٢٩ أبريل ٢٠٢٦
تُهمل بعض النساء في سوريا إجراء الفحوص الدورية والفحص الذاتي للثدي، رغم الدور الذي يلعبه ذلك في الكشف المبكر عن سرطان الثدي، ما ينعكس في كثير من الحالات على تأخر التشخيص وتراجع فرص الشفاء.
وفي ظل الظروف المعيشية والصحية الراهنة، تتراجع أولوية هذا النوع من الفحوص لدى شريحة من النساء، سواء نتيجة ضعف الوعي، أو الخوف، أو صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية، الأمر الذي يزيد من احتمالية اكتشاف المرض في مراحل متقدمة.
وخلال سنوات الثورة السورية، واجهت النساء تحديات متزايدة في الوصول إلى خدمات الكشف المبكر عن سرطان الثدي وعلاجه، في ظل تضرر القطاع الصحي، ونقص الإمكانات، وصعوبة الوصول إلى المراكز الطبية، ما انعكس على انتظام الفحوص وإمكانية التشخيص المبكر.
وقد أسهمت هذه الظروف في تراجع معدلات الفحوص الدورية، الأمر الذي أدى في كثير من الحالات إلى اكتشاف المرض في مراحل متقدمة، وزاد من تعقيد مسار العلاج وفرص التعافي.
ويرى مختصون في الشأن الصحي أن التحدي لا يقتصر على توفر الخدمات الطبية فقط، بل يشمل أيضاً مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الكشف المبكر، إذ ما تزال بعض المفاهيم الخاطئة والخوف من التشخيص يسهمان في تأجيل الفحوص، ما يؤدي إلى اكتشاف الحالات في مراحل متقدمة، رغم أن فرص العلاج تكون مرتفعة عند الكشف المبكر.
سرطان الثدي بين الكتل الحميدة والخبيثة… كيف نميّز ومتى نراجع الطبيب؟
قالت الدكتورة دانية معتصم حمدوش، أخصائية في طب النساء والتوليد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن سرطان الثدي يُعدّ من أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء، وينتج عن نمو غير طبيعي في خلايا الثدي، وغالباً ما يظهر على شكل كتلة صلبة غير مؤلمة، ذات حواف غير محددة.
وأضافت أن أعراض سرطان الثدي في مراحله المبكرة قد تشمل ظهور كتلة صلبة غير مؤلمة في الثدي أو تحت الإبط، إلى جانب تغيرات في حجم الثدي أو شكله، وغؤور الحلمة، أو تغيّر ملمس الجلد ليشبه قشر البرتقال، فضلًا عن خروج إفرازات من الحلمة قد تكون دموية، وهي أعراض تستدعي مراجعة طبية فورية.
ونوّهت إلى أن معظم كتل الثدي، بنسبة تصل إلى 85%، تكون حميدة، وغالباً ما تنتج عن تغيرات هرمونية أو تكيسات، وتمتاز بأنها متحركة وناعمة وقد تكون مؤلمة أحياناً، في حين تتميز الكتل الخبيثة بكونها صلبة وثابتة لا تتحرك، وغير منتظمة الشكل والحواف، وغالباً غير مؤلمة، وقد تترافق مع غؤور في الحلمة، أو تغيّر في ملمس الجلد يشبه قشر البرتقال، إضافة إلى إفرازات دموية.
وبيّنت الدكتورة حمدوش أن طرق التشخيص تشمل الفحص السريري الذي يجريه الطبيب، إلى جانب التصوير الشعاعي، سواء عبر الماموغرام أو الأمواج فوق الصوتية، إضافة إلى الخزعة، التي تُؤخذ من الكتلة وتُرسل إلى التشريح المرضي لتحديد نوع الورم ومرحلته.
وأشارت إلى ضرورة مراجعة الطبيب عند ملاحظة أي كتلة أو تغيّر في حجم أو شكل الثدي، أو ظهور إفرازات من الحلمة أو تغيّرات في جلد الثدي، منوّهة إلى أن دور المرأة في الكشف المبكر يعد محورياً، إذ يشكّل الفحص الذاتي الشهري، والوعي بتغيرات الثدي، والالتزام بالفحوصات الدورية، حجر الأساس في رفع فرص الشفاء، والتي قد تتجاوز 90% عند الاكتشاف المبكر.
خطوات الكشف والتعامل مع سرطان الثدي
وذكرت حمدوش لـ "شام" أن الفحص الذاتي للثدي يُجرى شهرياً بعد خمسة أيام من انتهاء الطمث، بهدف الكشف عن أي تغيّرات، وذلك من خلال النظر إلى الثديين أمام المرآة، ثم الاستلقاء على الظهر وفحصهما باليدين بحركات نصف دائرية، مع ضرورة جسّ منطقة تحت الإبط، للتحقق من وجود أي كتل أو تغيّرات أو إفرازات دموية.
وأوضحت أن الفحص الدوري للثدي عند الطبيب يُعد إجراءً وقائياً مهماً للكشف المبكر عن كتل الثدي أو سرطان الثدي، إذ يُنصح بإجرائه سنوياً بعد سن الأربعين، أو في عمر أصغر بحسب عوامل الخطورة، ويتم الفحص نظرياً ويدوياً، مع إمكانية تحويل المريضة لإجراء تصوير بالماموغرام أو بالأمواج فوق الصوتية عند الحاجة.
ونوّهت إلى أن علاج سرطان الثدي يعتمد على نوع الورم ومرحلته ومدى انتشاره، مشيرة إلى تعدد الخيارات العلاجية، والتي تشمل الجراحة، والعلاج الكيميائي والإشعاعي للقضاء على الخلايا السرطانية، إلى جانب العلاج الهرموني أو الموجّه بحسب نوع الخلايا، مع إمكانية الجمع بين أكثر من خيار علاجي وفقاً لحالة المريضة.
التشخيص المبكر يصنع الفارق
وأكدت أن نسبة الشفاء من سرطان الثدي قد تتجاوز 90% عند اكتشافه في مراحله المبكرة، مشيرة إلى أنه يُعد من السرطانات ذات القابلية العالية للعلاج.
وقالت إنها استقبلت في عيادتها عدداً من المريضات اللواتي اشتكين من ألم في الثدي وتغيرات في شكله أو حجمه، مشيرة إلى حالة لمريضة تبلغ من العمر 38 عاماً راجعتها بسبب تورم في الثدي وتغيّر في شكله، حيث أُجري لها تصوير بالأمواج فوق الصوتية، تلاه أخذ خزعة، ليُكشف عن الإصابة بالسرطان في مراحله المبكرة، وتم تحويلها إلى طبيب الأورام لتلقي العلاج المناسب، ما أسهم في شفائها التام.
دور الدعم النفسي في العلاج
ويرى اختصاصيون في الصحة النفسية أن مواجهة سرطان الثدي لا تقتصر على الجانب الجسدي، بل تترافق مع تحديات نفسية قد تشمل القلق والخوف من التشخيص والعلاج، إلى جانب تأثيرات مرتبطة بصورة الجسد وتغير نمط الحياة.
ويشيرون إلى أن توفير دعم نفسي مناسب، سواء من الأسرة أو ضمن الرعاية الصحية، يسهم في تخفيف هذه الضغوط، ويعزز قدرة المريضة على التكيف مع المرض والالتزام بالعلاج، ما ينعكس إيجاباً على مسار التعافي.
ووجّهت الدكتورة دانية في ختام حديثها رسالة إلى النساء، قالت فيها: "لا تنسي أهمية دورك في الكشف المبكر عن سرطان الثدي، من خلال الفحص الذاتي الشهري، والفحص السنوي الوقائي عند الطبيب، وانتبهي جيداً لصحتك، إذ إن نسب الشفاء مرتفعة بإذن الله، فلا تهملي دورك في حماية نفسك من هذا المرض، فدورك هو الأهم".
٢٩ أبريل ٢٠٢٦
تشهد الصفوف الدراسية اليوم تبايناً واضحاً في مستويات الطلاب وقدراتهم، في ظل ظروف تعليمية ومعيشية أثّرت بشكل مباشر على مسارهم الدراسي، ما يجعل التعامل مع هذا التفاوت تحدياً يومياً أمام المعلم داخل الصف، هذا الواقع يفرض الحاجة إلى أساليب أكثر مرونة تراعي الفروق الفردية، بما يضمن استيعاب جميع الطلاب وعدم فقدان أي منهم ضمن العملية التعليمية.
وفي هذا الإطار، يبرز الحديث عن الفروق الفردية كأحد المفاهيم الأساسية في العملية التعليمية، خاصة في ظل الواقع الحالي الذي فرض تباينات أعمق بين الطلاب، إذ لم يعد بالإمكان التعامل مع الصف على أنه كتلة واحدة متجانسة، بل بات من الضروري النظر إلى احتياجات كل طالب وظروفه، بما يساعد على فهم أسباب هذا التفاوت والتعامل معه بطرق أكثر واقعية وفعالية داخل الصف.
الفروق الفردية بين الطلاب… واقع متسع وأهمية متزايدة في ظل التحديات
قال الدكتور عبد الحي المحمود، نائب عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، والمتخصص في التربية وعلم النفس التربوي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الفروق الفردية تمثّل اختلافات طبيعية بين الطلاب، تشمل القدرات العقلية والمهارات، إضافة إلى الظروف النفسية والاجتماعية.
وأضاف أن هذه الفروق تتسع في السياق السوري اليوم، لتشمل تبايناً واضحاً في الخلفيات التعليمية لدى الطلاب، نتيجة الانقطاع عن الدراسة أو اختلاف البيئات التي يعيشون فيها، كالنزوح أو الفقد أو الضغوط المعيشية، ما يجعل كل طالب يدخل الصف بخبرة تعليمية وحياتية تختلف بشكل ملحوظ عن الآخر.
وأشار إلى أن أهمية مراعاة الفروق الفردية تتضاعف في ظل الواقع السوري، حيث قد يضم الصف الواحد طلاباً بمستويات متباينة بشكل كبير، موضحاً أن تجاهل هذه الفروق يؤدي عملياً إلى خسارة شريحة من الطلاب، سواء من الذين يواجهون صعوبة في اللحاق بالمستوى العام، أو من المتفوقين الذين قد يفقدون دافعيتهم.
وأكد أن مراعاة هذه الفروق تسهم في احتواء جميع الطلاب، وتحدّ من الفاقد التعليمي، كما تعزز شعور الطالب بالأمان والانتماء داخل البيئة المدرسية.
بين قيود المناهج وفرص الاجتهاد… كيف يمكن للمعلم مراعاة الفروق الفردية؟
ونوّه إلى أن المناهج، في معظمها، ما تزال مصممة وفق معايير نمطية لا تراعي حجم الفجوة التعليمية الحالية بين الطلاب، مشيراً إلى أن أساليب التدريس التقليدية، التي تُفرض أحياناً نتيجة كثافة الصفوف وضعف الإمكانات، تحدّ من قدرة المعلم على مراعاة الفروق الفردية، ولفت إلى أنه رغم ذلك، يبقى لدى المعلم هامش مهم للاجتهاد الشخصي، يمكّنه من التكيّف مع واقع طلابه ضمن الظروف المتاحة.
