٢٠ أبريل ٢٠١٥
غالباً ما كان الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله يتمتع بحجّة قوية تزيده قوة لدى الرأي العام المحلي والعربي، لكنه بدأ يفقد تلك الحجّة في الفترة الأخيرة، وتحديداً منذ العام 2008 عندما غطّى "انقلاباً" في بيروت، فأُنزلت صوره من شرفات العالم العربي، وزادت حدة المشهد في العام 2011 مع قراره المنفرد من دون الجيش والشعب اللبنانيين باقتحام الصراع السوري مشكّلاً "قوات ردع" للشعب السوري في رفضه النظام القائم، فأقحم معه لبنان، وأسقط ثلاثيته الشهيرة "الجيش والشعب والمقاومة".
أما قمة عدم الإقناع، فجاءت من البوابة اليمنية، ذلك أن إقحام الحزب نفسه في اليمن غير مبرّر لبنانيّاً على الإطلاق. فليس من خطر حدودي كما تدعي الحجة للتدخل في سوريا، وليس من حماية للمقدسات الشيعية كما كان التبرير السوري أولا، وليس من مصالح مشتركة مع اليمن غير السعيد، بل على النقيض من ذلك، فإن مصالح لبنان التي باتت معرّضة للخطر، تقوم مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، ولو كان غير ذلك لكنّا شاهدنا آلافاً من شباب لبنان يسافرون باستمرار الى ايران للعمل، أو يبادرون الى فتح مصالح هناك. لكن الواقع مختلف تماماً، فلا مصالح لبنانية حقيقية مع اليمن أو مع ايران.
أما حجّة الشعب المظلوم، فتسقط من تلقائها، لأن الحزب ليس وكالة أممية لحقوق الانسان، ولم تكلفه دولة أو جهة للدفاع عن حقوق الشعوب المقهورة، وهذه لها مثيلات على امتداد العالم العربي، وفي كل العالم. وثمة مظلومون أيضاً في لبنان، وبعضهم يلحقه ظلم من سياسات "حزب الله" نفسه، إذ يعطّل الحزب انتخاب رئاسة الجمهورية وتعيينات كثيرة وغيرها من الامور التي تطول لائحتها.
أما الحق، فلم يكن مرادفاً لإيران على حساب الدول الأخرى الحليفة والصديقة، وعبثاً يحاول البعض إقناع اللبنانيين بصوابية خيار الحزب الى جانب الحوثيين، فإن الجواب الأكثر شيوعاً اننا غير معنيين بالامر، إلا من باب دعم خيارات الدول التي تساعد لبنان وتقف الى جانبه، وعدم دعم تعريضها للخطر، كما يحصل حالياً من إيران وعبر أكثر من بوابة أبرزها البوابة اليمنية.
وأخيراً، إذا قيّض لنا أن نقف مع العربي الشقيق في وجه كل محاولات التتريك والفرسنة وغيرها من محاولات قتل الهوية العربية، فإن ذلك يكون مشرّفاً أكثر من التخفّي وراء شعار الحقوق وممارسة أسوأ أنواع المذهبية الضيقة.
٢٠ أبريل ٢٠١٥
في دمشق يجتمع اتحاد كتاب فلسطين بغياب قائده حمزة برقاوي، ويصدر جملة من القرارات، يطالب بتسليح من تبقى من المدنيين الفلسطينيين في سوريا وزجهم في الحرب، وتوجيه الفلسطينيين بفصائلهم ذات الوجود السياسي لحمل السلاح، والتوجه لمقاتلة «تنظيم الدولة»؟.
وهكذا نحل مشكلة فلسطينيي سوريا بضم مخيم اليرموك للتحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة» والتوجه إلى الرقة. هذا الاتحاد ومعظم الجالسين في تلك الندوة، التي أصدرت القرارات، وبعضهم مهجرٌ من مخيمي الحسينية وسبينه، وهي مخيمات تحت سيطرة النظام، وليس فيها معارضة، ولكن الكاتب الفلسطيني لا يستطيع ان يطالب النظام بإعادته إلى بيته، لأنه ليس أحمد الزعتر، وليس مظفر النواب، في زمن تميل فيه الكفة لصالح السلاطين، وتصبح فيه الثورات بثوارها أدوات المرحلة فحسب.
هو الكاتب الفلسطيني في الضفة المحتلة، وبعض اولئك الكتاب الذين تحاورت معهم، من المناضلين السابقين، ومن خريجي السجون الاسرائيلية، ولما سألتهم عن مبرر قتل 400 فلسطيني من سكان مخيم اليرموك قبل دخول المعارضة إليه، ومنهم165 في قصف الطائرة الشهير، كانت الاجابة صامتة بحجم الممانعة، وكان الفعل مختلفاً فهناك على شاشات التلفزيونات المقاومة والممانعة، والصحافة الرسمية أصوات فلسطينية من الضفة، تقوم بالحديث عن العصابات التكفيرية التي تجتاح المنطقة العربية، وتريد تعطيل مشروع المقاومة النبيل، والطاهر والذي يمتد من الشرق حتى فلسطين، ويمكن من بوابة اليمن أيضاً.
المثقف الفلسطيني أيضا في غزة، هو مهتم كثيراً بالحصار الظالم على غزة، ومع ان غزة يوجد فيها بسكويت وشيبس وكوكا كولا، وشكولاتة فرنسية ايضا، لكن غزة هذه لا تعلم ان مخيم اليرموك منذ سنتين يحلم اطفاله بالخبز، ولا يعلم سكان غزة ان كلمة فاكهة لا يعرفها اطفال المخيم، ولا تعلم غزة، ان مخيم اليرموك بلا دواء ولا اطباء، ولا شيء من هذا القبيل.
وأما الكاتب الفلسطيني في لبنان، فهو مهتم أيضا باهتمامات بقية الكتاب من الضفة، إلى غزة وسوريا وغيرها من دول الشتات، وهو أيضا المفكر الفلسطيني البارز، الذي عليه اكتشاف ان تنظيم الدولة هو إرهابي، وهكذا تنشغل الفضائيات المقاومة والممانعة، بتقديم المفكرين الفلسطينيين، كمحللين استراتيجيين يتحدثون عن كوكب المريخ، أو حروب ما قبل التاريخ، وضرورات تصحيح المستقبل، وحرمان الإرهابيين من الذهاب اليه.
بالفعل هو ليس زمن أحمد الزعتر، واذا اردنا فقط أن نكتشف حجم العجز فينا، يمكن لنا فقط أن نقول، أين هم 2000كاتب فلسطيني فقط هم مسجلون في نقابة الكتاب في سوريا، وأمثالهم في الضفة وغزة وغيرها. بالضبط هذه هي المأساة، وباختصار فالجميع هم كتاب ومفكرون يجلسون في الصف الخلفي للفصائل الفلسطينية، وهذه الفصائل بالطبع هي صاحبة صندوق المال الذي يطعم المثقف الفلسطيني الجائع، وهنا يحق لنا أن نترحم على أب الفلسطينيين ياسر عرفات، الذي في زمنه كان حتى اولاد العملاء يتم انصافهم واطعامهم من صندوق الثورة، وأما فصائل اليوم فهي تطلق النار عليك وتحارب اطفالك بلقمة العيش اذا فقط فكرت لمرة واحدة وكتبت مقالاً واحدا خارج السرب.
وأما في عالم السلطة والسياسة، فالأخ أبو الوليد يحقق معجزة كونية فقد اكتشف وجود المكان الذي يقع فيه مخيم اليرموك، وبحسب أحمد جبريل، والذي يقول ان أبو الوليد اتصل به لأجل 75 عنصرا من مقاتلي ما يعرف بأكناف بيت المقدس، وهم من طردهم تنظيم الدولة من المخيم في الصراع الاخير، وبالطبع خطوة أبو الوليد مهمة للغاية، خصوصاً أنه نجح باكتشاف مكان مخيم اليرموك، وهكذا تم اجلاء عائلات الاكناف من مخيم اليرموك إلى مكان آمن، وأما بقية الفلسطينيين فقد هربوا إلى شوارع ومساجد بلدة يلدا المجاورة بانتظار اتصال تلفوني آخر يسمح لهم بموجبه بالخروج من معتقل المخيم، كما سُمح لعائلات الاكناف.
بالطبع الفصائل الفلسطينية اليوم المسؤولة عن الفلسطينيين هي يهمها أبناؤها فقط، وهي تمارس سلوك الفصيل، أو مختار القرية، ولم تصل بعد إلى مستوى ياسر عرفات الذي قدم نفسه قائد شعب، وليس قائد فصيل. واما المثقف أو المفكر الفلسطيني، فهو ابن الفصيل والناطق باسمه، والمدافع عنه حتى قيام الساعة، وأما بقية الشعب، فلهم الله، الله وحده يعلم بحالهم.
ما أقوله للضفة، إن دم عشرة آلاف فلسطيني سوري قضوا هو في رقابكم إلى يوم الدين، وما أقوله لغزة، ان مخيم اليرموك اليوم هو من سيحاصر غزة فعندما يفكر العقل الاخواني في غزة باقتحام مسجد وقتل كل من فيه لأغراض سياسية، هو نفسه العقل الذي يعيش أوهام تحرير مخيم اليرموك وقتال المجموعات السلفية التي نحن بغنى عن قتالها، فماذا تعني لنا مسألة تحرير مخيم اليرموك من تنظيم الدولة، هي جملة واحدة فقط، هناك مشروع لضرب الاخوان المسلمين مع التيارات السلفية، وعندما غدا يحاربنا التيار السلفي من سيناء وفي قلب غزة، علينا أن نتذكر مخيم اليرموك، وعلينا ان نتذكر قصة الصمت على 300 شخص في غزة، هم مجموعة تسمي نفسها الصابرين، وذلك لأجل هدف سياسي رخيص، وبنفس الوقت يمكن تدمير مسجد سلفي فيه عشرة اشخاص هم الخطر الأكبر على فلسطين بحسب البعض.
