٢٣ أبريل ٢٠٢٦
تُعدّ مسألة ضبط الصف من أبرز التحديات التي تواجه المعلمين داخل العملية التعليمية، إذ تتطلب التعامل مع سلوكيات وأنماط مختلفة من الطلاب ضمن بيئة واحدة، ما يفرض البحث عن أساليب تنظيم قائمة على التواصل الفعّال وتعزيز السلوك الإيجابي، بعيداً عن الاعتماد على الطرق القاسية أو التقليدية التي قد تنعكس سلباً على سير الدرس.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية البحث عن طرق عملية تساعد على إدارة الصف بشكل متوازن، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بسلوكيات الطلاب واختلاف مستوياتهم، وهو ما يدفع إلى التركيز على أساليب تنظيمية تراعي طبيعة البيئة الصفية وتسهم في ضبط سير الحصة.
قال مازن اليوسف، مدرس مادة الرياضيات (الحلقة الثانية)، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ضبط الصف لا يعتمد على الأساليب القاسية، بل يتحقق من خلال بناء بيئة تعليمية إيجابية تقوم على التواصل الفعال بين المعلم والطلاب، إلى جانب تعزيز السلوكيات المرغوبة وتشجيع الطلبة بشكل مستمر، مع إدخال أجواء من التفاعل والمرونة داخل الحصة، ما يسهم في إدارة الصف بشكل أكثر فاعلية.
وأضاف أن الأساليب اللطيفة المعتمدة للحفاظ على هدوء الصف متعددة، من أبرزها تحديد القواعد الصفية بشكل واضح بمشاركة الطلاب، بما يعزز التزامهم بها، إلى جانب اعتماد أسلوب التعلم بالأقران، حيث يشارك الطالب في شرح المعلومة لزملائه، فضلاً عن تخصيص فترات راحة قصيرة خلال الحصة، ما يسهم في تحسين تركيزهم وتنظيم سير الدرس.
ونوّه إلى أن التعامل مع الطالب المشاغب يمكن أن يتم بأساليب تربوية بعيداً عن إحراجه أمام زملائه، كالتحدث معه بشكل فردي والاستماع لمشكلاته، مع توضيح أن هذا السلوك غير مرغوب وآثاره على الآخرين، إلى جانب تشجيعه على المشاركة الإيجابية من خلال إشراكه في الأنشطة الصفية وجعله جزءاً فاعلاً في العملية التعليمية.
وأشار إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه المعلم في ضبط الصفوف، التغييرات المستمرة في المناهج الدراسية، وضعف تعاون أولياء الأمور، إلى جانب الضغوط النفسية التي يتعرض لها المعلم، فضلاً عن الفروقات الفردية بين الطلاب، ما يزيد من صعوبة إدارة الصف بشكل متوازن.
وأوضح أن أساليب ضبط الصف تختلف باختلاف أعمار الطلاب ومراحلهم الدراسية، مشيراً إلى أن التعامل مع مرحلة رياض الأطفال يختلف تماماً عن المرحلتين المتوسطة والثانوية، إذ لكل مرحلة خصائصها من حيث مستوى الوعي والسلوكيات والالتزام بالروتين، وما يرافق ذلك من تحديات وصعوبات مختلفة في إدارة الصف.
وبيّن أن من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المعلمين عند محاولة ضبط الصف، فقدان السيطرة على مجريات الحصة بما يؤدي إلى ضياع الوقت، وضعف القدرة على إيصال الأفكار والتواصل الفعّال مع الطلاب، إلى جانب إهمال الفروقات الفردية والتركيز على فئة محددة منهم دون غيرها، ما ينعكس سلباً على تفاعل الصف ككل.
أنه يمكن تحقيق التوازن بين الحزم والمرونة داخل الحصة من خلال بناء تواصل مباشر مع الطلاب والتعرف على احتياجاتهم كأفراد، وتوجيههم نحو السلوك الصحيح بدلاً من الاعتماد على العقاب، إلى جانب وضع قواعد صفية واضحة وعادلة يلتزم بها الجميع، بما يسهم في خلق بيئة تعليمية منظمة ومحفّزة.
وذكر معلمون قابلناهم أنهم يستخدمون مجموعة من الأساليب التحفيزية التي تسهم في تعزيز التزام الطلاب داخل الصف، من بينها تقديم مكافآت مادية أو معنوية، كمدح الطالب الملتزم أمام زملائه، ما ينعكس على سلوك بقية الطلاب، إلى جانب إدخال أنشطة تفاعلية أو ترفيهية خلال الحصة، أو منح علامات إضافية على المشاركة والهدوء والالتزام، بما يساعد على تنظيم سير الحصة بشكل أفضل.
يرى تربويون أن ضبط الصف يرتبط بقدرة المعلم على إدارة الوقت وتنظيم الحصة بشكل واضح منذ بدايتها، مع الحفاظ على تسلسل الدرس وتوزيع الأنشطة بما يتناسب مع مستوى الطلاب، ما يحدّ من تشتت الانتباه.
ويشيرون إلى أن وضوح التعليمات وتحديد المهام بدقة يسهمان في تقليل السلوكيات غير المرغوبة، إلى جانب أهمية حضور المعلم وتفاعله المستمر داخل الصف، بما يعزز الانضباط ويجعل الطلاب أكثر التزاماً بسير الدرس.
وتبقى إدارة الصف مسألة مرتبطة بعوامل متعددة داخل البيئة التعليمية، تنعكس على تفاعل الطلاب، وتختلف تبعاً لطبيعة المرحلة الدراسية والظروف المحيطة، إلى جانب ارتباطها بأساليب التنظيم وإدارة السلوك داخل الصف، كما تتأثر بمدى وضوح التعليمات وتنظيم الوقت، ويظهر أثر ذلك في مستوى انضباط الطلاب وتفاعلهم خلال العملية التعليمية.
٢٣ أبريل ٢٠٢٦
عند ذكر كلمة العنف، يتبادر إلى أذهان كثيرين مشاهد الضرب المبرح والأذى الجسدي، إلا أن العنف لا يقتصر على هذا الشكل فقط، فهناك أنماط أخرى قد تكون أقل وضوحاً لكنها لا تقل خطورة، إذ قد تتحول الكلمة في بعض الأحيان إلى أداة إيذاء، خاصة عندما تحمل في طياتها إساءة أو إهانة أو اتهاماً، وتترك أثراً نفسياً عميقاً لدى المتلقي، لتندرج ضمن ما يُعرف بالعنف اللفظي.
تتعدد أشكال الأذى اللفظي، من أبرزها الإهانات المباشرة والشتائم، والتقليل من شأن الطرف الآخر، إضافة إلى الصراخ المتكرر واستخدام نبرة تهديدية في الحديث، وتوجيه الاتهامات المستمرة واللوم المفرط، واستخدام كلمات جارحة تمس الكرامة الشخصية، وغيرها من الأساليب التي تجعل الضحية عرضة لضغط نفسي متواصل يؤثر على ثقته بنفسه وشعوره بالأمان.
وتتنوع أسباب وجود ظاهرة العنف اللفظي في سوريا، وغالباً ما ترتبط بعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، من أبرزها الضغوط النفسية والمعيشية مثل الفقر والبطالة والتوتر اليومي، ما يدفع بعض الأشخاص إلى تفريغ غضبهم بالكلام الجارح.
كما تلعب التنشئة والتربية دوراً مهماً في ترسيخ هذا السلوك، إذ إن الشخص الذي نشأ في بيئة تعتمد على الصراخ أو الإهانة كأسلوب للتعامل مع الآخرين يكتسب هذا النمط ويعيد إنتاجه.
إلى جانب ذلك، يسهم ضعف مهارات التواصل لدى بعض الأفراد في تفاقم الظاهرة، نتيجة عدم قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم بطرق صحية، فضلاً عن سعي البعض لفرض السيطرة أو إثبات القوة من خلال استخدام الكلمات المؤذية، في ظل غياب الوعي الكافي بخطورة هذا النوع من العنف وآثاره النفسية العميقة.
يؤدي العنف اللفظي إلى العديد من التداعيات السلبية التي تحمل آثاراً عميقة وممتدة على الأفراد، إذ ينعكس بشكل مباشر على حالتهم النفسية، مسبباً شعوراً دائماً بالقلق والخوف وفقدان الأمان، كما يضعف الثقة بالنفس ويؤثر على تقدير الذات، خاصة لدى الأطفال والنساء.
كما قد يتطور أثره ليشمل اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وصعوبة في بناء علاقات صحية مع الآخرين، إضافة إلى تراجع الأداء الدراسي أو المهني نتيجة الضغط النفسي المستمر، وفي بعض الحالات، قد يدفع التعرض المتكرر للعنف اللفظي إلى تبني السلوك نفسه وإعادة إنتاجه في التعامل مع الآخرين، ما يساهم في استمرارية هذه الظاهرة داخل المجتمع.
قالت الكاتبة الصحفية إيمان سرحان، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الحد من ظاهرة العنف اللفظي في سوريا يتطلب تضافر جهود مختلف الجهات، بدءاً من الأسرة التي يقع على عاتقها دور أساسي في ترسيخ أساليب تربية قائمة على الحوار والاحترام، والابتعاد عن الصراخ والإهانة في التعامل اليومي.
وأشارت إلى ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة هذا النوع من العنف وآثاره النفسية العميقة، وصولاً إلى أهمية دور المدارس في تنمية مهارات التواصل لدى الأطفال وتعليمهم التعبير عن مشاعرهم بطرق صحية.
وأكدت أن توفير الدعم النفسي، خاصة في ظل الضغوط المعيشية والاقتصادية، يعد عاملاً مهماً في الحد من انتشار هذه الظاهرة، إلى جانب العمل على تخفيف تلك الضغوط عن الأسر، وتعزيز ثقافة الاحترام داخل المجتمع، بما يسهم في بناء بيئة أكثر أماناً واستقراراً على المستوى النفسي والاجتماعي.
ونوهت المعلمة رائدة المحمد، في حديث لـ“شام”، إلى أن مواجهة العنف اللفظي تبدأ برفع مستوى الوعي بآثاره السلبية على الصحة النفسية، مستشهدة بقول النبي محمد ﷺ: “الكلمة الطيبة صدقة”، في إشارة إلى أهمية الكلمة وأثرها في العلاقات بين الناس.
وأوضحت أن استخدام الألفاظ الحسنة ينعكس بشكل إيجابي على نفوس الآخرين، مضيفة أن الصحة النفسية تُعد أساساً لسلامة الإنسان، ما يستدعي تجنّب الانفعال والغضب قدر الإمكان، كما دعت إلى اعتماد مهارات تواصل قائمة على الاحترام المتبادل، مع مراعاة المساحة الشخصية ووضع حدود واضحة في التعامل مع الآخرين.
