العملية الامتحانية بالسويداء.. بين عرقلة ميليشيات الهجري وجهود الدولة لضمان حق التعليم
العملية الامتحانية بالسويداء.. بين عرقلة ميليشيات الهجري وجهود الدولة لضمان حق التعليم
● محليات ٢ يونيو ٢٠٢٦

العملية الامتحانية بالسويداء.. بين عرقلة ميليشيات الهجري وجهود الدولة لضمان حق التعليم

تحول ملف الامتحانات العامة في محافظة السويداء خلال العامين الماضيين إلى واحد من أكثر الملفات حساسية بعدما تداخلت الاعتبارات التعليمية مع التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها المحافظة منذ صيف عام 2025.

وبينما سعت وزارة التربية والتعليم إلى الحفاظ على وحدة الشهادة السورية والمعايير الوطنية الناظمة للعملية الامتحانية، برزت محاولات محلية لفرض مسارات موازية خارج الإطار الرسمي، ما أدى في النهاية إلى نقل المراكز الامتحانية لطلاب السويداء إلى محافظة ريف دمشق، في خطوة أكدت الحكومة إنها جاءت لحماية مستقبل الطلاب وضمان حقهم في الحصول على شهادة معترف بها داخل سوريا وخارجها.

وبدأت جذور الأزمة مع الأحداث الأمنية والعسكرية التي شهدتها محافظة السويداء منتصف عام 2025، والتي تزامنت مع امتحانات الشهادة الثانوية العامة ففي ذلك الوقت، تمكن طلاب شهادة التعليم الأساسي من استكمال امتحاناتهم وصدرت نتائجهم بشكل طبيعي، في حين توقفت امتحانات الشهادة الثانوية العامة نتيجة الظروف الأمنية التي رافقت تلك المرحلة.

وبعد اتساع رقعة سيطرة المجموعات المسلحة داخل المحافظة، استأنفت مديرية التربية في السويداء العملية الامتحانية بشكل منفرد ودون تنسيق مع وزارة التربية والتعليم، الأمر الذي دفع الوزارة إلى عدم تبني تلك الدورة الامتحانية باعتبارها لم تجري وفق الأطر القانونية والفنية المعتمدة على مستوى البلاد.

ومع دخول العام الدراسي 2025 – 2026، وجدت الحكومة نفسها أمام تحدي ضمان عدم تكرار الأزمة، ولا سيما أن آلاف الطلاب كانوا مهددين بخسارة عام دراسي جديد وبحسب المعطيات الرسمية، استمرت الدولة طوال الفترة الماضية في إدارة القطاع التربوي داخل المحافظة، حيث واصلت وزارة التربية تشغيل 591 مدرسة، وتأمين رواتب نحو 13 ألفاً و700 معلم وعامل تربوي، إلى جانب استمرار العملية التعليمية رغم الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة.

وخلال الأشهر التي سبقت الامتحانات، شهد الملف سلسلة من الاجتماعات والمفاوضات بين وزارة التربية ومديرية التربية في السويداء. وتؤكد مصادر مطلعة أن الوزارة طرحت في البداية آلية متكاملة تضمن إجراء الامتحانات داخل المحافظة وفق المعايير الوطنية المعتمدة، من خلال إرسال مئات المراقبين والإداريين للإشراف المباشر على العملية الامتحانية وتأمين نقل الأسئلة وحفظ سريتها وضمان نزاهة الامتحانات.

في المقابل، قدمت مديرية التربية في السويداء مقترحات بديلة تضمنت تخفيض عدد المندوبين والمراقبين القادمين من الوزارة إلى عشرات المندوبات فقط، وأن تتم طباعة الأسئلة داخل المحافظة، مع إسناد جزء كبير من مهام الإشراف والتصحيح إلى الكوادر المحلية، إضافة إلى المطالبة بمراعاة الظروف الاستثنائية للطلاب من خلال اعتماد مفاضلة جامعية خاصة للناجحين.

وبحسب المعلومات المتقاطعة، أبدت وزارة التربية مرونة تجاه عدد من هذه المقترحات، وأعربت عن استعدادها للتعاون بما يضمن إجراء الامتحانات داخل المحافظة، لكنها تمسكت بشرط أساسي يتمثل في توفير ضمانات أمنية واضحة تضمن سلامة الكوادر الوزارية والمراكز الامتحانية والأسئلة الامتحانية، باعتبار أن الحفاظ على نزاهة الشهادة السورية يمثل التزاماً وطنياً وقانونياً لا يمكن التهاون فيه.

وفي إطار الجهود الرامية لإنجاح العملية الامتحانية، دخلت الأمم المتحدة على خط المشاورات، حيث أعلنت لاحقاً عبر حسابها الرسمي أنها عقدت سلسلة مشاورات حول سبل دعم طلاب السويداء وضمان سلامتهم وتأمين بيئة مناسبة لإجراء الامتحانات كما بحثت منظمات دولية وجهات كنسية إمكانية مرافقة الوفود الوزارية أو المساهمة في توفير ترتيبات لوجستية وأمنية تسهل تنفيذ الامتحانات داخل المحافظة.

