“خميس النبات” يعود إلى حمص… إحياء موروث شعبي يعلن قدوم الربيع وينعش الذاكرة الجماعية
تعود مدينة حمص لإحياء أحد أبرز موروثاتها الشعبية مع انطلاق “مسير خميس النبات”، في مشهد يعكس استعادة الهوية الثقافية للمدينة وإعادة وصل الحاضر بجذور تاريخية ضاربة في القدم، ضمن جهود رسمية ومجتمعية لإحياء “الخماسات الحمصية” التي شكّلت لعقود طويلة جزءاً من الذاكرة الجمعية لأهالي حمص.
وفي حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أكدت سيماز ناجي، مديرة التسويق والإعلام السياحي، أن أهمية “خميس النبات” لا تقتصر على كونه فعالية تراثية، بل تمثل خطوة عملية لإعادة إحياء عادات وتقاليد حمصية توقفت منذ عشرات السنين.
ولفتت إلى أن هذا المسير يرتبط رمزياً ببداية فصل الربيع، ويحمل دلالات التفاؤل وتجدد الحياة، إلى جانب تسليط الضوء على معالم تاريخية بارزة في المدينة، أبرزها ضريح عكرمة ومقام الخضر المعروف بـ“الخضر البراني”.
وأوضحت أن جذور هذا التقليد تعود إلى مئات السنين، حيث كان يشكل مناسبة سنوية ينتظرها الأهالي، قبل أن يتوقف إحياؤه مع دخول الاحتلال الفرنسي وتحويل قلعة حمص إلى ثكنة عسكرية، ما أدى إلى انقطاع هذا الموروث عن الحياة العامة.
وأضافت أن ما يجري اليوم هو محاولة جادة لإعادة هذا التقليد إلى الواجهة، من خلال مبادرات تقودها الجمعية التاريخية في حمص، بالتعاون مع فرق تطوعية ونشاطات سياحية وإعلامية تسعى لتذكير المجتمع المحلي بهذا الإرث وإعادة دمجه في الحياة اليومية.
وحول طقوس “خميس النبات”، بيّنت ناجي أن هذه المناسبة كانت تحمل طابعاً اجتماعياً واحتفالياً مميزاً، حيث اعتادت بنات حمص والأطفال على نقع الورود قبل يوم من المسير، ثم الاغتسال بمائها صباحاً في طقس رمزي يعبر عن الطهارة والتجدد.
وبعد ذلك، ينطلق الأهالي في نزهة جماعية نحو قلعة حمص، قادمين من أحياء المدينة القديمة مثل باب هود وباب التركمان وباب السباع، ليتنقلوا بين مصلى عكرمة في الجهة الشرقية ومقام الخضر البراني في الجهة الغربية، وسط أجواء من الفرح والتلاقي الاجتماعي.
وترافقت هذه المسيرات تاريخياً مع نشاطات شعبية مرافقة، حيث تنتشر تجمعات الباعة المتنقلين الذين يقدمون المأكولات التقليدية والحلويات، إضافة إلى النباتات والخضروات، ولا سيما “الخس” الذي يُعد رمزاً للتفاؤل ببداية موسم زراعي جديد وتجدد دورة الحياة.
وفي إطار استثمار هذا الموروث، أشارت ناجي إلى أن مديرية سياحة حمص تعمل على إدراج “خميس النبات” ضمن روزنامة الفعاليات السياحية الرسمية، عبر تثبيت موعد سنوي له، وتنظيمه ضمن مسارات سياحية تمر في أحياء حمص القديمة، بما يشمل باب هود وباب التركمان وباب السباع وصولاً إلى القلعة، وذلك ضمن خطط تهدف إلى دمج التراث الشعبي بالمنتج السياحي.
وأضافت أن هذه الخطوة ستترافق مع حملات ترويجية عبر المنصات الرقمية، ومشاركة واسعة من الفرق التطوعية والجمعيات الأهلية والجهات الثقافية المختصة بالتراث، بما يسهم في إعادة تقديم حمص كوجهة سياحية نابضة بالحياة، خاصة في ظل المؤشرات الإيجابية لتعافي القطاع السياحي بعد مرحلة التحرير.
وفي سياق متصل، أكدت ناجي أن المديرية تسعى إلى توسيع نطاق هذه المبادرات لتشمل “الخماسات الحمصية” الأخرى، مثل “خميس الحلاوة” و“خميس المشايخ”، باعتبارها جزءاً من منظومة متكاملة من الفعاليات التراثية التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للموسم السياحي الربيعي، وتعيد الاعتبار للهوية الثقافية للمدينة.
وبيّنت أن العمل جارٍ بالتنسيق مع وزارة السياحة ومديرية الثقافة والجهات المعنية بشؤون المدينة القديمة، إلى جانب الجمعية التاريخية، لتوثيق هذه التقاليد بشكل علمي وتنظيم فعاليات تعكس الطابع الحمصي الأصيل، مع إمكانية إطلاق أنشطة شعبية جديدة مستوحاة من التراث المحلي.
وختمت ناجي بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية من إحياء “خميس النبات” تتجاوز البعد الاحتفالي، لتصل إلى دعوة الأهالي لاحتضان مدينتهم بعد سنوات من الدمار، والمشاركة في إعادة الحياة إلى شوارعها وأسواقها، مشيرة إلى أن هذه الفعاليات تترك أثراً إيجابياً واضحاً في نفوس المشاركين، وتعزز الشعور بالأمان والألفة، وتدعم في الوقت ذاته عودة النشاط الاقتصادي والسياحي إلى حمص، المدينة التي تستحق أن تستعيد مكانتها وتاريخها، وفق تعبيرها.