المقارنة بين الأطفال… أسلوب يُستخدم للتحفيز ويخلّف آثاراً نفسية
المقارنة بين الأطفال… أسلوب يُستخدم للتحفيز ويخلّف آثاراً نفسية
● مجتمع ٤ مايو ٢٠٢٦

المقارنة بين الأطفال… أسلوب يُستخدم للتحفيز ويخلّف آثاراً نفسية

ابن خالتك أفضل منك"، "ليتك تكون مثل شقيقتك"، "ابن خالك أذكى منك"... عبارات مقارنة تتكرر في كثير من البيوت السورية، وتُقال غالباً بدافع التحفيز أو الرغبة في دفع الطفل نحو الأفضل، إلا أن هذا الأسلوب، الذي يبدو عادياً في نظر بعض الأهالي، قد يترك آثاراً نفسية سلبية عميقة على الطفل، تنعكس على ثقته بنفسه وسلوكه وعلاقاته مع الآخرين.

وتعود أسباب لجوء بعض الأهالي إلى استخدام أسلوب المقارنة في تعاملهم مع أبنائهم إلى عدة عوامل، من أبرزها الاعتقاد بأنها وسيلة فعّالة للتحفيز ودفع الطفل نحو التفوق، إلى جانب التأثر بالبيئة الاجتماعية المحيطة التي تكرّس هذا الأسلوب وتتعامل معه كأمر اعتيادي. 

كما تلعب الرغبة في تحقيق صورة مثالية للأسرة أمام الآخرين دوراً في ذلك، فضلاً عن اعتماد بعض الأهالي على تجارب تربوية سابقة نشأوا عليها، فيعيدون تطبيقها دون إدراك لانعكاساتها على الطفل.


المقارنة بين الأطفال… دوافعها وآثارها النفسية والسلوكية

وقالت الأخصائية الاجتماعية الأسرية صفاء الصالح، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن بعض الأهالي يلجأون إلى أسلوب المقارنة في تعاملهم مع أبنائهم، بدافع التحفيز أو نتيجة تأثرهم بالبيئة والثقافة الاجتماعية المحيطة، وذلك بهدف دفعهم نحو التفوق والحفاظ على الصورة الاجتماعية للأسرة.

وأضافت أن الأطفال يبدأون بملاحظة الفروقات بينهم وبين الآخرين في عمر يتراوح بين 4 و6 سنوات، ويتعزز هذا الشعور مع دخولهم المدرسة. وأوضحت أن الطفل الأصغر سناً قد يفسّر المقارنة كرسالة مباشرة موجهة إليه، ولفتت إلى أن الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالطفل الحساس قد يتأذى نفسياً بشكل أكبر، بينما قد يحوّلها الطفل العنيد إلى سلوكيات عدوانية.

وأكدت أن المقارنة تترك آثاراً عميقة على الأطفال، من بينها ضعف تقدير الذات، والشعور بالإحباط، والقلق الدائم والخوف من الوقوع في الخطأ، إضافة إلى الحساسية المفرطة، وشعور الطفل بعدم القبول داخل أسرته.

وأشارت إلى أن هذه الممارسات تخلّف تداعيات تنعكس على ثقة الطفل بنفسه وعلاقاته مع الآخرين، إذ قد يشعر بأنه أقل من غيره، ما يضعف ثقته بذاته، كما تؤثر على علاقته بإخوته، فتولد الغيرة والتنافس السلبي، في حين قد تنعكس على علاقاته مع أقرانه بسلوكيات مختلفة، كأن يصبح خجولاً أو عدوانياً، أو يميل إلى إرضاء الآخرين على حساب نفسه.

ونوّهت إلى أن المقارنة تنعكس بشكل مباشر على سلوك الطفل، إذ قد يصبح أكثر انطواءً أو عصبية، وقد يميل إلى السلوك العدواني، إضافة إلى ضعف مشاركته في المدرسة أو تجنّبه لها خوفاً من الفشل، فضلاً عن لجوئه أحياناً إلى لفت الانتباه بطرق خاطئة.