ويرى أخصائيون نفسيون أن العنف اللفظي قد يؤثر على طريقة تفكير الفرد وسلوكه، إذ يساهم في تكوين صورة سلبية عن الذات وزيادة الحساسية تجاه النقد، كما قد يؤدي إلى صعوبات في التعبير عن المشاعر أو التواصل مع الآخرين، سواء بالانطواء أو بردود فعل حادة، إضافة إلى بقاء أثر التجارب السلبية في الذاكرة واستعادتها في مواقف لاحقة.
ويؤكدون أن مكافحة هذه الظاهرة تتطلب معالجة عميقة للأسباب النفسية والسلوكية التي تقف خلفه، منوهين إلى أن هذا النوع من العنف غالباً ما يكون انعكاساً لضغوط داخلية أو تجارب سابقة لم يتم التعامل معها بشكل صحي، ما يدفع الأفراد إلى تفريغ مشاعرهم السلبية من خلال الكلمات الجارحة.
ويشير الأخصائيون إلى أهمية تعزيز الوعي بأساليب التعبير السليم عن المشاعر، وتوفير الدعم النفسي للأفراد، خاصة الأطفال، إلى جانب تدريب الأهالي والمعلمين على اعتماد أساليب تواصل قائمة على الاحتواء والحوار، مؤكدين أن بناء بيئة آمنة نفسياً يسهم بشكل كبير في الحد من انتشار هذه الظاهرة ويعزز العلاقات الصحية داخل المجتمع.
ويُعدّ العنف اللفظي من الظواهر السلبية في المجتمع السوري، إذ تترك آثاره على نفسية الأفراد وتنعكس على سلوكهم اليومي وأدائهم في مختلف جوانب الحياة، كما تظهر هذه الآثار في تفاصيل التعاملات اليومية وما تخلّفه من توتر في العلاقات بين الأفراد، سواء داخل الأسرة أو في محيط العمل أو في الفضاء العام.
٢٣ أبريل ٢٠٢٦
لم تنتهِ معاناة العائلات السورية النازحة مع عودتها إلى مناطقها بريفي إدلب الشرقي والجنوبي، وريف حماة الشمالي، التي هجّرت منها لسنوات طويلة، إذ اصطدمت بعد العودة بجملة من التحديات التي انعكست سلباً على حياتها، وأدت إلى تداعيات مختلفة.
وقد صعّبت هذه التحديات على العائلات ممارسة حياتها بشكل طبيعي، وحرمت الأهالي من الشعور بالأمان والاستقرار، وكانت من بين أكثر الفئات تأثراً الأطفال، خاصة أنهم يعيشون مع عائلاتهم في بيئة تفتقر إلى مقومات الاستقرار والأمان.
ومن بين هذه العقبات، تراكم الأنقاض في كثير من القرى والبلدات نتيجة القصف، ما أدى إلى عدة آثار سلبية، منها صعوبة الحركة من مكان إلى آخر، واحتمال وجود مخلفات خطرة بينها، إضافة إلى انتشار أمراض مثل اللشمانيا ومشكلات صحية أخرى، كما حرمت هذه الأنقاض الأطفال من اللعب بحرية، وأثارت قلق عائلاتهم عليهم.
في الوقت ذاته، يعاني الأهالي من مشكلة وجود مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، وقد سُجّلت سابقاً حوادث انفجار أدت إلى إصابات بالغة ومقتل أشخاص، ما أثّر على الأهالي والأطفال، وزاد من مخاوفهم، خاصة مع انتشار هذه المخلفات بين الأحياء السكنية وفي الأراضي الزراعية ومناطق أخرى، ما يجعل الخطر قائماً بشكل دائم.
ولم تتوقف هذه التحديات عند هذا الحد، بل شملت أيضاً ضعف الخدمات الأساسية، مثل نقص المياه والخدمات الطبية والكهرباء، إلى جانب ظروف معيشية وخدمية صعبة، ما زاد من معاناة الأهالي، وأثّر على قدرتهم على تأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل محدودية الإمكانيات وغياب البنية التحتية المناسبة، الأمر الذي انعكس على مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك الصحة والتعليم والاستقرار العام داخل الأسر.
وفي السياق ذاته، يعيش العديد من الأطفال مع عائلاتهم في مساكن مؤقتة تفتقر إلى أدنى مقومات الحماية، مثل الخيام والكرافانات والمنازل المسقوفة بعوازل وشوادر، بسبب الفقر الشديد، وقد عانى هؤلاء الأطفال خلال فصل الشتاء من البرد وتسرب المياه إلى مساكنهم.
وفي هذا الإطار، قال زياد عدنان زيدان، عضو اللجنة المجتمعية ورئيس لجنة الإغاثة والإحصاء، في شهادة سابقة لشبكة شام الإخبارية، إن منزله مدمر بالكامل، وكذلك المنطقة المحيطة به، مشيراً إلى أنه اضطر للعيش مع أطفاله في خيمة، رغم أن أسرته تتكون من ثمانية أفراد.
وأضاف أن العيش داخل الخيمة صعب جداً، خاصة خلال فصل الشتاء، حيث يعاني من الأمطار والعواصف، لافتاً إلى أنه واجه مواقف قاسية، منها تطاير الخيمة بفعل الرياح ليلاً أثناء نوم أطفاله، ما جعله في حيرة من أمره حول كيفية حمايتهم، إلى جانب معاناته من الفقر وغياب فرص العمل.
ولا تقتصر هذه التحديات على آثارها المعيشية والخدمية، بل تمتد لتنعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية للأهالي، ولا سيما الأطفال، الذين يتأثرون بهذه الضغوط اليومية، ما ينعكس على شعورهم بالأمان واستقرارهم النفسي.
وقالت المعالجة النفسية صهباء الخضر، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الأطفال الذين يعيشون في ظروف تفتقر إلى الأمان والخدمات، مثل وجود مخاطر كالألغام، أو مدارس غير مجهزة، أو غياب أماكن اللعب، قد يتأثرون نفسياً بعدة طرق، أبرزها الشعور المستمر بالخوف والقلق نتيجة غياب الإحساس بالأمان، إلى جانب التحذيرات المستمرة من البالغين.
وأضافت أن هذه الظروف تساهم في زيادة التوتر والعصبية وسرعة الانفعال، وكلما طالت مدة بقاء الطفل في بيئة غير آمنة، ازداد مستوى القلق لديه، وقد يؤدي ذلك إلى تطور أنماط شخصية مضطربة في المستقبل، قد تكون مؤذية لنفسها أو للآخرين.
وأشارت إلى إمكانية حدوث اضطرابات في النوم، مثل الأرق أو الكوابيس، إلى جانب تراجع الشعور بالطفولة الطبيعية، نتيجة اضطرار الطفل لتحمل مسؤوليات أو ضغوط تفوق عمره، كما قد يظهر لدى بعض الأطفال انسحاب اجتماعي أو سلوك عدواني أو فرط نشاط، كرد فعل على الضغوط التي يعيشونها.
وأكدت الخضر أن التركيز يصبح أكثر صعوبة، وقد ينخفض الأداء الدراسي بسبب القلق أو عدم توفر بيئة تعليمية مناسبة، خاصة في المدارس غير المهيأة أو الكرفانات التي لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف.
أما على صعيد العلاقات الاجتماعية، فقد يصبح الطفل أقل ثقة بالآخرين أو يجد صعوبة في تكوين صداقات مستقرة، أو على العكس، قد يبحث عن الأمان في علاقات قوية مع أقرانه، ما قد يؤدي إلى أنماط تعلق غير صحية.
واقترحت الخضر مجموعة من استراتيجيات التكيف، في مقدمتها العمل على إعادة تأهيل المدارس والقرى لتكون بيئات آمنة وخالية من الأنقاض ومخلفات الحرب، مؤكدة أن من حق الأطفال النمو في بيئة آمنة، والانتقال من حياة النزوح إلى حالة من الاستقرار.
كما نوهت إلى أهمية بناء روتين يومي واضح، لما له من دور في تعزيز شعور الطفل بالأمان، إلى جانب إنشاء مساحات آمنة وحدائق مخصصة للأطفال، والتركيز في المدارس على الأنشطة غير الصفية التي تدعم الجانب النفسي وتساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم.
وشددت في ختام حديثها على ضرورة الاهتمام بهوايات الأطفال وتنميتها، بما يساعدهم على التعبير عما يشعرون به بطريقة صحية تلائم أعمارهم، إلى جانب أهمية توفير مختصين نفسيين في المدارس لدعم الأطفال وأسرهم، ومساعدتهم على تجاوز الآثار النفسية الناتجة عن تجارب الحرب أو صعوبات التكيف مع واقع جديد.
٢٢ أبريل ٢٠٢٦
شهد قطاع الفستق الحلبي في ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي تراجعاً ملحوظاً في الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، في ظل جملة من التحديات المتداخلة، أبرزها الظروف المناخية القاسية، وضعف عمليات الخدمة الزراعية، إلى جانب تراكم آثار الحرب التي طالت البساتين وأثّرت على استقرار المزارعين وقدرتهم على العناية بمحاصيلهم.
يحاول مزارعو الفستق الحلبي حالياً إعادة استثمار أراضيهم وتعويض جزء من الخسائر التي تعرضوا لها خلال السنوات الماضية، في ظل ظروف صعبة يمر بها هذا القطاع.
قال عيسى صطوف العيسى، مزارع فستق حلبي من قرية لحايا بريف حماة الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن حقولهم تعرضت للحرق نتيجة القصف، ما أدى إلى تضرر أكثر من 70% من الأشجار، مشيراً إلى أن وضع الأشجار لا يزال ضعيفاً، لكنه تحسن نسبياً بعد الهطولات المطرية وعمليات الخدمة التي قدمها المزارعون.
وأضاف أنه يتفائل بأن يكون الإنتاج لهذا العام أفضل من السنوات السابقة، في حال لم تتعرض الأشجار لصقيع متأخر أو موجات برد، منوهاً إلى أنهم يواجهون صعوبات تتمثل بوجود مخلفات الحرب في البساتين، وضعف الإمكانيات لدى المزارعين، وعدم القدرة على تأمين تكاليف الخدمة من حراثة وتسميد ووقاية أو مكافحة للأمراض والآفات.
وأشار إلى أن أبرز احتياجات المزارعين تتمثل في تأمين الأسمدة والمبيدات والمعدات الزراعية، إلى جانب تقديم منح أو سلال زراعية تتضمن مستلزمات المكافحة والأسمدة، فضلاً عن دعم مادي يساعدهم على تنفيذ عمليات الخدمة الزراعية اللازمة، بما في ذلك الري.