إلا أن هذه الجهود لم تصل إلى نتائج عملية، بعدما بقيت مسألة الضمانات الأمنية والعلاقة مع المؤسسات الرسمية للدولة نقطة الخلاف الأساسية وتشير المعلومات إلى أن المرجعية الدينية الممثلة بالشيخ حكمت الهجري رفضت دخول وفود وزارية إلى المحافظة، كما أبدت تحفظاً على بعض المقترحات الدولية المتعلقة بمرافقة الوفود أو الإشراف على العملية الامتحانية.

ومع تعثر المفاوضات، اتجهت بعض الجهات المحلية إلى طرح خيار إجراء الامتحانات بصورة مستقلة عن وزارة التربية السورية وترافق ذلك مع حملات إعلامية واسعة تحدثت عن إمكانية الحصول على اعترافات خارجية بالشهادات أو إيجاد بدائل تعليمية للطلاب خارج إطار الشهادة السورية الرسمية.

غير أن هذه الطروحات اصطدمت سريعاً بالواقع القانوني، إذ إن الشهادات العامة في سوريا تخضع لمنظومة وطنية موحدة ترتبط بالمناهج الرسمية والإشراف المركزي والاعتراف الأكاديمي داخل البلاد وخارجها، ما جعل خيار الامتحانات المنفصلة يواجه عقبات كبيرة تتعلق بشرعية الشهادات ومستقبل الطلاب الجامعي.

وفي خضم هذه التطورات، شهدت مديرية التربية في السويداء أحداثاً إدارية وأمنية معقدة. فبعد تزايد الانتقادات المتعلقة بإدارة الملف التربوي، جرى تعيين الأستاذ صفوان بلان مديراً جديداً للتربية بالتوافق مع عدد من الفعاليات المحلية، إلا أن هذه الخطوة لم تستمر طويلاً، إذ تعرض مبنى المديرية لاقتحام من قبل عناصر مسلحة من ميليشيا الهجري، وتم إجبار المدير الجديد على الاستقالة، ما أدى إلى تعميق حالة الفوضى الإدارية وأضعف فرص الوصول إلى اتفاق مستقر مع الوزارة.

ومع اقتراب موعد الامتحانات، عقدت جولات جديدة من الاجتماعات بين ممثلين عن مديرية التربية ووزارة التربية، وأبدى ممثلو المديرية خلال بعض اللقاءات موافقة مبدئية على العودة إلى الآلية التي اعتمدت في سنوات سابقة غير أن تلك التفاهمات لم تُستكمل بسبب استمرار الاعتراض على دخول فرق الإشراف الوزارية والإصرار على إدارة العملية الامتحانية بصورة مستقلة، وهو ما اعتبرته الوزارة تجاوزاً للمعايير الوطنية التي تطبق على جميع المحافظات دون استثناء.

وأمام انسداد الأفق، اتخذت وزارة التربية والتعليم قراراً بنقل المراكز الامتحانية الخاصة بطلاب محافظة السويداء إلى مناطق جرمانا وصحنايا والأشرفية في محافظة ريف دمشق وأكدت الوزارة أن القرار لم يكن عقوبة أو إجراءً استثنائياً بحق الطلاب، بل جاء كحل اضطراري يضمن إجراء الامتحانات ضمن بيئة قانونية وآمنة ومعترف بها، ويمنع ضياع عام دراسي جديد على آلاف الطلبة.

وبحسب الإحصائيات، يتجاوز عدد الطلاب المشمولين بالإجراءات الجديدة 14 ألف طالب وطالبة من مختلف الشهادات العامة، في وقت كانت وزارة التربية قد أعلنت سابقاً أن عدد المتقدمين للامتحانات العامة على مستوى سوريا يبلغ نحو 832 ألف طالب وطالبة موزعين على ما يقارب ثلاثة آلاف مركز امتحاني في مختلف المحافظات.

ولتسهيل مشاركة طلاب السويداء، أطلقت الحكومة السورية ومحافظة السويداء سلسلة من الإجراءات اللوجستية والخدمية فقد أعلنت المحافظة تأمين النقل المجاني لجميع الطلاب من وإلى المراكز الامتحانية، إضافة إلى توفير الدعم الكامل للطلاب الراغبين بالمبيت في ريف دمشق خلال فترة الامتحانات كما تم إطلاق منصات وروابط إلكترونية لتسجيل الاحتياجات الخاصة بالنقل والإقامة بهدف تنظيم العملية وضمان وصول الخدمات إلى جميع الطلاب.

كما أصدرت وزارة التربية قوائم التوزيع النهائية للطلاب، وأكدت استكمال تجهيز المراكز الامتحانية بشكل كامل، موضحة أن البطاقات الامتحانية ستكون جاهزة داخل القاعات قبل وصول الطلاب، بما يسهل إجراءات الدخول ويخفف الأعباء الإدارية عنهم.

وفي السياق نفسه، أجرى وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو ومحافظ السويداء مصطفى البكور جولات ميدانية على المراكز الامتحانية في جرمانا وصحنايا والأشرفية للاطلاع على جاهزيتها والتأكد من استكمال جميع المتطلبات الفنية والخدمية.