وأوضح لـ "شام" أن مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب تمتد لتشمل مختلف مكونات العملية التعليمية، مشيراً إلى أن المعلم، رغم محدودية الإمكانات في الواقع السوري، يمكنه اعتماد أساليب متعددة، مثل تبسيط الشرح وتقديمه بأكثر من طريقة، سواء بشكل شفهي أو من خلال أمثلة من الحياة اليومية.
وأضاف الدكتور أنه يستطيع أيضاً طرح أسئلة بمستويات متفاوتة، تبدأ من الأساسيات وتصل إلى مستويات التفكير الأعلى، بما يتيح إشراك جميع الطلاب وفق قدراتهم، كما يمكن للمعلم تقسيم الطلاب إلى مجموعات غير متجانسة، بما يتيح لهم دعم بعضهم البعض، إلى جانب تقليل التركيز على الحفظ لصالح تعزيز الفهم، ولفت إلى إمكانية إعداد اختبارات تراعي الحد الأدنى المقبول لجميع الطلاب، مع إتاحة مساحة للتميّز أمام المتفوقين.
تجاهل الفروق الفردية… تداعيات مضاعفة ودور محوري للمعلم في الاحتواء
وفيما يتعلق بالتداعيات السلبية لتجاهل الفروق الفردية بين الطلاب، أوضح الدكتور عبد الحي أن أثر ذلك يتضاعف في الظروف الحالية، إذ يسهم في اتساع الفجوة التعليمية، وزيادة معدلات التسرب، وتعميق شعور بعض الطلاب بالعجز، وقد يظهر ذلك في سلوكيات مثل العدوانية أو اللامبالاة، وأضاف أن هذا التجاهل قد يؤدي أيضاً إلى فقدان الطالب ثقته بالمدرسة بوصفها بيئة داعمة له.
وأكد أن دور المعلم اليوم لم يعد يقتصر على نقل المعرفة، بل يتجاوز ذلك ليشمل الاحتواء والدعم النفسي والتربوي، إذ يُفترض به أن يكون ملاحظاً جيداً لطلابه، مرناً في أساليب تدريسه، وقادراً على التكيّف مع تفاوت مستوياتهم، إلى جانب مبادرته في إيجاد حلول بسيطة لكنها فعّالة، تتناسب مع الواقع المتاح.
واقترح مجموعة من الاستراتيجيات الواقعية القابلة للتطبيق في البيئة التعليمية، تمثلت في اعتماد التعليم المتمايز بأساليب بسيطة، مثل تنويع الأسئلة والواجبات، وتفعيل التعلم التعاوني داخل الصف، إلى جانب الاستفادة من الطلاب الأقوى في دعم زملائهم الأضعف.
وأشار إلى أهمية استخدام أمثلة من البيئة المحلية لتقريب الفهم، فضلاً عن اعتماد أساليب تقويم مستمرة وغير رسمية، كالملاحظة والأسئلة الشفهية، إضافة إلى تجزئة المحتوى إلى خطوات صغيرة تسهّل عملية التعلم.
وتحدث المحمود عن أبرز التحديات التي قد تعيق مراعاة الفروق الفردية، مشيراً إلى أن من بينها الاكتظاظ الشديد في الصفوف، وضعف الموارد التعليمية، والضغط الزمني لإنهاء المنهاج، إلى جانب الأعباء المعيشية التي يواجهها المعلم، فضلاً عن التفاوت الكبير في مستويات الطلاب نتيجة الظروف التي مرّوا بها.
وأكد الدكتور عبد الحي أن مراعاة الفروق الفردية تمكّن المدرسة من استعادة دورها الحقيقي كمؤسسة داعمة، إذ ينعكس ذلك على تحسّن التحصيل الدراسي حتى ضمن الإمكانات المحدودة، وانخفاض نسب التسرب، إلى جانب تعزيز شعور الطالب بقيمته، بما يسهم في بناء جيل أكثر تماسكاً وقدرة على تجاوز التحديات.
يرى تربويون أن مراعاة الفروق الفردية لا تتعلق فقط بأساليب الشرح أو تنويع الأنشطة، بل تبدأ من ترسيخ شعور العدالة داخل الصف، إذ إن وضوح المعايير في التقييم والتعامل يقلل من إحساس بعض الطلاب بالمقارنة أو التمييز، ويجعلهم أكثر تقبّلاً لاختلاف مستوياتهم.
ويؤكدون أن توجيه الطالب نحو قياس تقدّمه بذاته، بدلاً من مقارنته بالآخرين، يسهم في بناء دافعية داخلية أكثر استقراراً، كما أن إشراكه في متابعة تطوره، ولو بشكل بسيط، يعزز ثقته بنفسه ويخفف من الإحباط، خاصة لدى من يواجهون صعوبات، دون أن يؤثر ذلك على حافز الطلاب المتفوقين.
وتُعدّ مراعاة الفروق الفردية من المحاور المرتبطة بالعملية التعليمية، إذ ترتبط بالحد من الفجوة بين مستويات الطلاب، وتعزيز مشاركتهم داخل الصف، بما ينعكس على استمرارية تعلمهم وتحسين مخرجات التعليم ضمن الإمكانات المتاحة.
٢٩ أبريل ٢٠٢٦
غالباً ما تنشأ بين الطلاب مشاعر غيرة داخل الصف، سواء في التفوق الدراسي أو لفت الانتباه أو حتى في العلاقات مع الأصدقاء، حيث يجد بعضهم نفسه يقارن بما لدى غيره، ما يدفعه أحياناً إلى بذل جهد أكبر وتحسين أدائه لإثبات نفسه والوصول إلى مستوى أفضل.
لكن هذه المشاعر لا تبقى دائماً في هذا الإطار، فقد تتحول في بعض الحالات إلى توتر أو حساسية في التعامل، وتظهر على شكل خلافات أو سلوكيات غير مريحة بين الطلاب، وهنا يبرز دور المعلم في ملاحظة هذه الحالات والتعامل معها بطريقة تساعد على ضبطها وتوجيهها، بما يخفف من آثارها السلبية ويعزز جانبها الإيجابي.
تنشأ الغيرة بين الطلاب لأسباب متعددة، من أبرزها سعي بعضهم للتميّز ونيل التقدير داخل الصف، خاصة عندما يلاحظ الطالب اهتماماً أكبر بغيره، ما قد يولّد لديه شعوراً بعدم الرضا، كما يلعب ضعف الثقة بالنفس دوراً في ذلك، إلى جانب طبيعة البيئة المحيطة التي قد تعزّز روح المنافسة بشكل ملحوظ، فضلاً عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تُظهر أحياناً صوراً مثالية تدفع إلى الشعور بالفارق.
وفي جانب آخر، قد ترتبط الغيرة بعوامل واقعية داخل الصف، مثل التفاوت في الوضع المعيشي بين الطلاب، وما قد يرافقه من مظاهر يلاحظها الآخرون، كما أن أسلوب التعامل داخل الصف قد يسهم في ذلك، خاصة إذا شعر بعض الطلاب بوجود تمييز، إلى جانب تفوق بعضهم دراسياً، ما قد يثير لدى الآخرين شعوراً بالغيرة، خصوصاً في حال عدم وجود توازن في التعامل مع هذه الفروقات.
أحياناً تكون الغيرة دافعاً إيجابياً لدى بعض الطلاب، إذ تدفعهم إلى تحسين سلوكهم وأدائهم عندما يلاحظون تميّز أحد زملائهم، فمثلاً، قد يشعر الطالب بالغيرة من زميل ملتزم بدروسه، يحترم المعلم، ويتعامل بلطف مع الآخرين، فيحاول تقليده والقيام بتصرفات مشابهة ليصل إلى المستوى نفسه، وفي هذه الحالة، لا تتحول الغيرة إلى مشكلة، بل تكون عاملاً يساعد الطالب على التقدّم وتطوير نفسه بشكل طبيعي.
في المقابل، قد تتحول الغيرة إلى آثار سلبية إذا لم يتم ضبطها، فتظهر على شكل توتر في العلاقات بين الطلاب، أو خلافات ومشاحنات، وقد تصل إلى سلوكيات مثل التقليل من الآخرين أو عدم تقبّل نجاحهم. كما قد تؤثر على نفسية الطالب، فتزيد من شعوره بعدم الرضا أو الإحباط، وربما تدفعه إلى الانسحاب أو فقدان الدافعية تجاه الدراسة، ما ينعكس على أدائه وتفاعله داخل الصف.
قالت المعلمة منى عبد الحكيم، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الغيرة بين الطلاب قد تكون أمراً إيجابياً عندما تُوجَّه بشكل صحيح، سواء داخل الصف تحت إشراف المعلم، أو في المنزل من قبل الأهل، لكنها قد تتحول إلى سلوك سلبي عندما تختلط بمشاعر الحسد أو الضيق من الآخرين.
وأضافت أن الغيرة الإيجابية تسهم في خلق بيئة صفية نشطة قائمة على التعاون والاحترام، بما يدفع الطلاب إلى تقديم الأفضل بشكل مستمر، في حين أن الغيرة السلبية قد تنعكس على الطالب بشكل عكسي، سواء على مستواه الدراسي أو سلوكه العام.
وأكدت أن دور المعلم أساسي في توجيه هذه المشاعر، إذ يستطيع المعلم الواعي تحويل الغيرة السلبية إلى دافع إيجابي، من خلال تعزيز القيم الإيجابية، وتقريب وجهات النظر بين الطلاب، وبناء علاقات قائمة على الاحترام داخل الصف.
وأشارت في حديثها لـ "شام" إلى أن الحد من الغيرة السلبية يبدأ بفهم أسبابها، والعمل على معالجتها قدر الإمكان، إضافة إلى دور المعلم في ترسيخ القيم الأخلاقية، من خلال كونه قدوة في سلوكه وتعامله اليومي مع طلابه.
يرى تربويون أن دور المعلّم في التعامل مع الغيرة لا يقتصر على تهدئة الخلافات، بل يبدأ من طريقة إدارة الصف منذ الأساس، من خلال تجنّب المقارنات المباشرة بين الطلاب، والتركيز على تقدير الجهد الفردي لكل طالب بدلاً من إبراز الفروق بينهم بشكل مستمر، ويشيرون إلى أن تنويع أساليب التقييم، وعدم حصر التميّز في الجانب الدراسي فقط، يساعد على تقليل شعور بعض الطلاب بأن قيمتهم مرتبطة بنتائج محددة.
ويؤكد مختصون في التربية أن إشراك الطلاب في أنشطة جماعية قائمة على التعاون، وليس التنافس فقط، يساهم في تحويل العلاقة بينهم من منافسة حادة إلى عمل مشترك، ما يخفف من حدة الغيرة، كما أن إتاحة مساحة للطلاب للتعبير عن مشاعرهم بشكل آمن، وملاحظة التغيرات السلوكية لديهم مبكراً، يساعد المعلّم على التدخل بطريقة هادئة قبل أن تتطور هذه المشاعر إلى سلوكيات سلبية داخل الصف.