تراجع الإنتاج بسبب المعاومة والجفاف وضعف الخدمة الزراعية
وقال محمد عادل هواش، مدير مكتب الفستق الحلبي، في تصريح لـ شام، إن واقع موسم الفستق الحلبي للعام السابق في ريف حماة شهد انخفاضاً كبيراً في الإنتاج، نتيجة ظاهرة "المعاومة"، إلى جانب الجفاف والظروف المناخية السيئة.
وأوضح أن تراجع الإنتاج يعود أيضاً إلى ضعف عمليات الخدمة المقدمة لأشجار الفستق الحلبي، إضافة إلى انتشار بعض الآفات والأمراض نتيجة الإهمال، في ظل تهجير المزارعين من مناطق الإنتاج الرئيسية في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي.
وأضاف أن جودة المحصول جاءت دون المستوى المتوقع، بسبب قلة العمليات الخدمية المقدمة للأشجار، إلى جانب انخفاض معدلات الهطولات المطرية خلال الموسم السابق.
ونوّه إلى أن أبرز المشاكل التي يعاني منها المزارعون حالياً هي ظروف الجفاف وقلة الهطولات المطرية خلال الموسم الماضي، ما يؤثر على الإنتاج لموسمين، باعتبار أن طبيعة الحمل تكون على نموات العام الماضي، إضافة إلى الظواهر المتطرفة للمناخ في ظل التغيرات المناخية الحالية.
بالإضافة إلى غلاء أسعار المحروقات، ما يؤثر على عمليات الخدمة من فلاحة وسقاية ومكافحة وعزيق وري، فضلًا عن ارتفاع أسعار المبيدات الحشرية والفطرية والأسمدة، وموت عدد كبير من الأشجار نتيجة الإصابة بحشرة الكابنودس، التي أصبحت آفة رئيسية وخطيرة خلال السنوات السابقة، إلى جانب تعرض حقول الفستق الحلبي للاستثمار خلال فترة النظام البائد، ما كان له أثر على تدهور شجرة الفستق الحلبي من حيث الإنتاج كماً ونوعاً.
وذكر أنه بعد عودة الأهالي إلى قراهم، واجه المزارعون ضعفاً في الإمكانيات المادية نتيجة سنوات التهجير، ما حدّ من قدرتهم على تقديم الخدمات الزراعية اللازمة، في وقت تعاني فيه الحقول من تدهور واضح بسبب قلة أعمال الخدمة والإهمال خلال فترة الغياب، إلى جانب تعرضها للاستثمار خلال فترة النظام البائد دون تنفيذ أي خدمات زراعية، فضلاً عن ارتفاع أسعار غراس الفستق الحلبي في المشاتل الخاصة.
خسائر واسعة في أشجار الفستق وتقلص في المساحات المزروعة
وأشار إلى أن زراعة الفستق الحلبي تأثرت خلال سنوات الثورة، حيث تراجع الإنتاج بشكل كبير نتيجة قطع أعداد كبيرة من الأشجار وحرق مساحات واسعة منها، إلى جانب انتشار حشرة الكابنودس في البساتين المهملة والمهجورة من قبل أصحابها خلال تلك الفترة، ما أدى إلى موت عدد كبير من الأشجار وتقلّص المساحات المزروعة بالفستق الحلبي.
إلى جانب قلة عمليات الخدمة المقدمة لشجرة الفستق الحلبي بسبب تعرضها للاستثمار خلال فترة النظام البائد، نتيجة عمليات الاستثمار لأراضي الفستق الحلبي من قبل النظام البائد وجني المحصول من قبل المستثمر دون تقديم عمليات الخدمة المطلوبة أدى لتدهور الحقول المستثمرة بشكل كبير.
ونوّه إلى أن المزارعين تكبّدوا خسائر كبيرة نتيجة عدم قدرتهم على الوصول إلى بساتينهم، كون المناطق الرئيسية لإنتاج الفستق الحلبي، الواقعة في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، كانت خطوط اشتباك خلال معظم سنوات الثورة.
وذكر أنه، استناداً إلى بيانات دوائر الإحصاء في مديريات الزراعة، تم تقدير حجم الأضرار، حيث بلغ عدد الأشجار المقطوعة والمحروقة بفعل النظام السابق 992,032 شجرة من إجمالي الأشجار، على مساحة إجمالية قدرها 62,002 دونم، أي ما يعادل نحو 10% من المساحة الكلية المزروعة، وتوزعت الأضرار على النحو التالي: حلب 5,311 دونماً، حماة 36,233 دونماً، إدلب 20,464 دونماً، بمجموع كلي بلغ 62,008 دونم.
إجراءات مقترحة لدعم القطاع وتحسين الإنتاج
وتحدث عن الإجراءات التي قد تساهم في دعم هذا القطاع وتحسين الإنتاج، مثل تأمين غراس موثوقة للمزارعين مجاناً أو بأسعار رمزية لترميم البساتين المتضررة، وتقديم قروض طويلة الأجل دون فوائد، إلى جانب إدخال أصول مقاومة للأمراض بعد اعتمادها من قبل الجهات المعنية.
وأشار إلى أهمية تكثيف الندوات الإرشادية والحقلية، لا سيما في مناطق التوسع الجديدة لهذا المحصول، وإقامة مدارس المزارعين الحقلية وتعزيز جهود الإرشاد الزراعي، إلى جانب تأمين المصائد الفرمونية لحشرة الكرمانيا، ودعم المكافحة الجماعية لحشرة الكابنودس من خلال حملات جمع الأمهات، وتطبيق برامج الإدارة المتكاملة لمكافحة الآفات.
إرشادات زراعية لتحسين الإنتاج وحماية أشجار الفستق الحلبي
ومن النصائح التي قدمها للمزارعين للحفاظ على أشجار الفستق الحلبي وزيادة إنتاجيتها، تطبيق برنامج الإدارة المتكاملة لبساتين الفستق المعتمدة من قبل مكتب الفستق الحلبي والجهات الفنية المختصة، وعدم الرش العشوائي للمبيدات، مما يسبب قتل الأعداء الحيوية وظهور آفات أخرى.
وأشار إلى ضرورة تقديم الري التكميلي خلال سنوات الجفاف، واعتماد التوصيات السمادية وفق نتائج تحليل التربة، إلى جانب متابعة الإرشادات الفنية الصادرة عن مكتب الفستق الحلبي، واعتماد الأصناف عالية الإنتاجية والمردود في حال كانت الزراعة مروية، مثل صنف “أبو ريحة”.
ونوّه في ختام حديثه إلى أهمية زراعة سلالات مذكرة مختلفة في مواعيد الإزهار بما يتناسب مع الأصناف المزروعة في الحقول، لضمان نجاح عملية التلقيح، مشدداً على ضرورة العمل الجماعي في تنفيذ عمليات الخدمة وتطبيق برامج المكافحة، لما لذلك من أثر في رفع كفاءة هذه العمليات بشكل كبير.
٢٢ أبريل ٢٠٢٦
يُعدّ إعداد "سليقة" القمح بمناسبة بزوغ أسنان الطفل واحدة من العادات الشعبية الموروثة التي تحافظ عليها العديد من العائلات في سوريا، حيث تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، وتحرص على إحيائها لما تحمله من رمزية اجتماعية وارتباط بالمناسبات العائلية، لتبقى حاضرة كطقس بسيط يجمع بين الفرح والتقاليد داخل البيوت.
فما إن تلاحظ الأم أو الجدة بزوغ أول سن لدى طفلها، حتى تبادر إلى تجهيز القمح وأدوات الطهو، وتبدأ بإعداد "السليقة"، لتُوزَّع على الجيران والأقارب، في مشهد يعكس روح المشاركة والفرح بهذه المناسبة العائلية البسيطة.
تحدثت نادية عبد الحي، 50 عاماً، من قرية حتان في منطقة حارم بريف إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، عن تقليد إعداد "السليقة"، مشيرةً إلى أنه من العادات الشعبية التي لا تزال كثير من الأسر تحرص على إحيائها عند بزوغ أسنان الطفل.
وأضافت أن سليقة القمح التي تُحضَّر خصيصاً لهذه المناسبة تُعرف باسم "السنونية"، وفي مناطق أخرى تُسمّى "السنينية"، منوهةً إلى أنها تعلّمتها من أمها وجدتها، ونقلتها بدورها إلى بناتها، وما تزال العائلة متمسكة بها حتى اليوم، لارتباطها بالعادات والتقاليد التي يحرص المجتمع على الحفاظ عليها.
وتحدثت عن طريقة التحضير، التي تبدأ بإحضار الحنطة، مشيرةً إلى أن منطقتهم تشتهر بالحنطة السوادية المنتجة محلياً، كما يُضاف الحمص إلى المكونات، حيث تُغسل الحنطة وتُنقّى جيداً، ثم تُسلق في وعاء كبير مع الحمص، دون إضافة أي مكونات أخرى باستثناء الماء.
وأشارت إلى أنه بعد نضجها وتفتّح حبات الحنطة، تُوزّع "السليقة" في أطباق كرتونية أو زجاجية بحسب المتاح، ثم تُزيَّن بقطع من الحلوى، قبل إرسالها إلى الجيران، الذين يعيدون الأطباق محمّلة بهدية للطفل، بحسب الإمكانيات المادية، كالنقود أو الملابس أو الألعاب أو غيرها من الأشياء الرمزية، مؤكدةً أن الصحن لا يعود فارغاً.
ونوّهت نادية عبد الحي إلى أنها تفضّل إقامة حفلة بسيطة في المنزل بهذه المناسبة، حيث تُحضَّر بعض الزينة وتُعلّق على الجدران، من بينها أشكال على هيئة سن، كما تُجهَّز سفرة توضع عليها أطباق "السليقة" بشكل منسّق إلى جانب الفواكه والحلوى، ويُجلس الطفل في وسطها، مع تشغيل الأغاني ومشاركة الأطفال أجواء الاحتفال.
وذكرت أن من الأغاني التي تُردَّد في هذه المناسبة: “سِنّو سِنّو سِنّو، بَعِّدوا الخبز عنّو، طلع سِنّو طلع سِنّو، خبّوا الخبز عنّو”، مضيفةً أن أجواء الاحتفال تمتلئ بالفرح، خاصة بين الأطفال.
لا تقتصر عادة إعداد "السليقة" على إدلب، بل تنتشر في مناطق سورية عدة، مع اختلافات بسيطة في طريقة التحضير أو شكل الاحتفال من منطقة إلى أخرى، ففي بعض المناطق الريفية، يُجلس الطفل على قطعة قماش في ساحة المنزل، وتُرش حوله حبات من القمح المسلوق الذي أعدّته العائلة بهذه المناسبة، ليكون للطيور نصيب منها كما أفراد العائلة.