بدائل تربوية للمقارنة… من الضغط إلى الدعم الإيجابي

وذكرت صفاء الصالح أن معظم العائلات تلجأ إلى المقارنة بدافع التحفيز، إلا أنها في الواقع لا تحقق هذا الهدف، بل تسهم في خلق حالة من الازدواجية داخل شخصية الطفل، إذ إن الشعور بالضغط لا يدفعه إلى النجاح بقدر ما يضعف ثقته بنفسه ويعزز لديه الإحساس بعدم القبول.

وفيما يتعلق بالبدائل التربوية، أشارت إلى أهمية اعتماد أساليب أكثر إيجابية، تقوم على مقارنة الطفل بنفسه بدلاً من مقارنته بالآخرين، والتركيز على الجهد المبذول لا على النتائج فقط، إلى جانب تعزيز نقاط القوة لديه، ووضع أهداف واقعية قابلة للتحقيق، وتشجيعه بدلاً من توجيه النقد المستمر، فضلاً عن تعزيز روح التعاون مع إخوته بدلاً من المنافسة بينهم.

ونصحت الأخصائية الاجتماعية الأسرية الأهالي باستخدام عبارات داعمة، مثل: "أعجبني اجتهادك" بدلاً من "انظر إلى أخيك، هو أفضل منك"، إلى جانب تخصيص وقت خاص للطفل يشعر فيه بالاهتمام غير المشروط، والتركيز على مهاراته، والسماح له بخوض التجارب دون خوف، فضلاً عن تشجيعه حتى على التحسن البسيط، والعمل على جعل المنزل بيئة آمنة وداعمة له.

ويرى أخصائيون نفسيون أن لجوء بعض الأهالي إلى أسلوب المقارنة يرتبط أحياناً بمحاولة ضبط سلوك الطفل بسرعة، خاصة في ظل ضغوط الحياة اليومية وقلة الوقت المخصص للتربية الهادئة، ما يدفعهم لاستخدام أساليب مباشرة يعتقدون أنها تحقق نتائج فورية. 

كما يشيرون إلى أن المقارنة قد تكون انعكاساً لقلق الأهل على مستقبل أبنائهم، فيلجؤون إلى ربط أدائهم بمعايير خارجية بشكل مستمر، ويلفتون أيضاً إلى أن غياب الوعي بالفروق الفردية بين الأطفال يسهم في ترسيخ هذا الأسلوب، حيث يتم التعامل مع جميع الأبناء وفق توقعات موحدة، دون مراعاة قدراتهم وميولهم المختلفة.

ويؤكد أخصائيون نفسيون أن الحد من أسلوب المقارنة يبدأ بتغيير طريقة تفاعل الأهل مع أبنائهم، من خلال اعتماد أساليب تقوم على الفهم والتوجيه بدلاً من المقارنة المباشرة، والحرص على الاستماع للطفل ومنحه مساحة للتعبير عن نفسه. 

كما يشددون على أهمية مراعاة اختلاف الأطفال في قدراتهم واهتماماتهم، وتقديم الدعم بطريقة تعزز شعوره بالقدرة والاستقلالية، إلى جانب بناء تواصل إيجابي قائم على التشجيع والاحتواء، ما يسهم في تعزيز توازنه النفسي وتطوره بشكل صحي.

وتُعدّ المقارنة من الأساليب التي يلجأ إليها بعض الأهالي بدافع تحفيز أبنائهم أو توجيههم عند الخطأ، أملاً في دفعهم نحو أداء أفضل، إلا أن هذه الممارسة، بحسب مختصين، قد تترك تداعيات سلبية تنعكس على ثقة الطفل بنفسه وسلوكه وعلاقاته، في مقابل طرح بدائل تربوية تقوم على أساليب أكثر دعماً للطفل.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