الأطفال العائدون إلى سوريا: تحديات التكيّف بين التعليم والبيئة الجديدة
الأطفال العائدون إلى سوريا: تحديات التكيّف بين التعليم والبيئة الجديدة
● مجتمع ٤ مايو ٢٠٢٦

الأطفال العائدون إلى سوريا: تحديات التكيّف بين التعليم والبيئة الجديدة

تتزايد عودة العائلات السورية إلى مناطقها الأصلية بعد سنوات من النزوح، بما في ذلك عائلات قادمة من دول مثل تركيا وبعض الدول الأوروبية، حيث عاش الأطفال في بيئات أكثر استقراراً من حيث التعليم والخدمات، ومع هذه العودة، يواجه الأطفال واقعاً مختلفاً يتطلب التكيّف مع ظروف جديدة على المستويين التعليمي والاجتماعي.

في هذا السياق، تبرز صعوبات تتعلق بالفروقات بين الأنظمة التعليمية، وضعف الخدمات في بعض المناطق، إلى جانب تحديات لغوية واجتماعية، خاصة لدى الأطفال الذين نشأوا خارج سوريا، حيث تشير معطيات وشهادات إلى أن العودة بالنسبة لهؤلاء لا تعني استعادة مكان مألوف، بل الانتقال إلى بيئة جديدة، ما ينعكس في تحديات مرتبطة بالاندماج والشعور بالأمان، ويستدعي دعماً من الأسرة والمحيط.

تجربة عائلة عائدة من تركيا

وقالت مطيعة أسود، وهي سيدة تقيم في إدلب، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إنها أمضت مع عائلتها عشر سنوات في مدينة إسطنبول التركية، مشيرةً إلى أن أبناءها واجهوا بعد العودة تحديات عدة، أبرزها الفروق بين النظام التعليمي في تركيا والمدارس الحالية، وأوضحت أنها لمست في المدارس التركية مستوى أكبر من التشجيع والدعم للطلاب، لافتةً إلى أن أبناءها عانوا أيضاً من صعوبات في اللغة العربية.

وأضافت أنها تولّت تدريس ابنتها، التي كانت في الصف الثامن العام الماضي، بنفسها، حيث بدأت معها بأساسيات اللغة العربية كالفعل والفاعل، لمساعدتها على تجاوز الصعوبات، وأشارت إلى أن التحديات لم تقتصر على الجانب التعليمي، إذ لفتت إلى غياب الحدائق وأماكن اللعب مقارنة بما كان متوفرًا في تركيا، إلى جانب ضعف البنية التحتية والخدمات.

وأكدت في المقابل وجود جوانب إيجابية للعودة، تمثلت في رجوع الأبناء إلى بلدهم وأقاربهم، مشيرةً إلى أنهم في تركيا لم يتمكنوا من تملّك منزل، ولفتت إلى أن ابنتها، رغم تميّزها في لعبة الشطرنج، لم تُتح لها فرصة المشاركة في إحدى المسابقات بسبب كونها سورية، كما أوضحت أنها وزوجها كانا يعملان في مجالات لا تتوافق مع اختصاصهما، قبل أن يتمكنا بعد العودة من استئناف العمل في مجاليهما.


العودة بعد النزوح: صدمة مزدوجة وصراع في الأمان والانتماء لدى الأطفال

وقالت الأخصائية النفسية رهف قرنفل في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عودة الأطفال بعد نزوح طويل تحمل أثراً نفسياً مركّباً، إذ قد يشعر الطفل بالارتياح لانتهاء حالة عدم الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه قد يواجه صدمة نتيجة تغيّر المكان وفقدان عناصر الأمان التي يتوقعها.

وأوضحت أن تجربة الأطفال تختلف عن تجربة الأهل، خاصة في حالات النزوح الطويلة، حيث إن كثيراً من الأطفال لا يمتلكون ذكريات حقيقية عن مناطقهم الأصلية، ما يجعل “العودة” بالنسبة لهم انتقالاً إلى بيئة جديدة، في حين يرتبط الأهل عاطفيًا بالمكان، وبيّنت أن هذا التباين قد يضع الطفل أمام شعور بالاقتلاع النفسي، إذ يُطلب منه مغادرة بيئة اعتادها إلى أخرى لا تحمل له المعنى ذاته.

