مجتمع
٦ أبريل ٢٠٢٦
بعد أكثر من عام على التحرير: الهبيط بين الدمار وغياب الخدمات الأساسية

تعاني قرية الهبيط، الواقعة في ريف إدلب الجنوبي، من العديد من التحديات الخدمية والمعيشية التي تعيق عودة الأهالي النازحين، رغم مرور أكثر من عام على تحريرها، كما تحول هذه التحديات دون استعادة العائدين لحياتهم الطبيعية، وتفرض عليهم صعوبات يومية متزايدة.
 
الهبيط بلا خدمات: المياه والصحة والكهرباء أبرز التحديات

وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال خالد فاروق الموسى، رئيس مجلس بلدية الهبيط، إن القرية تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، لا سيما المياه، نتيجة تضرر الخزانات المرتفعة، وسرقة محتويات الآبار الارتوازية المغذية للبلدة من قبل قوات النظام البائد، إلى جانب تدمير جزء من شبكة المياه.

وأضاف أن بالنسبة للواقع الصحي تم تبني ترميم مبنى المركز الصحي بجهود الأهالي و تبرعاتهم، و معظم الموظفين يعملون بشكل تطوعي منذ سنة كاملة، ولم يتم تبنيهم من قبل مديرية الصحة.

وتابع أنه تم إنجاز كامل خطوط الصرف الصحي بجهود الأهالي وتبرعاتهم، كما تم توفير قسم من الأغطية المعدنية عبر مديرية الخدمات في إدلب، إلا أن واقع الكهرباء لا يزال سيئاً ولم يبدأ العمل فيه، كما لم يتم الشروع في استعادة خدمات مديرية الهاتف والبريد حتى الآن، رغم مرور نحو عام ونصف على تحرير المنطقة من سيطرة النظام البائد.

الطرق والمنازل والزراعة.. أولويات عاجلة في الهبيط

وأكد أن أبرز أولويات الأهالي تتمثل في إعادة الإعمار، من خلال إزالة الأنقاض وإعادة بناء المنازل المهدمة، التي تتجاوز نسبتها ٨٠%، بالإضافة إلى إصلاح الطرقات غير الصالحة للاستخدام، والتي تشكل أكثر من ٥٠% من شبكة الطرق في القرية.

أما القطاع الزراعي، الذي يشكل المصدر الرئيسي لعيش معظم أهالي البلدة، فيواجه العديد من العقبات التي تحد من قدرتهم على ممارسة أعمالهم، منها سرقة محتويات أكثر من ٤٠٠ بئر من قبل النظام السابق، وتدهور الأراضي نتيجة الاستخدام الجائر، بالإضافة إلى انتشار مخلفات الحرب غير المنفجرة فيها.

وذكر أن عدد سكان الهبيط يبلغ نحو 35 ألف نسمة، فيما يقدر عدد العائدين بنحو 10 آلاف فقط، مشيراً إلى أن غالبية الأهالي لم يعودوا بعد بسبب غياب الخدمات الأساسية، وعدم توفر مدارس كافية، إضافة إلى تضرر المنازل وغياب أماكن صالحة للسكن.

وأكد أن من أبرز الأولويات اللازمة لضمان عودة الأهالي طوعاً توفير الأمان، من خلال إزالة الذخائر غير المنفجرة وتعزيز الأمن في ظل تكرار حوادث السرقة، إلى جانب دعمهم في تأمين مساكن مناسبة، وتحسين الخدمات الأساسية، بما يشمل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق، كما شدد على أهمية دعم جهود التنمية، ولا سيما في القطاع الزراعي، وتشجيع المشاريع الصغيرة لتحسين سبل العيش.

احتياجات المجلس المحلي لتأمين الخدمات وتحسين البنية التحتية

وأشار خالد الموسى إلى أن المجلس المحلي يحتاج إلى جملة من الإمكانات ليتمكن من خدمة الأهالي بالشكل الأمثل، من بينها توفير آليات لترحيل النفايات، وكوادر بشرية، إضافة إلى معدات لنقل وترحيل الأنقاض وتنظيف الطرقات، إلى جانب تأمين مستلزمات صيانة وتأهيل الطرق الرئيسية، مثل مواد التزفيت والبَحص، وآليات التسوية والدحل.

ونوه إلى أهمية إعداد المخططات التنظيمية الأساسية للبلدة بما يسهم في حل الخلافات الناشئة عن التنازع بين الأهالي في ظل غياب الوثائق والمخططات القديمة، كما أشار إلى ضرورة تقديم دعم من خلال حملة الوفاء للمجلس المحلي لتنفيذ مشاريع المياه والكهرباء والطرقات، إضافة إلى إنشاء خزان مياه مرتفع في ظل عدم توفر إيرادات حالية للبلدية.

تحديات القطاع التعليمي 

قال جعفر الحمادي، ناشط إعلامي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن البلدة تعاني من وضع خدمي متردٍ، حيث يضطر الأهالي إلى شراء المياه، الأمر الذي يثقل كاهلهم بأعباء مالية إضافية.

وأضاف أن العام الدراسي الأول بعد التحرير شهد تجهيز مدرسة “شهداء الهبيط” (القادسية سابقاً) بشكل بدائي، بهدف تمكين الطلاب الذين عادت عائلاتهم إلى البلدة من متابعة تعليمهم، وذلك على نفقة أبناء البلدة المغتربين في الخارج، وأشار إلى أن الاحتياجات التعليمية لا تزال كبيرة، لافتاً إلى أنه تم تجهيز مدرسة الخولة، فيما يتواصل العمل حالياً على تأهيل مدرستي الوسطى وخالد البكور.

وتابع أن مدرسة “الرسالة” في حي السفيرة لا تزال في وضع متردٍ، حيث يداوم الطلاب فيها دون نوافذ أو أبواب، واضطر المعلمون إلى وضع بطانيات على النوافذ للتخفيف من برد الشتاء.

ونوه إلى أن مدرستي “اليرموك” و“الخنساء”، اللتين شهدتا قبل يومين انفجاراً أدى إلى مقتل ثلاثة أطفال وإصابة آخرين، تعرضتا لدمار كامل، مضيفاً أنه تم الاستعانة بمهندسين أكدوا عدم صلاحيتهما للترميم وحاجتهما إلى إعادة بناء، وأشار إلى أنه حتى الآن لم تبادر أي منظمة أو مديرية التربية إلى العمل على إعادة تأهيلهما، رغم أنهما كانتا تخدمان نحو نصف سكان البلدة قبل النزوح.

وأشار أن من أبرز العقبات التي تعاني منها القرية تأخر إعادة إعمار المدارس، ما أدى إلى انقطاع بعض الطلاب عن الدراسة لمدة عام ونصف، فيما يضطر آخرون إلى قطع مسافات تصل إلى نحو ألف متر يومياً للوصول إلى مدرسة “القادسية”، باعتبارها الوحيدة الفعالة في البلدة.

الاحتياجات الخدمية والطبية وتحسين البنية التحتية

وأردف أن الاحتياجات الفورية تتمثل في إصلاح شبكة المياه داخل البلدة، وتأمين ضخها إلى المنازل من الآبار المحلية، إلى جانب العمل على توفير الكهرباء، خاصة في فصل الشتاء، حيث يعاني الأهالي من انقطاعها بسبب الظروف الجوية، في ظل اعتماد الغالبية على الطاقة الشمسية.

وأكد على ضرورة دعم المركز الصحي بالمستلزمات الأساسية، إذ يفتقر إلى تقديم الخدمات، لافتاً إلى أن أياماً تمرّ دون توفر حتى الضمادات والمعقمات، مشيراً في ختام حديثه إلى أن الخطط المستقبلية تتمثل في تحسين الطرق داخل البلدة، والإسراع في تجهيز المخبز الآلي الذي أقرّه مجلس المحافظة، ويجري العمل عليه حالياً.

اقرأ المزيد
٦ أبريل ٢٠٢٦
الاكتناز في حياة المرأة السورية: من الذوق الشخصي إلى تحديات النزوح والظروف

لطالما امتازت المرأة السورية بميلها للاكتناز، الذي يتجلى في شراء الأغراض المختلفة مثل الأواني الزجاجية وصمديات الزينة، أدوات الطهي والمطبخ، الأثاث والمفروشات والمعدات الكهربائية، وحتى الملابس، حتى وإن لم تكن هناك حاجة فعلية لها، إلى جانب الاحتفاظ بأشياء قديمة لم تعد مستخدمة فعلياً لكنها لم تُرمَ أبداً.

هذه العادة تظهر حرص المرأة على أن يكون منزلها جاهزاً لأي ظرف مفاجئ، سواء لاستقبال الضيوف أو لتلبية الاحتياجات اليومية، وفي الوقت نفسه تعكس اهتمامها بالحفاظ على مقتنيات العائلة القديمة وتنظيمها بطريقة معتادة في المنازل السورية، حيث ترتبط كل قطعة بالذكريات والذوق الشخصي للمرأة.

وتتعدد أسباب ميل النساء لاقتناء الأشياء، فلا يقتصر الهدف على التوفير أو الادخار فحسب، بل يمتد أيضاً إلى إبراز الجانب الجمالي والحسّي للمنزل، فالنساء يعتنين بترتيب الأواني الزجاجية وأدوات الزينة في غرف الضيوف وغرف المنزل الأخرى، ويعتزّن بالمقتنيات المميزة التي يمتلكنها، إذ يعد المنزل بالنسبة إليهن مساحة شخصية يحرصن على تنظيمها وشراء ما يليق بها وفق ذوقهن الخاص.

وغالباً ما تحمل كل قطعة في المنزل ذكرى خاصة للسيدة، فقد تكون هدية من شخص عزيز، أو اقتنيت بمناسبة معينة، أو مرتبطة بحادثة بارزة في حياتها، لذا يصبح من الصعب عليها التخلّي عن أي قطعة من هذه المقتنيات، حتى وإن لم تعد تستخدمها، لأن كل شيء يعبّر عن جزء من تاريخها الشخصي وروابطها العاطفية بالمنزل والعائلة.

ورغم الطابع الإيجابي لهذه العادة في تنظيم المنزل والاستعداد لأي ظرف، إلا أنها تحمل جوانب سلبية واضحة، أبرزها استهلاك الموارد المالية بلا حاجة فعلية، إذ يؤدي شراء أشياء غير ضرورية إلى إنفاق مبالغ كبيرة تضغط على الميزانية الأسرية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

كما أن كثرة الأغراض وتكدسها يخلق فوضى في المنزل ويقلل من مساحة العيش، فيما يؤدي إهمال صيانة بعض المقتنيات أو عدم استخدامها إلى فقدان قيمتها العملية مع مرور الوقت. 

