انتشار زهرة النيل في نهر العاصي: تداعيات بيئية ومخاطر على الموارد المائية
انتشار زهرة النيل في نهر العاصي: تداعيات بيئية ومخاطر على الموارد المائية
● مجتمع ٤ مايو ٢٠٢٦

انتشار زهرة النيل في نهر العاصي: تداعيات بيئية ومخاطر على الموارد المائية

تشهد أجزاء من نهر العاصي انتشاراً متزايداً لزهرة النيل على سطح المياه، في ظاهرة باتت ملحوظة في أكثر من موقع خلال الفترات الأخيرة، ومع اتساع رقعة هذا الانتشار، بدأت تظهر انعكاسات واضحة على شكل النهر ووظيفته، ما يثير مخاوف متزايدة حول تأثيراتها على الموارد المائية والزراعة في المنطقة، خاصة في ظل ظروف بيئية وخدمية غير مستقرة.

تنمو هذه النبتة بسرعة كبيرة وتشكل غطاءً كثيفاً يعيق جريان المياه ويحد من وصول الضوء والأوكسجين، ما يؤثر على جودة المياه والكائنات الحية فيها، كما ينعكس انتشارها على وصول مياه الري إلى الأراضي الزراعية، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى فهم أوسع لأسباب انتشارها والبحث في طرق فعالة للحد منها.


تُعدّ زهرة النيل نباتاً مائياً موطنه الأصلي حوض الأمازون في أميركا الجنوبية، وقد جرى التعرف عليه في أوروبا والولايات المتحدة خلال أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى عدد كبير من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، بما في ذلك بعض الدول العربية.

تعود تسمية “زهرة النيل” إلى ارتباط هذا النبات تاريخياً بمياه نهر النيل في مصر، حيث انتشر بكثافة ولاحظ الناس شكله المميز حين تغطي أزهاره سطح المياه، فأصبحت هذه التسمية متداولة، رغم أن موطنه الأصلي يقع خارج المنطقة.

زهرة النيل: تهديد بيئي متصاعد في نهر العاصي

قال المهندس علي عبد الكريم الهواري، مهندس زراعي يعمل حالياً قائد فريق في منظمة وطن ضمن قسم الأمن الغذائي وسبل العيش، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن زهرة النيل (Eichhornia   crassipes) تُعدّ من أخطر النباتات المائية الغازية في العالم، وقد شكّل انتشارها في نهر العاصي تهديداً بيئياً واقتصادياً وصحياً متزايداً، لا سيما في السنوات الأخيرة، نتيجة ضعف الإدارة المائية والتغيرات المناخية.

وأضاف الهواري أن زهرة النيل تتكاثر بسرعة كبيرة، حيث تشكّل غطاءً كثيفاً على سطح المياه، ما يمنع وصول الضوء إلى الكائنات النباتية المغمورة ويؤدي إلى تراجع عملية التمثيل الضوئي، إلى جانب انخفاض نسبة الأوكسجين الذائب نتيجة تحلل النبات، الأمر الذي يسبب نفوق الأسماك والكائنات المائية، ويخلّ بالتوازن البيئي الطبيعي للنهر، مهددًا التنوع الحيوي.

وأشار إلى أن تراكم هذا النبات يؤدي إلى إعاقة جريان المياه وارتفاع منسوبها في بعض المقاطع، ما يزيد من خطر الفيضانات، خاصة خلال مواسم الأمطار، فضلاً عن تعطيل عمل المنشآت المائية مثل السدات والأقنية ومحطات الضخ.


أسباب الانتشار وتداعياته على المياه والزراعة

ولفت إلى أن زهرة النيل تعيق وصول مياه الري إلى الأراضي الزراعية، وتستهلك كميات كبيرة من المياه، ما يفاقم مشكلة الشح المائي، عدا عن أن كتلها الكثيفة توفّر بيئة مناسبة لتكاثر البعوض والحشرات الناقلة للأمراض.

وتحدث الهواري لـ "شام" عن أبرز أسباب انتشار زهرة النيل، موضحًا أن غياب الإدارة الفعّالة للمجاري المائية، وضعف الرقابة الدورية، وعدم تنفيذ برامج منتظمة لإزالة النباتات الغازية، أسهمت في تفاقم المشكلة، حيث تُترك لفترات طويلة دون معالجة.