وشهدت هذه العادة تراجعاً لدى بعض العائلات خلال السنوات الماضية، خاصة مع نزوح كثيرين إلى خارج مناطقهم أو إلى المخيمات، وفقدانهم أراضيهم الزراعية، إلى جانب الظروف القاسية وانشغال الناس بتأمين متطلبات الحياة، ما حدّ من قدرتهم على الاستمرار بالقيام بها.
كما تؤكد نساء التقينا بهنّ أن استمرار هذه العادات لا يرتبط بالقدرة المادية فقط، بل يتأثر أيضاً بالحالة النفسية داخل الأسرة، إذ تدفع الضغوط اليومية والظروف الصعبة بعض العائلات إلى التخلي عنها أو تأجيلها، خاصة في ظل انشغالها بتأمين متطلبات الحياة، أو بسبب حالات فقد أو حزن تمر بها الأسرة تحول دون إحيائها.
ويرى باحثون اجتماعيون أن هذه العادات تمثّل جزءاً من الهوية الثقافية للمجتمع، إذ تسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأفراد، وتمنح المناسبات العائلية بعداً جماعياً، كما أن استمرارها، رغم التحديات، يعكس حاجة الناس إلى الحفاظ على مظاهر الفرح البسيطة، خاصة أنها وسيلة للتخفيف من ضغوط الحياة اليومية.
وتحمل عادة إعداد "السليقة" عند بزوغ أسنان الأطفال في سوريا العديد من الدلالات، أبرزها التمسك بالتراث، إذ يعكس استمرارها حرص العائلات على الحفاظ على العادات الموروثة ونقلها بين الأجيال، كما تجسّد قيم التكافل والروابط الاجتماعية، خاصة مع توزيعها على الجيران، ما يعزز روح المشاركة، إضافة إلى أنها تعبّر عن تقدير الأسرة للتفاصيل الصغيرة في حياة الطفل وتحويلها إلى لحظة فرح جماعي.
٢٢ أبريل ٢٠٢٦
يشتكي الأهالي في بلدة التح الواقعة في ريف إدلب الجنوبي من انتشار حالات اللشمانيا بين الأطفال، في ظل ظروف صحية صعبة تفاقم معاناة السكان، وتضع هذه الإصابات الأهالي أمام تحديات متزايدة في الحصول على العلاج، فضلاً عن صعوبات في حماية بقية الأطفال من خطر انتقال العدوى.
والليشمانيا عبارة عن مرض طفيلي ينجم عن كائنات أولية تنتمي إلى جنس الليشمانيا، وينتقل إلى الإنسان عبر لدغات حشرات الفواصد، المعروفة في بعض المناطق باسم “ذبابة الرمل”، وتصيب هذه الطفيليات الفقاريات، بما فيها الإنسان، وتتجلى بثلاثة أشكال رئيسية هي: الليشمانيا الجلدية، والجلدية المخاطية، والحشوية التي تُعد الأخطر بينها.
وبحسب تقارير طبية، يُعدّ داء اللشمانيا الجلدية الشكل الأكثر انتشاراً في سوريا، ويُعرف محلياً باسم “حبة السنة” أو “حبة حلب”، حيث يظهر على هيئة تقرّحات جلدية تصيب المناطق المكشوفة من الجسم ك الوجه والأطراف، تبدأ بعقيدات صغيرة قبل أن تتطور وتخلّف ندوباً دائمة وتشوهات.
وقال الدكتور أيمن الأحمد، مدير مستوصف التح الصحي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن بلدة التح والبلدات المجاورة شهدت خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد حالات اللشمانيا الجلدية، خاصة بين الأطفال، مشيراً إلى أن الانتشار يتركز في الأحياء المتضررة، مع تسجيل إصابات جديدة بشكل شبه يومي، ما يدل على وجود بؤر نشطة للعدوى.
وأوضح أن طبيعة عمله تقوم على تقديم الرعاية الصحية الأولية، ومتابعة الحالات المرضية اليومية، والإشراف على علاج الأمراض السارية، وفي مقدمتها اللشمانيا، إلى جانب تنظيم حملات التوعية وتنفيذ الإجراءات الوقائية بالتعاون مع الجهات الصحية.
وأضاف أن الأسباب الرئيسية لانتشار المرض تتمثل في الدمار الكبير في البنية التحتية ووجود الأنقاض، إلى جانب تراكم النفايات وغياب خدمات الصرف الصحي، فضلاً عن انتشار ذبابة الرمل الناقلة للمرض نتيجة البيئة غير الصحية، وضعف حملات الرش والمكافحة، إضافة إلى الاكتظاظ السكاني وسوء الظروف المعيشية.
وأشار إلى أن أبرز التحديات التي تواجه الأهالي في مواجهة هذا المرض تتمثل في صعوبة الوصول إلى العلاج أو تأخره، والخوف من تشوهات جلدية خاصة لدى الأطفال، إلى جانب الحاجة إلى مراجعات متكررة للعلاج (حقن متكررة)، وما يرافق ذلك من تكاليف إضافية كالمواصلات والعناية بالجروح، إضافة إلى نقص الوعي حول طرق الوقاية والتعامل مع الإصابة.
ونوّه الأحمد إلى توفر علاج الكلوغانتيم (Glucantime) بشكل دائم، موضحاً أن البدائل التي يلجأ إليها الأهالي في حال نقصه تتمثل في تأخير العلاج أو تقليل الجرعات (وهو حل غير مثالي)، أو التوجه إلى مراكز صحية أخرى (إن وجدت)، إلى جانب استخدام علاجات موضعية مساعدة، لكنها غالباً لا تكون كافية وحدها في كثير من الحالات.
وتحدث الدكتور أيمن الأحمد عن الإجراءات الوقائية المقترحة للحد من انتشار الليشمانيا بين السكان، مثل رش المبيدات الحشرية بشكل دوري لمكافحة ذبابة الرمل، منوهاً إلى أنه قام بالتنسيق مع رئيس البلدية لتنظيم حملة لرش البلدة وأطرافها والبؤر، مشيراً إلى وجود استجابة قوية من الأهالي عبر التبرع والمشاركة في العمل التطوعي.
وشدّد على ضرورة إزالة النفايات والأنقاض من الأحياء السكنية، واستخدام الناموسيات، خاصة للأطفال أثناء النوم، إلى جانب ارتداء ملابس طويلة ليلاً واستعمال طاردات الحشرات، والتوعية الصحية بطرق انتقال المرض وأهمية العلاج المبكر.
وأكد أن أبرز احتياجات ومطالب الأهالي لمكافحة هذا المرض تتمثل في تأمين كميات كافية ومستدامة من أدوية اللشمانيا، ودعم حملات رش ومكافحة الحشرات، إلى جانب تحسين خدمات النظافة والصرف الصحي، وتعزيز الكادر الطبي وزيادة عدد العاملين، إضافة إلى تنفيذ حملات توعية مجتمعية منظمة، وتقديم دعم لوجستي للوصول إلى المناطق المتضررة.
وطالب الأشخاص الذين التقينا بهم باتخاذ إجراءات فعلية لمعالجة أسباب انتشار اللشمانيا، مثل إزالة الأنقاض وتنفيذ حملات رش ومكافحة منتظمة، كما شددوا، فيما يتعلق بالتحديات العلاجية، على ضرورة زيادة عدد النقاط الطبية وضمان توفر الأدوية في الوقت المناسب، بما يتيح التعامل مع الحالات بأسرع وقت ممكن.
٢١ أبريل ٢٠٢٦
انتشرت في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة توثّق قيام تعرض أطفال للضرب بشكل مبرح وبأسلوب مستفز، ما أثار موجة غضب واسعة بين المستخدمين.
ويظهر في بعض هذه المقاطع تعمّد الأب ارتكاب هذا الفعل بهدف استفزاز الأم المطلقة أو التي غادرت المنزل لأسباب عائلية، في محاولة للضغط عليها نفسياً ومعاقبتها، الأمر الذي دفع ناشطين إلى الدعوة لوقف مثل هذه الممارسات، ومحاسبة الجناة، والعمل على حماية الأطفال.
وفي ظل استمرار تداول هذه المقاطع، تتزايد المخاوف من تداعياتها على الأطفال، سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية، ما يطرح تساؤلات حول الأبعاد القانونية لهذه الأفعال، وحدود المسؤولية المترتبة عليها، في وقت تتواصل فيه الدعوات لوضع حد لمثل هذه الممارسات.
تعنيف الأطفال… جريمة يعاقب عليها القانون
وقال باسل محمد موسى، محامٍ أستاذ لدى نقابة المحامين بدمشق، وباحث مهتم في قضايا الحماية القانونية الرقمية، في حديث لـ شبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة تصوير تعنيف الأطفال ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تُعد من أخطر الجرائم المستحدثة، كونها تدمج بين الأذى الجسدي المباشر والانتهاك النفسي المستدام عبر الفضاء الرقمي.
وأضاف أن التوصيف القانوني لهذه الجريمة ينظر إلى هذه الأفعال بوصفها "جرائم مركبة"، حيث يتم التكييف القانوني بناءً على ركنين: الجرم المادي، وهو اعتداء على السلامة الجسدية وفق قانون العقوبات، والجرم المعلوماتي، وهو انتهاك حرمة الحياة الخاصة واستغلال القاصرين لإنتاج محتوى يمس كرامتهم وفق قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية.
وفيما يتعلق بالمرجعية التشريعية والمواد المستند إليها، أشار إلى قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021، وتحديداً المادة (42) التي تضمن حق الطفل في الحماية من كافة أشكال العنف، والمادة (53) التي تحظر استغلال الطفل في أعمال تضر بسلامته النفسية أو تسيء لكرامته.
وتحدث موسى عن قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، ولا سيما المادة (21) المتعلقة بانتهاك الخصوصية، مع تشديد العقوبة وجوباً إذا كان المجني عليه قاصراً، إلى جانب قانون العقوبات العام، ولا سيما المواد (540 وما بعدها) المتعلقة بجرائم الإيذاء والضرب.
وذكر أن العقوبات المترتبة، عندما يكون الجاني هو "الأب"، تتمثل وفق القوانين السورية النافذة بحزمة من العقوبات المشددة، تشمل عقوبة الإساءة والإهمال، وهي الحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وغرامة تصل إلى مليون ليرة، مع تشديد العقوبة بموجب المادة (64) من قانون حقوق الطفل، لكون الفاعل هو "ولي أمر".
وأشار إلى عقوبة الاستغلال الرقمي، وهي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وغرامة تصل إلى ثلاثة ملايين ليرة، بموجب المادة (68) من ذات القانون، لتسبب الفاعل بأذى معنوي ونفسي عبر النشر، بالإضافة إلى التدابير الاحترازية، حيث يحق للقضاء، حمايةً لمصلحة الطفل الفضلى، اتخاذ تدابير استثنائية تشمل إسقاط الولاية أو تقييدها، ونقل الطفل إلى بيئة آمنة بموجب المادة (51).
