائهم إلى اعتقادهم بأن ذلك يصب في مصلحتهم، وأن تركهم دون ضغط قد يؤدي إلى تراجع مستواهم الدراسي أو ضعف اهتمامهم بالدراسة، إلى جانب ضعف الوعي بالآثار النفسية السلبية المحتملة التي قد تنعكس على الطلاب.

كما تتداخل في ذلك أسباب أخرى، من بينها تنافس بعض الأسر على تحقيق أبنائها نتائج دراسية أعلى، والخوف على مستقبلهم، ورغبة الأهالي في أن يلتحق أبناؤهم باختصاصات معينة أو يحققوا معدلات دراسية عالية.

ظاهرة الضغط الأسري متكررة 

وقال الأستاذ صالح السوادي، مشرف تربوي في مجمع خان شيخون التربوي، وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة الضغط الأسري على الطلاب تتكرر سنوياً داخل الأسر، وتؤثر بشكل مباشر على حالتهم النفسية وتحصيلهم العلمي، موضحاً أن بعض الأهالي يتبعون أساليب ضغط بهدف دفع أبنائهم لتحقيق نتائج دراسية جيدة.

أنواع أساليب الضغط

وذكر السوادي عدداً من أساليب الضغط التي يمارسها بعض الأهالي، من بينها المراقبة المستمرة للطالب وإشعاره بأنه تحت الملاحظة الدائمة، إلى جانب مقارنته بطلاب آخرين ومعايرة أدائه الدراسي بأدائهم، فضلاً عن السخرية من مستوى تحصيله وخططه في تنظيم دراسته.

وأشار إلى أن بعض الأهالي يلجؤون أيضاً إلى التهديد بالعقوبات في حال عدم تحقيق الطالب المستوى الدراسي الذي يتطلعون إليه، إضافة إلى اتباع أساليب عقابية تُعد محبطة وتشكل ضغطاً نفسياً عليه بدلاً من تحقيق نتائج إيجابية، من بينها حرمانه من أوقات الراحة التي يحتاجها، ومن بعض الأمور التي يحبها، إلى جانب إخضاعه لساعات دراسة طويلة ترهقه دون فائدة تُذكر.

آثار نفسية واجتماعية وتحصيلية للضغط الأسري على الطلاب

وأكد أن تصاعد هذه الضغوط على الطالب ينعكس سلباً على حالته النفسية والاجتماعية والتحصيلية، وقد يؤدي إلى تشكل حالة نفسية مضطربة قد تتطور إلى اضطرابات تؤثر على صحته، وتدفعه إلى كره الدراسة، والانطواء، والتردد في اتخاذ القرارات المناسبة.

ونوّه إلى أنه من الناحية الاجتماعية تصبح علاقة الطالب مع أسرته متوترة، تقوم على الخوف والنفور من الإرشادات والتوجيهات، أما من الناحية العلمية فتضعف لديه الرغبة في الدراسة والتحصيل.

ويشير عدد من الطلاب إلى أن توقعات الأهالي تشكل عبئاً عليهم، إذ يشعرون بالخوف والقلق من عدم القدرة على تحقيق ما يُطلب منهم، ما ينعكس على تركيزهم أثناء الدراسة، ويضيفون أن هذا الوضع يجعلهم يدرسون بدافع القلق، وهو ما يؤثر على فهمهم واستيعابهم ويجعل الدراسة أكثر صعوبة بالنسبة لهم.

دور المعلم في مساعدة الطلاب

وأضاف صالح السوادي أنه في ظل هذا الواقع، لا بد أن يمتلك المعلم القدرة على متابعة طلابه ليس من الناحية العلمية فقط، لافتاً إلى أن المعلم الناجح يبدأ عامه الدراسي ببناء علاقة إيجابية مع طلابه تقوم على الثقة، بما يتيح للطالب التعبير عن مشاكله والبوح بها لمعلمه بكل أريحية وطلب المساعدة عند الحاجة.

وأشار إلى أنه لا بد للمعلم من متابعة طلابه بشكل مستمر، وملاحظة أي تغيّر يطرأ على سلوكهم أو تحصيلهم الدراسي، وفي حال ظهور مؤشرات تدل على تعرض الطالب لهذه الضغوط، ينبغي عليه اتخاذ ما يراه مناسباً للمساهمة في معالجة هذه المشكلة.

الجلوس مع الطالب لفهم مشكلته

وذكر من بين الحلول الجلوس مع الطالب لفهم المشكلة بدقة وتحديد نوع الضغط الذي يتعرض له، والاستماع إليه بشكل جيد، بما يشعره بأهميته لدى المعلم، إلى جانب تشجيعه وتأكيد القدرة على مساعدته في حل مشكلته، بما يسهم في إعادة الدافعية والرغبة لديه في الدراسة.