٢٨ أبريل ٢٠٢٦
لا يقتصر التستّر على المجرمين على كونه سلوكاً يعيق الوصول إلى العدالة أو خطأً أخلاقياً يتنافى مع القيم الإنسانية، بل يُعدّ في القانون السوري جريمة يُعاقب عليها، لما يمثّله من عرقلة لمسار العدالة، لا سيما في سياق العدالة الانتقالية، وفي هذا السياق، يحدد القانون السوري الأفعال التي تُعدّ تستّراً على الجناة والعقوبات المترتبة عليها.
وفي سياق تطبيق هذه الأحكام، أوقفت قوى الأمن الداخلي في ريف حماة والد المجرم أمجد يوسف، مرتكب مجزرة التضامن، إلى جانب عدد من أقاربه، للاشتباه بتورطهم في التستر عليه وإخفاء مكان وجوده خلال الفترة الماضية.
الإطار القانوني لعقوبة التستّر على الجناة في القانون السوري
في هذا السياق، قال المحامي والحقوقي عبد الناصر حوشان، النائب في مجلس الشعب، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري يحدد عقوبة من يقوم بإخفاء الجناة أو تقديم المأوى والمأكل والمشرب لهم، وذلك وفق المادة (218) التي تنص على أنه يُعدّ متدخلاً في جناية أو جنحة: من أعطى إرشادات لاقترافها وإن لم تُساعد هذه الإرشادات على الفعل، أو من شدّ عزيمة الفاعل بأي وسيلة من الوسائل.
أيضاً "أو من قبل، ابتغاءً لمصلحة مادية أو معنوية، عرض الفاعل أن يرتكب الجريمة، أو من ساعد الفاعل أو عاونه على الأفعال التي هيأت الجريمة أو سهّلتها أو أتمّت ارتكابها، كما يُعدّ متدخلاً أيضاً من كان متفقاً مع الفاعل أو أحد المتدخلين قبل ارتكاب الجريمة، وساهم في إخفاء معالمها أو تخبئة أو تصريف الأشياء الناجمة عنها، أو إخفاء شخص أو أكثر من الذين اشتركوا فيها عن وجه العدالة.
وكذلك من كان عالماً بسيرة الأشرار الذين دأبهم قطع الطرق أو ارتكاب أعمال العنف ضد أمن الدولة أو السلامة العامة أو ضد الأشخاص أو الممتلكات، وقدم لهم طعاماً أو مأوى أو مختبأ أو مكاناً للاجتماع.
ونوّه حوشان إلى أن المادة (219) تنص على أن المتدخل الذي لولا مساعدته لما ارتُكبت الجريمة يُعاقب كما لو كان هو نفسه الفاعل، أمّا سائر المتدخلين، فيُعاقبون بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة من اثنتي عشرة سنة إلى عشرين سنة، إذا كان الفاعل يُعاقب بالإعدام.
وأضاف أنه إذا كان عقاب الفاعل الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد، يُحكم على المتدخلين بالعقوبة نفسها على ألا تقل عن عشر سنوات، وفي الحالات الأخرى تُخفّض عقوبة الفاعل بحقهم حتى النصف، كما يمكن إنزال التدابير الاحترازية بهم كما لو كانوا هم أنفسهم فاعلي الجريمة.
وأوضح لـ "شام" أن المادة (220) تنص على ما يلي: من أقدم فيما خلا الحالة المنصوص عليها في الفقرة الخامسة من المادة 218 وهو عالم بالأمر على إخفاء أو بيع أو شراء أو تصريف الأشياء الداخلة في ملكية الغير والتي نزعت أو اختلست أو حصل عليها بجناية أو جنحة عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من مائة ليرة إلى مائتي ليرة.
وعلى أنه إذا كانت الأشياء المبحوث عنها في الفقرة الأولى ناجمة عن جنحة فلا يمكن أن تجاوز العقوبة ثلثي الحد الأعلى لعقوبة الجنحة المذكورة.
وذكر أن المادة (221) تنص على ما يلي: من أقدم فيما خلا الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الـ 5 و6 من المادة الـ 218 على إخفاء شخص يعرف أنه اقترف جناية أو ساعده على التواري عن وجه العدالة، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، ويُعفى من العقوبة أصول الجناة المخبأين أو فروعهم أو أزواجهم أو زوجاتهم حتى الطالقات أو أشقاؤهم أو شقيقاتهم أو أصهارهم من الدرجات نفسها.
وتأتي هذه التطورات في ظل متابعة مستمرة لملف الملاحقات، بما يشمل المتورطين بشكل مباشر أو غير مباشر في إخفاء الجناة أو مساعدتهم على الإفلات، في إطار إجراءات تمتد لتشمل مختلف حلقات الارتباط بالقضية، وليس فقط مرتكبيها الأساسيين.
٢٨ أبريل ٢٠٢٦
تجرّع آلاف الأطفال خلال سنوات الثورة السورية مرارة اليُتم، نتيجة فقدان أحد الوالدين أو كليهما، في ظل ما شهدته البلاد من أحداث قاسية، كالقصف والاعتقال وغيرها، ما ترك آثاراً عميقة في حياتهم، ويجد هؤلاء الأطفال أنفسهم في مواجهة تحديات متزايدة في تفاصيل حياتهم اليومية، تمتد من الجوانب النفسية إلى الاجتماعية، في ظل غياب أحد أهم مصادر الدعم داخل الأسرة.
قالت سلام العبد الله (اسم مستعار)، 36 عاماً، أم لخمسة أبناء، وتقيم في ريف إدلب الجنوبي، في حديث لـشبكة شام الإخبارية، إنها وأطفالها واجهوا صعوبات عدة بعد وفاة والدهم قبل عامين ونصف، مشيرةً إلى أنهم يفتقدونه في تفاصيل حياتهم اليومية، سواء في المناسبات السعيدة أو اللحظات القاسية التي تتطلب وجوده إلى جانبهم.
وأضافت أن ابنتها الكبرى، التي تدرس حالياً في الصف التاسع، تبدو عليها علامات الحزن بشكل مستمر، وتعبّر عن شعورها بأن وجود والدها كان سيجعل وضعها النفسي ودراستها أفضل، مؤكدةً أن فقدان الأب يترك أثراً كبيراً، إذ يشعر الطفل بفراغ واضح في غيابه.
بين غياب السند وتعدد الأدوار… ضغوط متزايدة على الأم
وقال براء الجمعة، مؤسس منصة "إصغاء" والمشرف والاختصاصي في الصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أبرز التحديات التي تواجه الأم اليوم تتمثل في تحمّلها معظم أعباء الأسرة بمفردها، إلى جانب مطالبتها بأداء أدوار متباينة، تجمع بين الرعاية والاحتواء من جهة، والحزم وضبط شؤون المنزل من جهة أخرى.
وأضاف أن غياب الأب، في ظل الظروف التي شهدتها البلاد، لا يقتصر على غياب شخص، بل يعني فقدان السند الذي كانت تعتمد عليه الأم، ما يضعها أمام خيارات صعبة بين العمل لتأمين احتياجات الأسرة والبقاء إلى جانب الأبناء لرعايتهم، لافتاً إلى أن هذا الواقع يفرض عليها ضغطاً مستمراً، ويعزز شعورها بالتقصير مهما بذلت من جهد.
غياب الأب وتأثيره على الأمان النفسي والتحصيل الدراسي للطفل
وأشار إلى أن فقدان الأب ينعكس على شعور الطفل بالأمان، إذ يفقد مصدر الحماية الذي كان يعتمد عليه، ما يجعله أكثر عرضة لمشاعر القلق وعدم الاستقرار، لافتًا إلى أن هذا الغياب يعزز لديه شعورًا بالنقص، خاصة عند مقارنته نفسه بأقرانه الذين يعيشون مع آبائهم، وقد ينعكس ذلك على حالته النفسية على شكل خوف من المستقبل أو حزن داخلي مستمر.
وأكد أن العملية التعليمية لا تقتصر على الكتب والأدوات الدراسية، بل ترتبط بدافع داخلي يدفع الطفل للإنجاز والشعور بالفخر أمام من يحبهم، لافتاً إلى أن غياب الأب قد يضعف هذا الدافع، ما ينعكس على تراجع المستوى الدراسي، ليس بسبب ضعف القدرات، بل نتيجة فقدان الحافز المرتبط بالتقدير والدعم.
وأضاف الجمعة أن هذا الغياب قد يظهر أيضاً في سلوكيات الطفل، حيث قد يميل إلى العصبية أو الانعزال، في تعبير غير مباشر عن مشاعر الألم والحاجة إلى الاهتمام.
ونوّه إلى وجود مؤشرات تستدعي انتباه الأم لدى الطفل اليتيم، مثل الميل إلى الصمت بشكل مفاجئ، أو ظهور مخاوف جديدة لم تكن موجودة سابقاً، كالخوف من الظلام أو البقاء وحيداً، إضافة إلى شكاوى متكررة من آلام في البطن أو الرأس دون سبب طبي واضح، مشيراً إلى أن هذه السلوكيات قد تعبّر عن ضغوط نفسية غير مُعلنة.
وأوضح أن تغيّر سلوك الطفل، كازدياد العصبية أو العناد بشكل غير معتاد، لا يُعد سلوكاً عابراً، بل قد يكون تعبيراً عن فقدان الشعور بالأمان، ما يتطلب الانتباه والتعامل معه بوعي.
وذكر المختص براء أن الأم تواجه صعوبات متزايدة في متابعة تعليم أبنائها في ظل غياب الأب، ما يجعل هذه المسؤولية أكثر ثقلاً، خاصة إذا كانت تعمل خارج المنزل، لافتاً إلى أن القلق على مستقبل الأبناء قد يتحول إلى ضغط وتوتر ينعكس على الأجواء داخل المنزل، فتتحول أوقات الدراسة من مساحة للتعلم إلى حالة من التوتر.
وأكد أن دعم الأم لطفلها يبدأ بالحفاظ على توازنها النفسي، دون أن تضغط على نفسها لتكون مثالية، لافتًا إلى أن حاجة الطفل ترتبط بوجود أم مستقرة أكثر من سعيها للكمال، كما أشار إلى أهمية الحديث عن الأب بصورة طبيعية وإيجابية، من خلال استحضار مواقفه الجيدة، بما يعزز شعور الطفل بالارتباط والفخر رغم الغياب.
وبين أن الاحتواء العاطفي، من خلال القرب والإصغاء، يلعب دوراً أساسياً في تخفيف التوتر لدى الطفل، ويتفوق في أثره على أي أساليب توجيه مباشرة.
وأوضح أن دور المعلم والمجتمع يتمثل في التعامل مع الطفل بعيدًا عن نظرة الشفقة، والنظر إليه كطفل يواجه ظروفًا صعبة، بما يتطلب دعمه واحتواءه، منوهاً إلى أن أهمية دور المدرسة في تشجيعه ومنحه مساحة للتعبير عن نفسه، وأضاف أن تعزيز روح التكافل داخل المجتمع يسهم في توفير بيئة داعمة، تقوم على المساندة الحقيقية دون أن تتحول إلى تدخل أو إظهار للشفقة.