وبين لـ "شام" أن المسارات القانونية المتاحة للأم تشمل المسار الجزائي، من خلال تقديم شكوى رسمية أمام النيابة العامة أو "فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية"، والمسار الشرعي، عبر رفع دعوى "إسقاط ولاية" بصفة مستعجلة، استناداً إلى ثبوت عدم أمانة الولي على المحضون وتشكيله خطراً على حياته وكرامته.
إجراءات قانونية للأم ومسؤولية المجتمع في حماية الأطفال
وبالنسبة لمسؤولية المتابعين والجمهور، أكد باسل محمد موسى أن "إعادة النشر" (Share) تساهم في تخليد الجريمة، لافتاً إلى أن الدور القانوني للمواطن يتمثل في التوثيق، من خلال أخذ لقطة شاشة (Screenshot) للحدث، والتبليغ عبر إرسال الوثائق إلى الجهات المختصة (إدارة الأمن الجنائي - مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية)، حيث تتحرك النيابة العامة بناءً على "الحق العام" نظراً لخطورة الجرم.
ووجّه رسالة إلى الأهالي بضرورة التذكير دائماً بأن الولاية على الطفل هي "أمانة شرعية وقانونية" وليست سلطة مطلقة، وأن القانون السوري الحديث بات يحاسب على "الأذى النفسي" بذات الحزم الذي يحاسب به على "الأذى الجسدي"، وأن حماية الطفل مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون نصاً قانونياً.
تعنيف الأطفال… انعكاس خلل مجتمعي وتحذيرات من تداعيات نفسية بعيدة المدى
وقال فادي النايف، عامل دعم النفسي بالمشفى الجراحي التخصصي في إدلب، في تصريح سابق لـ شام، إن تكرار انتشار مقاطع تعنيف الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس وجود خلل عميق في منظومة القيم الأسرية والاجتماعية، وضعفاً في الوعي بأساليب التربية السليمة، إضافة إلى غياب الردع القانوني أو ضعف تطبيقه على أرض الواقع.
وأضاف أن هذه المقاطع تكشف عن تطبيع خطير مع العنف داخل المجتمع، وتحويل معاناة الطفل إلى أداة للانتقام أو الاستعراض أو ما يُسمّى خطأً بـ“التأديب”، مشيراً إلى أن استمرار هذه الظاهرة يشكّل تهديداً حقيقياً للسلام الاجتماعي على المدى البعيد، وقد يساهم في نشوء جيل يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية، ويكون أكثر ميلاً إلى العنف أو الانعزال أو حتى الانخراط في سلوكيات منحرفة مستقبلاً.
واقترح مجموعة من الحلول للحد من ظاهرة تعنيف الأطفال، تبدأ بتفعيل القوانين وتطبيقها بحزم لحماية الطفل دون تهاون، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأساليب التربية الإيجابية عبر الإعلام والمدارس ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني.
كما تشمل الحلول توفير خطوط دعم وإبلاغ سرية لحماية الأطفال المعنَّفين، وتأهيل الأهل نفسياً وتربوياً، لا سيما في البيئات المتضررة من الفقر أو النزاعات، عبر ورش عمل وندوات وحوارات.
ووجّه النايف رسالة للآباء والأمهات قائلاً: "الأطفال ليسوا ممتلكات أو أدوات لتفريغ الغضب أو وسيلة للانتقام من الخلافات، بل هم أمانة في أعناقكم، وما تُزرعونه اليوم في نفوس الأبناء سيترجم غداً سلوكاً
ومواقف".
واختتم حديثه مؤكداً أن التربية ليست ضرباً أو إهانة، بل احتواء وقدوة وحوار، مشدداً على أن جرح النفس أعمق أثراً وأطول بقاءً من جرح الجسد، وأن حماية الأطفال ليست ترفاً أخلاقياً، بل مسؤولية جماعية لبناء مجتمع سليم وآمن.
٢١ أبريل ٢٠٢٦
تلجأ بعض الأسر في سوريا إلى إعطاء أطفالهم أدوية متوفرة في المنزل دون استشارة طبيب أو صيدلاني، استناداً إلى الأعراض التي تظهر على الطفل أو تجارب سابقة، لكن هذه الممارسة قد تؤدي إلى مضاعفات صحية غير متوقعة، مما يبرز الحاجة لتوعية الأهالي بالإرشادات الطبية الصحيحة.
أسباب استخدام الأدوية دون استشارة
تعود أسباب لجوء بعض الأسر إلى إعطاء الأطفال أدوية من المنزل دون استشارة إلى عدة عوامل، أبرزها مواجهة الأطفال لأعراض صحية مفاجئة، وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية والطبية، وقلة الوعي الطبي، وانتشار هذه الممارسات في المجتمع، ما يدفع الأهالي أحياناً للاعتماد على التجارب السابقة أو نصائح غير متخصصة لمعالجة أعراض أبنائهم بشكل سريع.
لوحظ في بعض الحالات أن بعض الأسر تعطي الطفل خافض حرارة بمجرد ارتفاع درجة الحرارة دون معرفة السبب الفعلي، أو تستخدم دواء سبق أن نفع طفلاً آخر، دون مراعاة وزن الطفل أو حالته الصحية، ما قد يؤدي إلى عدم فعالية العلاج أو مضاعفات صحية خطيرة.
كما تقوم بعض الأسر أحياناً بإعطاء الطفل مضاداً حيوياً عند ظهور أعراض بسيطة مثل السعال أو الرشح، معتقدين أن الدواء سيخفف الحالة بسرعة، رغم أن معظم هذه الأعراض تكون فيروسية ولا تحتاج إلى مضاد حيوي، ما قد يؤدي إلى مقاومة الجراثيم ويزيد من خطر المضاعفات الصحية في المستقبل.
الاستخدام الخاطئ للأدوية.. تحذيرات ومضاعفات
قال الصيدلاني محمد الموسى في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة إعطاء الأطفال الأدوية دون استشارة طبيب أو صيدلاني تُعد ممارسة خطيرة ومقلقة، لأنها غالباً ما تعتمد على تجارب غير علمية أو نصائح غير موثوقة، ويشير إلى أن جسم الطفل يختلف عن البالغ من حيث الاستقلاب والجرعات، ما يجعل أي خطأ بسيط قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة، ولذلك لا يُنصح مطلقاً باستخدام الأدوية دون استشارة مختص.
وأضاف أن استخدام الأدوية بشكل عشوائي أو بجرعات غير دقيقة قد يؤدي إلى مخاطر صحية متعددة، تشمل التسمم الدوائي نتيجة الجرعة الزائدة أو عدم فعالية العلاج عند الجرعات القليلة، إلى جانب إخفاء أعراض أمراض خطيرة وتأخير تشخيصها، كما يمكن أن تنتج آثار جانبية مثل التحسس واضطرابات الكبد والكلى، إضافة إلى تداخلات دوائية غير محسوبة.
ونوّه إلى أن من أبرز الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهالي إعطاء جرعات تقديرية دون مراعاة وزن الطفل، واستخدام أدوية مخصصة لطفل آخر، بالإضافة إلى تكرار الجرعات قبل موعدها، أو استخدام أكثر من دواء يحتوي على نفس المادة الفعالة، ما يزيد من مخاطر الآثار الجانبية والمضاعفات الصحية.
وشدد على أن الاعتماد المفرط على التحاميل أو خافضات الحرارة دون معرفة السبب الحقيقي للارتفاع، الذي قد يكون نتيجة عدوى بكتيرية أو فيروسية، ومحاولة معالجة الأعراض فقط دون معالجة المسبب، قد يؤدي إلى تفاقم الحالة الصحية ويزيد من خطورة المضاعفات.
وأشار لـ "شام" إلى أن تكرار إعطاء جرعات غير مناسبة قد يؤدي إلى تداعيات سلبية، فبينما يسبب على المدى القصير تسمماً أو أعراضاً جانبية حادة، يمكن أن تتطور على المدى الطويل مشاكل في الكبد أو الكلى، أو حتى اضطرابات في نمو الطفل، إلى جانب تعوّد الجسم على الدواء أو مقاومة بعض العلاجات.
التعامل الصحيح مع الأدوية ودور الصيدلاني في التوعية
وأوضح الموسى أنه يمكن للأهل التصرف بشكل صحيح عند ارتفاع حرارة الطفل من خلال قياس درجة الحرارة بدقة ومراقبة حالته العامة بما يشمل نشاطه وشهيته ووعيه، إلى جانب الحرص على إعطائه سوائل كافية وتخفيف الملابس، واستخدام الكمادات الفاترة، مع اللجوء إلى الدواء فقط عند الضرورة وبالجرعة الصحيحة، فضلاً عن مراجعة طبيب الأطفال المختص إذا استمرت الحرارة أو ظهرت أعراض مقلقة.
وأكد أن دور الصيدلاني أساسي في توعية الأهالي، فهو يشكل خط الدفاع الأول ويقوم بشرح الجرعات الصحيحة وفقاً لوزن الطفل، وينبه إلى مخاطر الاستخدام العشوائي، كما يوضح طريقة استخدام الأدوية بشكل سليم، ويمنع صرف الأدوية غير المناسبة دون وصفة عند الحاجة، ويقدّم بدائل آمنة ونصائح عامة.
ووجّه نصائح للأهالي لتفادي المخاطر، مؤكّداً ضرورة عدم إعطاء الطفل أي دواء دون استشارة مختص، والالتزام بالجرعة المحددة وفقاً للوزن، إلى جانب استخدام أدوات قياس دقيقة بدل الملاعق المنزلية، وقراءة النشرة الدوائية بعناية، وتجنب الاعتماد على تجارب الآخرين، مع مراقبة حالة الطفل جيداً وطلب المساعدة الطبية عند الحاجة.
ويؤكد الأطباء أن إعطاء الأدوية للأطفال دون استشارة طبية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة أن تشابه الأعراض لا يعني بالضرورة تشابه التشخيص، مشيرين إلى أن بعض الحالات التي تبدو بسيطة مثل الحمى أو السعال قد تكون مؤشراً على أمراض تحتاج إلى تقييم طبي دقيق، محذرين من أن الاعتماد على الأدوية المنزلية قد يؤخر التشخيص الصحيح ويزيد من احتمالية حدوث مضاعفات.
وفيما يتعلق بالحد من هذه الممارسات، يشير عاملون في مجال التوعية الصحية إلى أهمية تعزيز الثقافة الطبية لدى الأسر، من خلال نشر معلومات مبسطة حول الاستخدام الصحيح للأدوية، والتأكيد على ضرورة استشارة مختص قبل إعطاء أي دواء للأطفال، إلى جانب توضيح مخاطر الاعتماد على التجارب السابقة أو النصائح غير الموثوقة، والعمل على الوصول إلى الأهالي عبر حملات توعوية تستهدف مختلف الفئات.