أخيراً لك الله يا مخيم اليرموك، فكلهم خانوك، فلا تنتظر أحمد الزعتر، فزمن العمالقة ولىّ. نحن بزمن مختلف، الزمن الذي يجلس على بوابته الاقزام لا يولد فيه عمالقة، فارحل ايها المخيم، ارحل أونت صامت، لأن حجم الفضيحة والخيانة مرّ للغاية.
١٩ أبريل ٢٠١٥
قدم النظام الإيراني للأمم المتحدة خطة من أربع نقاط بشأن اليمن، تستهدف وقفًا فوريًا لإطلاق النار، وإنهاءً للهجمات العسكرية الأجنبية، وتقديم المساعدات الإنسانية، واستئناف حوار وطني واسع، مع تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة. والحقيقة أن الأحق بهذه الخطة الإيرانية هي سوريا، وليس اليمن.
عاصفة الحزم السعودية لم تتم في اليمن إلا بدعوة من الشرعية، أي الرئيس عبد ربه منصور هادي، وهي شرعية معترف بها دوليًا، وقبلها عربيًا، وإسلاميًا، والأهم أن عملية عاصفة الحزم تتم وفق تحالف عربي، وإسلامي، ودولي لا يتمثل فقط بمواقف فردية وإنما وفق قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، وتحت بند الفصل السابع القاضي باستخدام القوة التي لم تفرط بها السعودية، حيث تتم عاصفة الحزم وفق انضباط عسكري مميز، مع تسهيل واضح للمساعدات الإنسانية.
ولم تأتِ عاصفة الحزم السعودية إلا بعد تجربة كل فرص الحوار الوطني باليمن، والذي كان يمثل مضمارًا للمناورة، والاحتيال، من قبل الحوثيين وقوات علي عبد الله صالح، بحيث كانت كل جلسة حوار تمثل سقوطًا لمدينة يمنية بغدر من الحوثيين وصالح. ولم تأتِ عاصفة الحزم إلا بعد أن انقلب الحوثيون، وصالح، على الشرعية المعترف بها عربيًا ودوليًا، بالسلاح، وبدعم إيراني، وبعد أن قام الحوثيون وصالح باحتجاز الرئيس هادي رهينة، وإجباره على توقيع ما يخالف المبادرة الخليجية، والأدهى من كل ذلك أن الحوثيين وصالح قاموا بمحاصرة عدن بالسلاح الذي قوض كل فرص الحوار الوطني الذي دعت له السعودية، ورفضه الحوثيون.
بينما الأمر مختلف تمامًا في سوريا التي قام النظام فيها بقتل قرابة الربع مليون سوري، وبعد ثورة سلمية لم يرفع فيها السوريون السلاح إلا بعد أن بطش بهم نظام الأسد الإجرامي، وبدعم من إيران التي هبت لنجدة مجرم قاتل. دعمته بالسلاح، والمال، والرجال، وبحجة طائفية، ومنعت عن السوريين - أي إيران - المساعدات الإنسانية، ولم توفر هدنة إنسانية، ولا خلافه هناك، خصوصا أن إيران تتدخل في سوريا إنقاذًا لنظام طائفي إجرامي وليس له حدود مع إيران. بينما نجد أن السعودية تتدخل في اليمن إنقاذًا للشرعية، وبدعوة من هادي الذي انقلب عليه الحوثيون، وصالح، بقوة السلاح، وباتوا يستبيحون المدن اليمنية الواحدة تلو الأخرى.
ولذا فإن الأحق، والألزم، هو أن تقدم المبادرة الإيرانية لسوريا، وليس اليمن، وذلك حقنًا للدماء، مع ضمان رحيل المجرم بشار الأسد، مثلما أخرجت السعودية من قبل صالح الذي ثار ضده اليمنيون. ومعلوم أن الرئيس اليمني الشرعي هادي، والذي تدعي إيران، والشبيح حسن نصر الله، أن لا مستقبل له بحكم اليمن، لم يقم بقتل شعبه، ولم يستدعِ قوة طائفية، ولا ميليشيات إرهابية لليمن كما يفعل المجرم الأسد. وعليه فإن الأولى هو أن تقدم المبادرة الإيرانية باليمن لإنهاء الأزمة السورية، لنعرف إن كان الإيرانيون صادقين، وهو ما لم يعرف عنهم طوال الأربعة عقود الماضية!
١٩ أبريل ٢٠١٥
"المقاومة والممانعة" سلعتان تتحرّك عن طريقهما بورصة النظام السوري، على مر أربعة عقود، ورقة رابحة، يتفاوض على أساسها في المحافل الدولية، مدّعياً نفسه ولي أمر القضايا العربية، بعدما جعل من القضية الفلسطينية قضيته المركزية الأولى، على حد ادعائه، لكسب الشارع العربي، عبر شعاراتٍ لا تمت بصلة للحقيقة، مثل "الأرض مقابل السلام"، حيث كان يرفض التفاوض مع دولة إسرائيل من منظمة التحرير الفلسطينية، كما لو أنه ممثل شرعيّ ووحيد للشعب الفلسطيني!
لكن، وفي الوقت نفسه، وافق على إخراج الرئيس الفلسطيني، ياسرعرفات، في بدايات الثمانينيات من لبنان. وبالتالي، تمكنت منظمة التحرير من استعادة هذه الورقة من يد النظام السوري، بعد مؤتمر مدريد الذي انعقد عام 1990 بضغط دولي، وإصرار المنظمة على أنها الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني.
وبقي النظام السوري على علاقة جيدة مع أحزاب وفصائل فلسطينية عديدة، ليلعب دوراً بارزاً في التحكم بالقرار الفلسطيني الداخلي، من خلال تلك الفصائل، حيث لا تزال قائمة منها، وهي تؤثر على القرار الفلسطيني، في هذه اللحظات العصيبة من الوضع الفلسطيني في سورية، بدءاً من الرمل الجنوبي في مدينة اللاذقية الساحلية، مروراَ بمخيم حندرات في حلب، شمالي البلاد، وانتهاءً بمخيم اليرموك في أطراف العاصمة دمشق، حيث يلعب النظام، مرة أخرى، على الورقة الفلسطينية، من خلال التنسيق والتعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بعدما سمح له النظام بالدخول إلى المخيم، بحجة مواجهة الإرهاب، لكسب مزيد من الوقت، لكي يبقى في سدّة الحكم، وصرف أنظار العالم عن جرائمه اليومية بحق الشعب السوري.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هل يمكن للفصائل الفلسطينية التي تدّعي تمثيلها للشعب الفلسطيني أن تضع حداً لمأساة الفلسطينيين في سورية بشكل عام، وخصوصاً في مخيم اليرموك الذي يقع بين فكي الكماشة، حيث براميل النظام السوري ومدافعه من جهة، وفرض طوقٍ محكم من داعش على عشرين ألف فلسطيني هناك، من جهة أخرى؟ في المحصلة، نجد أن النظام السوري، على مر أربعة عقود، لعب على الورقة الفلسطينية، من دون أي حلٍ يذكر، لكي يستمر في ادعاءاته أنه يواجه العدو الخارجي، ممثلاً بإسرائيل، لصرف نظر المواطن السوري عن الوضع الداخلي، كحال الانتفاضة الكردية التي قمعها في عام 2004، وهي تطالب بالحقوق المشروعة للكُرد، وكذلك باقي مكونات الشعب السوري من الآشوريين والتُركمان وكذلك الأرمن، والطائفة السنيّة التي قُمِعت بوحشية كبيرة، إثر أحداث مدينة حماه بدايات الثمانينيات. وبالتالي، استمرار القضية من دون حلٍ، كان من أهم منطلقات النظام السوري بتناوبٍ بين الأسد الأب والأسد الابن حتى يومنا هذا، حيث لا يزال يدخل تلك البورصة من أوسع أبوابها، لكسب أهدافٍ خاصة به على حساب الدم الفلسطيني!
١٩ أبريل ٢٠١٥
تشيع قناعة في معظم أوساط المعارضة السورية، بل هي شائعة أكثر في معظم أوساط السوريين، أن المجتمع الدولي صامت عما جرى ويجري في سورية، من عنف وحرب أدت إلى دمار البلد وقتل مئات الألوف، وتهجير ونزوح، بشكل يشكل أكبر كارثة إنسانية معاصرة. غير أن المجتمع الدولي، بما يشمله من رأي عام وإعلام ومنظمات دولية وحكومات، كان متعاطفاً مع الحدث السوري في أشهره الأولى، وكانت له، في المجمل، مواقف قوية، وصلت إلى حد نزع الشرعية عن النظام والاعتراف بمؤسسة المعارضة السورية الأولى، أي المجلس الوطني، وصولا إلى انعقاد مؤتمرات أصدقاء سورية وتعهداتها. واتضح، منذ تلك الفترة، أن المجتمع الدولي لم يكن مستعدا لمواقف أعلى، لا لفرض حظر جوي، ولا لإقامة مناطق أو ممرات آمنة لحماية المدنيين، أو إغاثتهم. وقد تبين ذلك بوضوح، في سبتمبر/أيلول 2013، عندما تراجعت دول غربية، في مقدمتها أميركا، عن خطوطها الحمر، وتهديدها بتوجيه ضربة لسورية، عشية افتضاح جريمة استخدام النظام للسلاح الكيماوي في إبادة حوالى 1500 مدني في غوطة دمشق، ثم استبدلت ذلك بتسليم النظام مخزونه من تلك الأسلحة الكيماوية، على خلفية اتفاق روسي أميركي تم ترتيبه بين يوم وليلة. وذلك بالإضافة إلى
ما ساد من أجواء إعلامية، بعد أن نجح النظام في فتح أبواب السجون والحدود أمام المنظمات الإرهابية وتكفيرييها، مما جعل سورية ميداناً خصباً للإرهاب الدولي، وأطلق الفوبيات الغربية مجدداً من عقالها ضد الشرق والإسلام.