من جانبها أكدت الأمم المتحدة أنها أجرت مشاورات مكثفة بشأن سبل دعم الطلاب وضمان نزاهة العملية الامتحانية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن هذه المشاورات لم تتمكن من تجاوز التحديات القائمة المتعلقة بإجراء الامتحانات داخل السويداء، ما أبقى خيار المراكز الامتحانية في ريف دمشق الخيار المعتمد والوحيد لإنجاز الامتحانات وفق الأصول الرسمية.

وفي مقابل هذه الجهود، تحدثت تقارير محلية وإعلامية عن تعرض بعض الطلاب لضغوط ومحاولات لمنعهم من الوصول إلى المراكز الامتحانية الجديدة، إضافة إلى حملات إعلامية هدفت إلى التشكيك بجدوى التوجه إلى دمشق وريفها لتقديم الامتحانات.

كما أشارت مصادر محلية إلى تسجيل حالات اعتراض لحافلات تقل طلاباً متجهين إلى مراكزهم الامتحانية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بشأن إمكانية استخدام الملف التعليمي كورقة ضغط سياسية.

وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه شريحة واسعة من طلاب السويداء الجامعيين تطالب بضمانات أمنية وبيئة تعليمية مستقرة داخل الجامعات السورية، بعد الأحداث التي شهدتها بعض المدن الجامعية خلال الأسابيع الماضية.

ورغم تلك المخاوف، يؤكد العديد من الطلاب أن استكمال المسيرة التعليمية والحفاظ على الاعتراف الرسمي بالشهادات يبقى الخيار الأكثر أهمية بالنسبة لهم، باعتباره الضمانة الأساسية لمستقبلهم الأكاديمي والمهني.

في حين تكشف أزمة الامتحانات في السويداء حجم التحديات التي واجهها القطاع التعليمي خلال العامين الماضيين، لكنها تظهر أيضاً إصرار الدولة على الحفاظ على وحدة الشهادة السورية والمعايير الوطنية الناظمة لها وبين التجاذبات السياسية والظروف الأمنية المعقدة، بقي الطالب الحلقة الأكثر تأثراً، وهو ما دفع الحكومة إلى تبني خيار المراكز البديلة في ريف دمشق باعتباره المسار الأكثر واقعية لضمان حق آلاف الطلاب في التقدم لامتحاناتهم وعدم خسارة مستقبلهم الدراسي.

وحسب بيانات وتصريحات رسمية وتقارير إعلامية، أعلنت مجموعات مرتبطة بما يسمى "الحرس الوطني" في السويداء رفضها خروج الطلاب نحو دمشق، وأصدرت ما عُرف بـ"غرفة عمليات شهبا" بياناً دعت فيه إلى منع انتقال الطلاب بحجة الظروف الأمنية.

وتحدثت مصادر محلية وتقارير إعلامية عن قيام عناصر مسلحة بإيقاف عدد من الحافلات ومنع طلاب من متابعة طريقهم نحو دمشق، إضافة إلى إجبار بعضهم على العودة إلى المحافظة كما انتشرت على نطاق واسع شائعات تتحدث عن مخاطر أمنية على طريق دمشق – السويداء، الأمر الذي أثار حالة من القلق بين الطلاب وعائلاتهم.

في المقابل، نفت الجهات الرسمية هذه الروايات، وأكدت أن الطريق الواصل بين دمشق والسويداء يشهد حركة طبيعية، وأن الجهات الأمنية المختصة تتابع حركة العبور بشكل اعتيادي كما أوضح مدير العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء قتيبة عزام أن الحافلات التي خُصصت لنقل الطلاب كانت تصل في بعض الأحيان إلى نقاط التجمع فارغة نتيجة منع الطلاب من الوصول إليها داخل المحافظة، معتبراً أن المشكلة لا ترتبط بسلامة الطريق بقدر ما ترتبط بمنع بعض الطلاب من المغادرة.

هذا وأثارت هذه التطورات ردود فعل واسعة بين الأهالي والفعاليات الاجتماعية والتربوية، الذين طالبوا بتحييد التعليم عن الخلافات السياسية والأمنية، وعدم تحويل مستقبل الطلاب إلى أداة ضغط أو ورقة تفاوض كما برزت دعوات متزايدة لضمان حق الطلاب في اختيار المسار التعليمي الذي يكفل لهم الحصول على شهادة رسمية معترف بها، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.

ويعتبر مراقبون أن هذه المرحلة شكلت الاختبار الأصعب في ملف الامتحانات، إذ انتقل الجدل من النقاش حول مكان إجراء الامتحان إلى مسألة أكثر حساسية تتعلق بحرية الطلاب في الوصول إلى مراكزهم الامتحانية، وهو ما دفع الحكومة إلى التشديد على أن الهدف الأساسي من جميع الإجراءات المتخذة هو حماية حق الطلاب في التعليم والحفاظ على وحدة الشهادة السورية ومعاييرها الوطنية الموحدة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