مقالات
٣ مايو ٢٠١٥
تحطيم المجتمع السوري

عند الاستيلاء على السلطة بفعل انقلاب عسكري، تتوجس السلطة الجديدة من كل شيء، ليس لأنها استخدمت العنف للوصول إلى السلطة فحسب، بل ولأن الوصول إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري يأتي بفعل سلسلة من التآمر بين شركاء هذا الانقلاب أيضا. فمن يأتي إلى السلطة بانقلاب عسكري، سيبقى، طوال الوقت، يبحث عن مؤامرة تحاك ضده هنا أو هناك لإطاحته، فمن شارك في مؤامرةٍ، وأوصلته إلى الرئاسة، يعتقد، كما تآمر على الآخرين، أن هناك من يتآمر عليه طوال الوقت.

هذا ما يفسر الشخصية الارتيابية للديكتاتور الذي يأتي إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، وهذا ما يفسر الكلام الذي قيل عن حافظ الأسد في عمله المتواصل ثماني عشرة ساعة يوميا، مهووساً بالسلطة. ماذا يفعل ديكتاتور بكل ساعات العمل هذه، وكأنه يدير دولة أهم من الولايات المتحدة الأميركية التي لا يعمل رئيسها كل هذا الوقت؟

إنه يفكك السلطة، ويعيد تركيبها، وبعد ذلك، يحاول تفكيك المجتمع وإعادة تركيبه. هذا ما كان يقوم به حافظ الأسد خلال ثلاثين عاما من القبض على السلطة في سورية. مع وصوله إلى السلطة، أخذت الإجراءات التي تُفقد الجيش أي قدرة على القيام بانقلاب عسكري في سورية طريقها إلى الجيش، وقد نجح الأسد الأب في تفكيك هرمية الجيش، وإفقاد الأركان العامة للجيش أي قدر على التحكم بالجيش، وأفقد قادة الوحدات القدرة على التحكم بوحداتهم، وربط كل ذلك بالرئاسة، وبه شخصيا عبر الأجهزة الأمنية، القادرة، كما أدرك الأسد الأب، على حماية النظام، لكنها غير قادرة على القيام بانقلاب، فالجيش هو الجهة الوحيدة القادرة على ذلك. لذلك، كان من الضروري تفكيك بنية السيطرة على الجيش من الأركان وقادة الوحدات، وزرع ضباط الأمن في كل قطعة عسكرية، من السرية حتى الفرقة. الكل يتجسس على الكل، والكل يعمل عند أجهزة المخابرات، وأجهزة المخابرات تعمل عند الديكتاتور، بوصفه ولي نعمتها. هذه الآلية التي كرسها الأسد الأب، هي التي تفسر عدم قدرة أي من الضباط السوريين الذين انشقوا عن جيش النظام في الثورة السورية، أن ينشق مع وحدته العسكرية، كل الضباط، وبصرف النظر عن رتبهم العسكرية، انشقوا من دون وحداتهم العسكرية.

ما فعله الأسد الأب في الجيش كرره في الساحة السياسية السورية، فقد صاغ تحالفات مع بعض القوى السياسية، في مقدمتها الشيوعيون التقليديون، في إطار أطلق عليه اسم "الجبهة الوطنية التقدمية" أعطاهم امتيازات في الوزارات، لكنه منعهم فعلياً من العمل السياسي في المجتمع السوري، منعهم من العمل في قطاعات اجتماعية واسعة، يتقدمها قطاعا الجنود والطلاب. صحيح أنه منحهم وزارات، واعتبرهم شركاء سياسيين في قيادة البلد والوزارات والنقابات وغيرها، لكنها كانت شراكة شكلية، وبقيت السلطة الفعلية بيد الديكتاتور دون شركاء، والآخرون مجرد ديكور يستدعيه عند الحاجة. كل من لم يقبل أن يكون غطاء سياسيا للديكتاتور، كان مصيره المعتقلات آجالاً تطول أحيانا حتى نهاية العمر. حتى على مستوى الوزارات التي لها وظيفة خدمية، كانت تدار فعليا من مكاتب متخصصة في القصر الجمهوري، والوزارات لم تكن سوى هياكل شكلية وتنفيذية لأوامر القصر الجمهوري.