في المحصلة، تكشف الصمت الدولي، وما توارى خلفه من مصالح وتوازنات دولية، عن سياسات رسمية، فتراجعت أخبار الحدث السوري أو غابت، وتوقفت مؤتمرات أصدقاء سورية، وفشلت مؤتمرات جنيف1 و2، وانتهت مساعي اثنين من المبعوثين الدوليين إلى الاستقالة، وما زال الثالث يتعثر. وبين طلب التدخل، على الطريقة العراقية أو الليبية، ثم التباكي على الصمت الدولي وإدانته، تهرب السوريون من فهم السياسة الدولية الجديدة التي سيطرت على المسرح الغربي، وخصوصا في مركزه الأميركي، بعد تراجع سياسة المحافظين الجدد، وتقدم سياسة باراك أوباما لمعالجة آثار الأزمة المالية، وتغليب سياسات الرفاه والتعاضد الاجتماعي داخلياً، والانسحاب خارجياً من معارك الآخرين، ثم إدارتها عن بعد، وبدون الاستعداد مبدئياً لخسارة الجندي والمواطن الأميركي.
وقد تم التعبير عن هذه السياسة بوضوح شديد، في حديث أوباما الصريح إلى الصحافي توماس فريدمان، ونشرته "نيويورك تايمز"، أخيراً، عندما وجه كلامه إلى حلفاء أميركا من القادة العرب: الإدارة الأميركية لم تعد مستعدة لخوض حروب الآخرين، ولن تضحي بعد بأبنائها من أجل طمأنتهم، والقضاء على أعدائهم، طالما أنهم لا يريدون خوض هذه الحرب بأنفسهم، والوقوف بموقف المتفرج أو الممول عن بعد فقط.
ولا تنفع، هنا، الهواجس والشكوك بشأن نتائج التفاوض الإيراني الغربي في الملف النووي، فذلك مجال صراع ومصالح وتوازنات دولية، لا تنفي، ولا تمنع، المبادرات الإقليمية والمحلية. ومن ذلك ما حدث، عندما تحركت السعودية وحلفاؤها، كما فعلوا في "عاصفة الحزم"، فالإدارة الأميركية وجدت نفسها مضطرة لتأييدهم ودعمهم. لكنها، في الوقت نفسه، بدأت تطالبهم بتولي باقي أمورهم بأنفسهم. وذلك ما أشارت إليه تساؤلات الرئيس الأميركي: لماذا لا يمكننا رؤية عرب يحاربون ضد الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان، أو يقاتلون ضد ما يفعله الرئيس بشار الأسد في سورية؟
هذا هو، إذن، واقع السياسة الدولية اليوم، فلم تعد المسألة مسألة صمت المجتمع الدولي أو تقاعسه، أو انصرافه عن دول فاشلة، أو حساباته مع الحليف الاستراتيجي الوحيد، إسرائيل. وحسنٌ أن القيادة السعودية الجديدة أدركت ذلك أخيراً. وهي لم تدركه حقاً، إلا بعد أن وصل تهديد امتداد النفوذ الإيراني إلى رابع عاصمة عربية، بعد بيروت وبغداد ودمشق، وبعد أن تهددت خاصرتها اليمنية بالتمزق. فبادرت إلى القيام بـ "عاصفة الحزم" التي تأسست على استنهاض حلف عربي وإقليمي عريض، استشعاراً بأخطار باتت تهدد الجميع.
تلك هي المسألة، وهذا هو الجو الذي تلوح فيه إمكانيات مضي مبادرة "عاصفة الحزم" إلى مبادرات حزم عربية أخرى، أشار إليها المشروع الذي طرح في مؤتمر القمة العربية السادسة والعشرين، والمتضمن إنشاء قوة تدخل عربية، لكنه سرعان ما خبا وتوارى في ظل الخلافات والهواجس العربية المعهودة. وهو يعود، اليوم، عبر آمال بإنشاء تحالف عربي تركي، يضع في مقدمة جدول أعماله مهمة معالجة المشكلة السورية.
"تأسست "عاصفة الحزم" على استنهاض حلف عربي وإقليمي عريض، استشعاراً بأخطار باتت تهدد الجميع"
وعلى القاعدة نفسها، التي كشفها حديث أوباما، وبغضّ النظر عمّا إذا صحت الآمال المشار إليها، أو لم تصح. المسألة ترتب مسؤولية أخرى، تقع على عاتق المعارضة وقوى الثورة السورية، بل على عاتق جميع الوطنيين السوريين، أولاً وأخيراً. وتتطلب هذه المسؤولية القيام بمبادرة أخرى، على المستوى نفسه، من مبادرة "عاصفة الحزم"، بعد طول ترهل وتعفن واستنقاع، ساد في الساحة السورية، كما كان سائدا في الساحة العربية. وعلى هذه المبادرة أن تسعى إلى حزم سوري وطني جديد، يلاقي التحالفات الإقليمية المقبلة، أو يساهم في الدعوة إليها، خصوصا بعد الآمال التي بعثها تحرير إدلب، وتقدم الجيش الحر في الجنوب. وإذ تبدو هذه الدعوة أضغاث أحلام في الواقع المشهود، فمن ينفي أن "عاصفة الحزم" كانت تبدو قبل قيامها مثل ذلك وأكثر، بل من ينفي أن شروط الحزم السوري المطلوب ليست كثيرة على شعب قدم من التضحيات والمبادرات ما فاق كل توقع، حتى اليوم.
١٨ أبريل ٢٠١٥
فشل، كما كان متوقعا، لقاء موسكو2، فشلاً ذريعا بالنسبة لتوقعات المعارضة والشعب السوري المنكوب، لكنه نجح نجاحاً باهراً بالنسبة لتوقعات النظام وموسكو اللذيْن صاغا بيانات الختام، حسب مطالبهما تماما، وما كانا يحلمان بإظهار ضعف المعارضة وتهلهلها وانقسامها وعدم تجانسها، ليبرروا تمسكهم بنظام القتل والديكتاتورية، كما بدت عليه بالفعل. وليس للمشاركين في لقاء موسكو2، بين ما سميت شخصيات من المعارضة ووفد النظام برئاسة بشار الجعفري الذي لم يتصرف في أي وقت، حتى في جلسات الأمم المتحدة، إلا كشبيح، في هذا الفشل الذريع أي عذر.
فقد قبلوا، أولاً، من دون نقاش، بأن يشاركوا في حوار ليست المعارضة هي التي تقرر وتعين من يمثلها فيه، وإنما طرف آخر. وبالتالي، هو الطرف الذي يحدد نوع العناصر والشخصيات المدعوة. وبالتالي، طبيعة الاجتماع والحوار الذي يمكن أن يُجرى فيه. وهذه إهانة للمعارضة بأكملها، وعار على من قبل به، كائناً من كان هذا الطرف.
وراهنوا ثانياً، من دون وعي، على وساطة طرفٍ ليس لديه أي درجة من الحياد، بل لم يخفِ، لحظةً، دعمه الكامل العسكري والقانوني والسياسي لنظام الأسد، ولا يكف عن تأكيد ذلك، وافتخاره بموقفه الذي يعتبره دعماً للشرعية ضد الإرهاب. وكان قد أعلن، قبل أيام من اللقاء، أنه لا يزال يورد الأسلحة والذخائر للأسد، وسوف يستمر في التزاماته.
جلسوا ثالثاً على طاولة "حوار" مع نظامٍ لا يزال يقتل ويدمر ويهجر ويعذب، ويرفض حتى الإفراج عن معتقليهم، بل يعتقل، في يوم افتتاح الحوار نفسه، أحد أعضاء مكتبهم السياسي، صالح النبواني، من دون أن يكون لديهم ما يعتمدون عليه من قوة سوى سراويلهم، وحاجة موسكو لهم لتأهيل نظامها، بعد أن قطعوا علاقتهم ببقية أطراف المعارضة، وخانوها، وتبرأوا من الكتائب المقاتلة على الأرض، التي لا يوجد من دون ما تمثله من تحد وضغط أي إمكانية لانتزاع شيء من نظام تربى في الجريمة والكذب والخداع. كان من الطبيعي، في ظل ميزان القوى هذا، ألا يظهر الجعفري سوى العجرفة والصلف والسخرية، وأن يرفض استلام أي قائمة بأسماء معتقلين ومخطوفين، كما كان من الطبيعي والمنتظر، في هذا الوضع، أن يقبل ما سميت شخصيات المعارضة الاستمرار في "حوار" هو، في الحقيقة، تسوّل واستجداء، بدل الاحتجاج والانسحاب الفوري ووقف المحادثات.
قبول المشاركين بكل هذه التنازلات ينفي عنهم أي نية حسنة، ويدين كفاءتهم السياسية، ويذكّر السوريين بالطريقة المريرة نفسها التي كان نظام الأسد يعامل بها المعارضة، أو الأطراف الخانعة منها، في العقود الطويلة الماضية، ويظهر أن أكثر المعارضين لم يستيقظوا بعد على الحدث الكبير الذي شكلته الانتفاضة الشعبية، ولا يعيشون فيه، ولا يزالون يتصرفون كما كانوا يفعلون في السابق، يداهنون للقوة، ويحنون ظهورهم لها ويعتبرون النظام صاحب الصولة والجولة، وأنفسهم الضعفاء الأذلاء، مع إضافة أن هذا النظام لم يعد نظام الأسد، وإنما نظام بوتين.
