الصحة النفسية في سوريا… بين الأهمية والتحديات وانعكاسات الإهمال
الصحة النفسية في سوريا… بين الأهمية والتحديات وانعكاسات الإهمال
● مجتمع ٥ مايو ٢٠٢٦

الصحة النفسية في سوريا… بين الأهمية والتحديات وانعكاسات الإهمال

في ظل الظروف التي يعيشها كثير من الأفراد في سوريا، لا يزال الجانب النفسي لدى البعض مهملاً أو يُنظر إليه على أنه أمر ثانوي، رغم ما يتركه من آثار واضحة على حياة الإنسان.

 ويعتقد البعض أن ما يمرون به من ضغوط ومشاعر سلبية هو أمر طبيعي يمكن تحمّله دون الحاجة إلى متابعة أو دعم، إلا أن هذا الإهمال لا ينعكس على الشخص نفسه فقط، بل يمتد ليؤثر على سلوكه وعلاقاته، خاصة مع من حوله.


في هذا السياق، تبرز الصحة النفسية كعامل أساسي في حياة الأفراد في سوريا، خاصة في ظل ما مرّ به كثيرون من تجارب قاسية خلال السنوات الماضية، فقد خلّفت أحداث مثل النزوح، وفقدان الأحبة، وتراجع الموارد المالية، والتعرض للقصف، وما رافق ذلك من خوف ورعب، آثاراً نفسية عميقة لدى الأفراد.

ومع ذلك، لا يزال هذا الجانب مهملاً لدى البعض، رغم ما يتركه من تداعيات تنعكس على حياتهم اليومية وعلى علاقتهم بمن حولهم، ما يجعل التعامل معه ضرورة لا تقل أهمية عن بقية الجوانب المرتبطة باستمرار الحياة والتكيف مع الظروف.

الصحة النفسية بعد الكوارث… أساس التعافي واستعادة التوازن

قالت الدكتورة إيمان تللو، طبيبة بشرية خريجة جامعة حلب، اختصاص طب نفسي، والمصنفة لدى هيئة التخصصات الطبية السعودية، ولديها خبرة تمتد لنحو 20 عاماً في العمل في مشافي الصحة النفسية في المملكة العربية السعودية، وفي الطب النفسي العيادي وأيضاً عبر الاستشارات أونلاين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الصحة النفسية تُعد حجر الزاوية في قدرة الإنسان على إعادة بناء حياته بعد الكوارث.

وأضافت أن أهمية الصحة النفسية بعد النزوح والفقد تكمن في استعادة التوازن؛ فهي المحرك الذي يسمح للفرد بالعمل، ورعاية أسرته، والتكيف مع البيئة الجديدة، مشيرةً إلى أنه بدونها يتحول الألم من جرح عابر إلى إعاقة تمنع الاستمرار في الحياة.

وأشارت إلى أن التجارب القاسية تؤدي غالباً إلى ما يُعرف بصدمات الفقد والنزوح، والتي تظهر في أشكال متعددة، منها فقدان الشعور بالأمان والانتماء، واضطراب الهوية، وطرح تساؤلات مثل: من أنا بعد خسارة منزلي وعملي؟، إضافة إلى الشعور بالذنب أو ما يُعرف بعقدة الناجي.

لماذا يتردد البعض في طلب الدعم النفسي؟

ولفتت إلى أن من أسباب تردد الأهالي في طلب المساعدة الخوف من "الوصمة"، أي الاعتقاد الخاطئ بأن العلاج النفسي مخصص فقط لحالات "الجنون"، إلى جانب ثقافة الصبر التي تربط المعاناة النفسية بضعف الإيمان أو قلة الصبر، مما يجعل الشكوى تبدو تذمراً، فضلاً عن الجهل بالبدائل وعدم معرفة وجود تخصصات تتعامل مع الصدمات، وليس فقط الأمراض العقلية المزمنة.