كما أشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وطول فصل الصيف وفّرا ظروفاً مثالية لتكاثر النبات، إذ ينمو بسرعة في المياه الدافئة والهادئة، مضيفاً أن تراجع منسوب المياه وبطء الجريان، سواء بسبب السدود أو الاستخدامات غير المنظّمة، ساعدا على تثبيت وانتشار زهرة النيل.

وبيّن أن مياه الصرف الصحي والمخلّفات الزراعية غير المعالجة ساهمت في زيادة تركيز العناصر الغذائية، مثل النيتروجين والفوسفور، ما عزّز نمو النبات بشكل كبير، لافتًا إلى أن ضعف الوعي لدى السكان والمزارعين بخطورة زهرة النيل كنبات غازي أدى إلى تجاهل إزالتها في مراحلها الأولى.

مكافحة متكاملة لمواجهة تهديد الأمن المائي والغذائي

وأوضح المهندس علي في حديث لـ شام أن مكافحة زهرة النيل تتطلب نهجاً متكاملاً، إذ لا يمكن الاعتماد على وسيلة واحدة فقط، مشيراً إلى أن من أبرز هذه الأساليب الإزالة الميكانيكية، سواء اليدوية في المقاطع الضيقة، أو باستخدام الآليات والقوارب المخصّصة، مع ضرورة التخلص الآمن من النباتات بعيدًا عن المجاري المائية.

وأضاف أن تحسين إدارة المياه يُعد عاملاً أساسياً، من خلال زيادة سرعة الجريان، وإزالة العوائق، وتنظيم السحب العشوائي للمياه، نظراً لأن النبات ينمو بشكل أكبر في المياه الراكدة والبطيئة.

كما لفت إلى إمكانية الاستفادة من زهرة النيل بعد إزالتها، عبر تحويلها إلى سماد عضوي (كومبوست)، أو استخدامها كأعلاف ضمن إشراف فني، ما يتيح تحويل المشكلة إلى فرصة.

وأكد أن التوعية المجتمعية عنصر أساسي في أي خطة ناجحة، من خلال توعية المزارعين بخطورة النبات، وإشراك المجتمع المحلي في المراقبة المبكرة، ومنع إعادة رميه في المجاري المائية.

وأشار إلى وجود أخطاء شائعة في مكافحتها، أبرزها الاكتفاء بالإزالة المؤقتة دون متابعة دورية، وغياب برامج الصيانة المستمرة، إضافة إلى ترك النبات المُزال قرب المجاري المائية، ما يسهم في إعادة انتشاره، كما نبه إلى أن تجاهل إشراك المجتمع المحلي يؤدي إلى ضعف المراقبة وإعادة رمي النبات في المياه، ما يعقّد جهود الحد من انتشاره.

وفي ما يتعلق بتأثير زهرة النيل على الأمن المائي، أوضح أنها من أكثر النباتات استهلاكاً للمياه، حيث يستهلك النبات الواحد ما بين 1.3 إلى 2.5 لتر يومياً في الظروف الدافئة، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد المائية، خاصة في الأنهار ضعيفة الجريان.

وأضاف أن وجودها يعيق منظومات الري من خلال سد الأقنية والتسبب باختناقات في محطات الضخ والسدات، ما يقلل من كفاءة توزيع المياه، وبيّن أن هذا التأثير ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي، نتيجة صعوبة وصول مياه الري، ما يؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة، وانخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الإنتاج على المزارعين.

كما أشار إلى تأثيرها على الثروة السمكية، نتيجة انخفاض الأوكسجين في المياه، ما يؤدي إلى نفوق الأسماك وتراجع مصادر الغذاء، ويهدد دخل الصيادين.

وأكد في ختام حديثه أن زهرة النيل تشكل تهديداً حقيقياً للأمن المائي والغذائي إذا لم تُواجه بإجراءات علمية مستدامة، مشدداً على أن التعامل معها يجب أن يكون أولوية، من خلال خطط متكاملة تشمل الرصد المبكر، والإزالة الدورية، والحد من مصادر التلوث، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