ارتكب المشاركون في لقاء موسكو، بوعي أو من دون وعي، وبصرف النظر عن كونهم شخصياتٍ، أو أحزابا، ثلاث جرائم سياسية، من وجهة نظر الانتفاضة الديمقراطية الوطنية التي ضحى فيها الشعب بأغلى ما يملك، أي بأرواح أبنائه، شباباً وبناتاً، وبحاضره كله، وأهم ما راكمه، خلال قرن من التمدن والتقدم المادي والسياسي والقانوني، ودمرت خلالها أكثر مدنه وبلداته، وتم محو معظم تراثه التاريخي والإنساني، ثلاثة أخطاء سياسية لا تغتفر: القبول بتزوير إرادة المعارضة السورية والشعب الذي يفترض أنها تمثله. المشاركة في تقسيم المعارضة، والدخول في لعبة الأسد لضرب بعضها ببعض، وتمزيقها بين معتدلة ووطنية وداخلية ومتطرفة وعملية وخارجية، وإظهار تهافتها، وعدم وحدتها وانسجامها، وفي النهاية نزع الصدقية عن أطرافها جميعا، وإظهارها على أنها غير ذات كفاءة لممارسة السلطة، أو حتى المشاركة فيها بجدية، أمام الرأي العام السوري والدولي. وهذا كان الهدف الواضح لموسكو من دعوة شخصياتٍ لا علاقة لها بالمعارضة، ولا بالسياسة أصلاً، وزجها بين صفوفها وتتويجها شخصيات سياسية معارضة، واختلاق أحزاب وهمية تمثلها، لاستخدامها ورقة للضغط على المعارضة، أو للتلاعب والوقيعة بين صفوفها، تماماً كما فعلت أجهزة الأمن السورية في عقود طويلة سابقة.
الخطأ السياسي الثالث، إضفاء الشرعية على مسرحية موسكو، لتأهيل النظام بتخليق معارضة له على مقاس قدميه، تقبل به وتتحاور معه، وتراهن على ما تسميه حواراً، وهو ليس أكثر من دورة في الاستذلال، يخضع فيها المعارضون الذين تم انتقاؤهم فرداً فرداً، لوابل من غطرسة بشار الجعفري، وشتائمه وسعاره، لا تختلف كثيراً عن جلسات "الحوار" التي كان ينظمها ضباط الأمن والمخابرات السوريين مع ضحاياهم من المعارضين، في مراكز الأمن والاحتجاز والاختطاف، بهدف التدجين والتهديد والابتزاز، واستخدام ذلك كله جداراً دخانياً، تستمر من ورائه، من دون ضجة أو سؤال أو اعتراض، حرب الإبادة الجماعية والتهجير والاستيطان، وعمليات القتل والذبح وإلقاء البراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية ومدفعية الميدان على رؤوس السوريين.
ليس هناك شيء يمكن أن يبرر لأبطال لقاء موسكو2 خطأهم، حتى لا أقول سقطتهم الكبيرة، لا المشاعر الإنسانية واللهفة على القتلى واليتامى واللاجئين والمحرومين، كما يدعي بعضهم، ولا الدوافع الوطنية والرغبة المشروعة في الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، كما يتمنى بعض آخر، هذا إن بقيت هناك دولة ومؤسسات، ولا السعي إلى الشهرة والبروز وتعزيز دور الأحزاب والتشكيلات التي يمثلها المشاركون، وكلها أحزاب وتشكيلات وهيئات كرتونية، وكيانات هوائية، تنقسم بمقدار ما تفكر ولا تفكر إلا لتنقسم، ولا حتى اليأس من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وتهافت أدائه.
"لا يكون العمل الوطني، ولا يتحقق، من دون أداة فاعلة ومتسقة وموحدة"
ما حصل ويحصل من جرجرة معارضين من مؤتمر إلى آخر، ومن عاصمة إلى أخرى، على طلبٍ، ولخدمة أجندات ليست صادرة عن حوار جدي داخل المعارضة نفسها وعن تفاهمها، هو إهانة للمعارضة بأكملها، وتجريح لصدقيتها، وتعميق للشرخ الذي يفصلها عن القادة والمقاتلين الميدانيين. والنتيجة، كما هو واضح، تفريغ المعارضة السياسية من محتواها، بفصلها عن القوة المقاتلة الرئيسية التي تعمل دفاعاً عن قضيتها، وإفقادها أي وزن في معركة طابعها الرئيسي، منذ أربع سنوات متتالية، المواجهة المسلحة وكسر العظم، من جهة، وترك الكتائب المقاتلة على الأرض، في هذه الحرب الضارية، من دون قيادة سياسية وعنوان وطني موحد، ومن دون أداة لتنسيق العلاقات الدولية. وبالتالي، ضحية لضغوط الأجهزة والأجندات الدولية.
تقع المسؤولية الرئيسية في ذلك، بالتأكيد، على عاتق الائتلاف الذي نجح في انتزاع الحق بتمثيل قوى الثورة والمعارضة، ولم يقم بما يلزم لتجسيده، وتقاعس عن القيام بالدور المطلوب، لتقريب وجهات نظر المعارضة وتوحيد صفوفها، وهو ما حالت دونه العقلية العصبوية الضيقة، الموروثة عن الحقبة السابقة، وفي ما وراء ذلك، خضوع كثيرين من أعضائه، أو ضعفهم أمام ضغوط الدول والحكومات، وتشوش الوعي الوطني، بل تحييده بعد نصف قرن من التعقيم الفكري والاغتيال السياسي والإعدام الأخلاقي لشعب كامل، الشعب السوري. لكن، مهما كان الأمر، لا يكون العمل الوطني، ولا يتحقق، من دون أداة فاعلة ومتسقة وموحدة. وللوصول إلى ذلك، فإن كل الأفراد، المقاتلين والناشطين، مسؤولون، ومن واجبهم الضغط في هذا الاتجاه. وإلا فإن أحداً لن يغير ما في سلوكه، من المسؤولين عن الوضع الراهن، ولن يغير في هذا الوضع، ما لم يغير كل واحد منا، في أي مكان وجد فيه، من سلوكه، ويتغلب على روح الفردية والتسليم بالواقع، وما لم يؤمن بقدرته على المساهمة في التغيير، وبمسؤوليته في إحداثه، بالتعاون مع الآخرين، أي ما لم نقضِ، مرة واحدة وإلى الأبد، على ثقافة العجز والاتكالية واليأس والاستسلام، ورمي المسؤولية على الآخرين.
١٨ أبريل ٢٠١٥
لا تبدو «عاصفة الحزم» قادرة حتى الآن على تغيير مناخ السيطرة الحوثية على اليمن، قد تنجح في اضعافه، ربما منعه من السيطرة على عدن، لكن لا شيء يوحي بان صنعاء ستعود إلى ما قبل الحادي والعشرين من كانون الثاني/يناير يوم سقوط القصر الرئاسي في يد الحوثيين.
على الأغلب، فان أطراف الصراع نفسها ستعود لطاولة المفاوضات، لكن بدل ان تكون في فندق موفنبيك في صنعاء تحت حراب الحوثيين، فانها قد تكون في فندق كيمبنيسكي جيبوتي أو ربما ريتز كارلتون مسقط!
فابو بكر القربي وزير خارجية اليمن السابق المقرب من علي عبد الله صالح زار جيبوتي للإعداد لحل تفاوضي، ونشرت تقارير تتحدث عن قبول الأطراف في اليمن العودة للحوار بشرط وقف تقدم الحوثيين نحو عدن، وهذا ربما التغيير الطفيف الوحيد الذي سيطرأ، قد يقبل الحوثيون بوقف اطلاق النار المؤقت، رغم انهم لم يكونوا متقدمين بهذا الشكل داخل أحياء عدن قبل بدء حملة القصف الجوي!
ففي السابق كانت جلسات حوار جمال بن عمر تجري تحت حراب الحوثيين الذين كانوا يقاتلون ويتحاورون في الوقت نفسه.
بالطبع فان السعودية تعارض حتى الآن وقف عمليات «عاصفة الحزم» والعودة للحوار، ببساطة لانها لم تحقق تغييرات جوهرية في موازين القوى ولم تفقد الحوثيين سيطرتهم على المواقع الرمزية لسلطتهم.
لكن ماذا لو تواصلت «عاصفة الحزم» وتعطلت جهود التسوية السلمية؟!
في هذه الحالة فان اليمن سيكون مقبلا على خيارين، أما السورنة أو التقسيم.
فمن الواضح ان كلا من طرفي النزاع يمتلك دعما اقليميا، سيتواصل ليتحول اليمن كما سوريا حلبة معركة اقليمية ومذهبية كبرى من خلال أطراف محلية، وان كنت لا أفضل تسمية الحرب بالوكالة لان أصل التقاتل هو محلي أهلي واستقوى بأطراف خارجية جغرافيا، وان كانت هذه التحالفات الاقليمية هي داخلية مذهبيا وسياسيا في منطقة لا قيمة فيها لحدود الجغرافيا والدول المتظاهرة بالحداثة أمام انتماءات مجتمعات بدائية.
في حال استمرار النزاع المسلح فان الحالة السورية تنبئنا بان الحلف الإيراني أكثر قدرة على دعم حلفائه بكفاءة عالية، وان التماسك العقائدي الذي يطبع هذا الحلف الذي تواصل بناؤه من عقود طويلة يجعله أكثر تصميما من تحالف الأنظمة العربية التي يبدو انها صحت متأخرة جدا لمواجهة إيران .. بعد ان أوشك ان يفوتها القطار.