أحياناً يرتبط الميل للاكتناز بالشعور بالقلق أو الخوف من الحاجة المستقبلية، ما يسبب توتراً مستمراً، إضافة إلى أن التعلق بالمقتنيات القديمة يمنع المرأة من استبدالها أو تجديد المنزل، ويحد من مرونتها في التكيف مع الاحتياجات الجديدة للأسرة.

خلال سنوات الثورة، تراجعت عادة الاكتناز لدى العديد من النساء السوريات لعدة أسباب، أبرزها ما تعرضت له آلاف العائلات من تهجير قسري نتيجة القصف العنيف من قبل النظام البائد واقتراب قواته من السيطرة على مناطقها، ما اضطر الأسر إلى مغادرة منازلها بشكل عاجل دون التمكن من إخراج محتوياتها.

وبذلك، فقدت الكثير من النساء ما جمعنه على مدار سنوات من مقتنيات وأغراض منزلية، والتي تحولت إلى ضحية لعمليات التعفيش التي قام بها جنود الأسد المخلوع، لتتبدد جهود سنوات طويلة من العمل والادخار.

قالت وصال عبدو، من قلعة المضيق بريف حماة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن لديها ابناً وحيدًا، وكانت تحرص على شراء مستلزمات منزلية ليستخدمها في تجهيز منزله بعد الزواج، مشيرة إلى أنها كانت تقتطع جزءاً من مدخولها كلما استطاعت لشراء قطعة جديدة.

وأضافت أنها تمكنت مع مرور الوقت من اقتناء عدد من الأجهزة، منها خلاط كهربائي، وفرن، وغسالة أوتوماتيك، ومكنسة كهربائية، إضافة إلى معدات متنوعة للمطبخ والمنزل، لافتة إلى أن ما كانت تحتفظ به يفوق ما تستخدمه فعلياً، قبل أن تفقد جميع هذه المقتنيات بعد تعرض منزلها للنهب، لتضيع بذلك حصيلة سنوات طويلة من الجهد والادخار.

كما ساهمت ظروف النزوح في تغيير سلوك النساء تجاه الاكتناز، إذ اضطرت كثيرات منهن للتنقل بين عدة منازل وعدم الاستقرار في مكان واحد، خاصة اللواتي لم يتمكنّ من تأمين سكن ثابت أو اللواتي هاجرن خارج البلاد،  وحتى من استقررن لفترة في منازل مستأجرة، بقين عرضة لطلب المغادرة في أي وقت من قبل أصحاب المنازل، ما عزز الشعور بعدم الاستقرار. 

وخلال هذه المرحلة، تراجعت فكرة شراء الأغراض والاحتفاظ بها، واقتصر الإنفاق على الضروريات فقط، نتيجة تدهور الوضع المادي وخسارة الموارد المالية من جهة، ولإدراك النساء أنهن مهددات بالرحيل في أي لحظة، ما جعل شراء المقتنيات أو تخزينها أمراً غير مجدٍ في ظل هذه الظروف.

كما أن خلال السنوات الماضية، لم يتخلَّ كثير من الأهالي عن أمل العودة إلى مناطقهم، إذ ظلّ هذا الأمل حاضراً في تفكيرهم، وكانوا يرجّحون أن العودة مسألة وقت لا أكثر، هذا الشعور انعكس على سلوكهم المعيشي، حيث حرصوا على تجنّب الإنفاق على أشياء قد تشكّل عبئاً لاحقاً، خاصة عند العودة إلى الموطن.

فبالنسبة للقادمين من تركيا، يشكّل نقل الأغراض عبئاً كبيراً سواء من ناحية التكاليف أو الجهد أو الإجراءات، بينما قد يكون نقلها من الدول الأوروبية أمراً صعباً أو غير ممكن، وحتى داخل سوريا يبقى الانتقال بالمقتنيات مرهقاً ومكلفاً، لذلك، اتجهت العديد من الأسر إلى الاكتفاء بالضروريات قدر الإمكان، تجنباً لأي أعباء إضافية عند الرجوع إلى البلد الأصل.

وحتى بعد عودة بعض الأسر إلى مناطقها، إلا أن أولويات جديدة فرضت نفسها، مثل ترميم المنازل المتضررة أو إعادة بنائها، وما يرافق ذلك من تكاليف إضافية، ما أجبر العائلات على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق ووضع حسابات دقيقة للمصروف، كما انعكس بشكل واضح على تراجع عادة الاكتناز لدى النساء، لصالح التركيز على الاحتياجات الأساسية وإعادة الاستقرار المعيشي.

لقد شكّلت عادة الاكتناز لدى النساء السوريات جزءاً من حياتهن اليومية وثقافتهن المنزلية، إلا أنها تعرضت لتغييرات جذرية بفعل الحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية، ما دفع الكثير منهن للتركيز على الضروريات وإعادة ترتيب أولوياتهن، في محاولة للتكيف مع الواقع الجديد والظروف الصعبة المحيطة بهن.

اقرأ المزيد
٦ أبريل ٢٠٢٦
مشروع بصري يوظّف الذكاء الاصطناعي لإحياء رموز الثورة السورية وتوثيق تضحياتهم

قدّم الصحفي خالد العثمان، المعروف باسم "خالد أبو المجد"، مشروعاً بصرياً مبتكراً عبر صفحته الرسمية في فيسبوك، يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء شخصيات من شهداء ورموز الثورة السورية، ويقوم المشروع على محاكاة حوارات مستندة إلى توثيق دقيق لحياتهم وكلماتهم ومواقفهم الداعمة للثورة.

تنوع الشخصيات المشاركة في المشروع
استعرض المشروع شخصيات متنوعة من خلفيات ثقافية ومدنية وميدانية وعسكرية وفنية، حيث اجتمعت جميعها على موقف مناصر للثورة، ما جعلها تحظى بمكانة خاصة في وجدان السوريين، ونجح البرنامج في تقديم صورة شاملة عن هذه الشخصيات من حيث أصولها وأنشطتها ومسيرتها ضمن الثورة، وصولاً إلى أبرز مواقفها وظروف استشهادها.

تفاصيل الفكرة ودوافع إطلاقها
أوضح خالد أبو المجد، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن فكرة المشروع جاءت نتيجة ملاحظته تراجع الاهتمام بتضحيات الشهداء بعد التحرير، وانشغال البعض بأسئلة تعكس جهلاً برموز الثورة، مؤكداً أن الهدف يتمثل في إعادة التذكير بتلك التضحيات وتعريف الأجيال بمن قدموا أرواحهم خلال 14 عاماً في مواجهة نظام الأسد البائد.

تحديات التنفيذ والإصرار على الاستمرار
أشار إلى أنه واجه صعوبات مالية وتقنية في بداية المشروع، بعد أن طلب مختصون في الذكاء الاصطناعي مبالغ كبيرة لتنفيذه، ما دفعه لتعلّم الأساسيات والاعتماد على خبرته الشخصية رغم محدوديتها، لافتاً إلى أنه فضّل الاستمرار بإمكانات بسيطة بدلاً من التخلي عن الفكرة، رغم غياب اسم محدد للسلسلة حتى الآن.

رسالة المشروع وأهدافه الوطنية
نوه إلى أن الدافع الأساسي وراء إطلاق المشروع هو الشعور بالمسؤولية تجاه الشهداء وضرورة عدم نسيان تضحياتهم، مؤكداً أن حرية السوريين جاءت نتيجة دمائهم، كما شدد على حرصه في إبراز وحدة الشعب السوري بمختلف مكوناته في مواجهة نظام الأسد البائد، باستثناء الفئات المنتفعة منه، داعياً إلى الحفاظ على النصر وصون التضحيات.

مي سكاف.. صوت فني منحاز للثورة
استعرض المشروع سيرة الفنانة مي سكاف، المولودة في دمشق عام 1969، والتي برزت في أعمال درامية عدة، قبل أن تنحاز إلى جانب الثورة منذ بدايتها، وتشارك في الاحتجاجات، ما أدى إلى اعتقالها مرات عدة، ثم مغادرتها البلاد مع استمرار تمسكها بمواقفها، حيث بقيت كلماتها الأخيرة شاهدة على إيمانها بسوريا الحرة: "لن أفقد الأمل... إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد".

عبد الباسط الساروت.. أيقونة تجاوزت الحدود
استذكر المشروع المنشد عبد الباسط الساروت، المولود في حمص عام 1992، والذي تحوّل من حارس مرمى إلى أحد أبرز أصوات الثورة في ساحات التظاهر، حيث قاد الهتافات في أحياء عدة، وارتبط اسمه بأناشيد أصبحت جزءاً من ذاكرة السوريين، قبل أن ينخرط في العمل العسكري ويصاب في معارك ريف حماة، ليرتقي متأثراً بجراحه عام 2019، تاركاً إرثاً ثورياً حاضراً حتى اليوم.

شخصيات أخرى حاضرة في الذاكرة
أعاد المشروع إحياء شخصيات بارزة أخرى باستخدام الذكاء الاصطناعي، من بينها الشيخ وحيد البلعوس، والدكتورة رانيا العباسي، والناشط رائد الفارس، وحسان عبود، إلى جانب عدد من الرموز التي شكّلت محطات مهمة في مسار الثورة، بما يعكس تنوع التجارب والمناطق السورية.

تفاعل واسع ورسائل مؤثرة
حظي المشروع بتفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر متابعون عن تأثرهم بالمحتوى الذي أعاد إحياء شخصيات ارتبطت بذاكرتهم، فيما رأى آخرون أن المبادرة تسهم في حفظ تاريخ الثورة وتعريف الأجيال الجديدة بتضحياتها، كما شهدت الحلقات تداولاً واسعاً وتعليقات تستحضر مواقف وذكريات تلك الشخصيات.

توثيق الذاكرة بأسلوب معاصر
يقدّم المشروع نموذجاً جديداً في توثيق ذاكرة الثورة السورية، جامعاً بين التكنولوجيا والبعد الإنساني، ليعيد تسليط الضوء على تضحيات الشهداء، ويسهم في تعزيز الوعي الجماعي، خاصة بعد تحقيق النصر، بما يحافظ على إرث النضال المستمر من أجل الحرية والكرامة.

تُبرز هذه المشاريع أهمية توظيف التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، في حفظ الذاكرة الجماعية للسوريين، من خلال توثيق سِيَر الشهداء ورموز الثورة السورية وإعادة تقديمها بأساليب تفاعلية مؤثرة، تسهم في ترسيخ حضورهم في وعي الأجيال، وتمنع طمس تضحياتهم أو تراجعها مع مرور الوقت، كما تعيد التذكير بأن ما تحقق من حرية جاء نتيجة مسار طويل من النضال والتضحيات في مواجهة نظام الأسد البائد.

