بين العقيدة والمصلحة.. هل تحكم الرواية الدينية الإسرائيلية مسار التفاوض مع سوريا؟
سلط الكاتب والصحفي ماجد عبد النور الضوء على موقع الخطاب الديني الإسرائيلي في مسار المفاوضات مع سوريا، معتبراً أن التجارب التفاوضية السابقة أظهرت حضور الحسابات الأمنية والسياسية والمصالح الجيوسياسية بصورة أكبر من الاعتبارات الدينية والتاريخية التي تظهر في بعض الخطابات الإسرائيلية.
ورأى عبد النور، في مقال نشرته صحيفة «الثورة السورية» بعنوان «ما وزن الخطاب الديني الإسرائيلي في التفاوض مع سوريا؟»، أن قراءة تاريخ المفاوضات تكشف اختلافاً بين الخطاب المستخدم في المجال السياسي الداخلي الإسرائيلي وبين الاعتبارات التي حكمت التفاوض مع دمشق خلال العقود الماضية.
من حرب 1967 إلى تحول 1973
استعرض عبد النور التحولات التي طرأت على المقاربة الإسرائيلية للصراع بعد حرب حزيران 1967 واحتلال الجولان، مشيراً إلى أن نتائج الحرب عززت لدى إسرائيل شعوراً بفائض القوة والاعتقاد بأن الدول العربية لن تعود إلى الخيار العسكري لاستعادة الأراضي التي خسرتها.
ورأى أن حرب تشرين 1973 أحدثت تحولاً في هذه المقاربة، إذ أظهرت لإسرائيل أن الخيار العسكري العربي لم ينته، وهو ما دفعها، وفق تحليله، إلى التفكير بصورة أكثر جدية في التسويات الإقليمية والترتيبات الأمنية.
وربط الكاتب هذا التحول بالمسارات السياسية التي ظهرت لاحقاً، من اتفاقية السلام مع مصر، مروراً باتفاقية وادي عربة مع الأردن، وصولاً إلى اتفاقيات أوسلو مع الفلسطينيين.
عقيدتان في مواجهة بعضهما
في المقابل، رأى عبد النور أن السياسة السورية منذ مرحلة التأسيس وحتى عهد حافظ الأسد تأثرت بالأيديولوجيا القومية العربية التي كانت دمشق أحد أبرز مراكزها، وبموقف ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً أساسياً من التصور القومي للصراع.
وفي الطرف الآخر، وصف الكاتب الصهيونية بأنها أيديولوجيا قومية شديدة الصلابة، معتبراً أن التصادم بين الرؤيتين ساهم في تعقيد فرص الوصول إلى تسوية، إلى جانب الحسابات العسكرية والاستراتيجية التي حكمت العلاقة بين سوريا وإسرائيل.
مدريد يعيد التفاوض إلى الواجهة
أشار عبد النور إلى أن المتغيرات الدولية والإقليمية أعادت ملف التفاوض إلى الواجهة في مطلع التسعينيات، ولا سيما انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي كان يمثل داعماً رئيسياً لدمشق، إلى جانب الظروف الأمنية والسياسية التي كانت تواجهها إسرائيل.
وبحسب المقال، استثمرت الولايات المتحدة تلك المتغيرات بعد حرب الخليج للدفع نحو مؤتمر مدريد للسلام، قبل انتقال المفاوضات السورية الإسرائيلية إلى جولات مباشرة في الولايات المتحدة.
وأوضح أن تلك المباحثات تمحورت بصورة أساسية حول مطالبة سوريا بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجولان، مقابل طرح إسرائيلي يقوم على الانسحاب التدريجي وربطه بترتيبات وضمانات أمنية، قبل أن تصل المفاوضات إلى طريق مسدود رغم التقارب الذي تحقق في بعض مراحلها.
مفاوضات في عهد بشار الأسد
تناول عبد النور مرحلة انتقال السلطة إلى بشار الأسد وما رافقها من تحولات إقليمية، بينها انتفاضة الأقصى وهجمات أيلول 2001 والغزو الأميركي لأفغانستان والعراق وحروب لبنان وغزة واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ورأى أن الضغوط التي تعرض لها نظام الأسد خلال تلك المرحلة جعلت التسوية مع إسرائيل أحد المسارات التي يمكن أن تخفف الضغوط السياسية المحيطة به.
وفي المقابل، أشار إلى تصاعد القلق الإسرائيلي من تنامي النفوذ الإيراني وعلاقة دمشق بطهران، لافتاً إلى دخول حكومة إيهود أولمرت في مفاوضات غير مباشرة مع سوريا بوساطة تركية.
وبحسب عبد النور، وصلت تلك المفاوضات إلى مراحل متقدمة، وقامت على معادلة تتعلق بإعادة الجولان مقابل ابتعاد سوريا عن إيران، إلا أن المسار لم يكتمل، قبل أن تتوقف محاولات التفاوض اللاحقة مع اندلاع الثورة السورية عام 2011.
أين كان الخطاب الديني؟
يركز عبد النور في مقالته على أن الأدبيات الدينية والتاريخية لم تكن، بحسب قراءته، عنصراً أساسياً على طاولات المفاوضات السورية الإسرائيلية السابقة.
وأشار إلى أن المفاوضات لم تُبنَ على مفاهيم من قبيل «أرض باشان» أو سرديات تاريخية ودينية مشابهة، وإنما انصبت على قضايا الانسحاب والحدود والترتيبات الأمنية والعلاقات الإقليمية والضمانات السياسية.
ومن هنا، يخلص الكاتب إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن الحسابات الأمنية والمصلحية كانت العامل الأكثر حضوراً في المفاوضات، وأن إسرائيل دخلت بعض هذه المسارات تحت تأثير الضغوط الأميركية أو نتيجة تغيرات في البيئة الأمنية والإقليمية المحيطة بها.
خطاب داخلي أم أساس للتفاوض؟
يرى عبد النور أن الخطاب الديني الذي يستخدمه بعض السياسيين الإسرائيليين في المرحلة الراهنة يرتبط بدرجة كبيرة بالحسابات السياسية الداخلية ومحاولة استمالة شرائح من الجمهور المتدين.
وبحسب قراءته، فإن الانتقال من الخطاب السياسي الموجه للجمهور إلى طاولة المفاوضات يدفع نحو مقاربة أكثر براغماتية، تتركز فيها النقاشات على الأمن والمصالح والترتيبات العملية بدلاً من الاستناد إلى الروايات الدينية والتاريخية.
ويستند الكاتب في ذلك إلى المسار الطويل للمفاوضات السورية الإسرائيلية، معتبراً أن التجربة التاريخية تقدم مؤشراً على الفارق بين اللغة المستخدمة في الخطاب السياسي الداخلي وبين المعايير التي تحكم التفاوض عند الوصول إلى استحقاقات سياسية وأمنية مباشرة.
«السلام المفقود» ومسار لم يكتمل
اختتم عبد النور مقاله بالإشارة إلى تعدد الأوصاف التي أطلقت على مسار التفاوض السوري الإسرائيلي، مستحضراً وصف الدبلوماسي الأميركي دينيس روس له بـ«السلام المفقود»، فيما وصفه الكاتب السوري رضوان زيادة بـ«السلام الداني».
أما عبد النور، فاعتبر أن التوصيف الأقرب، من وجهة نظره، إلى مخيلة السوريين هو «السلام المشؤوم»، في تعبير يلخص قراءته لمسار تفاوضي امتد لعقود، واقترب في مراحل مختلفة من التسوية من دون أن يصل إلى اتفاق نهائي.