فإيران استطاعت ابقاء أقلية علوية حاكمة في دمشق لا تتجاوز نسبتها العشرة في المئة من السكان أمام تمرد مسلح سني يمثل أكثر من ثلثي السكان تمرد سني مدعوم أيضا بالقوى الاقليمية العربية نفسها التي أطلقت اليوم «عاصفة الحزم».
فما بالكم بحلفاء إيران في اليمن من الحوثيين الذين قد تتجاوز نسبتهم ثلث السكان، ثلث أكثر تسلحا وتدريبا وانسجاما عقديا تقوده منظومة منضبطة، إضافة إلى الجماعات الموالية لعلي عبد الله صالح، والفرق العسكرية التابعة له. إذا حلفاء إيران في اليمن من المفترض انهم سيكونون أكثر قدرة على المواجهة من نظرائهم العلويين الاقلويين في سوريا وان تحالف معهم أقلية من السنة المعارضين للثورة، وفي المقابل فان حلف «عاصفة الحزم» يدعم قبائل ومجموعات من حزب الاصلاح الإخواني كان على خلاف معهم فقط قبل أشهر، ورغم ان القبائل المسلحة في اليمن حققت نتائج هامة في توجيه ضربات للحوثيين وقوات صالح واستعادت بعض المناطق، إلا ان حروبا كهذه تتوازى فيها قوة طرفي المواجهة تطول لسنوات بين كر وفر تماما كما حدث في سوريا وقبلها حرب لبنان الأهلية.
واذا تمكنت القبائل من تجميع قواتها والتنسيق مع مجموعات القاعدة المؤثرة في اليمن فانها قد تحقق تقدما ما لكنه سيقود في نهاية المطاف إلى تقسيم البلاد. لهذا فان مشكلة بعض العواصف غير الموسمية انها تأتي فجأة وتغادر فجأة ولا تغير المناخ إلا اذا كنا أمام أجواء طقس اقليمي جديد!
١٨ أبريل ٢٠١٥
الغريب، لا بل المضحك في الأمر، أنه ما إن انتهى الغرب من استثمار مصطلح «الإسلاموفوبيا» لأغراضه الخاصة، حتى راح العرب يعيدون اجترار المصطلح، لكن هذه المرة ضد بعضهم البعض.
كيف لا وأننا نحن العرب لا نمانع حتى في تقليد الغالب الغربي فيما يسيء لنا. قد يتفهم المرء تصنيع الغرب لمصطلح «الإسلاموفوبيا» لتحقيق أغراض سياسية وعسكرية وثقافية معينة، لكن من الصعب أن يتفهم قيام ضحايا المصطلح أنفسهم ألا وهم العرب باستغلال المصطلح للإساءة لبعضهم البعض، وبالتالي للإسلام نفسه.
لقد عادت ظاهرة «الإسلاموفوبيا» إلى الحياة من جديد بقوة رهيبة، خاصة بعد الربيع العربي الذي كان من أبرز نتائجه فوز الإسلاميين في الانتخابات التي جرت في بعض الدول العربية. فقد فاز حزب في تونس. ولحقه الإخوان المسلمون والسلفيون في مصر، ناهيك عن أن الإسلاميين تصدروا المشهد في ليبيا في البداية. بعبارة أخرى، فإن بروز الإسلاميين على المشهد السياسي بقوة انتخابية غير مسبوقة جعل خصومهم، خاصة اليساريين والليبراليين والعلمانيين وأيتام الحكام الساقطين والمتساقطين، يتهافتون على التحذير من الخطر الإسلامي على الديمقراطيات الوليدة في المنطقة العربية في أعقاب الربيع العربي.
لا شك أن الإسلاميين لم يبلوا بلاء حسناً بعد وصولهم إلى السلطة في تونس ومصر. وقد صوت غالبية التونسيين ضدهم في الانتخابات الأخيرة بسبب فشلهم في إدارة البلاد بعد الثورة، وخاصة على الصعيد الاقتصادي.
وصحيح أن الأشهر الأولى من حكم الإخوان في مصر لم تكن مشجعة جداً. لكن هذا لا يبرر بأي حال من الأحوال شيطنة الإسلاميين وتصويرهم على أنهم خطر ساحق ماحق على بلاد الثورات. وهنا يجب أن نذكر أن أي حزب يصل إلى السلطة بعد ثورة شعبية سيلاقي مصير الأحزاب الإسلامية التي استلمت السلطة بعد الثورات في مصر وتونس وليبيا. كيف لا وتطلعات الشعوب تكون عادة عالية جداً، ناهيك عن أن تركة الأنظمة الساقطة تكون غالباً في غاية السوء. وبالتالي لا يمكن لأي قوة مهما امتلكت من مواهب السلطة أن تصلح الأوضاع بعصا سحرية. ولا ننسى أن الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة ليس لديهم تجربة عريقة في الحكم، لا سيما وأنهم أمضوا معظم وقتهم في السجون بسبب الملاحقات والتضييق الدائم على نشاطهم السياسي. وبالتالي، لا يجب استغلال فشلهم في السلطة بعد الثورات لسحقهم وإخراجهم من الحياة السياسية إلى غير رجعة.
ولو تابعت الحملات الإعلامية التي يشنها خصوم الإسلاميين عليهم لرأيت العجب العجاب، فهذا يحذر من أسلمة الحياة العامة بكاملها، وذاك يحذر من الاستبداد الإسلامي.
لا بل إن كثيرين يجادلون بأن بعض الدول العربية لا تريد إسقاط النظام في سوريا خشية وصول الإسلاميين إلى السلطة بعده. لقد حاول العلمانيون وأذناب الأنظمة المتساقطة كل ما بوسعهم لتخويف الشعوب من الصعود الإسلامي الجديد بطريقة تفوق بشاعة الطريقة الغربية التي سادت على مدى العقدين الماضيين، وكأن الإسلاميين الجدد بعبع مرعب.
لا أدري لماذا كل هذا التخويف من الإسلاميين وشيطنتهم. أليس من الأفضل أن نقبل بنتائج صناديق الاقتراع التي تعتبر أس الديمقراطية بدل شيطنة الإسلاميين بالطريقة المستهلكة البائدة؟
أليس التخويف من الإسلاميين اعتداء فاضحا على الديمقراطية وعلى أتباع الإسلاميين الذين يعدون بالملايين؟ ألا تعبر شيطنة الإسلاميين عن عجز مقيم لدى خصومهم؟ أليس حرياً بأعداء الإسلاميين أن يجتذبوا الشارع ببرامجهم الانتخابية والسياسية بدل تشويه سمعة الخصوم؟
من الواضح أن الذين يخوفون المجتمعات العربية من المد الإسلامي لم يتعلموا من الدرس الغربي، فرغم الحملات الشعواء التي شنها الإعلام الغربي على الإسلاميين على مدى العشرين عاماً الماضية، إلا أن الإسلاميين ظلوا يحققون النصر تلو الآخر في الشارع العربي. ولما أتيحت لهم فرصة ديمقراطية حقيقية حصدوا الأخضر واليابس في الانتخابات. لهذا بدل إعادة تصنيع العجلة، على التيارات السياسية المناهضة للإسلاميين أن تبحث عن طرق جديدة لمنافستهم بدل أن تجتر الأساليب الغربية البائسة التي لم تفشل فقط في تشويه سمعة التيار الإسلامي، بل جعلت منها أكثر قوة. والأخطر من ذلك الآن وفي ظل هذه الحملات الشعواء ضد الإسلاميين في العديد من البلدان، يُخشى أن تتدعشن الأحزاب الإسلامية المعتدلة التي قبلت باللعبة السياسية بعد أن استخدم خصومها ضدها أقذر الأساليب لإخراجها من اللعبة السياسية.
أين تذهب التيارات الإسلامية الديمقراطية عندما ترى أن كل الأبواب أصبحت مغلقة في وجوهها؟ ألا تصبح الجماعات المتطرفة التي باتت تشكل صداعاً كبيراً للداخل والخارج الوجهة المفضلة للقوى الإسلامية المعتدلة؟
١٨ أبريل ٢٠١٥
مضى أربع سنوات ولا يزال ذلك المشهد حياً في ذاكرة أهل حمص, فهو رمز النضال السلمي و نقطة التحول في مسيرة الثورة, إنه الاعتصام الأول في الثورة السورية, إعتصام ساحة الساعة في حمص يوم 18/4/2011.
يوم التشييع العظيم من الجامع الكبير، الذي غرست أحداثه في ذاكرة الحماصنة، شيّع الأهالي الشهداء من المتظاهرين الذين سقطوا برصاص قوات الأسد في حي باب السباع، حيث تمت الصلاة على أرواحهم في الجامع الكبير، واتّجه المشّيعون إلى المقبرة لدفنهم، وسط أصوات التكبير والهتافات.
وبعد الإنتهاء من دفن الشهداء ,عاد المشيعون مباشرة إلى الساحة الرئيسية في حمص, ساحة الساعة الجديدة، وخلال عودتهم مروا من حي الحميدية ذي الأغلبية المسيحية ، وقد بادر أهالي الحي إلى رش المتظاهرين بالأرز وقدموا لهم مياه الشرب، و انضم إليهم عدد كبير من شباب الحي
أغلقت المدينة وأسواقها أبوابها بشكل كامل، واستجاب الجميع لنداء الحرية، كما لوحظ غياب تام لجميع عناصر الشرطة والأمن الذين اختباؤا خوفاً من طوفان الحرية في شوارع المدينة, بعدها بدأ الشباب بتنظيم الاعتصام، وشكلوا مجموعات لتوفير الطعام والشراب وتوزيعها على الناس.
ومجموعات أمنية أقاموا الحواجز في المداخل الرئيسية للساحة لتفتيش المعتصمين والتدقيق في الهويات، ومنعوا إدخال العصيّ والأدوات الحادة، وقد أقيمت حواجز في شارع عبد الحميد الدروبي وتفرعاته، وعند شارع الدبلان وجورة الشياح، وكذلك من جهة الساعة القديمة، بينما رفعت اللافتات المناهضة لنظام الأسد.
