الحماية الزائدة.. حين يتحول الخوف على الأبناء إلى عائق أمام نضجهم
الحماية الزائدة.. حين يتحول الخوف على الأبناء إلى عائق أمام نضجهم
● مجتمع ١٤ أغسطس ٢٠٢٦

الحماية الزائدة.. حين يتحول الخوف على الأبناء إلى عائق أمام نضجهم

تُعد الحماية من أبرز أدوار الأهل في حياة الأبناء، إلا أن الحرص على تجنيبهم المخاطر والصعوبات قد يتجاوز أحياناً حدود الحماية الطبيعية، فيحد من فرصهم في التجربة وتحمل المسؤولية واتخاذ القرارات بأنفسهم، وبينما يرتبط هذا السلوك غالباً بالخوف والمحبة، فإن استمرار التدخل في تفاصيل حياة الطفل قد يؤثر في قدرته على بناء الاستقلال والثقة بقدراته.

في هذا السياق، قالت الأخصائية والمعالجة النفسية سعاد عمقي في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تناول الحماية الزائدة يستدعي الابتعاد عن اتهام الوالدين، والتعامل معها بوصفها ناتجة غالباً عن الخوف والحب والرغبة في إبعاد الألم والفشل والمخاطر عن الأبناء.

وأضافت أن هذا الحب عندما يتجاوز حدوده قد يتحول دون قصد إلى عائق أمام نمو الطفل واكتشاف قدراته، موضحة أن الطفل لا يحتاج فقط إلى الحماية من المخاطر، وإنما إلى مساعدته تدريجياً على امتلاك الأدوات التي تمكنه من التعامل مع الحياة.

وأشارت إلى أن الحماية تتحول إلى عائق عندما تمنع الطفل من التجربة والتعلم وتحمل نتائج اختياراته، خصوصاً عندما يتدخل الأهل باستمرار لحل مشكلاته، أو يتخذون القرارات بدلاً منه، أو يحاولون تجنيبه كل تجربة قد تحمل احتمال الفشل أو الإحباط.

ولفتت عمقي إلى أن الحماية الطبيعية تعني توفير الأمان والرعاية ووضع الحدود المناسبة للعمر والتدخل عند وجود خطر حقيقي، بينما تحدث الحماية المفرطة عندما يتجاوز تدخل الأهل حاجة الطفل، فيقومون عنه بما يستطيع القيام به بنفسه، أو يتخذون قراراته، أو يمنعونه من خوض تجارب مناسبة لعمره.

ونوهت إلى أهمية أن يسأل الأهل أنفسهم عند كل موقف: «هل طفلي يحتاج فعلاً إلى مساعدتي، أم أنني أتدخل لأنني أشعر بالقلق أو لأنني لا أحتمل أن أراه يخطئ أو يتعب؟»، مشيرة إلى أن هذا السؤال يساعد على التمييز بين حماية الطفل من خطر حقيقي وحمايته من تجربة يحتاج إلى خوضها لينمو.

وبينت أن الحماية الزائدة تؤثر في قدرة الطفل على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، لأن اتخاذ القرار مهارة تحتاج إلى ممارسة، موضحة أن الطفل الذي يعتاد على اتخاذ الآخرين قراراته قد يشعر بالحيرة أو الخوف من الخطأ عندما يواجه موقفاً يتطلب منه اختياراً مستقلاً.

وأكدت الأخصائية سعاد أن تدخل الأهل الدائم لإنقاذ الطفل من نتائج أخطائه يحرمه من فرصة التعلم من التجربة، مشددة على أن ذلك لا يعني تركه يواجه كل شيء بمفرده، وإنما منحه مسؤوليات تتناسب مع عمره وقدراته، مع بقاء الأهل في موقع الدعم وليس بديلاً عنه.

وأفادت بأن الحماية المفرطة قد تسهم أيضاً في ضعف الثقة بالنفس والاعتماد الزائد على الآخرين، عندما تتكرر الرسائل التي توحي للطفل بأنه غير قادر على التعامل مع الأمور بنفسه، وأضافت أن قيام الأهل بكل شيء عنه أو الإسراع إلى حل مشكلاته قد يمنعه من اكتشاف قدراته، بينما تُبنى الثقة الحقيقية من خلال منحه فرصاً يختبر فيها قدرته بنفسه.

وذكرت أن من المؤشرات التي تستدعي مراجعة الأهل لطريقة تعاملهم: الشعور بضرورة التدخل فوراً عند مواجهة الطفل مشكلة، والخوف المبالغ فيه من فشله أو إحباطه، والقيام بمهام يستطيع إنجازها بمفرده، والتحدث نيابة عنه باستمرار، أو التدخل في علاقاته واختياراته دون سبب حقيقي.

وأوضحت عمقي أن استخدام عبارات متكررة مثل «دعني أفعلها عنك»، أو «أنت لا تعرف»، أو «هذا صعب عليك»، أو «أنا أخاف عليك أن تجرب»، إلى جانب القلق الشديد من محاولاته الاستقلالية رغم ملاءمتها لعمره وأمانها، يمكن أن يكون مؤشراً على المبالغة في الحماية.

وتحدثت عن تحقيق التوازن بين حماية الأبناء ومنحهم مساحة للاستقلال، موضحة أن ذلك لا يعني التوقف عن حمايتهم، وإنما تغيير شكل الحماية مع نموهم، بحيث يتراجع التدخل المباشر تدريجياً، بينما يزداد دور الأهل في التوجيه والدعم والاستشارة.

وأضافت أن من الخطوات التي تساعد على ذلك التحول من دور «المنقذ» إلى «المرشد»، من خلال طرح أسئلة تساعد الطفل على التفكير في الحلول بدلاً من اتخاذ القرار نيابة عنه، إلى جانب السماح له بالعواقب البسيطة والمناسبة لعمره، ما دامت لا تشكل خطراً جسدياً أو أخلاقياً.

وأشارت سعاد عمقي إلى أهمية تقبل المشاعر الصعبة، مثل الإحباط والخسارة وخيبة الأمل، ومنح الطفل مساحات تدريجية للاختيار، كاختيار ملابسه أو ترتيب أغراضه أو تنظيم جزء من وقته، على أن تتوسع المسؤوليات مع نمو قدراته.

ولفتت إلى ضرورة التفريق بين الخطر الحقيقي والقلق الأبوي، موضحة أن بعض المخاوف قد تكون نابعة من تجارب الأهل ومحبتهم لأبنائهم، بينما تكون التجربة التي يخوضها الطفل آمنة ومناسبة لعمره.

وشددت على أن الاستقلال لا يعني ترك الطفل وحده، وإنما أن يكون الأهل بالقرب منه بطريقة مختلفة، من خلال المراقبة دون سيطرة، والتوجيه دون اتخاذ القرارات عنه، وتقديم المساعدة عندما يحتاج إليها دون سلبه فرصة المحاولة.

وأفادت عمقي بأن دور الأهل لا يتمثل في جعل طريق الأبناء خالياً من الصعوبات، وإنما في مساعدتهم على امتلاك القدرة التي تمكنهم من التعامل معها عندما لا يكون الأهل بجانبهم، مؤكدة في ختام حديثها أن «الحماية الحقيقية ليست أن نمنع أبناءنا من مواجهة الحياة، بل أن نساعدهم على امتلاك القدرة التي تجعلهم قادرين على مواجهتها».

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