وتعكس هذه المبادرات دوراً متقدماً في مواجهة محاولات التزييف أو التقليل من شأن رموز الثورة، عبر تقديم محتوى موثّق يعزز الوعي العام ويُظهر وحدة السوريين بمختلف مكوناتهم، إلى جانب بناء جسر معرفي بين الأجيال، يتيح نقل تجربة الثورة وقيمها بأسلوب معاصر، بما يسهم في الحفاظ على الإرث النضالي وترسيخ مفاهيم الحرية والكرامة في الوجدان السوري.

اقرأ المزيد
٥ أبريل ٢٠٢٦
التهديد الصامت: الألغام ومخلفات الحرب تحرم السوريين من الأمان

تشكّل الألغام ومخلفات الحرب، التي خلّفها النظام البائد خلال سنوات الحرب، خطراً دائماً يهدد حياة المدنيين في سوريا، إذ تنتشر في الأراضي الزراعية والطرقات وداخل الأحياء السكنية، مسببةً حوادث متكررة تودي بحياة كثيرين، وتخلّف إصابات خطيرة، خاصة في صفوف الأطفال، وتحرمهم من الشعور بالأمان والاستقرار.

استشهاد ثلاثة أطفال

وفي سياق الحوادث المتكررة التي تتسبب بها هذه المخلفات، استشهد ثلاثة أطفال وأصيب طفلان آخران، يوم الجمعة الفائت 3 نيسان/أبريل الجاري، جراء انفجار لغم أرضي من مخلفات نظام الأسد داخل مدرسة خارجة عن الخدمة، كانت قد تعرضت سابقاً لقصف من قبل النظام، في بلدة الهبيط بريف إدلب الجنوبي.

واستجابت فرق الدفاع المدني السوري، التابعة لمديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في محافظة إدلب، لبلاغ عن الانفجار، حيث عملت على إسعاف المصابين ونقلهم إلى أقرب مشفى في محافظة حماة.

إحصاءات ضحايا الألغام

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقرير نشرته بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، مقتل ما لا يقل عن 3,799 مدنياً في سوريا، بينهم 1,000 طفل و377 سيدة، نتيجة انفجار الألغام الأرضية ومخلفات الذخائر العنقودية، خلال الفترة الممتدة من آذار 2011 حتى نيسان 2026.

وبيّنت الشبكة أن 3,398 مدنياً قُتلوا نتيجة الألغام الأرضية، بينهم 862 طفلاً و343 سيدة، فيما تسببت الذخائر العنقودية بمقتل 401 مدني، بينهم 138 طفلاً و34 سيدة، وأشارت إلى أن الأطفال شكّلوا نحو 26% من ضحايا الألغام الأرضية، مقابل نحو 10% من النساء، ما يؤكد الطبيعة العشوائية لهذه الأسلحة التي لا تميّز بين المدنيين والمقاتلين.

الأطفال الفئة الأكثر تضرراً 

يعد الأطفال الفئة الأكثر تضرراً من الألغام الأرضية ومخلفات الحرب في سوريا لعدة أسباب، أبرزها طبيعتهم الفضولية وحبهم للاستكشاف، ما يدفعهم للاقتراب من الأجسام غير المألوفة مثل الألغام أو الذخائر المتروكة عن طريق اللعب أو الفضول، كما يفتقرون إلى الخبرة الكافية لتمييز الأجسام الخطرة عن غيرها، ما يجعلهم غير مدركين للمخاطر المحيطة.

وتنتشر الألغام غالباً في مناطق مأهولة سابقاً أو في ساحات لعب ومزارع، وهي أماكن يتواجد فيها الأطفال يومياً، ما يزيد احتمالية وقوع الحوادث، إضافة إلى ذلك، يؤدي صغر حجم جسد الطفل إلى تعرّضه لأضرار أكبر عند الانفجار، بما في ذلك بتر الأطراف أو الوفاة.

عرقلة الأنشطة والعودة

كما خلّفت الألغام ومخلفات الحرب تداعيات سلبية متعددة، أبرزها عرقلة الأنشطة الزراعية، إذ جعلت من الأراضي مناطق محفوفة بالمخاطر تهدد حياة السكان، كما قيدت حركة الناس في المناطق المتضررة، وحرمت النازحين من العودة إلى منازلهم وأراضيهم الأصلية.

وسجلت حوادث مأساوية بين المزارعين الذين اضطروا للعمل في هذه الأراضي الملوثة، حيث استشهد ثلاثة أشخاص في شهر تشرين الثاني أثناء جني محصول الزيتون نتيجة انفجار جسماً مجهولاً من مخلفات النظام البائد على أطراف بلدة قمحانة شمال حماة.

العاملون في إزالة الألغام.. مواجهة الموت

وتعد مهمة إزالة الألغام والمخلفات من أخطر الأعمال، خاصة أنه قتل 47 شخصاً أثناء عمليات تفكيك الألغام منذ سقوط النظام، بينهم 40 من عناصر فرق الهندسة التابعة لوزارة الدفاع، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

استشهد يوم السبت الفائت، 4 نيسان الجاري، عنصرين وأصيب  عدد من جنود أحد أفواج الهندسة العسكرية خلال تنفيذ مهمة لنقل ألغام ومخلفات حربية في منطقة الهبيط.

وفي يوم الثلاثاء الماضي، تعرّض جنديان من أفواج الهندسة في الجيش العربي السوري لإصابات نتيجة انفجار لغم من مخلفات الحرب أثناء عملية تفكيك الألغام قرب مدينة عين عيسى شمالي الرقة.

وبحسب إحصائية أجرتها وزارة الدفاع السورية بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بخطر الألغام، بلغ عدد الألغام والمخلفات الحربية التي قامت أفواج الهندسة العسكرية في الجيش العربي السوري بتفكيكها أو إتلافها منذ بداية العام الجاري 2026 أكثر من 110 آلاف لغم في جميع المحافظات السورية.

جهود الدولة في إزالة الألغام

وأكد وزير الطوارئ والكوارث، السيد رائد الصالح، أن الألغام ومخلّفات الحرب تعد من أخطر التحديات التي تواجهها سوريا، إذ تحصد بشكلٍ يومي أرواحاً بريئة من المدنيين، وكذلك من العاملين في مجال إزالة الألغام.

وأشار، من خلال تغريدة كتبها عبر حسابه الرسمي في منصة إكس، إلى أن سوريا بكل ما تحمله الكلمة من معنى تعيش فوق بحر من الألغام والذخائر غير المنفجرة، ما يجعلها من بين أكثر دول العالم تضرراً بهذا الخطر.

وتابع أنه بالرغم من الجهود المبذولة، لا تزال الفجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة وحجم التلوث وانتشاره وطبيعته، في ظل غياب خرائط دقيقة للألغام، وانتشارها في المناطق المأهولة، والأراضي الزراعية، وتحت الأنقاض، وفي البادية.

وأردف أنهم، رغم هذه التحديات المعقدة، يواصلون العمل على تطوير قدراتهم وأدواتهم، مشيراً إلى أن الأيام الماضية شهدت لقاءات مهمة في ألمانيا مع جهات ومؤسسات متخصصة، بهدف نقل وتوطين التقنيات المتقدمة في مجال إزالة الألغام.

ونوه إلى أن المركز الوطني لمكافحة الألغام في الوزارة يقود جهود الاستجابة والتنسيق بين مختلف الجهات والمنظمات العاملة في هذا القطاع، ويعمل على وضع خطة وطنية متكاملة تشمل أعمال الإزالة والتوعية، بهدف الحد من المخاطر وتعزيز السلامة المجتمعية.

وشدد الوزير في ختام حديثه على أن إزالة مخلفات الحرب والتوعية بمخاطرها ليست مجرد عمل تقني، بل هي استثمار في الإنسان والحياة، تسهم في إعادة إحياء المجتمعات، وتعزيز الأمن الغذائي، وتمكين النازحين من العودة إلى منازلهم، وضمان وصول الأطفال إلى مدارسهم وأماكن لعبهم بأمان.

اقرأ المزيد
٥ أبريل ٢٠٢٦
وزارة الإعلام ترد على تقرير "نيويورك تايمز" حول "خطف العلويات": غياب الأدلة وشهادات مجهولة

أصدرت وزارة الإعلام يوم الأحد 5 نيسان/ أبريل بياناً رسمياً رداً على تحقيق نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" حول اختطاف واغتصاب نساء وفتيات من الطائفة العلوية عقب سقوط نظام الأسد بدوافع انتقامية أو للابتزاز المالي.

وأكدت الوزارة أن الحكومة تأخذ جميع التقارير المتعلقة بالاختطاف أو حالات الاختفاء على محمل الجد، وهي ملتزمة بحماية المواطنين بغض النظر عن الطائفة أو العرق أو الدين، والتحقيق الدقيق في كل بلاغ مرتبط بعمليات الاختطاف، ولفتت إلى أن وزارة الداخلية شكلت لجنة تحقيق خاصة في تموز 2025 لفحص جميع الشكاوى والادعاءات المتعلقة بعمليات الخطف.

وذكرت الوزارة أنها تعاونت مع مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" قبل نشر المقال، وأتاحت له الاطلاع على نتائج اللجنة، وطلبت تقديم معلومات دقيقة عن الحالات التي تناولها التقرير لإجراء مراجعة قائمة على الأدلة.

وأوضحت الوزارة أن معظم المعلومات الواردة في التحقيق الصحفي كانت قائمة على شهادات مجهولة الهوية أو روايات من أشخاص غير محددي الصلة بالحالات، وأن التقرير سرعان ما انتقل من نقص الأدلة إلى تقديم استنتاجات عامة عن هجمات انتقامية تستهدف الطائفة العلوية دون تقديم أي دليل ملموس على هوية الجناة.

وشددت الوزارة على أن التقرير لم يتضمن نتائج لجنة التحقيق التابعة للداخلية المتعلقة بالقضايا المبلغ عنها، ما أدى إلى عرض أحادي الجانب يفتقد لمبدأ المقارنة والتحقق، وهو أحد الركائز الأساسية للصحافة الاستقصائية.

وبالعودة إلى التحقق المذكور نقلت الصحيفة أن عمليات الاختطاف طالت 13 امرأة وفتاة علوية، بالإضافة إلى رجل وفتى، مع خمس حالات أخرى لم يتم التأكد مما إذا كن قد اختفين بالفعل، واستند التقرير إلى تصريحات "اللوبي النسوي السوري" التي أشارت إلى أن 80 امرأة وفتاة علوية اختفين منذ مطلع 2025، بما فيها 26 حالة اختطاف مؤكدة.