في ذلك اليوم كانت أصوات الحرائر متلازمة مع أصوات الرجال، وكانت مشاركتهن مهمة وفاعلة في اعتصام الساعة، إذ هتفن للحرية والشهداء والمعتقلين، ورفعن لافتات الحرية، ثم تم وصْل مكبرات الصوت ، وبناء عدد من الخيم للمعتصمين فقد شاركت كل حمص في هذا اليوم، وكسرت حاجز الخوف.
تجمع الناس حول عامود الساعة الجديدة ، وتوزعت الجموع نحو شارع الدبلان وباتجاه الساعة القديمة، و غصّت ساحة مبنى البريد القديم و خلفها شارع نادي الضباط بالناس.
وقام أحد الشبان بتمزيق صورة بشار الأسد المعلقة على واجهة مبنى البريد المجاور، وكذلك أزال علم حزب البعث الكبير من المكان".
من هتافات المتظاهرين كان : ( حرية.. حرية إسلام ومسيحية ) ، ( يا حرية لوحي.. لوحي بدنا طل الملوحي ) و هتاف آخر (واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد) ( ارحل ..ارحل) و ( على الجنة رايحين شهداء بالملايين)
وعند الساعة الثانية بعد منتصف الليل تقريباً، فتح المئات من عناصر الأسد، النار على المعتصمين بشكل هيستيري، فسقط عشرات المعتصمين بين شهيد وجريح، فيما حاول الآخرون الفرار بكل الاتجاهات، ليطالهم كذلك رصاص القناصة المنتشرين على المباني المرتفعة, ساعتان متواصلتان من إطلاق الرصاص في كل الاتجاهات.
من غير المعروف حتى الآن عدد الشهداء الذين سقطو في تلك الليلة التاريخية التي ستذكرها مدينة حمص طويلاً فالبعض يتحدث عن المئات والبعض الآخر عن العشرات.
القصة الأغرب بين كل المجازر التي ارتكبها نظام الأسد أنه اعترف بارتكابه لهذه المجزرة في اليوم التالي واصفاً المعتصمين بأنهم سلفيون تكفيريون على اعلامه الرسمي وكأن السلفي والتكفيري لايستحق المحاكمة وانما يقتل فوراً.
اليوم نقف على أطلال ساعة حمص وساحة حريتها.. أربع سنوات والصور ماثلة في القلوب والأذهان، لا الشهداء انقضى ذكرهم ولا المعتصمون تابوا عن ارتكاب فعل الحرية.
١٧ أبريل ٢٠١٥
ليس سرّا أن تفسير طهران للاتفاق-الإطار الذي توصلت إليه إيران مع مجموعة البلدان الخمسة زائد واحد في شأن ملفها النووي، يختلف عن التفسير الأميركي للاتفاق نفسه.
يؤكد المسؤولون الإيرانيون من كبيرهم، إلى صغيرهم، أن مفهومهم للاتفاق-الإطار يتلخّص في أن التوصل إلى اتفاق نهائي، في غضون أسابيع، يعني رفع العقوبات الدولية فورا وبشكل نهائي، على طريقة كوني فكانت.
في المقابل، يردّد المسؤولون الأميركيون، في كلّ مناسبة، أنّ العقوبات سترفع تدريجيا، وذلك بمقدار التزام إيران ببنود الاتفاق، ومع تحقق وكالة الطاقة النووية من ذلك.
يبدو الموقف الإيراني أكثر من مفهوم، إنّه تعبير عن رغبة في تسويق الاتفاق في الداخل من جهة، كما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية من جهة أخرى. إنّها أزمة زادت مع هبوط أسعار النفط الذي رافقه كلام لعدد لا بأس به من المسؤولين عن فشل الثورة الإيرانية في بناء اقتصاد ينمو ويتطوّر بعيدا عن النفط. وهذا يعني بوضوح أنّ إيران التي وعدت، بعد ثورة 1979، ببناء اقتصاد منتج صارت أسيرة النفط أكثر من أيّ وقت، أي أكثر بكثير مما كانت عليه الحال في عهد الشاه الراحل.
هل من فشل أكبر من هذا الفشل؟ هل من دليل أكثر وضوحا على أن النظام الإيراني في هرب مستمرّ إلى الخارج للتغطية على أزمته الداخلية، التي لا يستطيع معالجتها إلا بالقمع والشعارات الطنّانة؟
هناك إذن اختلاف إيراني-أميركي، خصوصا أن الولايات المتحدة تعتبر نفسها المعني المباشر بطي صفحة العلاقات المتوترة مع إيران منذ عام 1979. ولذلك يبدو الرئيس باراك أوباما مستعدا للذهاب بعيدا في استرضاء الإيرانيين من أجل التوصل إلى الاتفاق النهائي في شأن الملف النووي. بالطبع، لا يستطيع أوباما، الذي بات يعتقد أن الاتفاق مع إيران وتطبيع العلاقات معها سيُدخله التاريخ، تجاهل الرأي العام الأميركي، خصوصا الكونغرس حيث الأكثرية الجمهورية الرافضة لأيّ تساهل مع إيران.
هذا الاختلاف الإيراني-الأميركي لا يعني، وجود تفاهم أميركي-عربي في شأن كيفية التعاطي مع إيران. غياب التفاهم العربي مع واشنطن قائم، رغم أن كلّ الدول العربية تسعى إلى علاقات طبيعية مع إيران. عبّر عن ذلك وزير خارجية دولة الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد الذي تحدّث أخيرا، بصراحة ليس بعدها صراحة، عن “أنّ إيران لا تترك مجالا لشركائها في المنطقة” من أجل إقامة علاقات “طبيعية وإيجابية ونموذجية”. أشار إلى رغبة إيران المستمرّة في “تصدير الثورة”. إيران تتدخل في غير منطقة عربية، وحتى خارج المنطقة العربية، ولا تكتفي باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى) منذ العام 1971، منذ أيام الشاه. وهذا يعني في طبيعة الحال، أنّه لم يتغيّر شيء في إيران وسياستها التوسعية بعد الثورة. بل زاد وضع العلاقات سوءا بين إيران وجيرانها في مرحلة ما بعد الشاه، الذي كان يطمح إلى لعب دور “شرطيّ الخليج”.
تختزل الإدارة الأميركية أزمات الشرق الأوسط بالملف النووي الإيراني. هذا ما حاول أيضا الملك عبدالله الثاني تصحيحه في حديثه الأخير إلى “فوكس نيوز”. قال العاهل الأردني مشيرا إلى المقاربة العربية المختلفة عندما يتعلّق الأمر بالملفّ النووي الإيراني “لدى إيران الكثير من الأوراق، منها ورقة الملف النووي التي تحمل مقدارا من الأهمّية للولايات المتحدة والتي تُناقش حاليا. لكنّ لإيران دورا في العراق ويمكنها التأثير هناك، كما تدعم النظام في سوريا وتدعم “حزب الله” في لبنان وفي سوريا إلى حدّ ما. ولديها وجود في اليمن والقرن الأفريقي ولديها تأثيرها في أفغانستان. وهناك بعض التوتر بينها وبين باكستان على الحدود (بين البلدين). لذا، عندما تتعامل مع إيران، عليك أن تأخذ كلّ هذه الأوراق في الاعتبار لتفهمها جيدا. وكما أشرت، عليك أن تربط بين هذه النقاط كلّها. تعتبر كلّ العناصر التي ذكرتها عناصر عدم استقرار، وبالتالي يجب مناقشتها مع الأميركيين. لا يمكنك مناقشة كلّ مسألة على حدة”.
باختصار، الاختلاف بين إيران والولايات المتحدة لا يلغي الخلاف العربي مع إدارة أوباما في شأن مقاربتها لأزمات المنطقة. هناك استعداد أميركي للدخول في صفقة مع إيران دون التساؤل: ما الذي تفعله إيران في العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن، على سبيل المثال وليس الحصر؟
لنضع جانبا احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث ورفضها التفاوض في هذا الشأن، من المستغرب امتناع إدارة أوباما عن أخذ علم بالبديهيات. في طليعة البديهيات هذا الإصرار الإيراني على رفع العقوبات فورا، وعلى عزل الملف النووي عن أزمات المنطقة التي تتسبّب بها؟ ماذا تفعل إيران في العراق؟ كيف يمكن أن تدعم نظاما يقتل شعبه يوميا في سوريا؟ لماذا تعتمد سياستها في لبنان على ميليشيا مذهبية مسلحة تمنع الوطن الصغير من تحقيق أي تقدّم في أيّ مجال كان، بما في ذلك انتخاب رئيس للجمهورية يعمل من أجل رفاه أبناء بلده؟
لا حاجة إلى شرح ما تقوم به إيران في اليمن بما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقسيم البلد وتفتيته، وتشجيع “القاعدة” على التمدّد في كلّ محافظات هذا البلد الفقير الذي يعاني الجهل والفقر. هل في استطاعة إدارة أوباما الفصل بين النشاط الإيراني في اليمن، وهو نشاط مستمرّ منذ ما يزيد على خمس عشرة سنة، والأزمة التي يعاني منها البلد؟
ليس الموضوع موضوع الملفّ النووي الإيراني والعقوبات المفروضة على إيران. الموضوع هل إيران دولة طبيعية أم لا؟ هذا ما يفترض في الإدارة الأميركية النظر فيه في حال كانت تبحث عن الاستقرار في الشرق الأوسط، وتريد العمل على ترسيخه. إما مقاربة شاملة للدور الإيراني على الصعيد الإقليمي، وإمّا غرق في تفسير نص الاتفاق-الإطار الذي تمّ التوصل إليه. مثل هذا النقاش لا طائل منه، ولا يصب سوى في محاولة أخرى لإيران من أجل استخدام أيّ أموال تأتيها من رفع العقوبات للاستثمار في إثارة الغرائز المذهبية، بغية تفتيت المجتمعات العربية، وهو هدف إيراني بحدّ ذاته… فهل هو هدف أميركي أيضا؟
١٧ أبريل ٢٠١٥
شكل الوضع الفلسطيني أحد تعقيدات الثورة السورية، وإحدى الحساسيات التي تثقلها، إلى جانب قضايا الأكراد والتنوعات المذهبية والإثنية والدور الإقليمي، فضلا عن التبعات المتعلقة بادعاءات النظام المقاومة والممانعة.