وتبقى مسألة إعطاء الأدوية للأطفال دون استشارة طبية حاضرة في حياة بعض الأسر، لأسباب مختلفة تتعلق بالظروف أو قلة الوعي، ومع تكرار هذه الممارسات تبرز مخاطرها بشكل أوضح، خاصة عندما يتم التعامل مع الأعراض دون فهم أسبابها، وهو ما يؤكد على أهمية الانتباه لطريقة استخدام الأدوية لدى الأطفال.
٢١ أبريل ٢٠٢٦
يحافظ السوريون على عادة زيارة المريض، وتُعدّ من التقاليد الاجتماعية الراسخة لما تحمله من بعد إنساني وديني، كما أنها تعكس قيم التضامن والتكافل في المجتمع، وتبرز أهميتها بشكل خاص في أوقات الأزمات والظروف الصعبة التي يمر بها الفرد.
وعند تعرض الشخص لظرف صحي، سواء مرض أو إجراء عملية جراحية أو غير ذلك، يتوافد الأقارب والأصدقاء والجيران للاطمئنان عليه وزيارته، وتقديم ما يمكن من الدعم المعنوي، وأحياناً المساهمة في بعض الاحتياجات المادية، بما يخفف من أعباء المرحلة التي يمر بها.
في هذه الحالات لا تقتصر الأمور على الزيارة فقط، بل تظهر أشكال مختلفة من الدعم بين الناس، فالبعض يحرص على طمأنة المريض بكلمات بسيطة تخفف عنه وتمنحه شيئاً من الارتياح، وآخرون يعرضون مرافقته إلى المستشفى أو المركز الصحي إذا لم يكن لديه من يرافقه، فيما يبادر آخرون إلى الاطمئنان على أسرته أو المساعدة في بعض شؤونها خلال فترة مرضه، في مشهد يعكس تنوع أشكال المساندة التي يقدمها الناس في مثل هذه الظروف.
ورغم أن زيارة المريض قد تبدو إجراءً بسيطاً ومعتاداً في الظاهر، إلا أنها تحمل أثراً إنسانياً واضحاً على المريض وأسرته. فهي تمنح المريض شعوراً بالمواساة وتؤكد له أنه ليس وحيداً في مرضه، وأن هناك من يشاركه هذا الظرف ويهتم بحاله، وهو ما ينعكس إيجاباً على حالته النفسية.
وفي المقابل، تمتد آثارها إلى أسرة المريض، إذ يجد أفرادها في هذه الزيارات والدعم المقدم من الآخرين نوعاً من التخفيف عنهم في ظل الانشغال أو الضغوط التي قد يمرون بها، ما يجعلها شكلاً من أشكال الإسناد الاجتماعي في مثل هذه الظروف.
ومن الجوانب المرتبطة بهذه العادة أيضاً، أن الزائرين ولا سيما الأصدقاء المقربون، يحرصون على مراعاة وضع المريض خلال الزيارة، حيث يتم اختيار الأحاديث بعناية لتكون خفيفة ومطمئنة، وتجنب أي كلمات قد تسبب له القلق أو الإزعاج.
كما قد يتفق بعضهم مسبقاً على طريقة الزيارة وتوقيتها، فيذهبون إليه بشكل جماعي في أجواء يغلب عليها الدعم النفسي والطمأنة، خاصة عندما يكون لهم مكانة قريبة من المريض، بما يضمن الحفاظ على راحته ويعزز شعوره بالأمان.
أحياناً تتحول هذه العادة من سلوك إنساني يقوم على الاختيار والدعم إلى نوع من الالتزام الاجتماعي الذي تفرضه العادات والتقاليد، حيث يصبح حضور زيارة المريض مرتبطاً بتجنب الحرج أو النقد المجتمعي أكثر من كونه مبادرة طوعية.
وفي بعض الحالات، يواجه أشخاص ظروفاً معيشية أو صحية أو مادية لا تسمح لهم بالزيارة أو بتقديم الدعم المتوقع، ما يضعهم تحت ضغط اجتماعي إضافي، خاصة عندما يُنظر إلى عدم الزيارة أو ضعف المساندة على أنه تقصير، رغم أن ذلك قد يكون خارج قدرتهم الفعلية.
كما أن البعد الجغرافي يشكل عاملاً مؤثراً في بعض الحالات، إذ يعيش بعض الأشخاص في مدن أو قرى أخرى، أو حتى خارج البلاد، ما يجعل الزيارة صعبة أو غير ممكنة، خصوصاً إذا كانت تتطلب تنقلاً أو سفراً طويلاً، من جهة أخرى تعيق الانشغالات العائلية أو الظروف المادية أو الصحية قدرة البعض على الحضور رغم رغبتهم في ذلك، ما يخلق نوعاً من الانقطاع القسري عن ممارسة هذه العادة الاجتماعية.
وقد شهدت عادة زيارة المريض بعض التغيّر مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، إذ بات البعض يكتفي بالاطمئنان على المريض عبر الهاتف أو من خلال الرسائل، للسؤال عن حالته ومتابعة وضعه الصحي، وهو ما يُعد بديلاً عملياً خاصة لمن تمنعهم الظروف من الزيارة المباشرة.
ومع ذلك، ما تزال الزيارة الحضورية تحظى بأهمية أكبر لدى كثير من العائلات، كونها تعكس حضوراً إنسانياً مباشراً وتعبيراً أوضح عن الاهتمام والدعم، وتبقى من العادات التي تحافظ على حضورها في المجتمع السوري رغم التغيرات والظروف.
وغالباً ما تمنح الزيارة المباشرة قدراً أكبر من الراحة النفسية لدى الشخص الذي يريد معرفة وضع المريض، مقارنة بالاتصال الهاتفي، إذ تتيح له رؤية المريض والتحدث معه وملاحظة حالته بشكل مباشر، ما يخفف من القلق ويعطي تصوراً أوضح عن وضعه الصحي، في حين قد يقتصر الاتصال على معلومات مختصرة لا تكفي لتكوين صورة كاملة، الأمر الذي يبقي مستوى القلق أعلى لدى من يعتمد عليه فقط.
وتحمل عادة زيارة المريض في سوريا واستمرار الحفاظ عليها دلالات واضحة، من أبرزها استمرار قيم التضامن والتعاون بين الناس رغم الظروف المختلفة، إذ يحرص الأفراد على الوقوف إلى جانب المريض وأسرته في وقت المرض.
كما تعكس هذه العادة قوة العلاقات الاجتماعية والعائلية التي ما تزال حاضرة في الحياة اليومية، فيما يظل هدفها الإنساني قائماً على تخفيف معاناة المريض ومساندته، سواء عبر الدعم النفسي أو من خلال تقديم المساعدة الممكنة، بما يظهر حرص الناس على دعم بعضهم البعض في الأوقات الصعبة.
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
مع الهبوط الحاد في قيمة الليرة السورية، والارتفاع الكبير في أسعار الذهب، برزت إشكاليات متزايدة تتعلق بالديون بين الأفراد، خاصة في الحالات التي استُدينت فيها مبالغ مالية قبل سنوات، ثم فقدت قيمتها مع تراجع العملة، هذا الواقع خلق نزاعات بين الدائنين والمدينين حول آلية السداد وقيمة الدين، ما يسلّط الضوء على كيفية تعامل القانون السوري مع هذه الحالات.
العقد شريعة المتعاقدين
وقال الأستاذ علي محمد إسكان، المحامي والباحث في السياق القانوني والحقوقي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن العقد يُعد شريعة المتعاقدين، وبالتالي فإن ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف هو ما يُعتد به وينفذ لاحقاً، شريطة أن يكون متوافقاً مع القوانين النافذة في سوريا.
وأوضح أنه على سبيل المثال، في حال اقتراض شخص مبلغاً مالياً من آخر بالدولار الأمريكي، فإن الطرفين يكونان قد وقعا في مخالفة قانونية تتعلق بالتعامل بغير الليرة السورية، وذلك قبل سقوط النظام السابق.
وبيّن أن المحاكم لا تنظر في أي دعوى أو قضية إلا بناءً على ادعاء شخصي يقدمه الدائن في حال امتناع المدين عن السداد، أو في حال تقديم دعوى بشكل قانوني أمام المحاكم السورية، وذلك وفقاً لأحكام القانون المدني السوري، ولفت إلى أن المحاكم تعتمد في هذا السياق مبدأين أساسيين، وهما:
المبدأ الأول: هو الوفاء بالمثل، وهو يعني أن عملية سداد الديون والالتزامات المالية تكون وفق ما تم الاتفاق عليه، فيما لو كان هناك عقد اتفاق بين الطرفين، ويعني أيضاً أن يتم السداد وفق المبلغ الأساسي، بغض النظر عن تراجع قيمة الليرة السورية.
وذكر مثال توضيحي: استدان سامر من سامي بموجب عقد كتابي مبلغ 25 مليون ليرة سورية، فهنا يقع على عاتق سامر سداد المبلغ وفق العقد، وهو مبلغ 25 مليون ليرة سورية، بغض النظر عن قيمة العملة في لحظة السداد.
وأشار اسكان إلى أنه خلال سنوات الثورة وانهيار قيمة الليرة السورية، أخذت بعض المحاكم ببعض المواد والقواعد القانونية للموازنة بين قيمة الديون والالتزامات المالية وقيمة الليرة، مثل نظرية الظروف الطارئة، وهي نظرية مرهقة لجميع الأطراف.
وبيّن أنه يمكن للمحاكم تحقيق التوازن في الديون من خلال قاعدة التعويض عن الضرر في حال تأخر المدين عن سداد ديونه أو التزاماته لفترة طويلة نسبياً، مما يلحق ضرراً بالغاً بالدائن، موضحاً أن هذه إجراءات استثنائية وليست القاعدة الأصلية التي تؤكد على مبدأ الوفاء بالمثل.
تأثير الانهيار الاقتصادي على النزاعات المالية
وأشار إلى أنه في بعض الحالات الاستثنائية يمكن للمحكمة النظر في الظروف الاقتصادية، خاصة في حالات الانهيار المستمر والطويل، حيث قد تتسم بعض الاجتهادات القضائية بالمرونة في ما يتعلق بتقدير حالات التأخير أو الامتناع عن السداد، مع التأكيد على ضرورة أن يكون الامتناع مقترناً بأدلة وإثباتات قانونية.
ونوّه إلى أنه يمكن للمحاكم تقدير التعويض المناسب في حال إثبات تأخر المدين عن السداد لفترة طويلة نسبياً، بما قد يشير إلى استفادته من انهيار قيمة الليرة السورية، كما يمكن تطبيق نظرية الظروف الطارئة في بعض الحالات، لكنه أشار إلى أن هذا النوع من القضايا والنزاعات المالية يلحِق ضرراً كبيراً بالدائن نتيجة تراجع قيمة الليرة السورية، في حين أن تمسك الطرف الآخر بالعقد، في حال وجوده، يمنحه الحق القانوني في ذلك.
