حين تختلط المضاعفات بالخطأ الطبي: كيف يُحدد القانون المسؤولية؟
غالباً ما تُسجَّل حالات وفاة لأشخاص كانوا قد دخلوا المستشفيات لتلقي العلاج، ما يضع ذويهم أمام تساؤلات مباشرة حول أسباب الوفاة، ويدفع بعضهم إلى الاعتقاد بوجود خطأ طبي يستوجب المساءلة أو رفع دعاوى قانونية بحق الجهات الطبية.
وفي المقابل، قد يتبيّن في عدد من الحالات أن الوفاة كانت نتيجة مضاعفات طبية معروفة ومحتملة الحدوث حتى مع اتباع الإجراءات العلاجية الصحيحة، وهو ما يخلق التباساً لدى بعض الأسر بين مفهوم الخطأ الطبي والمضاعفات، وهي إشكالية سبق أن ظهرت في عدد من الحالات داخل المجتمع السوري.
وفي هذا السياق القانوني والطبي، يبرز الدور التوضيحي للمختصين في بيان الإطار الناظم لمهنة الطب والواجبات المترتبة على الطبيب، إضافة إلى تحديد المفاهيم الفاصلة بين الخطأ الطبي والمضاعفات المحتملة، وما يترتب على كل منهما من آثار قانونية وإجرائية، وذلك في ضوء ما قد يثار من تساؤلات لدى ذوي المرضى عند وقوع حالات وفاة أو تدهور صحي داخل المؤسسات الطبية.
تنظيم مهنة الطب والمسؤولية القانونية
من جهتها، قالت رنيم رفعت سلوم، محامية أستاذة في نقابة المحامين في سوريا، وناشطة مدنية حقوقية ممارسة ومستشارة قانونية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري ينظم مهنة الطب عبر وزارة الصحة ونقابة الأطباء، موضحةً أن من أهم الواجبات التي يفرضها على الطبيب بذل العناية، أي الالتزام بالطرق العلمية المعترف بها لعلاج المريض، بحيث يكون الطبيب ملزماً ببذل جهد صادق وليس بتحقيق الشفاء حتماً.
وأشارت إلى أن من الواجبات أيضاً التبصير والموافقة، عبر إعلام المريض بطبيعة مرضه وعلاجه ومخاطره وأخذ موافقته، إلى جانب حفظ السر الطبي وعدم إفشاء أسرار المرضى.
وبيّنت أن مفهوم الخطأ الطبي يتمثل في كل تقصير أو إهمال أو قلة احتراز أو جهل بالأصول العلمية المفترضة من الطبيب وينتج عنه ضرر للمريض، بينما أفادت بأن المضاعفات الطبيعية هي آثار جانبية محتملة ومعروفة طبياً قد تحدث لأي مريض حتى مع التزام الطبيب بالقواعد بدقة، مثل الحساسية المفاجئة لدواء معين، وفي هذه الحالة لا يُحاسب الطبيب.
ولفتت المحامية في تصريح خاص لـ شام إلى أن الأخطاء الطبية تُصنف حسب النتيجة والضرر، حيث يشمل الخطأ البسيط مخالفة مهنية لا تسبب ضرراً جسدياً وتتم المحاسبة عليه داخل النقابة، في حين ذكرت أن الإيذاء غير المقصود هو خطأ ينتج عنه عجز مؤقت أو دائم أو تشويه للمريض وتكون عقوبته جنحية.
ونوّهت إلى أن الخطأ الذي يتسبب بالوفاة هو ذلك الذي يؤدي مباشرة إلى موت المريض بسبب الإهمال الشديد، وتكون عقوبته جنحية أو جنائية بحسب الحالة، وأوضحت أن الإجراءات القانونية عند حدوث خطأ طبي تسير عبر مسارين، الأول جزائي من خلال تقديم شكوى للنيابة العامة لتحريك الدعوى أمام محكمة الجنح لمحاسبة الطبيب والمطالبة بالتعويض، والثاني مدني عبر رفع دعوى أمام المحكمة المدنية للمطالبة بالتعويض المالي عن الأضرار.
وأكدت أن كلا المسارين يعتمدان على "لجنة خبرة طبية ثلاثية" لتحديد وجود الخطأ من عدمه، وشدّدت على أن نقابة الأطباء تمتلك مجالس تأديبية تحاسب الطبيب مسلكياً لحماية شرف المهنة، وتبدأ العقوبات من التنبيه والإنذار، وقد تصل إلى غرامات مادية أو الإيقاف المؤقت أو الشطب النهائي من النقابة ومنع المزاولة، مبينةً أن هذا المسار يسير بالتوازي مع القضاء ولا يلغيه.
وأفادت بأن حق الشكوى يملكه المريض نفسه أو وليه إن كان قاصراً أو ورثته الشرعيون في حال وفاته، موضحةً أن النيابة العامة تحرك الدعوى باعتبارها حقاً عاماً، وأن إسقاط الحق الشخصي من قبل الأهل قد يخفف العقوبة عن الطبيب لكنه لا يلغي حق المجتمع في الحالات الجسيمة.
وبيّنت أن القانون لا يفترض خطأ الطبيب مسبقاً، بل يطلب من المريض إثباته، ويتم تقييم تصرف الطبيب بمقارنته بما يقوم به "الطبيب المعتاد" من نفس الاختصاص والظروف، فإذا التزم بالأصول المتاحة ولم يقصر، يحميه القانون ولا يظلمه.
ونوّهت إلى أن من أهم نصائح المرضى عند الاشتباه بخطأ طبي الحصول على الملف الطبي فوراً وسحب نسخة مصدقة من الإضبارة والتقارير لمنع تعديلها، إضافة إلى عرض الجثة على الطب الشرعي في حال الوفاة المشتبه بها لتحديد السبب الحقيقي قبل الدفن.
وأشارت كذلك إلى ضرورة عدم التسرع بالإسقاط أو توقيع أي تنازل أو إخلاء مسؤولية تحت تأثير الصدمة، وشدّدت على أهمية استشارة محامٍ لضمان صياغة الشكوى والتعامل مع اللجان الطبية بشكل قانوني سليم.
ويرى أطباء أن التعامل مع ملف الأخطاء الطبية يستوجب مقاربة دقيقة تقوم على الفصل العلمي بين الخطأ الطبي والمضاعفات المحتملة، مؤكدين أن الممارسة الطبية لا تقوم على تحقيق نتيجة شفاء مضمونة وإنما على معيار “بذل العناية” وفق الأصول العلمية والبروتوكولات الطبية المعتمدة.
ويشدّد الأطباء على أن توصيف أي حالة على أنها خطأ طبي يجب أن يستند حصراً إلى تقييم علمي محايد من لجان خبرة مختصة، نظراً لأن العديد من النتائج السلبية تُعد مضاعفات معروفة وممكنة الحدوث حتى مع الالتزام الكامل بالإجراءات الطبية الصحيحة، محذرين من أن الخلط بين المفهومين قد يؤدي إلى مساءلات غير دقيقة أو تحميل غير عادل للمسؤولية.
تتداخل الجوانب الطبية والقانونية في معالجة قضايا الأخطاء الطبية والمضاعفات المحتملة، حيث يُعتمد على التقارير والخبرات الطبية لتقييم الحالة، إلى جانب القوانين والأنظمة الناظمة التي تحدد إطار المسؤولية والإجراءات المتبعة، ويسهم هذا التكامل بين الخبرة الطبية والمرجعية القانونية في تحديد المسؤوليات وفق معايير مهنية وقضائية.