اعتمد الأسد الأب الآلية نفسها في إعادة هندسة معمار المجتمع السوري، وكان حريصا أن تظهر سلطة الديكتاتور بوصفها المانح والمانع للمغانم. فهو من يستطيع أن يُعلي من شأن أي أحد، وممكن أن يخفضه كما يشاء، إنها حلولية الديكتاتور مكان الآلهة في القدرة على التأثير في حياة مواطنيه. كانت إعادة صياغة العلاقات بين الفسيفساء الطائفية السورية، أخطر ما غرس فيه سكينه، وتحت شعارات وطنية قومية كبيرة، كان يعزز النزاعات الطائفية، عند كل الطوائف السورية، خصوصاً الأقليات. وقد استثمر الأسد الأب هذا الشحن الطائفي، ليحصل على الولاء المطلق للطائفة العلوية، بتصوير الطائفة السنية الخطر الأكبر على العلويين، وهذا ما جعله يصادر الطائفة، ويستخدمها مخلب قط ضد جميع السوريين.

لم ينجح كل هذا الفك والتركيب في المجتمع السوري في إخضاعه تماما، على الرغم من أن سورية بدت في عهد الأسد الأب بوصفها "مملكة الصمت، على حد تعبير المعارض السوري، رياض الترك. وقد تعززت "مملكة الصمت" بعد الصدامات مع الإخوان المسلمين مطلع الثمانينيات، عندما شهدت مدينة حماة وجودا مسلحا فيها، لم يسحق الأسد الأب المسلحين فحسب، بل سحق المدينة بسكانها، لتكون عبرة لكل سورية. فالوجود المسلح للطليعة المقاتلة في مدينة حماة الذي قدر حينها بأقل من 200 شخص، لم يكن يستدعي كل الوحشية والدمار والقتل الذي تعرضت له المدينة، وراح ضحيتها في فبراير/ شباط من العام 1982 في أقل التقديرات 20 ألف قتيل، وفي أكثرها 40 ألف، وما زال العدد الحقيقي مجهولاً، وذلك كله من أجل تفكيك البيئة الحاضنة للإخوان المسلمين.
"الأسد أحرق البلد، وما زال قابعا على حريقها، ممسكا بسلطتها، على الأقل إلى اليوم"

كانت مجزرة حماة هي البروفا، وكانت سورية بانتظار عرض المذبحة الشامل على يد الأسد الابن، فبعد المجزرة ساد اعتقاد عند أتباع النظام أنها أسكتت سورية إلى الأبد. لذلك، كان رجال النظام يستدعونها مثلاً تهديدياً للبنانيين والفلسطينيين من نظام لا يتورع عن فعل شيء، وقد هدد نائب الرئيس السوري الأسبق، عبد الحليم خدام الفلسطينيين قائلا: "لا تعتقدوا أن مخيم اليرموك أغلى عند السيد الرئيس من حماة". منذ نجاح الأسد الأب بإسكات حماة، وإخافة البلد، باتت هذه السياسة المعتمدة من أداة القتل التي صممها الأسد الأب. وعند أول احتجاج سوري على السلطة في سورية في درعا في عهد الابن، تم استخدام الرصاص الحي، وخلال أيام، كانت الدبابات في الشوارع، على الرغم من سلمية التحركات السورية.