وبحسب بعض الإحصائيات الموثقة فقد بلغ عدد الضحايا من الفلسطينيين السوريين نتيجة الصراع السوري، أكثر من 2500 شهيد، يقدر أن نصفهم من مخيم اليرموك وجواره، وضمن هذا العدد الإجمالي يمكن احتساب 300 شهيد قضوا ضحية التعذيب، وذلك خلال الأعوام الأربعة الماضية، علما بأن ثمة مئتي أسير فلسطيني لقوا مصرعهم في السجون الإسرائيلية خلال ما يقارب نصف قرن!
فوق ذلك ثمة حوالي 900 من الفلسطينيين يقبعون منذ زمن في معتقلات النظام، وما يقارب نصف اللاجئين الفلسطينيين السوريين غادروا مخيماتهم بسبب الحصار والقصف، بحيث باتوا لاجئين مرة ثانية أو ثالثة في الأردن أو لبنان أو تركيا، وفي غيرها من الدول.
"مأساة مخيم اليرموك لم تبدأ مع الهجمة الداعشية، وإنما مع حصار النظام له منذ 25 شهرا، ولاسيما مع فرض الإغلاق عليه منذ عامين، الذي تضمن منع الأشخاص حتى الأطفال والنساء والشيوخ من الدخول والخروج، مع وقف دخول المواد الغذائية والصيدلانية وقطع الكهرباء ثم قطع المياه"
مؤخرا احتل المشهد الفلسطيني، من بوابة مخيم اليرموك وسكانه الـ18 ألفا المتبقين، مركز الصدارة في وسائل الإعلام، ووسائط التواصل الاجتماعي، والتحركات الفلسطينية والدولية، وذلك بسبب هجمة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وحليفته جبهة النصرة على هذا المخيم، مما أوحى باحتمال نهاية مخيم آخر، وهو ما يثير المخاوف بشأن مواجهة ذات المصير الكارثي الذي كانت قد واجهته مخيمات تل الزعتر وضبية وصبرا وشاتيلا ونهر البارد.
بيد أن تناول هذا الموضوع يقضي التنويه إلى ثلاث ملاحظات أساسية. أولاها، تفيد بأن مأساة الفلسطينيين في سوريا لا تقتصر على أهالي مخيم اليرموك، إذ تشمل معظم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي لاقى قاطنوها المصير ذاته، علما بأن النظام يمنع أهالي مخيمات الست زينب والسبينة والحسينية (قرب دمشق) من العودة إلى بيوتهم رغم أنها باتت تخضع لسيطرته.
وثانيتها، أن مأساة مخيم اليرموك لم تبدأ مع الهجمة الداعشية، وإنما مع حصار النظام له، منذ 25 شهرا (ديسمبر/كانون الأول 2012)، ولاسيما مع فرض الإغلاق عليه منذ عامين الذي تضمن منع الأشخاص حتى الأطفال والنساء والشيوخ من الدخول والخروج، مع وقف دخول المواد الغذائية والصيدلانية وقطع الكهرباء، ثم قطع المياه (منذ مئتي يوم)، الأمر الذي أدى إلى استشهاد حولي 170 شخصا قضوا ضحية الجوع والمرض.
وثالثتها، أن هذا المخيم الواقع جنوب دمشق، يتموضع ضمن مجموعة أحياء شعبية فقيرة، وهي أحياء عشوائية مكتظة يقطنها حوالي مليون سوري، مما يعني أنه لا يقع وسط جزيرة معزولة، إذ إنه بمثابة مدينة صغيرة، تستقطب النازحين السوريين من مدن أخرى، ومن دمشق ذاتها، علما بأن عدد الفلسطينيين في هذه المنطقة لا يتعدى مئتي ألف.
ما ينبغي أخذه في الاعتبار أيضا، أن هذا المخيم ليس كأي مخيم آخر، إذ إنه يعد بمثابة عاصمة للاجئين الفلسطينيين، بسبب حيويته الناجمة عن تركز عدد كبير منهم فيه، وتنوع أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتركز معظم مكاتب منظماتهم في أحيائه، والأهم أنه يعتبر من أهم مراكز الثقل للوطنية الفلسطينية التي استعصت على تطويع النظام السوري، في معظم المنعطفات التي شهدت التجاذب بينه وبين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
وكان مخيم اليرموك قد بدا مع اندلاع الثورة السورية قبل أربعة أعوام، بحكم موقعه الجغرافي وثقله الديمغرافي، بمثابة نقطة تجاذب بين النظام والمعارضة، مما صعب من المواقف التي تدعو إلى النأي به عن الصراع الدائر. فالنظام أراد استخدامه لمصلحته بمساعدة الفصائل الفلسطينية التابعة له تاريخيا، والمعارضة أرادت أخذه لصالحها بالنظر إلى تشابكه مع حواضنها الشعبية في الأحياء المجاورة، في حين أراد أهالي المخيم الإبقاء عليه منطقة حاضنة، ومنطقة إغاثة للسوريين النازحين من المناطق المجاورة، هربا من قصف النظام وعسفه وظلمه.
وكما أصبح معروفا فإن النظام منذ حينها لم يرتح لهذا المعادلة فبدأ يشتغل على إفشالها مع الموالين له، بحيث أصبح يتعامل مع المخيم بوصفه منطقة خارجة عن سلطته وينبغي تأديبها، أو تدفعيها الثمن. ومعلوم أن ذلك الأمر حصل قبل أن يكون ثمة مسلحون في مخيم اليرموك، وقبل ظهور جبهة النصرة أو داعش أو غيرهما بكثير.
في هذا الإطار، مثلا، قام النظام، يوم 13/7/2012 بإطلاق النار على مظاهرة في المخيم، مما أدى إلى مصرع ثمانية فلسطينيين، أحدهم -وهو أحمد السهلي أبو رامز- أعدم بين أولاده وفي منزله المجاور لمكان المظاهرة من دون أي سبب، ولعل هذا هو الحدث المؤسس لكل ما جرى فيما بعد. وفي يوم 2/8/2012 لقي 18 فلسطينيا مصرعهم في حي الجاعونة في المخيم، نتيجة القصف الصاروخي من قواعد النظام القريبة، وهو ما تكرر يوم 5/11/2012، حيث لقي 13 من أبناء المخيم مصرعهم.
"النظام هو المسؤول الأساس عن مآلات مخيم اليرموك، وعن كل ما جرى في سوريا منذ قرابة نصف قرن، إذ لم يعجبه أن يصبح المخيم حاضنة للمشردين السوريين من المناطق المجاورة، ولم يرض بأقل من أخذه لمصلحته، مستعينا ببعض الفصائل"
وبالإجمال فقد بلغ عدد شهداء القصف الصاروخي فقط من فلسطينيي مخيم اليرموك لوحده أكثر من 80 شهيدا (عدا فلسطينيي الحجر الأسود والتضامن المجاورين) حتى تاريخ 15/12/2012، أي قبل حادثة قصف طائرة "الميغ" بيوم واحد، التي استهدفت مسجد عبد القادر الحسيني ومدرسة الفالوجة، وهي غارة تكررت يوم 19/12، بالقصف الصاروخي الذي أحدث دمارا هائلا في دائرة قطرها 50 مترا، قرب مبنى "المحكمة" المجاور لشارع الثلاثين (غرب المخيم).
ونتيجة لذلك فإن هذا الصراع أدى إلى دخول الجماعات المسلحة إلى المخيم، تماما كما حصل في المناطق السورية الأخرى، مما أثار مخاوف أهالي المخيم الذين آثروا الخروج منه خوفا من قصف النظام وحصاره للمخيم، كما جرى في الحالات المماثلة في المناطق الأخرى، وهو ما حصل فعلا، كما شهدنا طوال 25 شهرا الماضية.
ثمة أربعة استنتاجات رئيسية من هذا العرض. أولها، أن مخيم اليرموك تعرض إلى ما تعرض له قبل ظهور السلاح، وقبل التحول إلى الثورة المسلحة في المجال السوري، وقبل ظهور جبهة النصرة وداعش وشبيهاتهما. وثانيتها، أن النظام بالذات -الذي يفرض طوقا وحشيا حول المخيم، ويمنع حتى رغيف خبز وقنينة ماء- هو المسؤول عن تناسل ظاهرة الجماعات المتطرفة في المخيم، وهيمنتها عليه.
أما الأمر الثالث، فمفاده أن ما يحصل للفلسطينيين ليس نسيج وحده، فقد حصل مثله في المناطق السورية الأخرى، في درعا وحمص وحلب وإدلب والرقة، وفي دمشق في القابون وبرزة ودوما، ولاسيما مع صعود جماعات داعش وأخواتها، مع كل الأعمال المشينة والإجرامية التي ترتكبها مثل هذه الجماعات في حق السوريين والفلسطينيين.
