العقوبات القانونية لجريمة الرشوة في سوريا ودور التشريعات في الحد منها
تُعدّ الرشوة من أبرز الظواهر السلبية التي تؤثر على نزاهة العمل الإداري والثقة بالمؤسسات، لما تسببه من خلل في تطبيق القوانين وإضعاف لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، الأمر الذي يجعلها مرفوضة اجتماعياً وقانونياً لما تحمله من آثار انعكاسية على مختلف جوانب الحياة العامة.
ولطالما شكا مواطنون خلال سنوات حكم النظام البائد من اضطرارهم في بعض الحالات إلى دفع مبالغ مالية لإنجاز إجراءات إدارية أو الحصول على بعض الخدمات، ما أسهم في ترسيخ صورة سلبية حول بعض الممارسات المرتبطة بالمعاملات الإدارية خلال تلك المرحلة.
وقد تنامت هذه الظاهرة خلال السنوات الماضية مع تفاقم بعض الممارسات السلبية التي رافقت المرحلة السابقة، ما ساهم في ترسيخها داخل بعض المفاصل الإدارية، في حين تعمل الحكومة السورية الحالية على مكافحتها والحد من انتشارها عبر تعزيز الإجراءات الرقابية وتطوير آليات العمل الإداري بما يحد من فرص انتشارها ويعزز مبادئ الشفافية والنزاهة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور ركان رحال، محاضر في القانون الدولي ومحامٍ مزاول للمهنة في سوريا، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن جريمة الرشوة في القانون السوري تُعرّف ببساطة على أنها استغلال الوظيفة أو المنصب لتحقيق منفعة خاصة، موضحاً أنها تتحقق عندما يطلب الموظف أو يقبل فائدة أو مقابلاً لقاء القيام بعمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه، كما تشمل من يقدم الرشوة أو يتوسط فيها.
وأشار إلى أن قانون العقوبات يعاقب جميع الأطراف المشاركة في جريمة الرشوة، مبيناً أن العقوبة تكون أشد بحق الموظف المرتشي لأنه يخل بواجبات الوظيفة العامة، لافتاً إلى أن العقوبات تختلف بحسب ظروف كل قضية وطبيعة الفعل المرتكب.
ونوّه إلى أن القانون يتيح إعفاء الراشي أو الوسيط من العقوبة في حالات معينة، وذلك إذا بادر إلى الإبلاغ عن الجريمة أو كشفها قبل اكتشافها من قبل السلطات، بهدف تشجيع كشف جرائم الفساد والحد منها.
وبيّن أن قضايا الرشوة تعد من القضايا الصعبة من ناحية الإثبات، لأنها غالباً ما تتم بعيداً عن العلن، موضحاً أن المحاكم تعتمد على الأدلة والقرائن والشهادات والتحقيقات التي تجريها الجهات المختصة للوصول إلى الحقيقة.
وذكر أن الرشوة من أخطر الجرائم التي لا تضر فرداً واحداً فقط، بل تؤثر على ثقة الناس بالمؤسسات، مؤكداً أنه عندما يشعر المواطن بعدم تطبيق القانون بالتساوي على الجميع تتراجع الثقة بالدولة وتضعف فكرة العدالة.
وأفاد في تصريح خاص لـ شام بأن التبليغ عن قضايا الرشوة يمثل الخطوة الأولى في مكافحة الفساد، إذ لا يمكن محاسبة أي مخالف أو كشف شبكات الفساد دون توفر معلومات أو شكاوى تساعد الجهات المختصة على التحرك.
وأوضح أن من المهم التمسك بالإجراءات القانونية وعدم اعتبار الرشوة وسيلة طبيعية لإنجاز المعاملات، مشدداً على أن الموظف يجب أن يدرك أن أي منفعة يتلقاها مقابل عمله الوظيفي قد تعرضه للمساءلة القانونية مهما كانت قيمتها.
وأكد أن مكافحة الرشوة لا تتحقق فقط من خلال العقوبات، بل أيضاً عبر تحسين الإدارة وتبسيط الإجراءات وتعزيز الرقابة والمساءلة، مشيراً إلى أنه كلما كانت المؤسسات أكثر شفافية وتنظيماً تراجعت فرص انتشار الفساد والرشوة.
يرى مختصون اجتماعيون أن الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالفساد، ومنها الرشوة، لا يمكن معالجتها بشكل فعّال من خلال الإجراءات العقابية وحدها، بل من خلال بناء بيئة مجتمعية تقوم على تعزيز قيم النزاهة والعدالة في التعامل اليومي، مضيفين أن نشر الوعي المجتمعي حول مخاطر هذه الممارسات يعد خطوة أساسية في الحد من انتشارها، إلى جانب دور المؤسسات في ترسيخ ثقافة احترام القانون والابتعاد عن الوساطات غير الرسمية.
ويؤكد المختصون أن تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات يشكل عاملاً محورياً في تقليل السلوكيات السلبية، مشددين على أن وضوح الإجراءات وسهولة الوصول إلى الخدمات يقللان من فرص اللجوء إلى أي ممارسات غير قانونية.
ويذكر أن المستشار الاقتصادي كرم الشعار قد أوضح عبر منشور على منصة إكس تراجعاً محدوداً في انتشار الرشوة داخل بعض المؤسسات الحكومية، مستنداً إلى مشاهدات ونقاشات محدودة عقب إسقاط نظام الأسد البائد، متسائلاً عن انعكاس ذلك على التصنيفات الدولية.
وأشار إلى أن أحدث مؤشر لمدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية أظهر تقدم سوريا 5 مراكز فقط في عام 2026، لتبقى ضمن الدول الأكثر فساداً عالمياً (172 من أصل 182)، وكشف عن تنفيذ إجراءات حكومية اعتبرت لافتة، شملت إيقاف 94 موظفاً عن العمل في عدة محافظات ضمن جهود ضبط المخالفات، ولفت إلى أن هذه الخطوات تعد مؤشراً على مسار إصلاحي، مع التأكيد على أن معالجة ملف الفساد ما تزال طويلة ومعقدة.
وتبقى جريمة الرشوة من القضايا التي تحظى باهتمام متزايد نظراً لما تتركه من انعكاسات على مختلف جوانب العمل الإداري والمجتمعي، في ظل استمرار الجهود الرامية إلى التعامل معها عبر الإجراءات القانونية والتنظيمية المعتمدة، وفي هذا الإطار، يستمر التركيز على تعزيز آليات الضبط والرقابة، إلى جانب تطوير بيئة العمل بما يسهم في تنظيم المعاملات والحد من الممارسات المخالفة.