وشدد على أن دور المؤسسات والمنظمات لا يقتصر على تقديم المساعدات المادية، بل يشمل الحفاظ على كرامة الأسر المتضررة، مشيراً إلى أهمية توفير دعم نفسي فعلي للأمهات، إلى جانب تأمين فرص عمل تضمن لهن الاستقرار المعيشي، وتهيئة بيئة تعليمية تراعي الحالة النفسية للأطفال الذين فقدوا آباءهم، بما يحدّ من الآثار السلبية لهذه الظروف على مستقبلهم.
ووجّه الجمعة رسالة في حديث لـ "شام" إلى الأمهات اللواتي يتحملن مسؤولية تربية أبنائهن في ظل غياب الأب، مؤكدًا أن هذا الدور يتطلب جهداً كبيراً، حتى في ظل الشعور بالتعب أو التقصير أحياناً، لافتاً إلى أهمية التركيز على بناء علاقة قائمة على الوعي والاحتواء، بدل السعي لتعويض دور الأب بشكل كامل.
كما أشار إلى ضرورة الصدق مع الطفل والصبر على تقلباته، إلى جانب الاستعانة بنماذج قريبة من العائلة، كالأقارب، لتعزيز شعوره بالدعم، مؤكداً أن هذه العوامل تسهم في مساعدة الطفل على تجاوز هذه المرحلة.
بين تحمّل المسؤولية والحاجة للاحتواء
يرى مختصون في علم الاجتماع أن الطفل الذي يفقد أحد والديه لا يواجه فقط تحديات نفسية، بل يعيش أيضاً تحوّلات في موقعه داخل الأسرة، إذ قد يُدفع بشكل غير مباشر لتحمّل أدوار أكبر من عمره، مثل مساعدة الأم أو رعاية الإخوة الأصغر، ما قد يسرّع نضجه من جهة، لكنه في المقابل يحرمه من عيش مراحل طفولته بشكل متوازن.
ويشير تربويون إلى أن استقرار البيئة المحيطة بالطفل يلعب دوراً مهماً في التخفيف من آثار الفقد، إذ إن وجود روتين يومي واضح، واستمرار الطفل في مدرسته، والحفاظ على علاقاته الاجتماعية، كلها عوامل تساعده على التكيّف بشكل تدريجي، وتحدّ من شعوره بالاضطراب.
و يلفت مختصون إلى أن بعض الأطفال قد لا يُظهرون تأثرهم بشكل مباشر، بل يلجؤون إلى إخفاء مشاعرهم أو التكيّف الظاهري مع الوضع، وهو ما قد يُفهم أحياناً على أنه تجاوز للأزمة، بينما يحتاج في الواقع إلى متابعة واحتواء غير مباشر على المدى الطويل.
٢٨ أبريل ٢٠٢٦
تُعدّ القدوة أحد العوامل التي تسهم في تشكيل سلوك الأطفال، إذ يميل الطفل إلى تقليد الأشخاص المحيطين به، سواء داخل الأسرة أو في محيطه الاجتماعي، إضافة إلى ما يتابعه عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وكذلك النماذج التي يتعرّف إليها من خلال المناهج الدراسية وكتب التاريخ وخطب المساجد.
وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين نوعين من القدوة التي يتأثر بها الطفل، تتمثل في القدوة الإيجابية، وأخرى سلبية، ويختلف تأثير كل منهما تبعاً للسلوكيات التي ينقلها النموذج الذي يقتدي به الطفل.
تُقصد بالقدوة الإيجابية النماذج التي يتأثر بها الطفل، حيث يلاحظ سلوكها ويقوم بتقليده، ما ينعكس على تصرفاته اليومية، ويظهر ذلك في سلوكيات مثل الالتزام والانضباط واحترام الآخرين، ويحدث هذا التأثر بشكل تدريجي من خلال التكرار والملاحظة المستمرة لما يراه أو يسمعه.
في المقابل، تشير القدوة السلبية إلى النماذج التي يكتسب الطفل من خلالها سلوكيات غير مرغوبة نتيجة ملاحظتها وتقليدها، ويظهر ذلك في تبنّي تصرفات مثل العدوانية أو عدم الالتزام أو استخدام أساليب غير مناسبة في التعامل مع الآخرين، تبعاً لما يراه الطفل أو يسمعه في حياته اليومية، وقد يتم تقليد هذه السلوكيات دون إدراك كامل لنتائجها، خاصة مع تكرار مشاهدتها أو سماعها.
يقع على عاتق الأسرة دور رئيسي في توجيه سلوك الطفل، من خلال ما يراه يومياً من تصرفات داخل المنزل، إذ يعتمد الطفل على الملاحظة والتقليد، ما يجعل طريقة التعامل بين أفراد الأسرة وأساليبهم في التصرف من العوامل التي تنعكس على سلوكه. كما يسهم أسلوب المتابعة والتوجيه في ترسيخ بعض السلوكيات أو الحدّ من أخرى، بحسب طبيعة البيئة الأسرية.
كما تؤدي المدرسة دوراً في التأثير على سلوك الطفل، من خلال البيئة التعليمية التي يقضي فيها جزءاً كبيراً من يومه، إذ تسهم طريقة تعامل المعلمين، وطبيعة الانضباط داخل الصف، وأساليب التعليم المتبعة، في نقل أنماط سلوكية يلاحظها الطفل ويقوم بتقليدها، كما يتيح الاحتكاك مع الزملاء نماذج إضافية يتأثر بها، ما يجعل المدرسة مساحة تؤثر في سلوك الطفل إلى جانب الأسرة.
كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في حياة الأطفال، في ظل الوقت الذي يقضونه في متابعتها، وتُعد هذه الوسائل سلاحاً ذا حدّين، إذ تتيح الاطلاع على محتوى تعليمي ونماذج إيجابية، في مقابل انتشار محتويات أخرى تروّج لأنماط حياة تقوم على تبسيط الحياة بشكل مفرط، وربط النجاح بالمظاهر والمال، إلى جانب تقديم محتوى غير هادف يقوم أحياناً على أساليب تواصل وسلوكيات قد لا تكون مناسبة، ما يضع الطفل أمام نماذج متعددة يتأثر بها بدرجات متفاوتة.
قالت نجاح بالوش، مرشدة نفسية حاصلة على إجازة في علم النفس اختصاص إرشاد نفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأهل يشكّلون قدوة في حياة أطفالهم من خلال سلوكهم اليومي، إذ يميل الأطفال إلى ملاحظة تصرفات والديهم وتقليدها أكثر من الاكتفاء بالاستماع إلى التوجيهات.
وأضافت أن الأبناء، عندما يلاحظون سلوكيات مثل الصدق والاحترام والتسامح لدى الأهل، يكتسبون هذه القيم تدريجياً، فعلى سبيل المثال، إذا رأى الطفل أحد والديه يعترف بخطئه ويعتذر، يتعلم تحمّل المسؤولية، كما أن طريقة التعامل باحترام مع الآخرين تنعكس على سلوك الطفل في مواقف مشابهة.
وأكدت أن طريقة تعامل الأهل مع الآخرين تنعكس على سلوك الطفل، إذ يتعلّم من خلالها مفاهيم مثل الاحترام والتعاون والتعامل مع الخلافات، كما أشارت إلى أن التزام الأهل بمسؤولياتهم وأداء واجباتهم يرسّخ لدى الطفل سلوكيات مرتبطة بالانضباط، موضحة أن الأطفال يعتمدون بشكل أساسي على الملاحظة والتقليد في اكتساب السلوك، أكثر من الاعتماد على التوجيه المباشر.
ويرى مختصون في مجال التربية أن الطفل لا يكتسب سلوكه من مصدر واحد، بل يتأثر بعدة عوامل متداخلة، تشمل الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، إضافة إلى المحتوى الذي يتعرض له يومياً، ويشيرون إلى أن تعدد هذه المصادر قد يضع الطفل أمام نماذج متباينة، ما يتطلب قدراً من المتابعة والتوجيه لمساعدته على التمييز بينها.
ويضيف مختصون أن المراحل العمرية المبكرة تُعد الأكثر تأثراً بالقدوة، نظراً لاعتماد الطفل في هذه المرحلة على الملاحظة والتقليد، ما يجعل نوعية النماذج التي يتعرض لها عاملاً مؤثراً في تشكيل سلوكه على المدى الطويل.
في ظل تعدد مصادر القدوة التي يتعرض لها الطفل، تبقى القدوة أحد العوامل الأساسية في حياته، إذ ينعكس تأثيرها على سلوكه بشكل تدريجي، سواء من خلال ما يلاحظه في محيطه القريب أو ما يتابعه عبر الوسائل المختلفة، وهو ما يسهم في ترسيخ أنماط سلوكية تتشكل مع مرور الوقت.
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
شهد يوم الأحد الفائت، 26 نيسان/أبريل الجاري، انطلاق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب، المتهم بالتورط في انتهاكات بحق أطفال درعا وجرائم ضد أبناء الشعب السوري، في خطوة لبدء مسار المحاسبة.
وتخلل يوم المحاكمة مشاهد لافتة، كان من أبرزها حضور عدد من أهالي الضحايا وذوي المعتقلين إلى قاعة المحكمة، حيث بدت مشاعر الحزن واضحة على وجوه أمهات فقدن أبناءهن، في وقت صدحت فيه هتافات أعادت إلى الذاكرة بدايات انطلاق الثورة السورية، في مشهد جمع بين الألم والمطالبة بالعدالة.
ولاقت المشاهد المتداولة من جلسة المحاكمة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصفها معلقون بأنها خطوة أولى في طريق استرداد الحقوق وتحقيق العدالة، بينما عبّر آخرون عن تعاطفهم مع الأمهات، مؤكدين أن حجم الفقد الذي عانته الأمهات خلال سنوات الثورة كان كبيراً وعميق الأثر.
وبالتوازي مع ذلك، أثار خبر اعتقال أمجد يوسف مؤخراً، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن، موجة تفاعل واسعة بين السوريين، رافقها شعور مختلط بين الارتياح والتأثر، خاصة لدى أهالي المنطقة وذوي الضحايا.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة لذوي الضحايا أدلوا بشهاداتهم، بدت فيها مشاعرهم واضحة بين الفرح والدموع ونبرة الصوت المرتجف، وهم يتحدثون عن وقع الخبر عليهم، مؤكدين ضرورة محاسبته ومحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات التي ارتُكبت بحق أبناء الشعب السوري خلال سنوات الثورة.
خطوات أولى نحو مسار العدالة الانتقالية في سوريا
قال الصحفي والباحث ماجد عبد النور، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العدالة الانتقالية لا تُعد مطلباً فحسب، بل تمثل ضرورة ملحّة في سياق ما بعد النزاعات، بما في ذلك الحروب الأهلية أو الثورات المسلحة، نظراً لدورها في ترسيخ السلم الأهلي.