ورابعها، أن النظام هو المسؤول الأساس عن مآلات مخيم اليرموك، وعن كل ما جرى في سوريا منذ قرابة نصف قرن، إذ لم يعجبه أن يصبح المخيم حاضنة للمشردين السوريين من المناطق المجاورة، ولم يرض بأقل من أخذه لمصلحته، مستعينا ببعض الفصائل. وفي الأصل فإن النظام لم يكن مرتاحا لهذا المخيم في انحيازه للوطنية الفلسطينية، التي مثلها ياسر عرفات في مراحل الصراع مع النظام على القرار الفلسطيني المستقل.
أيضا تتحمل المعارضة مسؤولية عما جرى لكونها لم تستوعب مخطط النظام، بل استُدرجت إلى مربعه، بأخذها المخيم لمصلحتها، مما أدى إلى تشريد سكانه المليون من فلسطينيين وسوريين.
وقد يجدر التنويه هنا، أيضا، إلى أن ثمة ما هو مخفي في قصة أخذ الجماعات المسلحة المعارضة للمخيم، إذ تبين بعدها أن العديد من قادتها هم من المحسوبين على أجهزة الاستخبارات، مما يذكر بمأساة مخيم نهر البارد، التي تسببت فيها "فتح الإسلام" التي نشأت في أحضان "فتح الانتفاضة" المحسوبة على النظام السوري.
وثمة مشروعية لاستنتاج كهذا، على ضوء طرح تساؤلات من نوع: كيف وصلت "داعش" إلى المخيم المحاصر؟ وكيف استطاعت في مناطق محاصرة أن تؤمن السلاح والذخيرة والمواد التموينية؟ ولماذا لم يستهدف النظام داعش ببراميله المتفجرة بدل استهداف المخيم؟ ولماذا لم تتوجه "داعش" وحليفتها "النصرة" إلى استهداف النظام بدل استهداف المخيم؟ ولماذا لم يفتح ممر آمن لإخراج الأهالي الأبرياء؟
وما يلفت الانتباه هنا في نقاش هذه القضية هو واقع اضطراب مواقف القيادة الفلسطينية، فهي كانت في فترات سابقة قد ادعت "النأي بالنفس" عما يجري في سوريا، بل إنها قامت بإلقاء اللوم على الجبهة الشعبية القيادة العامة وأمينها العام أحمد جبريل لتسببهم في توريط الفلسطينيين بالصراع السوري، بحكم انحيازهم للنظام، وطلبهم إنشاء لجان مسلحة في المخيمات. لكن مواقف قيادة المنظمة لم تثبت عند ذلك إذ أصبحت في أوقات أخرى تبدو كمن يعول على إنشاء علاقات مع النظام، مستفيدة من تراجع مدّ الثورة السورية، عربيا ودوليا.
الآن وبغض النظر عن موقف القيادة الفلسطينية من ثورة السوريين، فما يهمنا أساسا هنا هو موقفها من مأساة الفلسطينيين السوريين، الذي لم يدلّ على تعاطفها مع معاناتهم وعذاباتهم، إلى الدرجة المناسبة، وهو ما يوحي بانقطاعها عنهم، وتحولها إلى مجرد سلطة في الضفة الغربية، وحتى تطويحها بمكانتها الاعتبارية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني.
"بعد هجمة داعش والنصرة على مخيم اليرموك ظهر موقف القيادة الفلسطينية غاية في الانكشاف، ذلك أن السكوت عن حصار المخيم لأكثر من عامين، وعن جرائم النظام المتمثلة بالقصف والقنص والتدمير، وسياسة الاعتقال والموت تحت التعذيب، شمل تبني روايته بوجود جماعات تكفيرية وإرهابية في المخيم"
هكذا، فبعد هجمة داعش والنصرة على مخيم اليرموك ظهر موقف القيادة الفلسطينية غاية في الانكشاف، ذلك أن السكوت عن حصار مخيم اليرموك، لأكثر من عامين، وعن جرائم النظام المتمثلة بالقصف والقنص والتدمير، وسياسة الاعتقال والموت تحت التعذيب، شمل تبني رواية النظام بشأن وجود جماعات تكفيرية وإرهابية في المخيم، الأمر الذي فندته وقائع الأيام الأخيرة، ولا سيما بهجوم جماعات داعش والنصرة على المخيم.
في هذا الإطار برزت تصريحات أحمد مجدلاني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي نمت عن خفة وسذاجة بالغتين، إذ دعا إلى التعاون بين السلطة الفلسطينية والنظام السوري لإيجاد حل أمني لمشكلة مخيم اليرموك، متناسيا أن حصار المخيم بدأ قبل ظهور النصرة وداعش، وأن النظام يقصف المخيم بشكل عشوائي، ويعتقل في سجونه مئات الفلسطينيين، وأنه لم يسمح بفتح ممر آمن.
ويبدو أن هذا التصريح لم يمر على قيادة منظمة التحرير التي أصدرت بيانا عبرت فيه بطريقة غير مباشرة عن رفضها لتصريحات مجدلاني، مؤكدة "موقفها الدائم برفض زج شعبنا ومخيماته في أتون الصراع الدائر في سوريا الشقيقة، وأنها ترفض تماما أن تكون طرفا في صراع مسلح على أرض مخيم اليرموك، بحجة إنقاذ المخيم الجريح.. وأن منظمة التحرير الفلسطينية في الوقت الذي تحرص فيه على علاقاتها مع كل الأطراف، تؤكد رفضها الانجرار إلى أي عمل عسكري، مهما كان نوعه أو غطاؤه، وتدعو إلى اللجوء إلى وسائل أُخرى حقنا لدماء شعبنا، ومنعا للمزيد من الخراب والتهجير لأبناء مخيم اليرموك".
لكن المطلوب من القيادة الفلسطينية في مثل هذه الحال ليس فقط التنصل من تصريحات مجدلاني التي تتنكر لعذابات الفلسطينيين السوريين ومعاناتهم، وإنما المطلوب مع ذلك تجريده من مناصبه ومحاسبته على ما صدر عنه من مواقف تضر بمعنى قضية فلسطين باعتبارها ليست مجرد قضية قطعة أرض، وإنما هي معنى للحرية والكرامة والعدالة أيضا. فضلا عن أن مواقف كهذه تقوض مكانة منظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده، إضافة إلى إظهارها القيادة الفلسطينية قيادة متخاذلة منعزلة عن شعبها.
أخيرا، نتحدث عن كل ذلك ونحن ندرك أن نكبة الفلسطينيين في سوريا جزء من نكبة السوريين.. فالألم واحد والأمل واحد.
١٧ أبريل ٢٠١٥
الحرارة تستطيع أن تذيب كل شيء ، حتى الصخر عندما تصل لدرجة عالية جداً يمكن توليدها من النار، هذه النظرية يعمل عليها الأسد و قواته و من يسانده من حزب الله و ايران و المليشيات الأخرى ، في إدلب منذ قرابة الإسبوعين و تحديداً بعد 28 آذار بعدة أيام بعد أن خرجت عن سيطرته و أعلنت حريتها.
ما يجري في إدلب محرقة حقيقة أو فرن إذابة لكل ما هو موجود على سطح الأرض في إدلب و ريفها و ما تحتويه الأرض في باطنها ، و سياسة الأرض المحروقة باتت من الأمور البالية ، بعد إنتهاج اسلوب الأرض "المُذابة" .
تتراوح الغارات اليومية على إدلب و ريفها بمعدل ما بين 40-50 غارة يومية في أهدى الأحوال ترتفع إلى 120 غارة في أعنف الأيام ، و يُشاهد في سماء المحافظة سرب كامل من الطيران الحربي إلى جانبه حوامات و طائرات الإستطلاع تعمل في آن معاً و بكل ما أوتيت من قدرة و ما يفوق عن قدرتها ، فالإذابة بحاجة لكم من النيران لا يصدقه عقل بشري.
إدلب اليوم تحولت إلى فرن إذابة حقيقي ، وقوده البشر و الحجر ، و أتونه القصف بكل شيء و أي شيء متوافر ابتداءً من رصاصة مسدس و انتهاءً بصواريخ سكود ، و ما بينهما من مدفعية و راجمات و طائرات و .... و.... .
هذه الإذابة تقابل ببرود تام لحد التجمد من كل المجتمع الدولي القريب منه و البعيد ، و من يدعي الصداقة إلى من يعلن العداء التام ، فإدلب النموذج الذي انتظرناه أربعة أعوام بات داخل محرقة الأسد .
إدلب التي أذاقت الأسد مرارات كثيرة كونها أول من خرج عن الطاعة و أكثر من آلمه و أشد من كسره في مواجهاته .
إدلب اليوم كما يدعون أنها تحوي على أناس محاصرين في "كفريا و الفوعة " و هم آتون لنجدتهم ، فهم من شيعتهم و هم سيحموهم ، فماذا لو تم إنهاء هذا الوجود في المنطقة ، وماذا لو ذاقوا جزء من حجم الجحيم الذي يعيش فيه أهلنا .
لسنا في وارد الحديث عن حجم ما يعانيه الجميع داخل ادلب "مدينة و ريف" ، و لا في الكلام عن التخاذل الذي لاقته ثورتنا عموماً في كل مراحلها بما فيها هذه المرحلة ، و إنما كل ما سبق هو اشارة على أن شراهة الأسد و قواته و موالوه تزداد و ستزداد أكثر فأكثر ، و أن لم يتم إيقافها فنشهد أنواع أخرى من العنف و القتل و الإبادة و الإذابة ، و لا نعرف السياسة الجديدة التي ستنتهج في قادمات الأيام ، مالم يتم إيقافه اليوم في إدلب من قبل الثوار على الأرض ، الذي هم بأمس الحاجة إلى شيء واحد وهم نبذ كل شيء و التركيز على جبهة واحدة و هي جبهة الأسد فقط لاغير ، فكما تحررت بالتوحد ستبقى صامدة و تكسر المهاجمين كذلك بالتوحد .