الخبرة لا تمنح المسؤول حصانة من المحاسبة.. يوسف قبلاوي نموذجاً
تفتح تجربة السيد يوسف قبلاوي في موقع المسؤولية نقاشاً مهماً حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع المسؤول بالمواطن في سوريا الجديدة، وحدود الصلاحيات التي يمنحها المنصب، ومدى التزام أصحاب المناصب العامة بمبادئ الشفافية واحترام الناس والخضوع للمساءلة.
يمتلك قبلاوي خبرة مهنية في مجال اختصاصه، وهي مسألة تستحق التقدير عند تقييم تجربته الإدارية. غير أن الخبرة وحدها لا تكفي للحكم على أداء أي مسؤول، فإدارة المؤسسات العامة تتطلب أيضاً القدرة على التواصل مع المواطنين، والاستماع إلى انتقاداتهم، واحترام حقهم في معرفة القرارات التي تؤثر في حياتهم ومصالحهم.
ومن وجهة نظري، فإن أبرز المآخذ على أسلوب قبلاوي في ممارسة مسؤولياته تتعلق بطريقة تعامله مع المواطنين، وما تركته بعض مواقفه من انطباع بالتعالي وضعف الاستجابة للانتقادات، وهذه مسألة تستحق النقاش بمعزل عن مؤهلاته المهنية، لأن كفاءة المسؤول تشمل طريقة إدارته للعلاقة مع المجتمع الذي يفترض أن تعمل المؤسسة لخدمته.
عانى السوريون طوال عقود من ممارسات إدارية كرّست المسافة بين المسؤول والمواطن، وأضعفت آليات المحاسبة والرقابة، حتى أصبح المنصب لدى بعض شاغليه مصدراً للنفوذ الشخصي، بدلاً من أن يكون تكليفاً يرتبط بمسؤوليات محددة تجاه الناس.
وتفرض المرحلة السورية الجديدة مراجعة هذه الممارسات، وتطوير معايير واضحة لتقييم المسؤولين، تقوم على الكفاءة المهنية والنزاهة والشفافية واحترام المواطنين، مع وجود آليات مؤسسية تتيح مراجعة القرارات ومحاسبة المقصرين وفق القانون.
ولا ينبغي أن تتحول الانتقادات الموجهة إلى أي مسؤول إلى إنكار لخبرته أو جهوده، كما أن الاعتراف بمؤهلاته لا يمنع مساءلته عن قراراته وأسلوبه الإداري، فالمعيار الأساسي هو مدى التزامه بواجباته وقدرته على إدارة المؤسسة بما يحقق المصلحة العامة.
لقد دفع السوريون أثماناً باهظة خلال سنوات الثورة، ومن حقهم أن يلمسوا تغييراً حقيقياً في طريقة إدارة مؤسسات الدولة، وفي تعامل المسؤولين مع مطالبهم وشكاواهم وانتقاداتهم.
وتبقى القضية الأهم في تجربة يوسف قبلاوي، وفي تجارب غيره من المسؤولين، هي ترسيخ قاعدة واضحة في العمل العام: المنصب مسؤولية تخضع للمساءلة، والخبرة المهنية لا تمنح صاحبها امتيازاً في التعامل مع المواطنين أو استثناءً من القواعد التي تحكم عمل المؤسسات.