وأضاف أن غياب عدالة انتقالية حقيقية، تقوم على محاسبة المسؤولين عن الجرائم، قد يفتح الباب أمام أشكال من الانتقام الفردي أو الجماعي البعيد عن سلطة القانون، ما يهدد الاستقرار ويعرقل ترسيخ السلم الأهلي، وقد يؤدي إلى أشبه لامتداد لحرب أهلية، الأمر الذي يجعل من العدالة الانتقالية ضرورة في مراحل ما بعد النزاعات.
وأشار إلى أن الخطوات التي جرى اتخاذها تُعد إيجابية، ولا سيما بدء أولى محاكمات المتهمين بارتكاب جرائم حرب في درعا، لافتاً إلى أن اختيار هذه المدينة يحمل دلالة رمزية، باعتبارها نقطة انطلاق الأحداث، ما يعكس توجّهاً لاعتبار هذه المحاكمات بداية لمسار العدالة الانتقالية.
وبيّن أن تصريحات وزير العدل بشأن انتظار إقرار قوانين العدالة الانتقالية من قبل مجلس الشعب تُعد مؤشرًا على وجود مسار عمل في هذا الاتجاه، مشيراً إلى أن إلقاء القبض على أمجد يوسف يأتي ضمن سياق يتجه بشكل طبيعي نحو تطبيق العدالة.
أثر المحاكمات في إنصاف الضحايا وترسيخ الاستقرار
وأكد عبد النور أن تأثير هذه المحاكمات على أهالي الضحايا سيكون كبيراً، إذ يسعون إلى تحقيق الإنصاف واستعادة حقوقهم، وعدم رؤية المسؤولين عن قتل أبنائهم وأفراد عائلاتهم يعيشون حياة طبيعية دون محاسبة.
ونوّه لـ "شام" إلى أن محاسبة مرتكبي الانتهاكات تسهم في تخفيف حالة الاحتقان لدى أهالي الضحايا، وتعزز شعورهم بالطمأنينة واستعادة جزء من حقوقهم، من خلال تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاستقرار، ويدعم ترسيخ السلم الأهلي، ويعزز الشعور بالأمان داخل المجتمع.
وفيما يتعلق بدور هذه القضايا في ردع تكرار الانتهاكات، أكد عبد النور أن المحاسبة الفعلية تمثل عاملاً أساسياً في منع تكرار الجرائم، مشيراً إلى المقولة الشهيرة: "المجزرة التي تُنسى تُعاد"، لافتاً إلى أن تحقيق العدالة وفرض عقوبات حقيقية يسهمان في ترسيخ الذاكرة المجتمعية، بما يعزز من فرص الردع مستقبلاً، ويؤكد أن مسار العدالة، مهما طال، يبقى قائماً.
تحديات معقّدة تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا
وذكر الصحفي عبد النور أن هناك تحديات تواجه ملف العدالة الانتقالية، أبرزها حجم الجرائم التي ارتُكبت خلال 14 عاماً، والتي قد تمتد، عند العودة إلى فترات سابقة، إلى نحو 50 عاماً، ما يجعل حجمها مهولاً وعدد المتورطين فيها كبيراً، ناهيك عن أن التداخلات الاجتماعية والطائفية والعرقية تُعد عاملاً مؤثراً في هذا الملف.
وأشار إلى وجود عقبات أخرى تتعلق بالكشف عن مصير المفقودين وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات، سواء من نفّذها أو من أصدر الأوامر، إضافة إلى مسألة نطاق المحاسبة، وما إذا كانت ستشمل جميع المتورطين، الذين تُقدّر أعدادهم بمئات الآلاف، أم ستقتصر على المسؤولين الرئيسيين ومن أعطوا الأوامر.
ونوّه عبد النور في ختام حديثه إلى وجود عوائق اقتصادية في هذا الملف، إذ تتطلب العدالة الانتقالية إجراءات لجبر الضرر، في وقت تعاني فيه البلاد من أوضاع اقتصادية صعبة، ما يطرح تحديات تتعلق بإمكانية تعويض أهالي الضحايا، وأضاف أن هذه العقبات تتعدد، إلا أن أبرزها يتمثل في حجم الجرائم المهول، إلى جانب مسألة الكشف عن مصير المفقودين.
وشكّلت السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد البائد نموذجاً صارخاً لهيمنة العقل الأمني على مفاصل الدولة، حيث كانت الأجهزة الأمنية تتحكم بالحياة السياسية والاجتماعية، وتُدار البلاد عبر منظومة تقوم على القمع وتكميم الأصوات، دون أي مساءلة قانونية حقيقية، وكان رموز تلك المرحلة، ومنهم عاطف نجيب، يتمتعون بنفوذ واسع وحصانة شبه مطلقة.
٢٦ أبريل ٢٠٢٦
يواجه الأطفال العائدون بعد النزوح تحديات نفسية واجتماعية، من أبرزها فقدان الأصدقاء الذين شكّلوا جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية خلال السنوات الماضية، فهذا الفقد لا يمرّ دون أثر، إذ ينعكس على سلوك الطفل ومشاعره، وقد يؤثر على قدرته على الاندماج وبناء علاقات جديدة.
وفي ظل الانتقال إلى بيئة مختلفة، يجد كثير من الأطفال صعوبة في التأقلم، خاصة مع غياب العلاقات التي اعتادوا عليها، ما يضع الأسرة والمدرسة أمام مسؤولية دعمهم ومساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة بشكل تدريجي وآمن.
وفي هذا السياق، قالت باسمة العبد الله (اسم مستعار) لسيدة كانت نازحة في أحد مخيمات كفرلوسين بريف إدلب الشمالي، في حديث لـشبكة "شام" الإخبارية، إن أطفالها الثلاثة واجهوا صعوبة كبيرة عند عودتهم إلى دمشق بعد انتهاء فترة النزوح، إذ بكوا كثيراً لحظة وداع أصدقائهم في المخيم، وشعروا بحزن عميق لفراقهم، بعد أن أمضوا معاً أوقاتاً طويلة في اللعب والدراسة وتشاركوا العديد من الذكريات.
وأضافت أن أطفالها ما يزالون على تواصل مع أصدقائهم عبر تطبيق “واتساب”، ويعبّرون باستمرار عن اشتياقهم لهم، مشيرة إلى أنها تحرص على زيارتهم كلما أتيحت لها الفرصة، في محاولة للحفاظ على هذه العلاقات وتخفيف شعور الفقد لديهم.
دور المعلم في تعويض غياب الأصدقاء وتعزيز الاندماج
قالت ملك حاتم، معلمة لغة إنجليزية في المرحلة الإعدادية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن دور المعلم لا يقتصر على التعليم الأكاديمي فحسب، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب وتعزيز علاقاته داخل البيئة المدرسية، لا سيما علاقاته مع أقرانه.
وأوضحت أن الصداقة تُعد عنصراً أساسياً في حياة الطفل، لما لها من تأثير مباشر على سلوكه وثقته بنفسه، إذ يتأثر الطفل بصديقه بشكل كبير، ويتعلم منه ويقتدي به، ما يجعل وجود صديق داعم عاملاً مهماً في تعزيز استقراره النفسي ورغبته في التعلّم.
وأشارت إلى أن غياب الأصدقاء أو فقدانهم قد ينعكس سلباً على الطفل، حيث يظهر ذلك من خلال تراجع ثقته بنفسه، وزيادة شعوره بالخوف أو التردد، إلى جانب انخفاض رغبته في الذهاب إلى المدرسة، خاصة في حال عدم وجود من يشاركه يومه الدراسي.
وبيّنت أن ابتعاد الطفل عن أصدقائه قد يؤدي إلى تراجع في تحصيله الدراسي، وظهور سلوكيات مثل العزلة أو التشتت الذهني، وقد يتطور الأمر لدى بعض الأطفال إلى العدوانية أو فقدان الاهتمام بالدراسة، نتيجة شعورهم بالوحدة وصعوبة التأقلم مع الواقع الجديد.
وأكدت حاتم أن هذه المرحلة تتطلب اهتماماً خاصاً من المعلمين، من خلال عدم ترك الطفل يواجه هذه المشاعر بمفرده، والعمل على دعمه نفسياً واجتماعياً.
وأضافت أنها تحرص على تعزيز العمل التعاوني والأنشطة الجماعية داخل الصف بشكل مستمر، لما لها من دور في تقوية العلاقات بين الطلاب، مشيرة إلى أهمية استقبال الطلاب الجدد بطريقة داعمة، عبر تشجيع زملائهم على الترحيب بهم ومساعدتهم على التعارف وإيجاد نقاط مشتركة، ما يسهم في اندماجهم تدريجياً داخل البيئة الصفية.
فقدان الأصدقاء وتأثيره على نفسية الطفل
قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة نفسجي، في حديث لـ شام، إن فقدان الأصدقاء يُعد من أكثر التجارب تأثيراً على الطفل، كونه يرتبط بحاجة أساسية لديه للشعور بالانتماء والقبول، إذ يشكّل الأصدقاء جزءاً من أمانه اليومي، وقد ينعكس هذا الفقد على شكل حزن أو ميل إلى الانسحاب، إلى جانب حذر في بناء علاقات جديدة.
وأوضحت أن هذه الصعوبة تتضاعف لدى الأطفال العائدين بعد النزوح، حيث يواجه بعضهم تحديات في الاندماج الاجتماعي نتيجة اختلاف البيئات التي نشأوا فيها، وهو ما يظهر في طريقة تفاعلهم مع محيطهم واهتماماتهم اليومية.
وبينت أن العقبات تزداد في المناطق المتضررة، خاصة مع غياب المساحات الآمنة المخصصة للأطفال، كالساحات والحدائق، إضافة إلى ضعف البنية الترفيهية، ما يقلّص فرص التفاعل واللعب الجماعي ويؤثر على بناء العلاقات.
وأكدت قرنفل أن هذه الظروف قد تنعكس على سلوك الطفل ومزاجه، فتظهر لديه مؤشرات مثل الانسحاب الاجتماعي أو صعوبة التكيف، وهو ما يرتبط بتجارب سابقة واختلافات في نمط الحياة.
وعلى المستوى الدراسي، قد يواجه الطفل صعوبات في التأقلم مع أساليب تعليم مختلفة، إلى جانب تحديات لغوية لدى بعض الأطفال، ما يزيد من الضغط داخل الصف ويؤثر على تفاعلهم وفهمهم.
وأشارت إلى أهمية دور البيئة المدرسية في احتواء هذه الفروقات، من خلال توفير قدر من المرونة والتفهم، إلى جانب دور المعلمات في تقديم الدعم المناسب الذي يساعد الطفل على الاندماج بشكل تدريجي وآمن.
وبيّنت أن هذه التأثيرات تستدعي تدخلاً مختصتاً في حال استمرارها أو تفاقمها، كظهور سلوكيات مثل الانسحاب الحاد، أو العدوانية، أو اضطرابات النوم والشهية، أو تراجع التحصيل الدراسي، حيث يكون الدعم النفسي ضرورياً لمساعدة الطفل على استعادة توازنه.