وذكر أنه في العادة تنشأ العديد من الإشكاليات والنزاعات بين الدائن والمدين نتيجة الضرر الكبير الذي قد يلحق بالدائن بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية، حيث يتعرض في بعض الحالات لضرر فعلي نتيجة فقدان الليرة السورية لقيمتها، ولا سيما عند الانخفاض الحاد للعملة، بحيث يصبح المبلغ المحصّل وكأنه لم يكن، ما يعرضه لخسارة مالية، وفي المقابل، أشار إلى أن الأمر ذاته قد ينعكس على المدين في حال جرى الوفاء بالقيمة مع احتساب الفارق بين قيمة الدين وقت التعاقد وقيمة السداد.
التعامل القانوني مع الديون المرتبطة بالذهب
وتحدث الحقوقي إسكان لـ "شام" عن بعض الحالات التي يتم فيها الاتفاق على الديون بالذهب بدلاً من الليرة السورية، موضحاً أن القانون يعامل الذهب في هذه الحالة على أساس قاعدة «مقياس قيمة»، أي أنه في حال اتفاق الدائن والمدين على كمية محددة من الذهب، فإن الالتزام يُعد متعلقاً بشيء عيني ومحدد بالذات وليس مبلغاً مالياً، وبناءً عليه، يكون المدين ملزماً برد ذات كمية الذهب المتفق عليها، وليس ما يعادل قيمتها بالليرة السورية وقت السداد، بغض النظر عن قيمة الذهب بالليرة السورية عند الاتفاق أو عند السداد.
وأكد أنه في حال تغيّر سعر الذهب بشكل كبير بين وقت الاتفاق ووقت السداد، فإن الأثر ينعكس على حقوق الدائن والمدين ضمن ما تم الاتفاق عليه بينهما، وأوضح أنه إذا كان الاتفاق على كمية محددة من الذهب، فيجب أن يتم السداد بذات الكمية وبنفس عيار الذهب المتفق عليه، ولا يمكن من حيث المبدأ سداد قيمته النقدية وفق سعر وقت الاتفاق.
وأشار إلى أنه في حال كانت الديون بالذهب، فإن هناك عدداً من الحالات التي تتعامل معها المحاكم. ففي حال كان الدين محدداً بالكمية والنوعية، فإنه يجب سداد الدين بالمثل وفق الاتفاق، حيث تُلزم المحكمة المدين برد الدين بذات الكمية أو بقيمة الذهب وقت الوفاء حصراً.
كما تحدث عن حالة أخرى عندما يرتبط الدفع بالليرة السورية مع ربط ضمني بالذهب، وهو ما يتطلب أن يُنص على ذلك صراحة في الاتفاق، مثل عبارة «ما يعادله من ذهب». وفي هذه الحالة تنظر المحكمة إلى نية أطراف العقد وطريقة صياغته لتحديد الالتزام القانوني.
أهمية الصياغة القانونية الدقيقة للعقود
وأكد أن هذه الحالات تُعد من المسائل التي تستوجب دراسة تفصيلية دقيقة، نظراً لتعدد جوانبها وتنوع الاجتهادات القضائية المتعلقة بها، مشيراً إلى ضرورة صياغة العقود والاتفاقات بشكل مفصل ومن خلال محامين مختصين، تجنباً للنزاعات والإشكاليات والخلافات.
ووجّه نصائح للأشخاص لتجنّب الخلافات القانونية الناتجة عن تغيّر قيمة الدين مع الوقت، من بينها تحديد قيمة الديون في العقود والاتفاقات بشكل واضح ومفصل، وعدم استدانة مبالغ كبيرة لا يمكن سدادها في الوقت المحدد، إلى جانب تحديد آجال قصيرة للسداد، وإمكانية استخدام مؤشر القيمة مثل ربط الدين بالذهب، ومثال ذلك أن يكون الدين معادلاً لـ50 غراماً من الذهب عيار 20 تُدفع قيمتها يوم استحقاق الدين.
وأكد المحامي علي محمد اسكان في ختام حديثه أنه من المهم والضروري أن تُكتب عقود الديون عبر محامين مختصين من ذوي الخبرة، نظراً لما تتضمنه من تفاصيل دقيقة ومهمة تؤثر بشكل مباشر على الحقوق والالتزامات.
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
يشهد العديد من العاملين في بيئات مختلفة مستويات متزايدة من ضغوط العمل التي تنعكس على الأداء والصحة النفسية والجسدية على حد سواء، وتتراوح بين عوامل مرتبطة بطبيعة المهام وتراكمها، وأخرى تتعلق ببيئة العمل والدعم المتاح داخلها، ما يجعل فهم أسبابها وآثارها وطرق التعامل معها ضرورة أساسية للحفاظ على التوازن المهني والشخصي.
وتتفاوت مستويات تأثير ضغوط العمل بين الأفراد تبعاً لطبيعة المهام الموكلة إليهم، ودرجة التعقيد والتراكم في تلك المهام، إضافة إلى طبيعة بيئة العمل وما توفره من دعم أو ما قد تشهده من ضغوط تنظيمية، فضلاً عن الظروف الشخصية والمهنية التي تحيط بكل حالة، الأمر الذي ينعكس بتباين واضح في كيفية الاستجابة لهذه الضغوط والتعامل معها.
ضغوط العمل بين التحفيز الطبيعي وتفاقمها في بيئات العمل غير الداعمة
وقال أيوب حميدة، مدير الحالة في قسم الصحة النفسية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن ضغوط العمل تمثل استجابة نفسية وجسدية تحدث عندما تتجاوز متطلبات العمل قدرة الفرد على التكيف، وأوضح أنها قد تكون استجابة طبيعية في بعض الحالات، وقد تنعكس بشكل إيجابي عندما تسهم في تحفيز الأداء ورفع مستوى الإنتاجية.
وأضاف أن ضغوط العمل تتحول إلى إشكالية عندما تستمر لفترات طويلة دون فترات راحة كافية، ما يؤدي إلى تراجع الأداء بدلاً من تحسينه، مشيراً إلى أن أبرز العوامل التي تسهم في زيادة هذه الضغوط تتمثل في تراكم المهام وعدم وضوح الأولويات.
ولفت إلى أن بيئة العمل تؤدي دوراً محورياً في تفاقم ضغوط العمل، ولا سيما عندما تتسم بالسلبية أو تفتقر إلى عناصر الأمان الوظيفي. كما أشار إلى أن العمل لساعات طويلة، إلى جانب ضعف الدعم الاجتماعي داخل الفريق والشعور بعدم التقدير، جميعها عوامل تسهم في زيادة مستوى الضغط لدى العاملين.
مؤشرات الإرهاق الوظيفي وانعكاساته النفسية والجسدية والاجتماعية
وبيّن أيوب حميدة أن الفرد يصل إلى مرحلة الإرهاق الوظيفي عندما تتراكم عليه المهام وتتزايد حالات التأجيل والتسويف، ما يؤدي إلى شعور الموظف بالإجهاد الجسدي والنفسي، ويترتب على ذلك انخفاض في مستوى الإنتاجية.
وأضاف أن من أبرز العلامات الدالة على ذلك: التعب الذهني، الشرود، وصعوبة التركيز، إلى جانب الانفعالية والعصبية لأسباب بسيطة، فضلاً عن انخفاض الأداء الوظيفي، والانسحاب الاجتماعي، وتبلّد المشاعر، كما قد تظهر أعراض جسدية تشمل الصداع، وآلام الرقبة والكتفين، واضطرابات هضمية، إضافة إلى الأرق ومشكلات في النوم.
وتحدث عن التأثيرات النفسية التي قد تنجم عن استمرار ضغوط العمل، ومنها القلق والاكتئاب والتوتر والانفعال الزائد، إضافة إلى انخفاض تقدير الذات واضطرابات النوم، ولفت إلى أن هذه الضغوط لا تبقى محصورة في بيئة العمل، بل تمتد إلى الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية، حيث تؤدي إلى ضعف في التواصل، وبرود وإهمال في العلاقات الاجتماعية والعائلية، إلى جانب سرعة الغضب والانفعالية، والعزلة الاجتماعية.
وأشار حميدة إلى أن الضغوط قد تترك آثاراً جسدية تظهر على شكل صداع مزمن، واضطرابات في النوم، إلى جانب آلام في العضلات ومشكلات في الجهاز الهضمي.
استراتيجيات عملية لتحقيق التوازن النفسي والتخفيف من ضغوط العمل
وأكد حميدة أنه يمكن للفرد تحقيق توازن بين متطلبات العمل والحفاظ على صحته النفسية من خلال إدارة الوقت، ووضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، إضافة إلى تخصيص وقت للراحة، وممارسة الرياضة والأنشطة الممتعة.
إرشادات للوقاية من ضغوط العمل ومؤشرات تستدعي التدخل النفسي المختص
ونصح الموظفين والعاملين بمجموعة من الخطوات العملية للتخفيف من ضغوط العمل والوقاية من الإرهاق، تمثلت في أخذ فترات استراحة قصيرة يومياً، وترتيب المهام وفق الأولوية، إلى جانب ممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس، والمواظبة على نشاط بدني يومي، إضافة إلى تخصيص وقت لقضائه مع العائلة والأصدقاء بشكل أسبوعي.
وذكر الحالات التي تستدعي اللجوء إلى مختص نفسي، ومنها استمرار الأعراض لأكثر من عدة أسابيع مع تدهور واضح، أو حدوث نوبات قلق شديدة أو هلع، إلى جانب الأعراض الاكتئابية مثل الانخفاض الحاد في المزاج، وفقدان المتعة، وتكرار الأفكار السلبية.
كما تشمل اضطرابات النوم الملحوظة التي لا تتحسن بتنظيم بسيط، وتأثيراً كبيراً على الوظيفة والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى الأفكار المؤذية للنفس أو الشعور بفقدان السيطرة، فضلاً عن وجود تاريخ سابق لاضطرابات القلق أو الاكتئاب.
ويرى مختصون أن التعامل مع ضغوط العمل يتطلب بناء بيئة مهنية داعمة داخل المؤسسات، تقوم على وضوح المهام وتوزيعها بشكل عادل، وتعزيز التواصل بين أفراد الفريق، بما يحدّ من تراكم الضغط على العاملين. كما يشيرون إلى أن وجود ثقافة مؤسسية قائمة على التقدير والدعم النفسي يسهم بشكل مباشر في تقليل مستويات التوتر وتحسين الأداء العام.