عمم الأسد الابن مجزرة حماة على كل الأراضي السورية، وحتى يقتلع البيئة الحاضنة للإرهاب حسب ادعائه، دمر جل المدن السورية، واقتلع السوريين من منازلهم، وحطم المجتمع السوري. إنها الآلة الوحشية التي صممها الأب وأطلقها الابن، لا لتقمعهم فحسب، بل لتدمير مدنهم وتحطم مجتمعهم. منذ الأيام الأولى للثورة السورية، كتب مجرمو النظام على الجدران السورية "الأسد أو نحرق البلد"، واليوم بعد أربع سنوات ومن سخرية القدر القاسية، أن الأسد أحرق البلد، وما زال قابعا على حريقها، ممسكا بسلطتها، على الأقل إلى اليوم.

استطاعت آلة القتل التي صممها الأسد الأب أن تفرض الصمت على المجتمع السوري، نجحت في إخراسه من جديد مطلع الثمانينيات، لكنها في العام 2011 لم تستطع إخراسه مرة أخرى، فما كان منها، إلا أن حطمت البلد والمجتمع، وما زالت مستمرة في تحطيمهما.

اقرأ المزيد
٣ مايو ٢٠١٥
ومن النفاق ما قتل

بعد غزو الفرنجة الحضارة العربية الإسلامية بسنوات قليلة، وأمام ما كان يجري من تخاذل في مواجهتهم، سافر شيخ الجامع الأموي ومفتي دمشق يومذاك إلى بغداد للقاء الخليفة. حين قابله، نزع عمامته عن رأسه، والقى بها أرضاً، وشرع يعنفه وهو يبكي ويشكوه إلى نفسه، ويذكّره بواجباته في الدفاع عن المسلمين، وبضرورة الرد على الغزاة، وطردهم من أرض الإسلام. تلك الزيارة كانت من أسباب يقظة المسلمين، وقيام الخلافة بشيء من واجبها تجاه رعاياها.

قبل أيام، دعا مفتٍ آخر بشار الأسد إلى استخدام كل ما في حوزته من سلاح لمقاتلة "غزاة" آخرين، لكنهم ليسوا أجانب، أو غرباء، اقتحموا سورية، واحتلوها كالفرنجة، بل هم مواطنوه الحلبيون. وألقى أحمد حسون عمامته أرضا أمام رئيسه، وشرع يبكي، ويحثه على إبادة مدينته وسكانها بجميع الأسلحة، بينما كان يتهم قادته وجيشه بالسلبية والتهاون في الحرب، كأن قتل نصف مليون سوري على أقل تقدير لا يرضيه ولا يروي غليله. يقول المثل "لا توصي حريصاً ". لم يكد المفتي ينهي مطالبته بقتل مواطنيه حتى سارع "الأب القائد" إلى تلبية ندائه، وها هي حلب تباد بكل صنوف الأسلحة وأساليب القتل والتدمير التي تستهدف أطفال المدارس: الجيل الأخير الـذي يقضى عليه، بعد أن أباد جيش الممانعة ثلاثة أجيال في الأعوام الأربعة الماضية، فإن تواصلت عملية القتل بالوتيرة الحالية، كان باستطاعتنا أن نقول بعد حين: هنا كان يوجد مدينة اسمها حلب، وكان يعيش فيها بشر.

بين مفتي دمشق المجاهد ومفتي سورية الحالي هوة مرعبة، حفرتها "وطاوة" الأخير، وأحقاده على السوريين ، وفتواه بشرعية قتل كل من يعارض الأسد أو يثور عليه ، فلا عجب أن يستغل الأخير فتاواه غطاء "شرعياً" يسوغ به قتل شعب"ه"، بما في ذلك المفتي المنافق نفسه الذي سيلقى حتفه على يدي سيده، عندما سينتهي مفعوله، ويتعاظم عجزه عن إفساد المشايخ وتأثيره في الرأي العام، ويفتضح كذبه ونفاقه الذي جعله مضحكة السوريين، فهو يهودي أكثر من نتنياهو، ومسيحي أكثر من يهوذا الإسخريوطي، وشيعي أكثر من خامنئي، لكنه، في جميع حالاته، عدو المسلمين، لأن النظام يكرههم، وعدو الإسلام، وقد صدرت عنه تفوهات مستهجنة ضد نبيه (ص)، كقوله: لو أمرني النبي بكره اليهود والمسيحيين لما أطعته.

