ممارسات سلبية بحق شرطة المرور تفتح نقاشاً حول حدود القانون
شهدت الفترات الأخيرة تكراراً لعدد من الممارسات السلبية بحق عناصر شرطة المرور، بالتوازي مع انتشار مقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي توثق هذه الحوادث، ما أثار حالة من الجدل والتفاعل بين المتابعين.
ودعا معلقون إلى ضرورة محاسبة المسيئين ووضع حد لمثل هذه التصرفات، لا سيما أن عناصر شرطة المرور يؤدون مهامهم ضمن إطار وظيفي منظم، مؤكدين أن ما يُوجَّه إليهم من إساءات لا يندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي، بقدر ما يُعد تجاوزاً وإساءة مباشرة تستوجب المساءلة.
في هذا السياق، قالت المحامية أسماء نعسان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن رجل المرور، أثناء تأديته لمهامه الوظيفية، يُعد موظفاً عاماً يتمتع بالحماية القانونية المقررة لكل من يمارس وظيفة عامة باسم الدولة، وبالتالي فإن أي اعتداء أو إساءة تُوجّه إليه أثناء قيامه بعمله لا تُعامل بوصفها خلافاً شخصياً بين فردين، وإنما بوصفها اعتداءً على موظف يؤدي واجباً عاماً ويعمل على تطبيق القانون.
وأشارت إلى أن القانون يميز بين الاعتراض على إجراء أو مخالفة مرورية، وهو حق مكفول للمواطن ضمن الأطر القانونية، وبين الإساءة أو الاعتداء على رجل المرور، موضحةً أن الألفاظ المهينة والعبارات الحاطة بالكرامة قد تُشكل جريمة يعاقب عليها القانون إذا ارتبطت بصفة الموظف ووظيفته، في حين يُعد الاعتداء الجسدي أكثر خطورة لما ينطوي عليه من مساس مباشر بسلامة الموظف وقدرته على أداء مهامه.
وأضافت أن هذه التصرفات تعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، ولا يمكن حصرها بسبب واحد فقط، حيث يساهم ضعف الوعي القانوني لدى بعض الأفراد في عدم إدراك الحدود الفاصلة بين حق الاعتراض المشروع وبين السلوك الذي يشكل مخالفة أو جريمة.
ونوّهت إلى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية تلعب دوراً في دفع بعض الأشخاص إلى ردود فعل انفعالية وغير محسوبة أثناء التعامل مع الجهات الرسمية.
وبيّنت أن سوء فهم طبيعة عمل رجل المرور وصلاحياته القانونية قد يؤدي أحياناً إلى توتر العلاقة بين المواطن والموظف العام، خاصة عندما يعتقد البعض أن المخالفة أو الإجراء المتخذ بحقهم هو قرار شخصي، في حين أنه في الواقع يطبق أحكام القانون والتعليمات النافذة.
وتحدثت عن الإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لافتةً إلى أنه مع التطور التكنولوجي والانتشار الواسع لهذه الوسائل، لم تعد الإساءة تقتصر على المواجهة المباشرة، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الرقمي من خلال المنشورات والتعليقات والمقاطع المصورة والمحتوى المتداول عبر الإنترنت.
وذكرت أن التشريعات الحديثة تنظر إلى الإساءة الإلكترونية بجدية كبيرة، نظراً لما تتمتع به من سرعة انتشار وقدرة على الوصول إلى عدد واسع من الأشخاص خلال فترة زمنية قصيرة، وأن نشر عبارات مسيئة أو محتوى يتضمن تشهيراً أو إهانة بحق رجل المرور أو أي موظف عام قد يرتب مسؤولية قانونية كما في الإساءة المباشرة.
ولفتت نعسان في تصريح خاص لـ شام، إلى أن العقوبات القانونية تختلف بحسب طبيعة الفعل المرتكب ومدى جسامته والنتائج المترتبة عليه، حيث يفرق القانون بين مجرد الاعتراض على المخالفة المرورية وبين الأفعال التي تنطوي على إهانة أو تهديد أو اعتداء.
وأفادت أنه في حالة الإساءة اللفظية المباشرة، عندما يقوم شخص بتوجيه عبارات مهينة أو ألفاظ تحقيرية لرجل المرور أثناء قيامه بعمله، قد يندرج الفعل ضمن جرائم إهانة الموظف العام أثناء تأدية وظيفته، ما يعرّض الفاعل للملاحقة القضائية والعقوبات المنصوص عليها قانوناً.