وزعمت الصحيفة أنها تحققت من روايات الضحايا وأقاربهم عبر تتبع منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل طلب الفدية، إضافة إلى مقابلات مع العاملين في المجال الطبي والإغاثي الذين التقوا بالمختطفين بعد إطلاق سراحهم.

وسبق أن أصدرت لجنة تابعة للأمم المتحدة نتائج تحقيق في أحداث الساحل السوري، مؤكدة وقوع جرائم وانتهاكات خلال الأحداث، لكنها لم تجد أي دليل على تورط حكومي مباشر في ارتكاب هذه الجرائم.

ورحبت الحكومة السورية حينها باستنتاجات لجنة التحقيق الدولية، واعتبرت أن النتائج أكدت صحة الإجراءات الحكومية في أحداث الساحل، وأن توصيات اللجنة ستشكل خريطة طريق لتقدم سوريا، وشملت المعلومات المرسلة من الأمم المتحدة تفاصيل التحقيق في الانتهاكات الواقعة على المدنيين والمجموعات المسلحة، مع التركيز على تحديد المسؤوليات ورفع توصيات بالملاحقة القضائية للمتورطين.

من جانبها، أكدت الحكومة السورية الجديدة في بيان سابق التزامها بحماية جميع المواطنين والتحقيق الدقيق في أي ادعاءات اختطاف أو انتهاك للقانون، مع الدعوة إلى مراعاة نتائج التحقيقات الوطنية والدولية قبل تبني أي روايات غير دقيقة.

ويفيد البيان الحكومي أن تشكيل اللجنة الرئاسية والتحقيقات المتتابعة أثبتت غياب أي عمليات اختطاف ممنهجة تستهدف الطائفة العلوية أو أي مكون آخر في المجتمع السوري، ما يعكس حرص الدولة على العدالة وحماية المدنيين.


وسبق أن تصدرت قضية "السبي والخطف" للفتيات العلويات المشهد الإعلامي، لاسيما الصفحات الصفراء والمستمرة بحملات التحريض على أساس طائفي ومذهبي، في محاولة مستمرة لخلق حالة من عدم الأمان والثقة والفوضى، موجهة الاتهامات للسلطة الجديدة، رغم أن غالبية الحالات التي تم تصديرها إعلامياً على أنها خطفت، تبين زيف تلك الادعاءات، وتوضح أنها قضايا عائلية متكررة.

"سبي وخطف العلويات" بالتحديد بات رائجاً وفي كل مرة قصة جديدة يتم تسويقها إعلامياً، وتنتشر على مئات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بسردية واحدة مركبة لاتتغير عنوانها خطف وسبي للفتيات العلويات ونقلهم إلى إدلب، دفع هذا النشطاء لتعقب تلك الحالات ورصدها وكشف حقيقتها، علاوة عن تفاعل أمني مع تلك الحوادث والسعي لكشف ملابساتها.

لم يكن هروب الفتيات وترك منازل عائلاتهن ليس حدثاً جديداً في سوريا، فهناك قصص وحكايا قديمة وحديثة لحالات ترك المنزل لخلافات عائلات وقصص عاطفية تتخذ فيها الفتاة قراراً بترك عائلتها واللجوء لأقرباء لها أو شخص تحبه وتفصل الفرار والعيش معه بسبب رفض عائلتها، لاسيما لدى بعض المجتمعات المنفتحة والتي لاتخاف فيها الفتاة من العواقب.

وأبرز القصص التي روّجوا لها كانت قصة آية طلال قاسم، فتاة علوية تنحدر من الساحل، اختفت لفترة قصيرة، فسارعت فلول النظام وأتباعه إلى اتهام الأمن العام السوري بخطفها، مستغلين غيابها لبثّ الذعر والتشكيك في الجهات الأمنية.

لكن آية ما لبثت أن ظهرت في مقطع فيديو مصوّر، نافية تلك الادعاءات بشكل قاطع، موضحة أنها كانت برفقة إحدى صديقاتها التي تعرفت عليها قبل شهرين، وانتقلت معها للعمل في حلب، ونفت كل الشائعات التي رُوّجت حول اختطافها، مما فضح الحملة التضليلية التي حاولت استغلال غيابها لأهداف سياسية وإعلامية.

ثلاث فتيات كانت صفحات موالية للأسد قد زعمت أن الأمن العام خطفهن، وذكر التفاصيل الحقيقية لكل حالة، منهم الفتاة نور كمال خضر في بلدة المشرفة والتي روجت لاختفائها صفحات النظام البائد على أن الأجهزة الأمنية  قامت باختطافها ليتبين أنها تقيم في منزل صديقتها في حماة للضغط على طليقها وذويها لإعادتها لأطفالها".

وكانت قالت "نور الخطيب"، مديرة قسم التوثيق في "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، إن النساء سيظلن في قلب الحملات الدعائية التي تُستغل أجسادهن ورمزيتهن لخدمة التراشق الطائفي، مؤكدة أن ذلك بدأ من كذبة "جهاد النكاح" وصولًا إلى شائعة "الاغتصاب في حميميم".  

اقرأ المزيد
٥ أبريل ٢٠٢٦
"أحد الشعانين" في التقويم الشرقي .. تقاليد احتفالية تعكس العمق الروحي والثقافي

تحتفل الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الشرقي في سوريا، بعيد "أحد الشعانين" اليوم الأحد 5 نيسان/أبريل الجاري، الذي يعد من أبرز المناسبات الروحية في التقويم المسيحي، ويحمل دلالات رمزية عميقة تمثل بداية أسبوع الآلام واستقبال المسيح عند دخوله القدس.

وأُقيمت بهذه المناسبة قداديس وصلوات ترأسها البطاركة والمطارنة، الذين ألقوا في الكنائس الأرثوذكسية عظاتهم بهذه المناسبة، متضرعين إلى الله أن يحفظ سوريا وشعبها، وأن يعمّ السلام والمحبة في مختلف أنحاء البلاد.

وخلال القداديس، حمل المصلّون أغصان الزيتون وسعف النخيل والشموع، في طقس يرمز إلى السلام والبركة، تعبيراً عن فرحتهم بهذه المناسبة التي تمهّد لبدء أسبوع الآلام في الكنيسة.

أصل تسمية الشعانين 
وترجع تسمية «الشعانين» إلى كلمة «هوشعنا» التي هتف بها الحاضرون عند استقبال المسيح، وتعني «أنقذنا»، ويعرف هذا اليوم أيضاً بأسماء مثل «أحد السعف» و«أحد الزيتونة»، في إشارة إلى تقليد حمل أغصان النخيل والزيتون عند دخول المسيح إلى القدس.

يشير البابا شنودة الثالث في كتابه عن أحد الشعانين إلى أن كلمة «شعانين» مشتقة من العبارة القبطية «هو شيعه نان» وتعني «يا رب خلص»، كما ترتبط بالكلمة اليونانية «ὡσαννά» (أوصنا) التي وردت في الأناجيل على لسان البشيرين، وقد نادت الجموع بهذه الكلمات خلال استقبالها للسيد المسيح في مسيره نحو أورشليم.

"عيد الشعانين يُرمز إليه بسعف النخيل"
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال الأب ديمتريوس الحداد، إن عيد الشعانين، الذي يُرمز إليه بسعف النخيل، يحيي ذكرى دخول السيد المسيح إلى أورشليم، مشيراً إلى أن الأطفال كانوا أول من استقبله في الحدث الإنجيلي، مضيفاً أنه خلال القداس الإلهي تُزيَّن الكنائس بسعف النخيل والورود وأغصان الزيتون، ويحمل الأطفال الشموع، كما تُقام مسيرات تطواف داخل الكنيسة وفي محيطها.

دلالات الرموز الدينية 

وتابع أن الرموز الدينية تعبّر عن الانتصار على الموت، وتحذّر من الإيمان السطحي والمتقلّب، مشيراً إلى أن طريق القيامة يمر عبر الصليب، مؤكداً أهمية استقبال المسيح في حياة المؤمنين، واعتبار التواضع طريقاً للخلاص، وأردف أن عيد الشعانين هوعيد فرح ودعوة جدّية للتوبة والثبات، حتى ننتقل مع المسيح من الشعانين إلى القيامة، لا بالكلام فقط بل بالحياة.

وأردف أن فرق الكشافة والفرق النحاسية تشارك في مسيرات التطواف خارج الكنيسة أو في محيطها، أي أن الأطفال كانوا أول من تعرّف إلى السيد المسيح واستقبله كملك، ما يعكس براءتهم وقدرتهم على الإحساس بالحضور الإلهي بشكل أعمق من الكبار.

أهمية الحفاظ على العادات الاحتفالية 

 وأشار إلى أن الصلوات تتبعها لقاءات احتفالية، كما تُنظَّم أحياناً كرنفالات بهذه المناسبة، منوّهاً إلى أن الحفاظ على هذه العادات، لا سيما الاحتفالية منها، يعد أمراً مهماً لصون الهوية، وتعزيز ارتباط الأفراد بتاريخهم وأرضهم، والإبقاء على الذاكرة الجميلة.

ونوّه الحداد في ختام حديثه لـ "شام" إلى أن التقويم الغربي تتبعه الكنائس الكاثوليكية التابعة للبابا في الفاتيكان، بينما تتبعه الكنائس الأرثوذكسية وفق التقويم الشرقي، حيث تتبع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية البطريرك في دمشق، مؤكّداً أن الاحتفالات بعيد الشعانين والمعاني الروحية المرتبطة بها متقاربة جداً.

ويذكر أن الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي في سوريا أحيت عيد أحد الشعانين لهذا العام، يوم الأحد الماضي الموافق لـ 29 ٱذار/مارس الفائت، وشهدت الاحتفالات حضوراً واسعاً للعائلات والأطفال، الذين رددوا التراتيل الدينية وهم يحملون الأغصان، في مشهد يعكس تمسّك أبناء المجتمع بهذه الطقوس وحرصه على توريثها للأجيال القادمة.

 

اقرأ المزيد
٣ أبريل ٢٠٢٦
العنف الأسري في سوريا: أثره الجسدي والنفسي على النساء والفتيات

تعاني العديد من النساء السوريات من العنف الأسري، الذي يمارسه الأب أو الزوج أو الأخ، ما يسبب لهن أذى جسدياً ونفسياً، ويمتد تأثيره ليطال حياتهن الشخصية واستقرار الأسرة، ويبرز هذا الواقع الحاجة الملحة إلى تبني حلول متكاملة على المستويين التوعوي والقانوني للحد من الظاهرة وحماية النساء.