تعكس ضغوط العمل واقعاً متزايد الحضور في بيئات العمل المختلفة، وتتباين مستويات تأثيرها تبعاً لطبيعة المهام والظروف المحيطة بكل فرد. كما تمتد انعكاساتها لتشمل الجوانب النفسية والجسدية والاجتماعية، ما يجعلها قضية مرتبطة بجوانب متعددة من حياة العاملين اليومية.
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
مع انتشار الألعاب الإلكترونية بين الأطفال، يزداد الجدل حول تأثير المحتوى العنيف على سلوكهم، خاصة في ظل قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، وبين التحذيرات التربوية والدراسات العلمية، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول حدود هذا التأثير ودور الأسرة في التعامل معه.
وقال الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي وباحث في المناهج وطرائق التدريس في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الأصل العلمي هنا أن يُقال: ليست كل لعبة عنيفة تُنتج طفلاً عدوانياً، لكن التعرّض المتكرر للمحتوى العنيف قد يتحول إلى عامل خطر مهم، خاصة عندما يترافق مع ضعف الرقابة الأسرية، وكثرة ساعات الشاشة، والهشاشة الانفعالية، والعزلة الاجتماعية، وغياب الحوار والتفريغ النفسي.
وأضاف أن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تذكر أن عقوداً من البحث تربط العنف الافتراضي بارتفاع الأفكار والمشاعر والسلوكات العدوانية عند الأطفال، كما أن دراسات حديثة ما تزال تجد ارتباطاً موجباً بين التعرض للعنف الإعلامي وبين العدوان، وإن كان حجم الأثر يختلف من دراسة إلى أخرى.
وأشار إلى أن هذه الألعاب تنعكس على تصرفات الطفل اليومية وتعاملاته مع الآخرين في عدة صور: سرعة الاستثارة، وضعف الصبر، إلى جانب ارتفاع الحساسية للاستفزاز، والميل إلى حل الخلاف بالقوة أو التهديد، إضافة إلى تراجع التعاطف، والاعتياد على الألفاظ الخشنة، عدا عن تحول اللعب من مساحة متعة إلى تدريب متكرر على الاستجابة العنيفة.
وبيّن أن بعض الأطفال لا يظهرون عدواناً مباشراً، لكن يظهر عليهم التبلد تجاه الألم، أو الضحك على الإيذاء، أو التقليد الحركي واللفظي للمشاهد التي شاهدوها، ما يجعل التعامل مع المسألة ليس كترفيه محايد دائم، بل خبرةً تربويةً متكررة قد تبني في الذهن “نموذجاً سلوكياً” جاهزاً للاستدعاء عند الغضب.
وأوضح الدكتور كنعان لـ "شام" أن هذه الألعاب تؤدي إلى زيادة السلوك العدواني عند بعض الأطفال، وأن الآلية التربوية المفهومة في هذه الحالة تقوم على ثلاثة مسارات: أولاً، التعلم بالملاحظة والتقليد؛ فالطفل يرى نموذجاً يضرب أو يهدد أو ينتصر بالعنف، فيتعلم أن هذا سلوك فعال، ثانياً، التكرار؛ فكلما تكرر المشهد خفّ استنكاره له، وثالثاً، التفاعل؛ فاللعبة ليست مشاهدة فقط، بل مشاركة وتنفيذ ومكافأة على الفعل العنيف، وهذا قد يجعل الأثر أعمق من مجرد المشاهدة السلبية.
وذكر أن دراسة طولية منشورة عام 2025 تابعت 259 طالباً في المرحلة الإعدادية على ثلاث موجات خلال سنة كاملة، وُجدت فيها علاقة تبادلية موجبة بين التعرض للعنف الإعلامي والعدوان؛ فالتعرض الأعلى تنبأ بعدوان أعلى لاحقاً، كما أن العدوان المرتفع ارتبط لاحقاً بمزيد من التعرض للعنف الإعلامي.
وفي المقابل، هناك دراسات أحدث تشكك في تضخيم أثر الألعاب العنيفة وحدها، وتدعو إلى قراءة أوسع تأخذ في الحسبان الشخصية والبيئة والعلاقات الأسرية، لهذا فالموقف العلمي المنضبط هو: نعم، هناك خطر معتبر، لكن ليس بشكل ميكانيكي وبسيط.
وفيما يتعلق بالفئة العمرية الأكثر تأثراً بهذه الألعاب، أشار الدكتور عماد إلى أن الأطفال غالباً هم الأكثر هشاشة في الطفولة المبكرة والمتوسطة، ثم بدايات المراهقة، مضيفاً أن في السنوات الأولى يكون الخيال والواقع أقل تمايزاً، والقدرة على الضبط الذاتي والنقد الأخلاقي ما تزال في طور التكوين، وفي بدايات المراهقة يزداد التأثر بالمثيرات والانفعال والبحث عن الإثارة والانتماء والتقليد.
ونوّه إلى دراسة حديثة استندت إلى بيانات طولية من كيبيك تابعت 975 بنتاً و987 ولداً، وركزت على الأعمار من 4 إلى 6 سنوات، وخلصت إلى وجود ارتباط موجب بين التعرض المبكر للمحتوى العنيف وتطور العدوان الانفعالي أو التفاعلي، مع دلالة واضحة على أن الاكتفاء بالرقابة المتأخرة بعد ظهور المشكلة ليس كافياً، ولفت إلى أن الدراسة الصينية الطولية تذكر أن مرحلة الإعدادية مرحلة حساسة فعلاً لهذا النوع من التأثيرات.
وأكد كنعان أن دور الأهل ليس المنع الأعمى فقط، بل القيادة التربوية الواعية، فالمطلوب من الوالدين أن يعرفا: ماذا يلعب الطفل؟ مع من؟ كم ساعة؟ ما طبيعة المكافآت داخل اللعبة؟ هل تقوم على القتل، أو السخرية، أو السرقة، أو الانتقام، أم على البناء والتعاون والتفكير؟
وشدد على عدم ترك الطفل وحده أمام الشاشة بحجة أنه “هادئ”، لأن بعض الهدوء الظاهر يكون في الحقيقة اندماجاً مقلقاً وانفصالاً تدريجياً عن الواقع، منوهاً إلى أن اليونيسف دعت بوضوح إلى تعليم الأطفال الثقافة الرقمية والأمان الرقمي، وإلى دعم الوالدين ببرامج تربية إيجابية، مع توفير تدخلات متخصصة للأطفال الذين تظهر لديهم سلوكيات مؤذية.
وفيما يتعلق بإمكانية تمييز الأهل بين الألعاب المناسبة وغير المناسبة لأطفالهم، أشار إلى وجود معايير عملية بسيطة، فاللعبة غير المناسبة هي التي تُكافئ على القتل أو الإيذاء، أو تُطبّع مع الشتائم والإهانة، أو تسمح بتواصل مفتوح غير مضبوط مع غرباء، أو تدفع إلى الإدمان عبر ساعات طويلة ومهام لا تنتهي، أو تحتوي على إثارة مفرطة لا تناسب عمر الطفل.
أما اللعبة المناسبة فهي التي تراعي العمر، وتنمي التفكير أو التعاون أو الإبداع أو حل المشكلات، وتكون خالية من العنف الفج أو الإثارة الجنسية أو اللغة السوقية، ويمكن للأهل فهم محتواها ومتابعته بسهولة، والمهم جداً ألا يكتفي الأهل باسم اللعبة أو شهرتها، بل يشاهدوا فعلياً دقائق من اللعب أو يجربوها بأنفسهم، كما أن الإشارات العمرية والتصنيفات تساعد، لكنها لا تكفي وحدها من دون متابعة أسرية واعية.
وأكد أن أفضل بديل ليس “إبعاد الشاشة” فحسب، وإنما “ملء الفراغ بما هو أجمل”، لذلك ينصح بستة بدائل عملية، وهي: الرياضة المنتظمة، خاصة ما يفرغ الطاقة ويعلم الانضباط، والألعاب الجماعية التعاونية لا التنافسية فقط، إلى جانب القراءة القصصية والحوار حول الشخصيات والقيم، والأنشطة الفنية كالرسم والتركيب والأعمال اليدوية والتمثيل الهادف، فضلاً عن المهام المنزلية الصغيرة التي تعزز المسؤولية، والصحبة الطيبة والأنشطة المجتمعية والكشفية.
وأوضح أن الطفل إذا وجد متعة بديلة، وانتماءً حقيقياً وفرصة نجاح محسوسة، يقلّ تعلّقه بالعنف الافتراضي، وهنا يتم الاستفادة من التوجيهات المعاصرة في التربية الإيجابية، ومن فكرة دويك الشهيرة بأننا نمدح الجهد والاستراتيجية والمثابرة، لا مجرد “الذكاء” كصفة جامدة؛ لأن بناء الطفل من الداخل يقلل حاجته إلى التعويض العدواني من الخارج.
ووجّه الدكتور عماد كنعان مجموعة من النصائح للأهالي، تتمثل بـ: عدم جعل الهاتف أو الجهاز مربّياً بديلاً، ووضع وقت يومي محدد للشاشات، ووقت آخر خالٍ منها قبل النوم، إلى جانب مراقبة المحتوى قبل الوقت؛ فالمشكلة ليست في عدد الساعات فقط، بل في نوع المادة.
وأشار إلى ضرورة اللعب مع الطفل ومتابعة الألعاب التي يشاهدها، للتعرف على عالمه، وملاحظة العلامات التحذيرية، كالألفاظ العدوانية، وتقليد إطلاق النار، والتلذذ بالإيذاء، والعصبية بعد المنع، والعزلة، واضطراب النوم، فضلاً عن تعليم الطفل تسمية مشاعره: غضب، خوف، غيرة، إحباط؛ لأن الطفل الذي يعبّر أقلّ عنفاً من الطفل الذي ينفجر.
ونوّه إلى أهمية ربط الانضباط بالشرح والاحتواء، لا بالصراخ وحده، وبناء علاقة حوار يومية قصيرة لكن ثابتة، فالوقاية تبدأ قبل المشكلة، وشدد على وجوب استشارة مختص نفسي أو تربوي مبكر في حال ملاحظة تحول سلوكي واضح ومستمر، إلى جانب حماية الطفل من اجتماع ثلاثة أشياء معاً: محتوى عنيف، وعزلة طويلة، وإهمال انفعالي؛ مؤكداً أنها من أخطر التركيبات التربوية.
وأكد أن الألعاب العنيفة ليست السبب الوحيد في السلوك العدواني، لكنها قد تكون عامل خطر مؤثر، خاصة عند الطفل الذي يفتقد الاحتواء والرقابة والبدائل الصحية، مضيفاً في ختام حديثه أن الحماية الحقيقية لا تقوم على المنع وحده، بل على بناء عقل الطفل، وتهذيب انفعاله، وتنظيم بيئته الرقمية، وإشباعه بالحب والحوار والأنشطة النافعة.