وبيّنت الدكتورة في تصريح لـ شام أن من أسباب إنكار أهمية الجانب النفسي أيضاً الأولويات المادية، إذ ينشغل الناس بتأمين المأكل والمأوى، ويعتبرون الصحة النفسية ترفاً، إضافة إلى آليات الدفاع، حيث يُعد الإنكار وسيلة لا شعورية للهروب من مواجهة الألم العميق الذي قد لا يطيقه الشخص.

ونوهت إلى أن إهمال الجانب النفسي يؤدي إلى تداعيات عدة، منها تحول الألم النفسي إلى أعراض جسدية مثل الصداع المزمن وآلام الظهر والقرحة، إضافة إلى تفكك الروابط الأسرية نتيجة العصبية المفرطة أو الانعزال، فضلاً عن توارث الصدمات عبر الأجيال من خلال انتقال القلق من الآباء إلى الأبناء.

متى نطلب المساعدة؟… مؤشرات تستدعي التدخل النفسي

وذكرت أن هناك علامات تستوجب مراجعة المختص، من بينها اضطرابات النوم والشهية المستمرة لأكثر من أسبوعين، ونوبات الغضب أو البكاء غير المبرر، والانعزال الاجتماعي التام، وفقدان الشغف بما كان ممتعاً، إضافة إلى تراود أفكار إيذاء النفس أو الشعور باليأس المطبق من المستقبل.

وتحدثت عن سبل تعزيز الوعي في سوريا، مشيرة إلى أهمية عرض نماذج واقعية لقصص نجاح لأشخاص تجاوزوا الصدمات بمساعدة نفسية، ودمج التوعية بمفاهيم الصحة النفسية ضمن المبادرات الإغاثية والتعليمية، إلى جانب تغيير المصطلحات باستخدام عبارات مثل "دعم الصمود" أو "تفريغ الضغوط" بدلاً من "علاج نفسي" لتقليل الحساسية المجتمعية.

وقدمت تللو مجموعة من النصائح العملية للاهتمام بالصحة النفسية، منها قبول المشاعر، والتأكيد على أن الحزن والقلق بعد الكوارث رد فعل طبيعي لظرف غير طبيعي، إضافة إلى أهمية خلق روتين يومي بسيط يعيد الشعور بالسيطرة، وتعزيز التواصل الاجتماعي مع المقربين، فضلاً عن التوثيق من خلال الكتابة أو التدوين، لما له من دور في مساعدة العقل على ترتيب أحداث الصدمة ومعالجتها تدريجياً.

ويرى مختصون في الصحة النفسية أن التحدي لا يكمن فقط في قسوة التجارب، بل في طريقة التعامل معها، حيث يؤدي كبت المشاعر وغياب مساحة آمنة للتعبير إلى تفاقمها مع الوقت، مشيرين إلى أن الدعم لا يقتصر على العلاج، بل يبدأ من المحيط القريب عبر الاستماع وتفهم المشاعر دون تقليل منها، ويؤكدون أن طلب المساعدة لا يُعد ضعفاً، بل خطوة ضرورية للحفاظ على التوازن النفسي.

وفي المقابل، يوضح المختصون أن استمرار تجاهل هذا الجانب قد ينعكس بشكل أعمق مع الوقت، إذ يؤدي إلى ضعف القدرة على التعامل مع المواقف اليومية، وتراجع مستوى التوازن النفسي، ما يجعل الفرد أكثر عرضة للاضطراب تحت ضغط الظروف. 

كما ينوهون إلى أن هذا الإهمال قد يحدّ من قدرة الشخص على طلب المساعدة في الوقت المناسب، ويؤخر عملية التعافي، الأمر الذي يضاعف من أثر الضغوط على حياته الشخصية والاجتماعية.

تُعدّ الصحة النفسية جانباً أساسياً في حياة الأفراد، وتتأثر بالظروف والتجارب التي يمرون بها، كما أن التعامل معها أو إهمالها ينعكس على سلوك الفرد وعلاقاته وقدرته على التكيف مع محيطه.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