وشددت على أن ما يحتاجه الطفل في هذه المرحلة هو الوقت والشعور بالأمان العاطفي، مؤكدة أن تجاوز هذه التجربة يتم بشكل تدريجي، ما يستدعي من الأهل التحلي بالصبر والتفهم.
كما دعت إلى إتاحة مساحة للطفل للتعبير عن مشاعره بحرية دون ضغط، والحفاظ على روتين يومي مستقر، إلى جانب تشجيعه على التفاعل الاجتماعي بشكل تدريجي، مع إمكانية إبقاء التواصل مع أصدقائه السابقين لما لذلك من أثر في تخفيف شعور الفقد.
وأكدت أهمية تركيز الأهل على الجوانب الإيجابية في المرحلة الجديدة، مثل استقرار العائلة وعودة الروابط الاجتماعية، بما يساعد الطفل على التكيف وبناء علاقات جديدة، وشددت على ضرورة عدم التردد في طلب الدعم النفسي عند الحاجة، لما لذلك من دور في مساعدة الطفل على تجاوز الصعوبات بشكل صحي ومتوازن، والحد من تفاقمها على المدى الطويل.
من الأمان العاطفي إلى بناء الصداقات: خطوات التأقلم
ونوهت إلى أن مساعدة الطفل على التأقلم تبدأ بتخفيف شعوره بالضغط ومنحه الوقت الكافي، إذ إن الاندماج لا يحدث بشكل فوري، بل يتطلب مرحلة تدريجية يشعر خلالها بالأمان داخل بيئته الجديدة قبل تشجيعه على التفاعل الاجتماعي.
وبيّنت أنه يمكن دعم الطفل من خلال إشراكه في أنشطة جماعية مناسبة لعمره، داخل المدرسة أو خارجها، لما توفره من فرص طبيعية للتعارف وبناء العلاقات دون فرض مباشر، كما أن تشجيعه على اللعب الحر والتفاعل التدريجي مع الأقران يسهم في كسر حاجز البداية وتعزيز ثقته بنفسه.
وأشارت إلى أن البيئة الأسرية الداعمة تلعب دوراً أساسياً في هذا السياق، فالشعور بالأمان العاطفي داخل المنزل ينعكس على قدرة الطفل على الانفتاح على الآخرين، ويمكن للأهل أيضاً المساهمة في تسهيل هذا الاندماج عبر تنظيم لقاءات بسيطة أو أنشطة مشتركة مع أقرانه، بما يعزز التواصل بشكل مريح وطبيعي، إلى جانب الحفاظ على بعض الروابط السابقة لما تمنحه من شعور بالاستمرارية.
وأكدت أن سرعة التأقلم تختلف من طفل لآخر، تبعاً لعوامل عدة، منها طبيعة الشخصية، والعمر، والخبرات السابقة، ومستوى الدعم الأسري والمدرسي، ما يجعل من غير المناسب مقارنة الأطفال ببعضهم، بل التعامل مع كل حالة بشكل فردي.
وأوضحت في ختام حديثها أن بناء الصداقات لا يُعد هدفاً آنياً، بل هو نتيجة لبيئة آمنة، وتكرار فرص التفاعل، وتوافر الدعم والصبر، حتى يتمكن الطفل من التكيف والشعور بالثقة بشكل تدريجي.
٢٦ أبريل ٢٠٢٦
تجد النساء الأرامل أنفسهن مضطرات للتعامل مع متطلبات الحياة اليومية بمفردهن، من تأمين الاحتياجات الأساسية إلى متابعة شؤون الأبناء واتخاذ القرارات المرتبطة بحياتهم بعد غياب الزوج، ولا يقتصر ذلك على الجانب المعيشي، بل يمتد ليشمل ضغوطاً نفسية واجتماعية مرتبطة بهذا التغيير في نمط حياتهن.
وخلال سنوات الثورة السورية، ازدادت صعوبة الأوضاع التي تواجهها الأرامل مع ما شهدته البلاد من قصف ونزوح وتراجع في الموارد، ما انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر، وفي هذا السياق اضطرت كثير من النساء إلى تحمّل أعباء إضافية في ظل ظروف قاسية.
من فقدان الزوج إلى إعالة ستة أطفال
روت "ندى الورد" (اسم مستعار)، وهي سيدة تقيم في ريف إدلب، تبلغ من العمر 50 عاماً، لشبكة شام الإخبارية، تفاصيل تجربتها بعد فقدان زوجها قبل 22 عاماً نتيجة إصابته بمرض السرطان، حين كانت في الثامنة والعشرين من عمرها، لتجد نفسها مسؤولة عن ستة أطفال، أربع بنات وولدين.
أشارت إلى أنها تحملت مسؤوليات الأب والأم معاً، رافضةً عروض الزواج التي تلقتها، ومكرسة حياتها لتربية أطفالها وتأمين احتياجاتهم، ولفتت أنها عملت في عدة مهن لتأمين لقمة العيش، منها رشّ الخرز والعُبي لمدة عام.
ثم عملت كمستخدمة وطاهية لدى إحدى المعلمات، مشترطةً أن يكون زوج المعلمة غير موجود في المنزل أثناء ساعات عملها، التزاماً بالعادات والتقاليد وتجنباً لانتقادات المجتمع، وكانت تعمل من الساعة الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً مقابل أجر يومي.
كما عملت في تنظيف المنازل والفيلات والغرف برفقة سيدة أخرى، حيث كانتا تتقاسمان الأجر، مؤكدة أنها كانت تنسى تعبها بمجرد تأمين احتياجات أطفالها.
تحديات النزوح والعمل… وصمود رغم الفقد
وأوضحت السيدة ندى أن الصعوبات تفاقمت خلال سنوات الثورة، خاصة بعد اضطرارها للنزوح من منزلها في حلب، حيث واجهت ظروفاً قاسية تمثلت في انقطاع الكهرباء، وصعوبة تأمين الخبز، وغياب الاستقرار، مشيرة إلى أنها كانت تضطر أحياناً للطهي على الحطب والدفية.
وأضافت أنها عملت في مجالات زراعية متعددة، كالحصاد وقطاف الزيتون وغيرها، قبل أن تنتقل للعمل في بيع الألبسة الجاهزة، ثم كمندوبة مبيعات في شركة "رويال"، حيث كانت تتنقل يومياً حاملة حقيبتها لتسويق المنتجات.
وبيّنت أنها طورت نفسها من خلال تعلم مهارات التسويق، ما أتاح لها العمل لاحقاً في أحد المراكز التجارية، حيث تولت إدارة قسم لمستحضرات التجميل، كما عملت مع شركات متخصصة بتوريد مستلزمات صالونات التجميل.
وأكدت أن غياب زوجها ما زال يترك أثره في حياتها اليومية، خاصة في المناسبات المهمة، كعقد قران ابنتها الأولى أو طلاق إحدى بناتها، مشيرة إلى أنها كانت تتحلى بالصبر لتتمكن من الاستمرار ودعم أبنائها.
من ضغوط المعيشة إلى الصحة النفسية
وقالت الأخصائية النفسية فيروز عماري، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أبرز التحديات التي تواجهها السيدات الأرامل تتمثل في تأمين متطلبات الحياة المعيشية وتربية الأطفال، إلى جانب مواجهة الواقع الصعب بشكل عام، لافتةً إلى أن هذه التحديات تشمل أيضاً تحمّل المسؤوليات المرتبطة بالتربية والتعليم، والعمل على تأمين مختلف الحاجات والمتطلبات المرافقة لذلك.
وأكدت أن الأحداث التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية كان لها دور كبير في مضاعفة المسؤوليات الملقاة على عاتق النساء، والتي كان من المفترض تقاسمها بوجود الزوج، ما اضطر الكثير منهن إلى دخول سوق العمل، بمختلف أشكاله، لتأمين احتياجات أطفالهن.
ونوّهت إلى أن الوضع الصحي للزوجة والأبناء يتأثر بشكل مباشر بهذه الضغوط، وما يرافقها من تبعات نفسية وجسدية مؤلمة، إذ تعاني كثير من النساء، إلى جانب الأعباء الأسرية والاجتماعية، من آثار نفسية مثل الاكتئاب والتوتر والقلق، إضافة إلى مشاعر الوحدة والعصبية، كما تظهر لديهن مشكلات صحية جسدية، كآلام الظهر (الديسك)، وآلام القدمين والركبتين، وغيرها من الآلام المرتبطة بالإجهاد المستمر.
وبيّنت أن من أهم ما ينبغي على النساء التركيز عليه هو الاهتمام بالرعاية الذاتية للحفاظ على توازنهن النفسي، عبر الإصغاء لمشاعرهن وتقبّلها، وإحاطة أنفسهن بأشخاص إيجابيين داعمين، إلى جانب التحلي بالصبر والحكمة في مواجهة الضغوط والتحديات اليومية.
وأشارت إلى ضرورة بناء علاقات اجتماعية مع أشخاص داعمين، والعمل على إعادة ترتيب الحياة بما يتناسب مع الظروف الجديدة، مع تخصيص وقت للراحة واستعادة التوازن، كما شددت على أهمية التأقلم مع الواقع الحياتي، والالتحاق بدورات تدريبية تسهم في تطوير المهارات والقدرات، إلى جانب عدم التردد في الاستعانة بأخصائيين عند الحاجة.
ورأت أنه على المستوى الحكومي ودور المنظمات، ينبغي العمل على تعديل القوانين بما يضمن حماية هذه الفئة من النساء وإنصافها، عبر توفير رواتب شهرية، وتأمين صحي، ورعاية شاملة للأطفال تشمل تعليمهم ودمجهم في مراكز ومدارس مناسبة.
كما أكدت ضرورة المتابعة المستمرة لهذه الأسر، بما يساعدها على الوصول إلى قدر من الاستقرار، ويعزز قدرتها على مواجهة الواقع وبناء حياتها، إلى جانب تمكين النساء من الحصول على فرص عمل كريمة تضمن لهن ولأطفالهن حياة مستقرة.
إعادة تنظيم الحياة بعد الفقد
ويرى أخصائيون أن التحديات التي تواجهها المرأة بعد فقدان زوجها لا يقتصر فقط على الأعباء المعيشية أو تربية الأبناء، بل يمتد إلى التغيّر الذي يطرأ على دورها داخل الأسرة، إذ تجد نفسها مطالبة باتخاذ قرارات كانت تُتخذ بشكل مشترك سابقاً، ما يضعها أمام مسؤولية مستمرة في إدارة شؤون حياتها وحياة أطفالها.
ويشيرون إلى أن هذا التحول يتطلب وقتاً للتكيّف، خاصة في المراحل الأولى، حيث تحاول المرأة إعادة تنظيم حياتها وترتيب أولوياتها، بما يساعدها على الاستمرار وتجاوز هذه المرحلة بشكل تدريجي.
ويؤكد مختصون أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب التركيز على خطوات عملية تساعد المرأة على استعادة توازنها تدريجياً، من خلال تنظيم أولوياتها اليومية وتخفيف الضغوط قدر الإمكان، وعدم تحميل نفسها أكثر من طاقتها في فترة قصيرة.