تتعدد أنواع العنف التي تتعرض له النساء داخل الأسرة، وتشمل العنف الجسدي كالضرب والاعتداء البدني، والعنف النفسي مثل الإهانة والتهديد والتحكم والإذلال المتكرر، كما يشمل العنف الاقتصادي، الذي يتمثل بحرمان المرأة من الموارد المالية أو منعها من العمل، بالإضافة إلى العنف الجنسي، الذي يتضمن الاعتداء أو التحرش داخل نطاق الأسرة، وغالباً ما تتداخل هذه الأنواع، مما يزيد من الأثر النفسي والجسدي على المرأة ويؤثر على استقرار الأسرة بأكملها.

شهادات نساء معنفات 
قالت سعاد المحمد، 19 عاماً، من إحدى قرى ريف إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الضرب داخل العائلة يُعتبر أمراً مألوفاً وطبيعياً وفق تقاليدهم، مشيرة إلى أنها واحدة من المتضررات من هذا التقليد، إذ تتعرض للضرب لأبسط الأسباب ما جعلها تفقد الثقة بأفراد عائلتها، وصارت تشعر بالخوف منهم بشكل مستمر.
من جانبها، روت ميساء نجار، 30 عاماً، أنها تتعرض للضرب المتكرر من قبل زوجها أمام أطفالها، وتضطر إلى الصمت للبقاء بجانبهم وعدم حرمانهم منه، رغم الألم النفسي والجسدي الذي تعانيه، وأوضحت أن الطلاق لن يحسن وضعها، إذ ستواجه ضغوطاً وانتقادات لاذعة من قبل العائلة والمجتمع.

التداعيات النفسية 
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال مصعب محمد علي، أخصائي علم نفس وصحة نفسية، إن العنف الأسري يترك آثاراً نفسية عميقة، وغالباً ما تكون تراكمية ومعقّدة، خصوصاً في السياق السوري حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع آثار الحرب وعدم الاستقرار.

وأضاف أنه يلاحظ بشكل متكرر حالات من القلق المزمن، حيث تعيش المرأة في حالة خوف دائم وترقّب، إضافة إلى الاكتئاب الذي يترافق مع شعور بالعجز وفقدان السيطرة على الحياة، كما أن كثيراً من النساء يطوّرن نظرة سلبية عن أنفسهن، نتيجة التعرّض المستمر للإهانة أو التقليل من القيمة.

في الحالات الأكثر شدة، تظهر أعراض صدمة نفسية واضحة، مثل الكوابيس، واسترجاع الأحداث المؤلمة، وتجنّب أي مواقف قد تذكّر بالعنف، ومع الوقت، تميل المرأة إلى الانسحاب الاجتماعي كوسيلة لحماية نفسها، لكنها في الواقع تزيد من عزلتها ومعاناتها.

وأردف المختص مصعب أن على المستوى اليومي، تعاني كثير من النساء من اضطرابات النوم، ضعف التركيز، والإرهاق النفسي، ما ينعكس على قدرتهن على العمل أو حتى القيام بالمسؤوليات الأساسية داخل المنزل.

اجتماعياً، تفقد المرأة الثقة بالآخرين، وتميل إلى العزلة، وأحياناً تنقطع عن مصادر الدعم خوفاً من الفضيحة أو اللوم، وهذا أمر شائع في المجتمع، حيث لا تزال بعض الثقافات تعتبر ما يحدث داخل الأسرة “شأناً خاصاً”.

أما على مستوى الدور الأسري، فقد تجد المرأة صعوبة في أداء دورها كأم بشكل متوازن، وقد يتأثر الأطفال نفسياً، بل وقد يعيدون إنتاج نفس أنماط العنف في المستقبل.

وتابع أن أبرز التحديات التي تواجهها النساء هي: الخوف من الوصمة الاجتماعية، الاعتماد الاقتصادي على الشخص المُعنِّف، ضعف الوصول إلى الحماية القانونية، وغياب بيئة آمنة يمكن اللجوء إليها.

لا يوجد قانون تحت مسمى "قانون مكافحة العنف الأسري"
وقال باسل موسى، محامٍ أستاذ مزاول للمهنة في نقابة المحامين بدمشق، في حديث لـ شام، إنه لا يوجد في سوريا قانون خاص ومستقل تحت مسمى "قانون مكافحة العنف الأسري"، مشيراً إلى يتم التعامل مع هذه الحالات من خلال نصوص مبعثرة في: قانون العقوبات العام: الذي يجرم الإيذاء الجسدي بشكل عام (المواد 540 وما بعدها).

ومن خلال قانون الأحوال الشخصية (القانون 59 لعام 1953 وتعديلاته في 2019): الذي يتضمن نصوصاً حول "الشقاق والضرر" لكنه يفتقر لنصوص تجريمية واضحة للعنف الأسري.

الخطوات القانونية 
وفيما يتعلق بالخطوات القانونية التي يمكن للمرأة اللجوء إليها في حال وقوع العنف، نصح قانونياً باتباع المسار التالي: التوثيق الطبي الفوري عن طريق التوجه إلى المستشفى أو الطب الشرعي للحصول على تقرير يثبت نوع الإصابة ومدة التعطيل مؤكدا أن ذلك هو الدليل الجوهري.

ثم تقديم شكوى رسمية: أمام النيابة العامة أو في أقرب مركز شرطة (تنظيم ضبط)، ورفع دعوى تفريق للضرر: أمام المحكمة الشرعية (استناداً للمادة 112 من قانون الأحوال الشخصية) في حال كان المعنف هو الزوج، لضمان حقوقها الزوجية كاملة عند الانفصال.
وأشار إلى أهمية طلب قرار حماية، فرغم ضعف الإجراءات الاحترازية، يمكن المطالبة بمنع التعرض عبر القضاء المستعجل في حالات معينة.

كيفية الإثبات
وبالنسبة العقوبات وكيفية الإثبات، أشار موسى إلى أن العقوبات تخضع لمواد الإيذاء في قانون العقوبات؛ وتتراوح بين الحبس والغرامة المالية حسب مدة التعطيل عن العمل، وتشدد العقوبة في حال أدى العنف لعاهة دائمة، منوهاً إلى أن القانون السوري لا يجرم "الاغتصاب الزوجي" كجريمة مستقلة حتى الآن.

وتابع أن كيفية الإثبات تتعلق بالخبرة الطبية من خلال تقرير الطب الشرعي الذي يعد الدليل القاطع، وشهادة الشهود بما في ذلك الجيران أو الأقارب الذين عاينوا الواقعة، إلى جانب الوسائل الرقمية: الصور، الفيديوهات، أو الرسائل التهديدية (تعتبر دليلاً قوياً وفق قانون الجرائم الإلكترونية).

حلول لظاهرة العنف الأسري

وفي سياق الحلول والإجراءات الممكنة للحد من هذه الظاهرة وحماية المرأة، قال المختص مصعب إنه على المستوى المجتمعي، هناك حاجة إلى رفع الوعي بأن العنف ليس أمرًا طبيعيًا أو مقبولًا، بل انتهاك واضح لكرامة الإنسان، إلى جانب أهمية توفير خدمات دعم نفسي آمنة وسرية، لأن كثيرًا من النساء لا يطلبن المساعدة خوفًا من انكشاف الأمر.

وتابع لا بد من تعزيز الحماية القانونية وتسهيل الوصول إليها، مع وجود مراكز آمنة لإيواء النساء المعرضات للخطر، بالإضافة إلى تمكين المرأة اقتصاديًا، لأن الاستقلال المالي يمنحها قدرة أكبر على اتخاذ القرار والخروج من العلاقات المؤذية، عدا عن ضرورة العمل على مستوى الأسرة نفسها، من خلال برامج الإرشاد الأسري التي تساعد في تعديل أنماط التواصل وتقليل العنف.

وقال المحامي باسل أن من موقعه كمحامي، يقترح الآتي: تشريع قانون خاص بالعنف الأسري: يجرم كافة أشكال العنف (الجسدي، النفسي، الاقتصادي، والجنسي) بوضوح ودون مواربة، وتفعيل "الشروط الخاصة" في عقد الزواج وتوعية النساء بوضع شروط تضمن حقها في العصمة أو العمل أو السكن المستقل كأدوات حماية استباقية.

وأشار إلى أهمية إنشاء دور رعاية متخصصة تابعة للدولة توفر الحماية القانونية والجسدية الفورية للمعنفات، إلى جانب التوعية القانونية المستمرة عبر المنصات القانونية لتغيير العقلية المجتمعية التي تعتبر العنف شأناً عائلياً خاصاً.

ونوه مختصون إلى أن الحد من العنف الأسري يتطلب تعزيز الوعي المجتمعي بحقوق المرأة وأهمية التواصل الأسري الصحي، إضافة إلى توفير الدعم النفسي للضحايا وتسهيل وصولهن إلى المراكز القانونية والمشورة القانونية، مؤكدين أن تفعيل القوانين الرادعة ومتابعة المخالفات بصرامة يمثل ركيزة أساسية لحماية النساء والحد من الانتهاكات داخل الأسرة.

اقرأ المزيد
٣ أبريل ٢٠٢٦
طقوس العزاء في سوريا.. حين يتحول الحزن إلى تضامن جماعي

يتميز المجتمع السوري بعادات وتقاليد اجتماعية ودينية راسخة في أيام العزاء، حيث تتحول لحظة الفقد إلى حالة جماعية من التضامن، فإذا خسرت إحدى العائلات فرداً منها، يتجمع حولها الأهل والأقارب والجيران وكأن المصاب يطالهم جميعاً، في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية وقوة النسيج المجتمعي، ويُظهر بوضوح قيم التعاون والمساندة والتكافل التي تُعد من السمات الأساسية في المجتمع السوري، خاصة في الأوقات الصعبة التي تتطلب حضوراً إنسانياً وموقفاً جماعياً داعماً.

وما أن يقع المصاب، يسارع الأهالي إلى التوجه نحو عائلة الفقيد، إدراكاً منهم أن الحزن قد يسيطر على أهل المتوفى ويدخلهم في حالة من التوتر والقلق، مما قد يفقدهم القدرة على الالتزام بالطقوس والواجبات المفروضة عليهم في مثل هذه الظروف، فيتولى المحيطون بهم جزءاً كبيراً من هذه المسؤوليات، بدءاً من الترتيبات الأولى وحتى انتهاء مراسم العزاء، في محاولة لتخفيف العبء النفسي والعملي عنهم.