وأضافت أن بعض الأطفال يواجهون ما يشبه “صدمة الواقع”، حين يصطدمون ببيئة مختلفة عمّا تخيّلوه، من حيث الدمار أو ضعف الخدمات، ما قد يخلق لديهم شعوراً بالغربة وخيبة الأمل، ويؤثر على إحساسهم بالأمان.

ولفتت إلى أن هذا الانتقال قد يرافقه صراع في الهوية والانتماء، خاصة لدى الأطفال الذين عاشوا في بيئات مختلفة ثقافياً أو لغوياً، ما قد ينعكس صعوبة في الاندماج وشعورًا بالعزلة، كما أشارت إلى أن نسبة من الأطفال تظهر لديهم أعراض ضغط نفسي أو صدمة، تتفاقم مع التغيّرات المفاجئة أو المثيرات المرتبطة بتجارب سابقة.

ونوّهت إلى ظهور أعراض مثل القلق والتوتر واضطرابات النوم، خاصة مع فقدان الروتين اليومي والأصدقاء، ما يؤثر على التوازن النفسي والسلوكي للطفل، مؤكدة أن العودة تمثّل مرحلة انتقالية تحتاج إلى وقت ودعم مناسب.

وفيما يتعلق بتأثير تغيّر البيئة، أوضحت أن فقدان الروتين اليومي يؤثر بشكل مباشر على شعور الطفل بالأمان، إذ يمنحه الروتين إحساساً بالاستقرار والسيطرة

 وأضافت أن غياب هذا التنظيم قد يؤدي إلى القلق وضعف التركيز واضطرابات النوم، إلى جانب شعور بعدم الألفة عند الانتقال إلى بيئة جديدة، خاصة في ظل ضعف الخدمات أو غياب المساحات الآمنة، وبيّنت أن الأطفال يعبّرون عن هذا الاضطراب بطرق مختلفة، كالتعلّق الزائد بالأهل أو العصبية أو صعوبات التكيّف، خاصة في البيئة المدرسية.

رسالة إلى الأهالي: الاحتواء والصبر مفتاح التكيّف وبناء شعور الأمان لدى الأطفال

وفي رسالتها للأهالي، شددت قرنفل على أن الطفل يحتاج إلى الاحتواء والصبر أكثر من الحلول السريعة، موضحة أن هذه التغيرات ليست مؤقتة، بل تجارب تؤثر في إحساسه بالأمان والانتماء، وأشارت إلى أن ما يظهر من مشاعر كالحزن أو الرفض هو أمر طبيعي، ويحتاج إلى تعامل هادئ بعيد عن الضغط أو المقارنات.

وأضافت لـ "شام" أن بعض الأطفال مرّوا بتجارب انتقال متكرر، ما يجعلهم أكثر حساسية تجاه التغيير، ويحتاجون وقتاً أطول لاستعادة شعور الاستقرار، لافتة إلى أهمية تفهّم الفروقات في التجارب، سواء على مستوى التعليم أو اللغة أو العلاقات الاجتماعية.

كما نوهت إلى أثر غياب المساحات الآمنة للعب، خاصة في المناطق المتضررة، ما يحدّ من فرص التفاعل الاجتماعي الضروري لنمو الطفل، وأكدت أهمية توعية المحيط بأن هذه السلوكيات طبيعية، وضرورة تجنّب النقد والمقارنات، مع تعزيز الدعم من الأسرة والمجتمع.

وفي المقابل، لفتت إلى وجود جوانب إيجابية في مرحلة العودة، مثل استعادة الانتماء وبناء الروابط العائلية، إلى جانب فرصة الاستقرار التدريجي، ما يمنح الأطفال إحساساً بالأمل.

وأكدت أن الطفل يحتاج إلى الشعور بأن ما يمر به ليس فقداناً فقط، بل بداية جديدة، يمكن أن تتحقق من خلال الاحتواء الأسري والدعم المحيط وتوفير بيئة آمنة تساعده على التكيّف.

وفي هذا الإطار، يشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن بعض الأطفال قد لا يعبّرون عن صعوباتهم بشكل مباشر، بل تظهر عبر سلوكيات مثل الانسحاب أو تراجع الاهتمام بالدراسة. 

ويؤكدون أهمية ملاحظة هذه التغيرات مبكراً، وإتاحة مساحة آمنة للحوار، مع دعم الطفل في بناء روتين يومي تدريجي وتشجيعه على التفاعل، كما ينصحون باللجوء إلى مختصين عند استمرار هذه المؤشرات، بما يساعد الطفل على تجاوز هذه المرحلة واستعادة توازنه.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