وينوهون إلى أهمية البحث عن مصادر مساندة في المحيط القريب، سواء من العائلة أو المجتمع، إلى جانب الاهتمام بالاستقرار النفسي عبر تخصيص وقت للراحة والاهتمام بالذات، كما يشددون على ضرورة العمل على تطوير المهارات الشخصية أو المهنية بما يفتح فرصاً أفضل في المستقبل، مع عدم التردد في طلب الاستشارة المتخصصة عند الحاجة.
وتبقى المرأة بعد فقدان زوجها أمام مسؤوليات يومية تتعلق بتأمين احتياجات الأسرة ومتابعة شؤون الأبناء، في ظل ظروف معيشية صعبة، فضلًا عن الضغوط الاجتماعية والنفسية، وتضطر إلى التحمل في سبيل الحفاظ على استقرار الأسرة.
٢٦ أبريل ٢٠٢٦
تتحمّل بعض النساء السوريات أعباء تفوق طاقتهن، إذ تمضي الواحدة منهن يومها في عمل متواصل داخل المنزل، متنقلة بين مهام لا تنتهي، دون أن تمنح نفسها وقتاً للراحة أو تلجأ إلى وسائل قد تخفف عنها هذا الجهد، كما لا يقتصر الأمر على حجم العمل فقط، بل يمتد إلى غياب أي فاصل زمني يتيح لهن التقاط أنفاسهن خلال اليوم.
وتتعامل العديد من السيدات مع قضاء معظم الوقت بالأعمال على أنه جزء من الروتين اليومي، فيتجاهلن احتياجاتهن الشخصية، ويؤجلن ما يتعلق بصحتهن أو حياتهن الخاصة، في سبيل إنجاز متطلبات المنزل والأسرة، حتى يصبح هذا السلوك مع الوقت أمراً معتاداً، لدرجة أن التوقف عنه قد يعتبر تقصير في حق العائلة.
إلا أنه في المقابل ينعكس هذا الاستنزاف المستمر على صحتهن النفسية والجسدية، كما يمتد أثره إلى علاقاتهن الاجتماعية، في ظل غياب توازن واضح بين متطلبات الحياة وحق المرأة في الراحة، وهو ما يترك أثراً تراكمياً يظهر مع مرور الوقت.
وتعود أسباب إرهاق النساء أنفسهن بأعمال المنزل إلى عدة عوامل، أبرزها اعتقاد البعض منهن أن دورهن داخل المنزل يقتضي القيام بجميع الأعمال دون توقف، من طبخ وتنظيف وترتيب، وتحمل المهام بشكل كامل، كما تلعب البيئة المحيطة دوراً في ذلك، حيث تتعرض بعضهن لضغط مباشر أو غير مباشر للقيام بكل الواجبات، ما يدفعهن لبذل جهد أكبر خوفاً من الانتقاد أو التقصير.
ويضاف إلى ما سبق ضعف وعي بعض النساء بأهمية أخذ قسط من الراحة خلال النهار وبعد الواجبات، إذ لا يدركن أن العمل المتواصل قد يؤثر على صحتهن الجسدية مع مرور الوقت، كما تساهم المقارنة مع أخريات في زيادة هذا الضغط، حيث تحاول بعضهن إنجاز كل شيء بأنفسهن للحفاظ على صورة معينة أمام الآخرين.
من جهة أخرى، تتوفر وسائل بسيطة يمكن أن تخفف من هذا الجهد، مثل الاستعانة بخدمات تنظيف مقابل أجر، أو الاعتماد على الطعام الجاهز في بعض الأيام، خاصة في أوقات المرض أو ما بعد الولادة وغيرها من الحالات الطارئة، إضافة إلى طلب المساعدة عند الحاجة.
إلا أن كثيراً من النساء يتجاوزن هذه الخيارات، ويفضّلن الاستمرار في القيام بكل المهام بأنفسهن، حتى في الحالات التي تتطلب تخفيف الضغط، ليظهر أثر هذا النمط في تفاصيل الحياة اليومية، إذ تحرم بعض النساء أنفسهن من أبسط أشكال الراحة، كأخذ وقت للاسترخاء أو القيام بأنشطة يرغبن بها، مثل زيارة الأقارب أو الخروج أو الجلوس بهدوء لبعض الوقت وغيرها، ما يؤدي إلى تضييق المساحة الشخصية بشكل تدريجي.
ومع تراكم المهام اليومية واستمرار العمل دون فترات راحة، يبدأ التعب بالانعكاس على الحالة النفسية للمرأة، فيظهر على شكل توتر وإرهاق مستمر، وهو ما يضعها، بحسب مختصين، في حالة ضغط دائم يزيد من شعورها بالقلق، ومع مرور الوقت قد تتراجع قدرتها على الاستمرار بالوتيرة نفسها، ما ينعكس سلباً على مزاجها واستقرارها النفسي.
ولا تقتصر التداعيات السلبية على الجانب النفسي، بل تمتد إلى الصحة الجسدية، حيث تعاني كثير من النساء بسبب كثرة الواجبات المنزلية من آلام في الظهر والرقبة، إضافة إلى آلام في المفاصل كالركبتين واليدين، نتيجة العمل المتواصل بدون راحة كافية.
ويشير أطباء إلى أن هذا الإجهاد المستمر قد يؤدي مع الوقت إلى مشكلات صحية مزمنة، خاصة مع غياب فترات الراحة الكافية واستمرار الضغط اليومي، كما ينعكس على شكل شعور دائم بالتعب والإرهاق نتيجة الحركة المتواصلة، وقد يتطور الأمر ليؤثر على القدرة على القيام بالمهام اليومية بالكفاءة نفسها، في ظل استنزاف تدريجي للطاقة الجسدية.
ويرى مختصون أن التخفيف من هذا الضغط يبدأ بالوعي بأهمية الراحة، وعدم ربط قيمة المرأة بكمية ما تنجزه يومياً، إلى جانب تنظيم الوقت وتوزيع المهام، وعدم التردد في طلب المساعدة داخل الأسرة، وتخصيص وقت بسيط لأنشطة تمنح شعوراً بالهدوء، حتى لو كانت لفترات قصيرة خلال اليوم.
كما تبرز أهمية تعزيز فكرة تقاسم المسؤوليات داخل الأسرة، بما يخفف العبء الواقع على المرأة، ويساهم في خلق توازن أكثر استقراراً في الحياة اليومية، ويحد من استمرار هذا النمط على المدى الطويل.
وترى كثير من النساء أن قيمة ما يقمن به ترتبط بحجم ما ينجزنه يومياً من مهام، ما يدفعهن إلى مواصلة العمل دون توقف، ظناً أن ذلك هو المطلوب منهن، إلا أن هذا النمط، مع مرور الوقت، يترك أثراً على صحتهن النفسية والجسدية، في ظل غياب توازن واضح يضبط العلاقة بين متطلبات الحياة اليومية وفترات الراحة.
٢٥ أبريل ٢٠٢٦
تشهد المدارس سلوكيات سلبية بين بعض الطلاب، مثل التنمّر والاعتداء والتنابز بالألقاب، وهي ممارسات لا تقتصر آثارها على الضحية فحسب، بل تمتد لتؤثر في المناخ الصفي وتضعف شعور الطلاب بالأمان والاستقرار داخل البيئة التعليمية، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذه الظواهر والعوامل التي تسهم في انتشارها، وسبل الحدّ منها وتعزيز السلوك الإيجابي بين الطلاب.
وتتداخل في هذه السلوكيات مجموعة من العوامل المرتبطة بالبيئة الأسرية والمدرسية والمجتمعية، إلى جانب تأثير الأقران ووسائل الإعلام، ما يجعل التعامل معها يتطلب فهماً أعمق لطبيعتها ودوافعها، ودوراً فاعلاً من قبل المعلمين والأهل في الحدّ منها والتخفيف من آثارها.
الإساءة بين الطلاب… أنماط متعددة داخل البيئة المدرسية
وقال الدكتور محمد الحمادي، عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة الإساءة، أو ما يُعرف بالتنمر، تشهد انتشاراً ملحوظاً بين طلاب المدارس، وفقاً لإحصاءات دراسات حديثة خلال السنوات الأربع الأخيرة، حيث تتراوح نسبتها بين 30 و40% داخل البيئة المدرسية.
وأضاف أن الإحصاءات والدراسات ذاتها تشير إلى أن ما يقارب نصف الطلاب في العالم تعرّضوا للتنمر مرة واحدة على الأقل خلال مسيرتهم الدراسية، ما يعكس اتساع نطاق هذه الظاهرة وضرورة التعامل معها.
ونوّه إلى أن الإساءة بين الطلاب داخل المدارس تتخذ أشكالاً متعددة، من أبرزها الإساءة الجسدية، مثل الضرب والدفع والركل وإتلاف الممتلكات الخاصة بالطالب، إضافة إلى الإساءة اللفظية أو النفسية، مثل السخرية والشتم وإطلاق الألقاب المهينة والتهديد والتشهير والإهانة والتقليل من القيمة والتخويف.
وأضاف أن أشكال الإساءة تشمل أيضاً الإساءة الاجتماعية (العلائقية)، مثل استبعاد الطالب من الأنشطة وتجاهله وتحريض الآخرين على عدم مصاحبته، إلى جانب الإساءة ذات الطابع الجنسي، مثل التعليقات غير اللائقة والتحرش وأي سلوك يحمل إيحاءات جنسية غير مرغوب فيها.
ما الذي يدفع الطلاب إلى التنمر؟
وأكد الحمادي أن سلوكيات الإساءة أو التنمر لا تظهر من فراغ، بل تكون نتيجة مجموعة أسباب متداخلة مع بعضها بعضا، ومن أبرزها: أسباب أسرية: مثل التفكك الأسري، الصراع والعنف داخل الأسرة، الإهمال، غياب التوجيه الأبوي وممارسة أساليب قمعية والتي منها يتعلم الطالب أن العدوان وسيلة للتعامل.
وأشار لـ "شام" إلى وجود أسباب مجتمعية، تتمثل في غياب الوعي بخطورة العنف والإساءة داخل المدارس بمختلف أشكالهما، وضعف المشاركة المجتمعية في التصدي لهذه الظاهرة، إلى جانب أسباب مدرسية، مثل الثقافة السائدة داخل المدرسة، وتأثير الزملاء، وطبيعة العلاقة بين المعلم والطلاب، لافتاً إلى أن العنف الذي قد يمارسه بعض المعلمين لا يتوقف عند حدود الإذعان، بل قد يدفع إلى ظهور عنف مضاد بين الطلاب.
ونوّه إلى أن محتوى الإعلام والألعاب، وما يتضمنه من تعرض مستمر لمشاهد العنف، قد يجعل هذه السلوكيات تبدو طبيعية أو مقبولة لدى بعض الطلاب، ما يسهم في تعزيز هذه الظاهرة، مضيفاً أن هناك أسباباً أخرى، مثل الرغبة في لفت الانتباه أو إثبات الذات، إذ يلجأ بعض الطلاب إلى العنف والإساءة للشعور بالقوة أو للحصول على اهتمام الآخرين.
