مواجهة خطاب الكراهية في سوريا.. كيف نوازن بين حرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى؟
تطرح النقاشات المتزايدة حول خطاب الكراهية والمعلومات المضللة في سوريا سؤالاً يتعلق بكيفية الحفاظ على مساحة مفتوحة للتعبير والنقد، وفي الوقت نفسه الحد من المحتوى الذي يمكن أن يتحول من مناقشة الأفكار والأحداث إلى استهداف أشخاص أو جماعات على أساس هويتهم أو انتمائهم.
وتزداد أهمية هذا النقاش في مجتمع تأثر بسنوات طويلة من الحرب والنزوح والانقسامات الاجتماعية والسياسية، إذ يمكن للخطاب المتداول في وسائل الإعلام ومنصات التواصل أن يؤثر في طريقة تناول الخلافات والحوادث العامة، سواء من خلال تقديم المعلومات في سياقها، أو عبر التعميم وربط الأفعال الفردية بجماعات كاملة.
متى يتجاوز الرأي حدود الاختلاف؟
لا يشكل الاختلاف في المواقف والآراء بحد ذاته خطاب كراهية، كما أن النقد السياسي أو الاجتماعي أو الإعلامي، بما في ذلك النقد الحاد، يبقى جزءاً من النقاش العام ما دام موجهاً إلى الأفكار والسياسات والممارسات والأفعال.
لكن الإشكالية تبدأ عندما ينتقل الخطاب من مناقشة فعل محدد إلى تعميمه على مجموعة من الأشخاص بسبب انتمائهم الديني أو المناطقي أو الاجتماعي، أو عندما تصبح هوية الفرد سبباً لاستهدافه بدلاً من مناقشة الفعل المنسوب إليه.
ويجعل ذلك التمييز بين النقد والتحريض مسألة أساسية في أي نقاش حول مواجهة خطاب الكراهية، حتى لا يستخدم المصطلح بصورة فضفاضة تشمل الآراء المخالفة أو الاعتراضات المشروعة.
لماذا تبرز الحاجة إلى حملات توعية؟
هنا تكمن الحاجة ولو كانت متأخرة إلى حملات تستهدف رفع الوعي المجتمعي بتأثير المحتوى المضلل والخطابات المحرضة على الأفراد والمجتمع، والحد من الرسائل التي تغذي الانقسام والعنف، بالتوازي مع تعزيز الوعي المهني لدى العاملين في المجال الإعلامي.
وتقوم أهمية مثل هذه الحملات على تقديم أدوات تساعد الجمهور والعاملين في الإعلام على التمييز بين التعبير عن الموقف وبين المحتوى الذي يتضمن تحريضاً أو تعميماً، وليس على افتراض أن الاختلاف في الرأي يمثل مشكلة بحد ذاته.
المعلومات المضللة وخطاب الكراهية
ويرتبط جانب من النقاش حول خطاب الكراهية بطريقة تداول المعلومات، خصوصاً في الحوادث التي تحمل أبعاداً اجتماعية أو أمنية أو مناطقية حساسة.
فقد يؤدي نشر معلومات غير موثقة أو تقديم رواية واحدة بوصفها حقيقة نهائية إلى بناء مواقف عامة قبل اكتمال المعلومات، بينما يمكن أن يوسع ربط الحوادث الفردية بهوية أطرافها دائرة النقاش من المسؤولية الفردية إلى اتهامات متبادلة بين مجموعات اجتماعية.
ولا يعني ذلك الامتناع عن تناول هوية الأطراف عندما تكون ذات صلة مباشرة بالخبر، وإنما يرتبط الأمر بالسياق التحريري ومدى ضرورتها لفهم الواقعة، وطريقة تقديمها دون تحميل جماعة بأكملها مسؤولية تصرفات أفراد منها، ومن هنا، يصبح التحقق من المعلومات قبل نشرها أحد العناصر التي تربط بين مواجهة التضليل والحد من الخطابات المحرضة.
الإعلام أمام مسؤولية مهنية
وتبرز في هذا السياق مسؤولية المؤسسات الإعلامية، نظراً إلى قدرتها على توسيع نطاق الرسائل المتداولة وإعادة تقديمها إلى جمهور أكبر.
وتشمل هذه المسؤولية التحقق من المعلومات ونسب الادعاءات إلى أصحابها، والتمييز بين الوقائع والآراء، وتجنب التعميم، ومنح الأطراف المعنية حق الرد، إضافة إلى الانتباه إلى دلالة العناوين والمصطلحات المستخدمة في القضايا الحساسة.
كما تطرح منصات التواصل تحدياً إضافياً، إذ أصبح إنتاج المحتوى ونشره متاحاً خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، وأصبح من الممكن لرواية أو تسجيل أو منشور غير موثق أن يصل خلال فترة قصيرة إلى جمهور واسع.
الحملات وحدها لا تكفي
ومع أهمية الحملات التوعوية في فتح النقاش حول المصطلحات والممارسات، فإن الحد من خطاب الكراهية لا يرتبط بحملة إعلامية واحدة أو فترة زمنية محددة.
فالتعامل مع الظاهرة يتطلب ممارسات مستمرة داخل المؤسسات الإعلامية، ورفع مستوى الثقافة الرقمية لدى الجمهور، وتطوير مهارات التحقق من المعلومات، إلى جانب وجود معايير واضحة تفرق بين النقد المشروع والتحريض والاستهداف القائم على الهوية.
كما أن فعالية أي جهود في هذا المجال ترتبط بمدى تطبيق المعايير بصورة متساوية، بغض النظر عن هوية الشخص أو الجماعة التي يستهدفها الخطاب، حتى لا تتحول مكافحة الكراهية نفسها إلى موضوع للاستقطاب.
الكلمة في مرحلة التعافي
تتجاوز عملية التعافي من آثار الحرب إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات إلى معالجة آثار الانقسام وفقدان الثقة داخل المجتمع، وهو مسار تلعب فيه المؤسسات والإعلام والمجتمع المدني والأفراد أدواراً مختلفة.
وفي هذا الإطار، تمثل الحملات الوطنية لمواجهة خطاب الكراهية إحدى أدوات التوعية وليست بديلاً عن الحوار أو القانون أو العمل المؤسسي، فيما يبقى نجاحها مرتبطاً بقدرتها على ترسيخ معايير واضحة تحمي النقاش العام من التحريض دون التضييق على مساحة الاختلاف.
وبين حق الفرد في التعبير ومسؤوليته عن أثر ما ينشره، تبرز الحاجة إلى بيئة تسمح بالنقد والاعتراض وتعدد الآراء، مع إبقاء المسؤولية مرتبطة بالأفعال والأفراد والأدلة، بعيداً عن التعميم والاستهداف الجماعي.