اللحوم الحمراء تسجل ارتفاع يفوق القدرة الشرائية للمواطنين
اللحوم الحمراء تسجل ارتفاع يفوق القدرة الشرائية للمواطنين
● محليات ٥ يونيو ٢٠٢٦

اللحوم الحمراء تسجل ارتفاع يفوق القدرة الشرائية للمواطنين

تحولت اللحوم الحمراء في سوريا خلال السنوات الأخيرة من سلعة غذائية أساسية إلى منتج مرتفع الكلفة يصعب على شريحة واسعة من الأسر الحصول عليه بصورة منتظمة، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

ويعكس الواقع الحالي تحولات عميقة أصابت قطاع الثروة الحيوانية، الذي تعرض لخسائر كبيرة خلال السنوات الماضية، وسط جدل متزايد حول تأثير التصدير على توافر اللحوم وأسعارها في الأسواق المحلية.

وبرزت هذه الأزمة بوضوح خلال موسم عيد الأضحى الماضي، حيث شهدت الأسواق انخفاضاً ملحوظاً في أعداد الأضاحي مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما باتت تكلفتها تفوق إمكانات معظم العائلات السورية وأدى ذلك إلى تراجع الإقبال على شراء الأغنام واللحوم الحمراء، رغم أن العيد يمثل تقليدياً ذروة الطلب على هذه المنتجات.

تراجع الثروة الحيوانية وارتفاع تكاليف التربية

شهد قطاع الثروة الحيوانية في سوريا تراجعاً كبيراً خلال السنوات الماضية نتيجة عوامل متراكمة، شملت الجفاف وتراجع المراعي الطبيعية وارتفاع تكاليف الأعلاف والمحروقات، إضافة إلى الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية والخدمات البيطرية.

وتشير التقديرات إلى أن أعداد الأغنام التي كانت تتجاوز 18 مليون رأس قبل عام 2011 انخفضت بشكل ملحوظ خلال السنوات اللاحقة، رغم أن بيانات وزارة الزراعة الأخيرة أظهرت وجود أكثر من 14 مليون رأس حالياً بعد تنفيذ مسح شامل للثروة الحيوانية في مختلف المحافظات السورية.

كما أدى خروج مساحات واسعة من المراعي الطبيعية من دائرة الاستثمار إلى زيادة اعتماد المربين على الأعلاف المشتراة، ما رفع تكاليف الإنتاج بشكل كبير ودفع عدداً من المربين إلى تقليص قطعانهم أو مغادرة المهنة نهائياً.

التصدير تحت المجهر

يتصدر ملف تصدير الأغنام واجهة النقاشات المتعلقة بارتفاع الأسعار، إذ يرى مختصون أن التوسع في التصدير خلال الأشهر الأخيرة ساهم في تقليص الكميات المتاحة داخل السوق المحلية، ما انعكس ارتفاعاً في أسعار الأغنام واللحوم الحمراء.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس الجمعية الحرفية للحامين في دمشق وريفها والقنيطرة محي الدين الريس، في حديثه لصحيفة الثورة السورية أن الأسعار الحالية هي نتيجة تداخل عدة عوامل، منها ارتفاع الطلب الموسمي قبل عيد الأضحى، وتحسن أسعار المنتجات الحيوانية الأخرى، إضافة إلى استمرار عمليات تصدير الأغنام إلى الأسواق الخارجية.

وبيّن أن ارتفاع تكاليف الأعلاف والمحروقات ينعكس مباشرة على تكلفة تربية الأغنام، خصوصاً في مناطق البادية التي تعتمد على التنقل المستمر لتأمين الرعي ومستلزمات الإنتاج. كما أشار إلى أن وجود حلقات وساطة متعددة بين المربي والمستهلك يرفع الأسعار النهائية إلى مستويات تتجاوز أحياناً التكلفة الفعلية للإنتاج.

ويرى الريس أن تخفيف الأعباء المالية والرسوم المفروضة على المنتجين يمكن أن يسهم في استقرار السوق والحد من موجات الارتفاع المستمرة.

القدرة الشرائية تتراجع والأسواق راكدة

في المقابل، يؤكد مختصون في شؤون المستهلك أن المشكلة لا تقتصر على العرض والإنتاج، بل ترتبط أيضاً بتراجع القوة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور عبد العزيز المعقالي، أن أسواق اللحوم الحمراء تعيش حالة ركود واضحة رغم مواسم الطلب، مشيراً إلى أن أسعار الأضاحي تجاوزت قدرة غالبية الأسر السورية، الأمر الذي أدى إلى خروجها من حسابات عدد كبير من المواطنين خلال عيد الأضحى الأخير.

وأضاف أن ارتفاع الأسعار دفع كثيراً من المستهلكين إلى تقليص مشترياتهم إلى كميات صغيرة جداً، بعد أن أصبحت أسعار اللحوم تتجاوز الإمكانات المالية للأسر، لافتاً إلى أن الأسعار ارتفعت بنحو 40 بالمئة مقارنة بالعام الماضي.

ورغم انخفاض أسعار الأعلاف مقارنة بالموسم السابق، إلا أن هذا التراجع لم ينعكس على أسعار اللحوم بسبب انخفاض الكميات المطروحة للبيع وازدياد الطلب الخارجي على الأغنام السورية، وفق تقديره.

بين الأمن الغذائي وعائدات التصدير

تطرح الأزمة الحالية تحدياً يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة من صادرات الأغنام التي توفر مورداً اقتصادياً للمربين والبلاد، وبين الحفاظ على استقرار السوق المحلية وتأمين احتياجات المستهلكين بأسعار مقبولة.

ويرى خبراء أن استمرار التصدير دون وجود تقديرات دقيقة لحجم القطيع الوطني قد يؤدي إلى استنزاف الثروة الحيوانية وارتفاع الأسعار بصورة أكبر، خاصة في ظل الطلب الإقليمي المتزايد على الأغنام السورية.

وفي هذا الإطار، دعا رئيس اتحاد الحرفيين في دمشق وريفها والقنيطرة المهندس محمد خالد تركماني إلى اعتماد آليات تنسيق مشتركة بين الجهات المعنية، تقوم على تبادل البيانات الدقيقة واتخاذ قرارات تستند إلى أرقام حقيقية حول أعداد الثروة الحيوانية.

كما شدد على أهمية ربط سياسات التصدير بخطط الاستيراد، بما يضمن الحفاظ على التوازن بين العرض والطلب داخل السوق المحلية، ويحول دون حدوث نقص في اللحوم يؤدي إلى ارتفاعات سعرية إضافية.

معادلة صعبة تنتظر الحل

تتفق معظم الآراء المطروحة حول ضرورة تطوير قواعد بيانات دقيقة للثروة الحيوانية، وتشديد الرقابة على عمليات التهريب، وتقديم الدعم للمربين الفعليين، إضافة إلى إعادة تقييم سياسات التصدير بما ينسجم مع احتياجات السوق المحلية.

ومع استمرار أسعار اللحوم الحمراء عند مستويات مرتفعة، يبقى السؤال المطروح أمام الجهات المعنية: كيف يمكن تحقيق التوازن بين دعم قطاع الثروة الحيوانية وتعزيز الصادرات من جهة، وضمان وصول اللحوم إلى موائد الأسر السورية بأسعار تتناسب مع واقعها المعيشي من جهة أخرى؟ وهي معادلة ستبقى حاضرة بقوة ما لم تُعالج الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها القطاع منذ سنوات.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