وأكدت أنه إذا تطور الأمر إلى التهديد أو محاولة التأثير على رجل المرور لمنعه من القيام بواجبه، فإن المسألة تخرج من إطار الإهانة اللفظية لتدخل في نطاق الأفعال التي تستهدف عرقلة عمل الموظف العام أو التأثير على إرادته أثناء أداء مهامه.
وشددت على أنه في الحالات التي يصل فيها السلوك إلى الاعتداء الجسدي، سواء بالدفع أو الضرب أو إحداث إصابة، فإن خطورة الفعل تزداد بشكل كبير، لأنه لا يمس فقط هيبة الوظيفة العامة، وإنما يعتدي أيضاً على السلامة الجسدية للموظف، وقد تجتمع أكثر من جريمة في آن واحد، وتُحدد العقوبة وفق ظروف الواقعة وحجم الضرر الناتج عنها.
وأوضحت أن رجل المرور يتمتع، شأنه شأن أي مواطن آخر، بحق اللجوء إلى القضاء لحماية حقوقه ومحاسبة من يعتدي عليه أو يسيء إليه، وله أن يتقدم بشكوى أصولية لدى الجهات المختصة عند تعرضه لأي إساءة أو اعتداء أثناء أداء مهامه الوظيفية.
وأضافت أنه يحق له المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية أو المعنوية التي لحقت به نتيجة هذا الفعل، إضافة إلى الاستفادة من الحماية والدعم القانوني الذي توفره الجهة التي يتبع لها.
وبيّنت أن الوعي القانوني يُعد من أهم الوسائل الوقائية للحد من حالات الإساءة والاعتداء على الموظفين العموميين، لأن كثيراً من هذه السلوكيات لا تنشأ بالضرورة عن نية إجرامية بقدر ما تنشأ عن الجهل بالقانون أو سوء فهم الحقوق والواجبات.
ونوّهت إلى أنه عندما يدرك المواطن أن الاعتراض على المخالفات أو القرارات الإدارية له طرق قانونية واضحة ومضمونة، يصبح أكثر ميلاً إلى استخدام الوسائل المشروعة للمطالبة بحقه بدلاً من اللجوء إلى الانفعال أو الإساءة أو العنف.
وتابعت أن معرفة العواقب القانونية المترتبة على هذه الأفعال تخلق نوعاً من الردع الذاتي وتدفع الأفراد إلى التفكير بنتائج تصرفاتهم قبل الإقدام عليها، وأفادت بأن نشر الثقافة القانونية لا يقتصر على المواطنين وحدهم، بل يشمل أيضاً الموظفين العموميين، حيث إن التزام الموظف بالقانون وأصول التعامل المهني يعزز الثقة بالمؤسسات العامة ويقلل من احتمالات الاحتكاك والتوتر.
وأكدت أن وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني تؤدي دوراً أساسياً في تعزيز الثقافة القانونية وتبسيط المفاهيم المرتبطة بالحقوق والواجبات وآليات تقديم الشكاوى والاعتراضات، وشددت على أن كثيراً من النزاعات اليومية تنشأ نتيجة نقص المعرفة أكثر مما تنشأ نتيجة الرغبة المتعمدة في مخالفة القانون.
وأوضحت أنه لا يمكن إغفال أهمية الوعي القانوني في البيئة الرقمية، خاصة مع الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث إن ما يُنشر على الإنترنت قد يترتب عليه ذات المسؤولية القانونية المترتبة على الأفعال الواقعة في الحياة الواقعية.
وأكدت على أن احترام القانون لا يتحقق بالعقوبات وحدها، وإنما ببناء قناعة مجتمعية راسخة بأن سيادة القانون هي الضمانة الأساسية لحماية الحقوق والحريات وصون كرامة الجميع، وأن ارتفاع مستوى الوعي القانوني يسهم في جعل معالجة الخلافات أكثر حضارية ويعزز الثقة المتبادلة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وتبقى هذه القضايا ضمن إطار الجدل المجتمعي والقانوني، في ظل تكرار الحوادث المرتبطة بها، واستمرار الدعوات إلى معالجتها عبر القنوات القانونية المختصة، ويأتي ذلك بالتوازي مع تداول هذه الوقائع عبر منصات التواصل الاجتماعي وما تثيره من تفاعل بين المتابعين، كما يستمر النقاش حول حدود التعامل بين المواطنين والموظفين العموميين في سياق تطبيق القوانين والإجراءات الناظمة.