مركز جسور: إعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية في سوريا تتجه نحو مركزية القرار وتواجه تحديات الشفافية والحوكمة
كشف مركز جسور للدراسات، في تقرير أعده الباحث طلال اسعيّد، أن سوريا دخلت بعد التحرير مرحلة جديدة من إعادة هيكلة مؤسساتها الاقتصادية، بعد سنوات تشكل خلالها اقتصاد هجين جمع بين الاقتصاد الرسمي المحدود، والاقتصاد غير الرسمي الواسع، واقتصاد الظل المرتبط بأنشطة غير مشروعة.
وأوضح التقرير أن الحكومة الجديدة أصدرت خلال عام سلسلة مراسيم أعادت رسم البنية المؤسسية للاقتصاد السوري، من خلال إنشاء المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، وصندوق التنمية السوري، والصندوق السيادي، وإعادة تنظيم هيئة الاستثمار، إضافة إلى تشكيل هيئات جديدة لإدارة المعابر والجمارك والموانئ والطيران.
إعادة بناء مؤسسات الدولة
أشار التقرير إلى أن الاقتصاد السوري قبل التحرير كان يقوم شكلياً على مؤسسات وهيئات حكومية، إلا أن آليات عمله الفعلية ارتبطت بالمحسوبية وشبكات النفوذ والولاء المرتبطة بالأجهزة السياسية والأمنية ورجال الأعمال المقربين من نظام الأسد البائد.
وبيّن أن المرحلة الجديدة شهدت توجهاً لإعادة بناء إطار مؤسسي منظم للاقتصاد، عبر نقل ملفات التمويل والاستثمار وإدارة الأصول والمعابر إلى كيانات مركزية ترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، بهدف توحيد القرار الاقتصادي وتسريع إدارة الملفات الكبرى.
صندوق التنمية والصندوق السيادي
لفت التقرير إلى أن صندوق التنمية السوري أُنشئ ككيان مستقل يرتبط برئاسة الجمهورية، ويتولى تمويل مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات والمرافق العامة، مع صلاحيات واسعة في تلقي المنح والتبرعات وإبرام الاتفاقيات.
وأوضح أن الصندوق السيادي السوري أُنشئ بدوره لإدارة الأصول الحكومية واستثمار الموارد غير المستغلة في مشاريع إنتاجية وتنموية، بما يشمل بعض الشركات والأصول التي انتقلت إلى الدولة ضمن ملفات التسويات والكسب غير المشروع.
وأشار التقرير إلى أن ارتباط الصندوقين بالرئاسة يمنح الحكومة قدرة أكبر على إدارة الموارد، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات مرتبطة بمستوى الإفصاح والرقابة المؤسسية.
المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية
ذكر التقرير أن إنشاء المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية شكّل انتقالاً مهماً في إدارة السياسة الاقتصادية من المستوى الوزاري التقليدي إلى مستوى مركزي فوق وزاري، إذ يتولى المجلس الإشراف على هيئة الاستثمار وتحديد الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية.
وأوضح أن هذا النموذج يمنح الحكومة مرونة وسرعة أكبر في اتخاذ القرار، لكنه يحتاج إلى مستويات أعلى من الشفافية والحوكمة، ولا سيما في ما يتعلق بالقيم المالية للمشاريع وآليات التعاقد ومعايير اختيار المستثمرين.
تنظيم الاستثمار والمعابر
أكد التقرير أن إعادة تنظيم هيئة الاستثمار السورية وربطها برئاسة الجمهورية جعلها ذراعاً تنفيذية للمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، من خلال إدارة مراكز خدمات المستثمرين والنافذة الواحدة وإعداد الخارطة الاستثمارية.
وأشار إلى أن الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية والجمارك جاءت لتوحيد إدارة المعابر والمرافئ والمناطق الحرة والجمارك ضمن كيان واحد، بعد سنوات من تعدد الجهات المشرفة على الحدود والإيرادات الجمركية.
وبيّن أن هذه الخطوة تهدف إلى ضبط التجارة ومكافحة التهريب وتوحيد الجباية، لكنها تتطلب إفصاحاً أوضح حول العقود والاستثمارات والإيرادات المتحققة.
تفكيك اقتصاد الحرب
أوضح التقرير أن لجنة مكافحة الكسب غير المشروع تمثل إحدى أدوات الحكومة لإعادة دمج جزء من الأموال والأصول المرتبطة بشبكات النفوذ السابقة ضمن الاقتصاد الرسمي.
وأشار إلى أن اللجنة تعمل عبر برامج الإفصاح الطوعي والتسويات المالية، وملاحقة أصول وشركات مرتبطة برجال أعمال وشخصيات استفادت من اقتصاد الحرب وشبكات المحسوبية خلال حقبة نظام الأسد البائد.
ولفت إلى أن الحكومة تسعى أيضاً إلى تفكيك اقتصاد التهريب، عبر تشديد العقوبات وتوحيد إدارة المعابر وضبط الحدود، غير أن شبكات المصالح التي ترسخت خلال السنوات الماضية ما تزال تشكل تحدياً كبيراً.
تحديات الشفافية والمشاركة
حذر التقرير من أن مركزية القرار الاقتصادي، رغم قدرتها على تسريع الإجراءات، قد تؤدي إلى تراجع دور الوزارات والمؤسسات التقليدية والقطاع الخاص في صناعة القرار.
وأشار إلى أن بعض القرارات الاقتصادية صدرت دون مشاورات كافية مع غرف التجارة والصناعة، ما دفع الحكومة أحياناً إلى تعديلها أو التراجع عنها تحت ضغط السوق والاعتراضات.
كما لفت إلى استمرار تحديات مرتبطة بضعف الإفصاح المؤسسي حول العقود والمشاريع، وتداخل الصلاحيات بين السياسة المالية والنقدية، وتفاوت السيطرة على الموارد بين المناطق السورية.
خلاصة التقرير
خلص مركز جسور إلى أن إعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية في سوريا تكشف توجهاً واضحاً نحو بناء نموذج اقتصادي أكثر مركزية، يرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، ويهدف إلى توحيد إدارة الاستثمار والموارد والمعابر والأصول العامة.
وأكد التقرير أن استدامة هذا النموذج تبقى مرتبطة بقدرة الحكومة على تطوير الحوكمة والشفافية والرقابة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات الاقتصادية في صياغة القرار الاقتصادي، بما يمنع إعادة إنتاج أنماط الريع والمحسوبية التي سادت خلال العقود الماضية.