وأضاف أن التعرض للتنمر سابقاً قد يحوّل الطالب من ضحية إلى متنمّر، كنوع من الدفاع أو الانتقام، إلى جانب ضعف القدرة على ضبط الانفعالات لدى بعض الطلاب، وما يرافقه من صعوبة في التحكم بالغضب أو الاندفاع، إضافة إلى الشعور بالنقص أو الإحباط، مثل ضعف التحصيل الدراسي أو الغيرة، ما يدفع الطالب إلى تفريغ هذه المشاعر من خلال الإساءة.
تأثيرات التنمر على الصحة النفسية للطلاب
وأوضح الدكتور محمد الحمادي أن الدراسات المتعلقة بالتنمر تشير إلى أنه يخلّف آثاراً نفسية عميقة لدى الضحايا، منها التعرض لمشكلات نفسية وسلوكية على المدى الطويل، كالاكتئاب والشعور بالوحدة والانطواء والقلق والإدمان وإيذاء النفس، إلى جانب تدهور العلاقات الاجتماعية وسوء الظن بالآخرين.
ويزداد انسحاب ضحية التنمر من الأنشطة الاجتماعية داخل الأسرة أو المدرسة، حتى يميل إلى الصمت والعزلة، وقد يدفعه التعرض المستمر للتنمر إلى التفكير بالانتحار، كما يعاني من أعراض جسدية ونفسية، مثل الصداع وآلام المعدة ونوبات الخوف والذعر، إضافة إلى اضطرابات النوم، سواء قلة النوم أو الإفراط فيه.
وذكر أن التنمر لا يسبب ألماً لحظياً فقط، بل يغيّر نظرة الطالب إلى نفسه وإلى الآخرين، إذ تتكوّن لديه أفكار سلبية مثل “أنا فاشل أو قبيح أو غير محبوب”، ما يدفعه إلى تصديق صورة سلبية عن ذاته، الأمر الذي يضعف ثقته بنفسه، ويجعله أكثر ميلاً للخوف أو التجنب، ويعزز شعوره بعدم الأمان، فيبتعد عن المواقف الاجتماعية والأنشطة المدرسية، ما ينعكس سلباً على تكوين شخصية مستقرة وواثقة ومتوازنة اجتماعياً.
وشدّد على أن السلوكيات العدوانية، مثل التنمّر والشتائم والإقصاء الاجتماعي، لا تؤذي الضحية فقط، بل تسهم في خلق مناخ داخل الصف قائم على الخوف والترهيب والصراع، ما يضعف شعور الطلاب بالأمان والانتماء، ويؤثر سلباً على تركيزهم وتعاونهم والتزامهم بالحصة ومشاركتهم في أنشطتها.
دور المعلّم في مواجهة التنمّر واستراتيجيات التدخل التربوي
وأكد الدكتور محمد أن المعلّم يُعد خط الدفاع الأول في مواجهة التنمّر، من خلال بناء علاقة داعمة مع الطلاب، وإدارة الصف بفعالية ووضع قواعد واضحة، وخلق مناخ صفّي آمن وعادل، إلى جانب التدخّل الحازم والمستمر في كل حالة، وتقديم نموذج قائم على الاحترام والإنصاف، مع الاستفادة من التدريب والتعاون مع إدارة المدرسة والأسرة.
ووجّه مجموعة من النصائح للمعلمين للتعامل مع هذه السلوكيات بشكل تربوي فعّال، تمثلت في الانتباه إلى أن التعامل الناجح يجمع بين الوضوح والحزم من جهة، والتعاطف والدعم من جهة أخرى، مع الاهتمام بكل من الضحية والمعتدي ومناخ الصف بشكل عام، إلى جانب العمل على بناء مناخ وقائي من خلال وضع قواعد صفّية مشتركة ترفض السخرية والإقصاء والعنف، تُناقش مع الطلاب ويُعاد التأكيد عليها بشكل مستمر.
وأشار إلى أهمية اعتماد إدارة صف إيجابية تقوم على المتابعة المستمرة وتوضيح التوقعات، وتعزيز السلوك الإيجابي بدلاً من الاعتماد على العقاب، إلى جانب تنفيذ أنشطة تفاعلية تعزّز التعاطف والتعاون وحل النزاعات، مثل التعلم التعاوني والحوار حول مفاهيم الاحترام والاختلاف، بما يسهم في تقوية علاقات الأقران.
ونوّه الدكتور في ختام حديثه لـ "شام" إلى ضرورة التدخل الحازم والداعم عند حدوث الإساءة أو التنمر، مع تجنّب تجاهل الموقف أو الاكتفاء بالنصح العام، لافتاً إلى أن عدم التدخل أو التدخل المتقطّع يسهم في استمرار الظاهرة أو تفاقمها، إلى جانب أهمية دعم الضحية بشكل فردي من خلال الاستماع والتعاطف وتشجيعها على طلب المساعدة، واستثمار المناهج الدراسية في تعزيز وعي الطلاب بموضوع التنمر وآثاره، ونشر قيم التسامح والسلوك الإيجابي.
٢٥ أبريل ٢٠٢٦
تواجه العملية التعليمية داخل الصفوف الدراسية أحياناً تحديات في ضبط سلوك الطلاب، في ظل تنوع أنماطهم واختلاف خلفياتهم، ما يضع المعلم أمام مسؤولية مستمرة للحفاظ على الانضباط وتهيئة بيئة مناسبة تضمن سير الحصة بشكل فعّال.
وفي ظل محدودية بعض الأدوات التقليدية وتراجع فعاليتها، تبرز الحاجة إلى اعتماد أساليب تربوية حديثة تقوم على تعزيز السلوكيات الإيجابية والتعامل مع السلوكيات السلبية بطرق مدروسة، بما يسهم في تحقيق التوازن داخل الصف ودعم العملية التربوية.
ويقع على عاتق المعلّم مهمة تعزيز السلوكيات الإيجابية لدى الطلاب والتعامل مع السلوكيات السلبية، بحكم حضوره المباشر وتأثيره اليومي داخل الصف، ما يجعله مسؤولاً عن توجيه سلوك الطلاب وترسيخ القيم التي تنعكس على استقرار البيئة الصفية.
تحديات ضبط السلوك داخل الصف وسبل معالجتها
وقال الأستاذ محمود عوض، مدير مدرسة تعليمية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أبرز التحديات التي تواجه المعلم في ضبط سلوك الصف تتمثل في غياب أساليب وبدائل فعّالة للعقاب تضمن استمرارية الانضباط السلوكي لدى الطلاب، مشيراً إلى أن تقييد صلاحيات المعلم يضعه في موقف صعب، في ظل عدم مبالاة بعض الطلاب ببدائل العقاب المتاحة.
وأضاف أن تعزيز السلوك الإيجابي يمكن أن يكون مادياً، من خلال تقديم مكافآت كالهدايا، أو معنوياً، عبر الثناء على الطلاب ومدحهم، لافتاً إلى إمكانية تشجيعهم على الانضباط من خلال ترسيخ الاحترام المتبادل، وتعويدهم منذ بداية الفصل الدراسي على سلوكيات واضحة تسهم في ضبطهم، مشيراً إلى أن للمعلم دوراً أساسياً في غرس السلوك الإيجابي لدى الطلاب، من خلال تعزيز القيم وتحديد الأهداف التي تنمّي هذا السلوك.
ونوّه عوض إلى أنه يمكن للمعلم التعامل مع السلوكيات السلبية من خلال حرمان الطالب من بعض الامتيازات التي يفضّلها، أو تجاهله لفترة قصيرة إلى حين تراجعه عن الخطأ واعتذاره، مشيراً إلى أن كلاً من التعزيز الإيجابي والسلبي له دور في دعم العملية التعليمية وتحفيز الطلاب على الالتزام بالسلوك المطلوب.
وأوضح لـ "شام" أن هناك عوامل أخرى تسهم في ضبط السلوك داخل الصف، من بينها توفير وسائل تعليمية حديثة، وتهيئة بيئة مناسبة للعب، إضافة إلى وجود مرشد نفسي يساعد في اكتشاف السلوكيات غير السوية لدى الطلاب والتعامل معها.
دور المعلم في تعزيز السلوك الإيجابي لدى الطلاب
وقال الأستاذ جهاد حلبي، أمين مكتبة، في حديث لـ “شام”، إن أبرز التحديات التي تواجه المعلم في ضبط سلوك الطلاب داخل الصف تتمثل في كثافة عدد الطلاب داخل الغرفة الصفية الواحدة، منوهاً إلى أن تعزيز السلوكيات الإيجابية يتم من خلال التشجيع وتقديم الحوافز المادية والمعنوية، إلى جانب توجيه الطلاب عبر الاستفادة من الدروس المستمدة من السيرة النبوية.
وأكد أن المعلم يُعد المرشد والأب والقدوة للطالب، منوهاً إلى أن من أبرز الاستراتيجيات التي يمكن أن يتبعها لتعزيز السلوكيات الإيجابية، اعتماد أساليب مثل التعلم النشط والتعلم باللعب، إضافة إلى التعامل مع السلوكيات السلبية من خلال الاهتمام بالطالب وتقديم النصح له ومتابعته.
ونوّه حلبي إلى أن التعزيز يترك أثراً إيجابياً من خلال التشجيع ورفع الروح المعنوية لدى الطلاب، مشدداً على أن ذلك ينعكس بشكل مباشر على تحسين سير العملية التعليمية داخل الصف.
تعزيز السلوك الإيجابي… نهج تربوي متكامل في التعامل مع الطلاب
يرى مختصون تربويون أن تعزيز السلوكيات الإيجابية والتعامل مع السلوكيات السلبية لا ينبغي أن يقتصر على الإجراءات المباشرة داخل الصف، بل يتطلب تبنّي نهج تربوي متكامل يركّز على فهم دوافع سلوك الطالب، وبناء بيئة تعليمية داعمة تشجّع على الاحترام والانضباط الذاتي.
ويؤكدون أن الاقتصار على العقاب أو التعزيز وحده لا يكفي، بل يجب تحقيق توازن بينهما، مع التركيز على تنمية مهارات الطلاب الاجتماعية والانفعالية، مثل ضبط النفس والتواصل الفعّال، بما يسهم في تقليل السلوكيات السلبية وتعزيز الإيجابية بشكل مستدام.
كما يشير المختصون إلى أن إشراك الأسرة، وتوفير دعم نفسي وتربوي داخل المدرسة، يلعب دوراً مهماً في ترسيخ هذه السلوكيات، خاصة لدى الطلاب الذين يعانون من صعوبات سلوكية أو بيئية.
تشير هذه المعطيات إلى أن التعامل مع سلوك الطلاب داخل الصف يرتبط بعوامل تربوية وتنظيمية متداخلة، تتطلب تنسيقاً بين المعلم والإدارة المدرسية والأسرة، بما يسهم في دعم البيئة الصفية وتحسين سير العملية التربوية.