وفي هذا السياق، تختلف طرق الإعلان عن الوفاة بين منطقة وأخرى، ففي بعض المناطق يتم طبع النعي وتعليقه في أماكن محددة ليطّلع عليه أكبر عدد ممكن من الناس، وتتضمن النعوة عادة اسم المتوفى وتاريخ الوفاة وأسماء الأقارب المباشرين، إضافة إلى عبارات الدعاء، كما قد توضح مكان ووقت إقامة بيت العزاء لتيسير حضور المعزين، بينما يكتفى في مناطق أخرى بالإعلان عن الوفاة عبر المناداة في الجامع وتحديد موعد صلاة الجنازة، وهي طريقة تقليدية ما تزال حاضرة في كثير من القرى والبلدات.

وبعد الإعلان عن الوفاة تبدأ مباشرة إجراءات تجهيز المتوفى، حيث يساعد الأقارب والمعارف في تأمين الكفن وإحضار المغسل، والبدء بحفر القبر وتجهيزه، وتتم عملية غسل الميت وتكفينه وفق الطقوس الدينية المتبعة، ثم يُودّع من قبل أهله وأقاربه قبل أداء صلاة الجنازة، ليُحمل بعدها إلى المقبرة ويوارى الثرى في صورة يختلط فيها الحزن بالدعاء والرجاء.

وبالتوازي مع هذه الإجراءات، ينشغل آخرون بنصب خيمة العزاء المعروفة باللهجة المحلية باسم "بيت الشعر"، وهي شوادر تُثبت على قضبان معدنية خصيصاً لهذه الغاية، ويتم تجهيزها من الداخل بالكراسي لاستقبال المعزين، لتكون بمثابة مساحة يجتمع فيها الناس لتقديم واجب العزاء والتعبير عن مواساتهم لأهل الفقيد، وهو تقليد يعكس الطابع الجماعي لهذا الظرف.

وبعد الانتهاء من الدفن، يبدأ توافد المعزين إلى بيت العزاء، حيث يجتمع الرجال في الخيمة، بينما تستقبل النساء المعزيات في منزل الأسرة، ويغلب ارتداء اللون الأسود تعبيراً عن الحزن، وتُتبادل عبارات المواساة والدعاء، في أجواء يسودها الاحترام والتعاطف.

وخلال ذلك، يتولى بعض الأشخاص تحضير القهوة المرة التي تُعد جزءاً أساسياً من طقوس العزاء، فيما يتطوع عدد من شبان الحي لخدمة الحضور وتقديم القهوة وتنظيم المكان ومساندة أهل المتوفى، في حين تتجه النساء إلى منزل الفقيد لمساعدة أهله في الأعمال المنزلية ومواساة النساء واستقبال المعزيات، وهو ما يعكس تكامل الأدوار بين أفراد المجتمع في مثل هذه الظروف.

وتستمر طقوس العزاء عادة لثلاثة أيام، يتم خلالها قراءة القرآن والدعاء للميت، ويحرص الأهالي على البقاء إلى جانب أهل الفقيد وتقديم الدعم المعنوي لهم، سواء من خلال الحضور المستمر أو الكلمات التي تخفف من وقع المصاب، في محاولة لمساندتهم نفسياً وتخفيف شعورهم بالفقد.

وفي بعض المناطق، تُحضّر وجبات الطعام وتُرسل إلى منزل المتوفى، نظراً لانشغال العائلة باستقبال المعزين وعدم قدرتها على القيام بواجباتها اليومية، وهو تقليد يعبر عن روح التعاون والتكافل، بينما تغيب هذه العادة في مناطق أخرى بحسب اختلاف العادات المحلية.

وخلال فترة العزاء، يلتزم المحيطون بأهل الفقيد بتجنب أي مظاهر قد تجرح مشاعرهم، كرفع أصوات التلفاز أو الموسيقى، كما يمتد هذا الاحترام إلى ما بعد انتهاء العزاء، حيث يؤجل الجيران أي مظاهر للفرح كالأعراس أو الاحتفالات، تعبيراً عن مشاركتهم الحزن ومراعاة لمشاعر العائلة المفجوعة.


ورغم الظروف القاسية التي مرّ بها السوريون خلال سنوات النزوح والشتات، بقيت هذه المظاهر حاضرة بشكل لافت، فبرغم ابتعاد كثيرين عن أقاربهم ومعارفهم، وجدوا من يساندهم في المجتمعات التي استقروا فيها، حيث ساهم المحيطون بهم في إتمام المراسم والطقوس وتقديم الدعم المعنوي، مما يؤكد أن التكاتف المجتمعي في المجتمعات العربية لا يقتصر على العائلة والمعارف فقط، بل يمتد ليشمل علاقات الجيرة وروابط المجتمع المحلي.


كما حرص السوريون على مساندة أهاليهم وأقاربهم في حالات الوفاة رغم عدم قدرتهم على الحضور المباشر، من خلال تقديم التعازي عبر تطبيقات التواصل، سواء بالمكالمات أو الرسائل النصية، إضافة إلى تقديم المساعدة المالية أحياناً، في محاولة لتعويض الغياب الجغرافي والمساهمة في تخفيف الأعباء.


ويعكس ذلك عمق الروابط الاجتماعية رغم المسافات البعيدة، ويؤكد أن التكاتف في المجتمع السوري لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بالقيم المتجذرة، كما يدل استمرار هذه الممارسات على وفاء السوريين لعاداتهم وقدرتهم على الحفاظ عليها رغم التغيرات والظروف الصعبة.

وتبقى طقوس العزاء نموذجاً واضحاً على التضامن الإنساني والتلاحم المجتمعي، حيث يجسد الوقوف إلى جانب أهل المتوفى التزاماً أخلاقياً يعكس أصالة المجتمع واستمرارية تقاليده، ويؤكد أن قيم التعاطف والمساندة لا تزال حاضرة بقوة في وجدان السوريين مهما تغيرت الظروف.

اقرأ المزيد
٢ أبريل ٢٠٢٦
اليوم العالمي للتوحد.. واقع التحديات في سوريا وحاجة متزايدة للدعم والدمج

يُحيي العالم في الثاني من أبريل اليوم العالمي للتوعية باضطراب التوحد، في مناسبة أقرتها الأمم المتحدة بهدف تسليط الضوء على حقوق الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب، وتعزيز الجهود الدولية لضمان دمجهم في المجتمع وتحسين جودة حياتهم، بما يكفل لهم حياة كريمة قائمة على المساواة والاحترام.

ما هو اضطراب التوحد؟
يُعرّف التوحد على أنه اضطراب نمائي عصبي يظهر غالباً في مراحل الطفولة المبكرة، ويؤثر على طريقة تفاعل الفرد مع الآخرين، إضافة إلى صعوبات في التواصل اللفظي وغير اللفظي، وأنماط سلوكية متكررة أو محدودة، وتختلف شدته من شخص لآخر، ما يجعل كل حالة فريدة بحد ذاتها، ويُعرف المصابون به بأنهم أشخاص لديهم طريقة مختلفة في الإدراك والتفاعل مع العالم من حولهم، وليسوا بالضرورة أقل قدرة، بل يحتاجون إلى بيئة مناسبة لفهم احتياجاتهم وتنمية مهاراتهم.

تأكيد على الحقوق والمساواة
جاء اعتماد هذا اليوم استناداً إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي دخلت حيّز التنفيذ عام 2008، والتي أكدت على ضرورة تمتع جميع الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوقهم الأساسية دون تمييز، وضمان وصولهم إلى التعليم والعمل والخدمات الصحية، باعتبارهم جزءاً أساسياً من المجتمع.

واقع التوحد في سوريا
تواجه سوريا تحديات معقدة في التعامل مع اضطراب التوحد، خاصة في ظل آثار الحرب في سوريا التي أضعفت البنية الصحية والتعليمية، حيث تعاني الأسر من نقص في مراكز التشخيص المبكر، وقلة المختصين في العلاج السلوكي والنفسي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الرعاية، ما يجعل الحصول على الدعم المناسب أمراً صعباً لكثير من العائلات.

صعوبات اجتماعية ونقص الوعي
لا تقتصر التحديات على الجانب الطبي، بل تمتد إلى ضعف الوعي المجتمعي حول اضطراب التوحد، ما يؤدي أحياناً إلى سوء فهم الحالات أو وصمها اجتماعياً، الأمر الذي يزيد من عزلة الأطفال المصابين وأسرهم، ويحدّ من فرص اندماجهم في المجتمع.

الحاجة إلى برامج متكاملة
تبرز الحاجة في سوريا إلى تطوير برامج شاملة تشمل التشخيص المبكر، والتدخل العلاجي، والتعليم الدامج داخل المدارس، إلى جانب تدريب الكوادر التعليمية والطبية، وتقديم الدعم النفسي للأسر، بما يساعد على تحسين قدرات الأطفال وتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم مستقبلاً.

أهمية الدمج والتمكين
يشكل دمج المصابين بالتوحد في المجتمع خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، حيث تساهم البيئة الداعمة في تنمية مهاراتهم وقدراتهم، وتمكنهم من المشاركة في التعليم والعمل والحياة العامة، بما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويمنحهم فرصة حقيقية للإنتاج والعطاء.

دعوات لتعزيز الجهود الوطنية
تتجدد في هذه المناسبة الدعوات إلى تبني سياسات وطنية أكثر شمولاً في سوريا، تضمن حقوق المصابين بالتوحد، وتوفر خدمات متكاملة لهم، بما يتوافق مع المعايير الدولية، ويسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وتضامناً، يراعي احتياجات جميع أفراده دون استثناء.

اقرأ المزيد
٢ أبريل ٢٠٢٦
جرائم العنف ضد المرأة في سوريا: بين التقاليد والممارسات الاجتماعية والهشاشة القانونية

تتعرض العديد من النساء في سوريا لمختلف أشكال العنف، من العنف الأسري والتحرش إلى جرائم الشرف التي قد تصل إلى القتل، في ظل غياب حماية قانونية كافية وثقافة مجتمعية تقليدية تزيد من هشاشتهن، هذه الجرائم تعكس تداخل الأعراف الاجتماعية الضعيفة مع القوانين غير الفعّالة، ما يجعل حماية المرأة وضمان حقوقها أمراً ملحاً.

خلال الأسابيع الماضية، شهدت سوريا وقوع عدة جرائم من هذا النوع، من أبرزها مقتل الدكتورة الشابة روز أنس الحريري من بلدة إبطع، خريجة جامعة دمشق، على يد شاب بعد رفضها المتكرر الزواج منه.

كما قُتلت فتاة على يد شقيقها في منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي، بعد أن غادرت منزلها برفقة شاب من قرية العطشانة المجاورة بنية الزواج، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين العشائر واحتجاز ثلاثة شبان احتجاجًا على الواقعة، قبل أن تتدخل وساطة من الوجهاء لحماية الفتاة والتوصل إلى اتفاق مع والدها.