ضرورة التواصل مع الأسرة

وأشار إلى أهمية التواصل مع الأسرة، سواء من خلال زيارتها أو دعوتها إلى المدرسة، وإجراء حوارات بنّاءة معها، وتوضيح الآثار السلبية لسلوكها تجاه ابنها، مع الاستعانة بشخصية ذات مكانة لدى الأسرة للتأثير على توجهاتها، إلى جانب إيضاح أن ما سيحققه الطالب من تحصيل علمي هو ما يحدد مستقبله المناسب.

دعوة لدعم الأبناء وتخفيف الضغوط

ووجّه المشرف التربوي صالح السوادي رسالة إلى جميع الأسر، دعاهم فيها إلى أن يكونوا عوناً لأبنائهم بدلاً من أن يشكلوا مصدر ضغط إضافي عليهم، مشيراً إلى أهمية توفير ظروف مناسبة لهم وتشجيعهم، بدلاً من إدخالهم في حالة نفسية غير مستقرة قد تفضي إلى نتائج غير محسوبة.

يشير أخصائيون إلى أن تشديد الأهالي المستمر على الطلاب غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، من أبرزها تراجع الرغبة في الدراسة وضعف مستوى التحصيل، إلى جانب شعور الطالب بالخوف والتوتر والقلق، وما يرافق ذلك من إرهاق نفسي يؤثر على تركيزه واستقراره، ويؤكدون أن اعتماد أساليب قائمة على الدعم والتوجيه والمتابعة المرنة يسهم في تعزيز استقرار الطالب النفسي وتحسين أدائه الدراسي بشكل تدريجي.

اقرأ المزيد
١٦ أبريل ٢٠٢٦
إجراءات سفر الأطفال في سوريا… تعقيدات قانونية تواجه الأمهات في غياب الأب

واجهت بعض السيدات السوريات خلال السنوات الماضية صعوبات تتعلق بإجراءات السفر مع أطفالهن عند الرغبة بمغادرة البلاد برفقة أبنائهن، خاصة في حالات غياب الأب سواء بسبب السفر أو الاختفاء القسري أو الوفاة وغيرها من الظروف.


أدى ذلك إلى تعقيد الإجراءات المفروضة عليهن، خاصة أن الموضوع يتطلب إذن مباشر منه حتى يستطيع الأطفال السفر، لكن القانون أعطى للقاضي الشرعي الصلاحية والسلطة التقديرية في حال غياب الأب بإعطاء الإذن لوصي يقرر تعيينه القاضي.

وتختلف درجة معرفة النساء بهذه التفاصيل القانونية، في ظل ارتباط هذا الملف بإجراءات الوصاية التي تعد من حق الأب بحسب القانون السوري، ومن بعده للجد أو العم، بخصوص الامور الادارية والمعاملات والتصرف.

في هذا التقرير توضح الأستاذة ردينة تميم، تمارس مهنة المحاماة بمحاكم دمشق، متطوعة بمنظمة الأمم المتحدة للاجئين بمشروع مكتب الوفاق الأسري المعنى بملف معالجة وضع الأطفال في المناطق المحاصرة في فترة الثورة، تفاصيل إذن السفر والأعباء التي تفرض على المرأة في حال عدم وجود الزوج.

وقالت المحامية ردينة تميم في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن أكبر عقبة تواجه الأم تتمثل في عدم اعتبارها وصية على الطفل في ما يتعلق ببعض شؤون حياته، ومن بينها السفر، الذي شكّل معضلة خاصة خلال سنوات الثورة، خاصة أن أي قاصر لا يستطيع أن يسافر مثل الكبار بكل سهولة، وإنما يحتاج وصاية شرعية تسمح له بمغادرة البلد بمرافقة أحد الأشخاص.

وأضافت أنه في حال رغبت الأم بالسفر مع طفلها، فإنها لا تستطيع ذلك إلا بعد الحصول على وصاية شرعية من القاضي الشرعي، تسمح لها بالإذن بالسفر لمرة واحدة، وذلك بعد تقديم إثباتات واستكمال إجراءات قد تكون معقدة في بعض الحالات.

أكدت أن السفر مع الأطفال يخضع لإجراءات قانونية، باعتبار أن للأب، بوصفه الطرف الآخر، حق متابعة أبنائه ورؤيتهم، موضحة أن التشديد على منح إذن السفر وعدم السماح للأم بمغادرة البلاد مع طفلها دون موافقة شرعية، يهدف إلى الحد من حالات تهريب الأطفال أو حرمان الأب من حقه في رؤية أبنائه.

وأشارت إلى أنه في حال وجود الأب ووجود توافق بين الطرفين، يمكن إتمام إجراءات السفر بسهولة، إذ يقوم الأب بمنح إذن السفر للأطفال، ما يتيح سير المعاملة دون أي إشكال قانوني، أما في حال عدم موافقته، وهو حق يكفله له القانون، فيمكنه التوجه إلى إجراء يُعرف بـ"منع السفر"، بحيث يمنع مغادرة الطفل خارج البلاد، بما يضمن متابعته وعدم سفر الأم به دون موافقته.