‏ورغم تعهد والدها خلال اجتماع عُقد في إحدى المضافات، بحضور مستشار رئيس سوريا لشؤون العشائر والقبائل جهاد عيسى الشيخ المعروف بـ أبو أحمد زكور، ووجهاء من قبيلة البكارة بعدم المساس بالفتاة، أقدم شقيقها على قتلها بعد عودتها إلى المنزل، ما أثار حالة من الصدمة والتعاطف الواسع مع مصيرها.

أنواع جرائم العنف ضد المرأة

وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أكدت المحامية حنان زهر الدين، رئيسة اللجنة القانونية لشبكة المرأة السورية وعضو اللجنة السياسية بحركة المرأة النسوية، أن أبرز أشكال العنف التي تتعرض لها النساء هي العنف الأسري، الذي يُمارَس عليهن من قبل الأب أو الأخ أو الزوج، ويعود إلى العادات والتقاليد السائدة والثقافة المجتمعية السائدة والتفكير الذكوري.

وأضافت أن الأصعب ضمن أشكال العنف الأسري هو ما يُعرف بـ«جرائم الشرف»، وهي من أخطر الظواهر في المجتمع، حيث تُقتل النساء بزعم ارتكابهن الزنا أو إقامة علاقات غير شرعية، وهذه الأسباب الظاهرة على السطح، لكن غالباً ما تُستخدم ذريعة لقتل النساء أيضاً لأهداف أخرى مثل الميراث، أو العنف الزوجي، أو قضايا وأسباب متعددة أخرى.

أكثر من 12 مادة تمييزية ضد المرأة 

وتابعت أن الدستور السوري لا يتضمن تعريفاً لقانون العنف، وعند النظر إلى هذه الجرائم في قانون العقوبات السوري نجد أن أكثر من 12 مادة تعتبر تمييزية ضد المرأة على نفس الجريمة، فمثلاً جريمة الزنا يُحاسب عليها المرأة من قبل الزوج، ومن قبل القضاء، ومن قبل المجتمع، بينما لا يُحاسب الزوج، كما أن شروط إثبات الجريمة بالنسبة للرجل صعبة للغاية، أما المرأة فحتى لو قدم أحد الجيران أو المعارف شكوى أو تنتشر شائعة، فإنها لا تتعرض للعنف فقط، بل قد تصل إلى حد القتل.

ضعف القانون يفاقم معاناة المرأة

وأردفت أنه تغير القانون وتغير الدافع لهذا العنف أو العذر المحل، وتُعتبر جريمة، ولكن هناك سلطات تقديرية للقاضي، وهناك شروط مثل حالة ثورة الغضب أو غيرها، ما يعني أن القانون لا يزال محتفظاً بها أو أن القاضي يقر فيها، وتلجأ المجتمعات إلى حلها بعد أن تشددت المادة لتصبح جريمة قتل متعمدة بعد رصد مسبق.

وأكملت أن المجتمع كثيراً ما يلجأ إلى حل هذه القضايا عبر الوجهاء والمشايخ، حيث تُدفع الفدية وتظل المرأة الضحية، وما زالت العديد من النساء يفقدن حياتهن بهذه الطريقة، وتستمر هذه الممارسات لغياب القوانين التي تحمي المرأة، فلا توجد حماية قانونية لها لا في قانون العقوبات ولا في قانون الأحوال الشخصية.


تحديات  تعيق المرأة 

وأشارت إلى أن غياب قانون خاص بالعنف وغياب تعريف دقيق للعنف في القوانين شكّل فراغاً قانونياً، يستغله الرجال وأفراد الأسرة الذكور في الحكم كما يشاؤون، أما فيما يخص وصول المرأة إلى القضاء والمحاكم، فالمرأة غالباً ما تكون في وضع أضعف بكثير من الرجل، ولا تملك القرار الاقتصادي، فمعظم النساء يعملن ولكن لا يملكن السلطة المالية ولا يستطعن الوصول إلى القضاء، بينما جزء آخر من النساء يظللن صامتات حيال ما يتعرضن له من عنف معنوي وجسدي وجنسي، خوفاً من الفضيحة أمام مجتمع لا يرحم.

وأضافت أن بعض النساء يلجأن إلى المحاكم، وضبوط الشرطة، وتقديم الشكاوى، إلا أن المرأة في هذه الحالة يجب أن تدرك أنها فكّت ارتباطها من هذا الرجل، لأن تقديم شكوى ضد الزوج أو حتى ضد أخ أو والد يُعد قضية كبيرة، مشيرة إلى أن مسلسل العنف يستمر في ظل غياب القوانين.


خطوات الحماية 

ونوهت إلى أن الخطوات التي يمكن أن تتخذها المرأة عند تعرضها للعنف تتضمن اللجوء إلى أقرب مخفر شرطة، أو إلى المنظمات التي تمتلك خطوطاً ساخنة لتقديم الدعم والمساعدة، أو الاستعانة بمحامٍ لرفع دعوى ضد الزوج وإثبات تعرضها للعنف الجسدي الشديد، لكنها أكدت أن هذه الحلول ليست كافية ولا تضمن حماية المرأة بشكل كامل.


الحلول الضرورية 

وأكدت أنه يجب على النساء في المجتمع المدني العمل على تغيير القوانين وإصدار قانون أسرة عصري يلغي جميع المواد التمييزية، وينهي القوامة والوصاية والولاية على المرأة، مشيرة إلى أن المرأة السورية وصلت إلى مستوى متقدم جداً من الوعي والثقافة والتعليم، ولا يمكن التعامل معها بعقلية دونية أو تهميشها، كما يجب منع استخدام العنف بجميع أشكاله، النفسي والجنسي والجسدي.

وشددت المحامية حنان زهر الدين لـ "شام" على أن تعديل القوانين يمثل الحل الأساسي، مشيرة إلى أن العمل على الثقافة وتغيير الذهنية المجتمعية من أهم العوامل التي تعيد إنتاج المجتمع وتشكيله، وأكدت أن التربية في المدارس تلعب دوراً جوهرياً، من خلال نشر الوعي وثقافة المساواة ودمجها في المناهج التعليمية من الابتدائي إلى التعليم العالي، معتبرة أن هذه الخطوات تمكّن من غرس قيم المساواة واحترام المرأة ودورها في المجتمع منذ الصغر.

وأشارت إلى أن ضرورة حماية النساء أنفسهن من الاستغلال، فعلى سبيل المثال، إذا تعرضن لعنف من خلال السيطرة على أموالهن، فإن عدم تسجيل المشتريات أو الممتلكات باسمهن يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال؛ ففي حال حدوث نزاعات، قد يلجأ الزوج لاستغلال هذا الوضع، وأخذ كل شيء من المرأة، وتركها في الشارع، أو ممارسة طلاق إداري أو طلاق تعسفي.

ونوهت في ختام حديثها إلى أن القوانين قد عدلت وأصبح هناك إجراءات للمخالعة، إلا أن هذه المخالعة، برأيها، لا تخدم مصلحة المرأة الحقيقية، إذ تضطر المرأة مقابل الحصول على الطلاق إلى التنازل عن جميع حقوقها المالية على ممتلكاتها، مما يجعلها تفتدي نفسها مادياً على حساب حقوقها.

اقرأ المزيد
٢ أبريل ٢٠٢٦
المعلم بين الابتسامة والصرامة: سر تعلق الطلاب بالمادة

يلعب المعلم دوراً محورياً في تجربة الطالب التعليمية، إذ يمتلك القدرة على جعل المادة محبوبة أو مكروهة في أعين طلابه، ويعتمد ذلك بشكل أساسي على أسلوبه في التعامل معهم وطريقة تقديم المعلومة بأسلوب جذاب وفعّال، خاصة أن التعليم لا يقتصر على إعطاء الدر س فحسب، بل يقوم على الثقة والتفاعل وغرس الشغف في الطالب للتعلم.

ويعد الانطباع الأول الذي يتركه المعلم لدى الطلاب أمراً بالغ الأهمية في علاقة الطالب بالمادة وبالصف نفسه، فاللقاء الأول يحدد شعور الطالب بالأمان والراحة ويؤثر على مدى استعداده للتفاعل والمشاركة في الدروس القادمة، لذلك يُنصح بأن يظهر المعلم هدوءه وطريقته الودية منذ البداية، فيستقبل الطلاب بابتسامة أو نبرة إيجابية، ما يكسبهم ثقتهم ويسهّل عملية التعلم لاحقاً، كما يُفضل أن تكون الحصة الأولى فرصة للتعارف والترحيب وبعث شعور الاطمئنان في نفوس الطلاب، ليحبوا الدروس ويشاركوا فيها بفاعلية.

يروي محمد تقى، طالب في الصف الثامن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أنه في بداية العام الدراسي دخل معلم مادة التاريخ محاولاً السيطرة على الصف منذ اللقاء الأول، فكان مقطب الجبين، ووبخ الطلاب بسبب الضوضاء في الصف، ثم بدأ الدرس مباشرة دون أي مقدمات، مما جعل الطلاب يشعرون بالخوف منه، فصاروا يتجنبون المزاح معه، وحتى طرح الأسئلة عليه أصبح أمراً يقلقهم أحياناً.

في المقابل، يستقبل الطلاب أحياناً حصة المعلم بحماس بالغ، ينتظرونها بلهفة ويجلسون في مقاعدهم مستعدين، بل يشارك بعضهم في تزيين اللوح وتنظيفه للمعلم، وما إن تبدأ الحصة، تتحول دقائقها إلى لحظات مليئة بالمشاركة والتفاعل والحماس، مع أيادٍ مرتفعة وأسئلة متدفقة، لدرجة أن الطالب قد لا يشعر بمرور الوقت وقد يندهش عند نهايتها.

 وعلى النقيض، هناك طلاب يتهربون من الحصة، يتجنبون التواصل مع معلمهم، ويشعرون بالملل طوال فترة الدرس، ملتزمين بالصمت، يراقبون الساعة مراراً ويعدون الدقائق حتى نهايتها، فتبدو أعينهم مع المعلم بينما يسرح ذهنهم في مكان آخر بعيد.

في هذا السياق، يؤكد العديد من الطلاب أن الموضوع مرتبط بالمعلم وطريقة تعامله معهم وتدريسه للمادة، فالبعض منهم يدخل إلى الصف يلقي التحية فقط ثم يتجه إلى الدرس مباشرة، ويشرح المعلومات وكأنه يسردها دون أي نشاط ترفيهي، حتى أن هناك من يتعامل مع الطلاب بأسلوب قاسي عند ارتكاب خطأ، مما دفعهم لتجنب المشاركة أو طرح الأسئلة.

 في المقابل، هناك معلمون يتبعون أساليب مختلفة خلال الدرس، ويدعمونها بالأنشطة الجماعية، ويضيفون روح الفكاهة والمزاح إلى الدرس، كما يهتمون بالشؤون الخاصة للطلاب إذا تغيبوا عن الدرس أو واجهوا ظروفاً طارئة، أو عانوا من مشاكل تؤثر على حياتهم ودراستهم.

وتروي جميلة الصالح، 36 عاماً، أم لأربعة أطفال من مدينة أطمة في ريف إدلب الشمالي، أن ابنتها غابت عن المدرسة بسبب المرض، ومنذ اليوم الأول تواصلت معها معلمة ابنتها، مطمئنة إياها بأنها سترسل لها المعلومات والدروس التي فاتتها.

 وتضيف أن المعلمة زارتهم في المنزل للاطمئنان على وضع الطفلة، مما جعل ابنتها تشعر بالسعادة لاهتمام المعلمة بها، وكتبت لها المعلومات المهمة التي حصل عليها الطلاب خلال الأيام السابقة، ووعدتها بشرح أي نقطة صعبة لم تفهمها، ونوهت الأم إلى أنها قدرت هذه اللفتة من المعلمة وتمنت لو أن جميع المعلمين يتعاملون بنفس هذا الاهتمام والرعاية.

وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، يروي المدرس علي السلوم تجربته قائلاً إنه يعمل مدرّسا منذ 37 عاماً، حيث بدأ مسيرته التعليمية عام 1990 في تدريس مادة الرياضيات، مشيراً إلى أن حبه للمادة كان سبب دخوله هذا المجال، وأنه كان من الأوائل في المواد العلمية خلال دراسته الثانوية العامة.

 ويضيف أن العديد من طلابه اختاروا دراسة الرياضيات في الجامعة نتيجة محبتهم للمادة بفضل أسلوب تعامله معهم، بينما التحق القسم الآخر بتخصصات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة، ويلفت إلى أنه كان دائماً يتعامل مع الطلاب بوجه مبتسم وبشوش، منوهاً إلى أنه في بداية مسيرته لم تتوفر لدى مدارسهم سوى وسائل تعليمية بسيطة مثل دفتر التحضير.

ويتابع السلوم أنه كان يحفز الطلاب على التفاعل والمنافسة من خلال إعطائهم تمارين ومسائل تشجيعية تجعلهم يتسابقون لحلها، مردفاً إلى أن أكبر تحدٍ كان لديه هو العدد الكبير في الصف، ومع ذلك كان قادراً على ضبط الصف والسيطرة عليه. 

ويشير إلى أنه كان يعتبر الطلاب أبناءه، وأن علاقته الشخصية بهم تقوم على أسس الأبوة والاحترام، وهو ما ساهم في نجاحه المهني، مضيفاً أنه بالكاد جلس على الكرسي أثناء إعطاء الدروس، إلا أحياناً عند حل الطلاب للتمارين.

ويظهر التعامل الجيد للمعلم تأثيراً واضحًا في النتائج، حيث يحب الطالب المادة ويدرك أهميتها، ويهتم بالدفاتر والواجبات والملاحظات، ويشارك بفاعلية في الصف، وتظهر علامات تحسّن واضحة في امتحاناته، ويشعر بسعادة وحماس خلال الحصة. 

أما الأسلوب القاسي أو الجاف في التدريس فيؤدي إلى نتائج سلبية، فالطلاب قد يفقدون اهتمامهم بالمادة، تقل مشاركتهم، يهملون الواجبات، وقد تنخفض درجاتهم، ويشعرون بالملل وعدم الرغبة في الحصة، ما يؤثر على تجربتهم التعليمية بشكل عام.

ويشير الخبراء إلى أن أسلوب المعلم وطريقة تقديمه للمادة تؤثر مباشرة على تعلق الطالب بها، فربط الدروس بالحياة اليومية واستخدام الأنشطة التفاعلية وطرح الأسئلة المفتوحة يزيد من مشاركة الطالب ويجعله يرى المادة ممتعة وذات معنى، بينما الأسلوب الجاف أو الصارم قد يؤدي إلى الملل وفقدان الاهتمام. 

كما يؤكد التربويون أن العلاقة الإيجابية بين المعلم والطالب تؤثر على أداء الطالب، فالثقة المتبادلة والاستماع لاحتياجات الطالب تجعله أكثر استعداداً للمشاركة، وتزيد قدرته على فهم المادة وتطبيقها، كما تحوّل التعلم من واجب إجباري إلى تجربة محفزة ومحبوبة.

ويعد أسلوب المعلم وطريقة تعامله مع الطلاب في الصف من أبرز العوامل التي تؤثر على تجاوبهم مع المادة ومستوى مشاركتهم، فالتعامل الإيجابي يعزز الاهتمام والتحصيل، بينما الأسلوب الجاف يقلل التفاعل ويؤثر على أداء الطالب الدراسي.

اقرأ المزيد
١ أبريل ٢٠٢٦
“خميس النبات” يعود إلى حمص… إحياء موروث شعبي يعلن قدوم الربيع وينعش الذاكرة الجماعية

تعود مدينة حمص لإحياء أحد أبرز موروثاتها الشعبية مع انطلاق “مسير خميس النبات”، في مشهد يعكس استعادة الهوية الثقافية للمدينة وإعادة وصل الحاضر بجذور تاريخية ضاربة في القدم، ضمن جهود رسمية ومجتمعية لإحياء “الخماسات الحمصية” التي شكّلت لعقود طويلة جزءاً من الذاكرة الجمعية لأهالي حمص.

وفي حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أكدت سيماز ناجي، مديرة التسويق والإعلام السياحي، أن أهمية “خميس النبات” لا تقتصر على كونه فعالية تراثية، بل تمثل خطوة عملية لإعادة إحياء عادات وتقاليد حمصية توقفت منذ عشرات السنين.

ولفتت إلى أن هذا المسير يرتبط رمزياً ببداية فصل الربيع، ويحمل دلالات التفاؤل وتجدد الحياة، إلى جانب تسليط الضوء على معالم تاريخية بارزة في المدينة، أبرزها ضريح عكرمة ومقام الخضر المعروف بـ“الخضر البراني”.

وأوضحت أن جذور هذا التقليد تعود إلى مئات السنين، حيث كان يشكل مناسبة سنوية ينتظرها الأهالي، قبل أن يتوقف إحياؤه مع دخول الاحتلال الفرنسي وتحويل قلعة حمص إلى ثكنة عسكرية، ما أدى إلى انقطاع هذا الموروث عن الحياة العامة.

وأضافت أن ما يجري اليوم هو محاولة جادة لإعادة هذا التقليد إلى الواجهة، من خلال مبادرات تقودها الجمعية التاريخية في حمص، بالتعاون مع فرق تطوعية ونشاطات سياحية وإعلامية تسعى لتذكير المجتمع المحلي بهذا الإرث وإعادة دمجه في الحياة اليومية.

وحول طقوس “خميس النبات”، بيّنت ناجي أن هذه المناسبة كانت تحمل طابعاً اجتماعياً واحتفالياً مميزاً، حيث اعتادت بنات حمص والأطفال على نقع الورود قبل يوم من المسير، ثم الاغتسال بمائها صباحاً في طقس رمزي يعبر عن الطهارة والتجدد.

وبعد ذلك، ينطلق الأهالي في نزهة جماعية نحو قلعة حمص، قادمين من أحياء المدينة القديمة مثل باب هود وباب التركمان وباب السباع، ليتنقلوا بين مصلى عكرمة في الجهة الشرقية ومقام الخضر البراني في الجهة الغربية، وسط أجواء من الفرح والتلاقي الاجتماعي.

وترافقت هذه المسيرات تاريخياً مع نشاطات شعبية مرافقة، حيث تنتشر تجمعات الباعة المتنقلين الذين يقدمون المأكولات التقليدية والحلويات، إضافة إلى النباتات والخضروات، ولا سيما “الخس” الذي يُعد رمزاً للتفاؤل ببداية موسم زراعي جديد وتجدد دورة الحياة.

وفي إطار استثمار هذا الموروث، أشارت ناجي إلى أن مديرية سياحة حمص تعمل على إدراج “خميس النبات” ضمن روزنامة الفعاليات السياحية الرسمية، عبر تثبيت موعد سنوي له، وتنظيمه ضمن مسارات سياحية تمر في أحياء حمص القديمة، بما يشمل باب هود وباب التركمان وباب السباع وصولاً إلى القلعة، وذلك ضمن خطط تهدف إلى دمج التراث الشعبي بالمنتج السياحي.

وأضافت أن هذه الخطوة ستترافق مع حملات ترويجية عبر المنصات الرقمية، ومشاركة واسعة من الفرق التطوعية والجمعيات الأهلية والجهات الثقافية المختصة بالتراث، بما يسهم في إعادة تقديم حمص كوجهة سياحية نابضة بالحياة، خاصة في ظل المؤشرات الإيجابية لتعافي القطاع السياحي بعد مرحلة التحرير.

وفي سياق متصل، أكدت ناجي أن المديرية تسعى إلى توسيع نطاق هذه المبادرات لتشمل “الخماسات الحمصية” الأخرى، مثل “خميس الحلاوة” و“خميس المشايخ”، باعتبارها جزءاً من منظومة متكاملة من الفعاليات التراثية التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للموسم السياحي الربيعي، وتعيد الاعتبار للهوية الثقافية للمدينة.

وبيّنت أن العمل جارٍ بالتنسيق مع وزارة السياحة ومديرية الثقافة والجهات المعنية بشؤون المدينة القديمة، إلى جانب الجمعية التاريخية، لتوثيق هذه التقاليد بشكل علمي وتنظيم فعاليات تعكس الطابع الحمصي الأصيل، مع إمكانية إطلاق أنشطة شعبية جديدة مستوحاة من التراث المحلي.

وختمت ناجي بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية من إحياء “خميس النبات” تتجاوز البعد الاحتفالي، لتصل إلى دعوة الأهالي لاحتضان مدينتهم بعد سنوات من الدمار، والمشاركة في إعادة الحياة إلى شوارعها وأسواقها، مشيرة إلى أن هذه الفعاليات تترك أثراً إيجابياً واضحاً في نفوس المشاركين، وتعزز الشعور بالأمان والألفة، وتدعم في الوقت ذاته عودة النشاط الاقتصادي والسياحي إلى حمص، المدينة التي تستحق أن تستعيد مكانتها وتاريخها، وفق تعبيرها.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١١ أغسطس ٢٠٢٦
أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد البائد.. العدالة الانتقالية أمام اختبار بناء دولة القانون في سوريا
أحمد نور الرسلان