وطبعاً لتغطية كل الجوانب القانونية، في حال كانت الأم متخوفة بعد الانفصال من سفر الطفل مع والده، فهي أيضاً تستطيع أن تضع على الطفل إجراء وهو منع السفر.

ونوّهت إلى أن المشكلة الأساسية تظهر في حال غياب الزوج، سواء بسبب الفقدان أو الاعتقال أو الوفاة، إذ يُطلب من الأم في هذه الحالات إثبات واقعة الغياب، وفي حال كان الأب خارج البلاد، تزداد معاناة الأم، خاصة إذا كانت ترغب في السفر إليه، لعدم قدرته على منحها الوصاية الشرعية، ما يجعل الإجراءات مرتبطة بظروف كل حالة وخصوصيتها.

وبيّنت أن الأم تلجأ في هذه الحالات إلى القاضي الشرعي، حيث تقوم بتوضيح الوقائع، وفي حال كان الزوج خارج القطر، قد يُطلب منها إجراء مكالمة فيديو أو تقديم إثباتات مثل الإقامة أو التأشيرة، أو أي مستند يثبت وجوده خارج البلاد وأنها تنوي السفر إليه، وعلى أساس ذلك يمكن منحها الإذن اللازم.

وأضافت أن وجود أحد الأقارب من جهة الأب، كالجد أو العم أو العمة، يُعد عاملاً ميسّراً، إذ يمكن على أساسه منح الأم الوصاية الشرعية والإذن بمغادرة البلاد بشكل سريع، أما في حال عدم توافر هذه المعطيات واستمرار غياب الأب، فقد يُطلب منها تقديم ضبط فقدان أو شهود يثبتون غيابه، وعلى هذا الأساس يمكن منحها الإجراءات اللازمة.

وأكدت أنه لا يمكن وصف هذه الإجراءات بأنها صعبة جداً أو سهلة، إذ يتم النظر في كل حالة على حدة، وتُيسَّر من قبل القضاة الشرعيين وفق ظروفها، مشيرة إلى أن الفترة الماضية، بما شهدته من حرب وسفر ولجوء، دفعت القضاة إلى التعامل بمرونة والتدقيق في دراسة الحالات، مع الامتناع في بعض الحالات عن منح إذن السفر، خشية وقوع حالات تهريب للأطفال.

وأكدت المحامية ردينة وجود ثغرة في قانون الوصاية، تتمثل في عدم تمكّن الأم من ممارسة حقها الطبيعي في اصطحاب أطفالها وتقرير مصيرهم والسفر بهم دون الرجوع إلى جهة أخرى، ونوّهت إلى أن نظرة القانون ما تزال قاصرة تجاه المرأة، إذ يُنظر إليها على أنها غير قادرة على رعاية مصلحة القاصر بشكل كامل، ما يؤدي إلى إسناد الوصاية غالباً إلى عنصر ذكري، كالأب أو الجد أو العم.

وأوضحت أن هذا الانتقاص يُعد ثغرة قانونية، مشيرة إلى معاناة بعض السيدات في حالات متعددة، منها عدم تمكنهن من تأمين شهود يرافقونهن إلى المحكمة، أو صعوبة التواصل مع أقسام الشرطة للحصول على ضبط فقدان، في وقت قد لا تتوافر فيه أي معلومات عن الزوج.

وأضافت أن بعض النساء قد تتاح لهن فرص عمل أو زيارة أو لجوء، إلا أنهن يواجهن صعوبات كبيرة في استكمال الإجراءات القانونية، ما يعوق حصولهن على الوصاية اللازمة للسفر بأطفالهن.

وعلّقت المحامية ردينة على التعميم الصادر في الفترة الأخيرة، بأنه أتاح لأي رجل من أقارب الأب، ضمن ما يُعرف بالعصبة الذكورية، كالأب أو الجد أو العم أو ابن العم، مرافقة الطفل والسفر به دون الحاجة إلى إذن من القاضي الشرعي.

وأشارت إلى أن الهدف من التعميم كان تخفيف الأعباء الإجرائية، إلا أنها وصفته بالمنقوص،  فالأم  يتطلب منها مراجعة القاضي الشرعي للحصول على إذن بالسفر مع طفلها واستكمال إجراءات إضافية، ورغم إمكانية تعاون القاضي ومنحها الوصاية في بعض الحالات، إلا أنه يعتبر نوعاً من اجتزاء الحق، ووجود ثغرة قانونية، نتيجة التضييق على الأم بعدم السماح لها بالسفر مع طفلها إلا بإذن، في حين يمكن لأقارب من جهة الأب، مثل ابن العم أو ابن العمة أو الجد، السفر بالقاصر.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٦ أكتوبر ٢٠٢٦
مواجهة خطاب الكراهية في سوريا.. كيف نوازن بين حرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٤ أكتوبر ٢٠٢٦
بين العقيدة والمصلحة.. هل تحكم الرواية الدينية الإسرائيلية مسار التفاوض مع سوريا؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
أحمد نور الرسلان