أحدث حكم الأسدين انحطاطا إنسانيا وثقافياً شاملاً طاول مختلف مناحي حياتنا، من تعبيراته اختيار منافقين لمناصب دينية قيادية، كان أشهرهم ذلك الخطيب الذي جعل الأسد الأب "الراشدي الخامس"، ونصبه مجتهداً من كبار مجتهدي الإسلام. بانحطاط المنافقين المتعاظم وافتضاح أمرهم، كان من المحتم أن يبلغ النفاق دركه الأسفل مع حسون الذي قبل أحذية أهل النظام بقدر ما قتلوا الشعب، ودمروا المساجد والمواقع التي تذكر بتاريخ ما قبل الحقبة الأسدية، وكان قد بنى بعضها غزاة فتحوا المدينة، فأسرهم جمالها وأغراهم، بإضافة لمستهم التاريخية الخاصة عليها، تخليداً لذكراهم بناة دخلوها بالسيف فمدنتهم، وأضفت الرهافة والرقة عليهم. ومن يعرف حلب التي يدمرها اليوم وحوش يكرهون شعبهم بدعوة من المفتي القاتل، سيقطر قلبه دماً، وهو يرى أحياءها، وقد تحولت إلى ركامٍ، أين منه ركام المدن التي دمرت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

حرّض المفتي جيش النظام ضد حلب وشعبها، فهل تحرض جرائمه المخالفة للدين والأخلاق شيوخنا وعلماءنا على إصدار إعلان بخلعه من منصبه و... إلخ؟ وهل تحرض العالم على حماية ما بقي من مدينة تعتبر اليونيسكو أقساما واسعة منها تراثا إنسانياً، هو ملك للبشرية جمعاء؟

اقرأ المزيد
٣ مايو ٢٠١٥
هذا هو الحل في بلاد الربيع العربي باختصار!

ليس هناك حل عسكري في بلاد الثورات. فالحلول العسكرية تكون غالباً في الحروب بين الدول، حيث تنتصر دولة على أخرى في صراع عسكري كما حدث ويحدث على مر التاريخ، فتفرض الدول المنتصرة شروطها على الدول المهزومة كما حدث بين دول الحلفاء والمحور في الحربين الأولى والثانية، حيث تعرضت ألمانيا واليابان للهزيمة على أيدي التحالف الغربي، الذي فرض شروطه بعد الحرب على الطرف المهزوم.
وقد صمدت الاتفاقيات بعد الحرب العالمية الثانية حتى هذه اللحظة، رغم تصاعد النفوذ الياباني والألماني. وحدث الشيء نفسه في الحروب بين العرب وإسرائيل، حيث حسمت إسرائيل الحروب لصالحها، ثم عقدت معاهدات مع بعض الدول العربية على أساس نتائج الحرب، وبعض التنازلات.
أما الحسم العسكري في الصراعات الداخلية، فحتى لو نجح مرحلياً، إلا أنه يبقى وصفة سحرية لثورات وصراعات أهلية لاحقة تحرق الأخضر واليابس. فمهما طالت هيمنة فئة على أخرى داخل البلد الواحد بالحديد والنار، فسيأتي اليوم الذي ستنتفض فيه الفئات المظلومة، وستفعل الأفاعيل بالفئة المسيطرة، وستكون النتائج وخيمة على الجميع.
وقد رأينا ذلك بوضوح في بلدان الربيع العربي، حيث انتفضت الشعوب بعد عقود من الاستكانة والطغيان على جلاديها من الأقليات الحاكمة، عسكرية كانت أو أمنية أو عائلية أو طائفية أو مذهبية أو قبلية أو عشائرية أو مناطقية. وكانت النتيجة دماراً ساحقاً ماحقاً نظراً لتمسك الطواغيت بالسلطة وإصرار الثوار على تنظيف البلاد من رجس الطغيان. لهذا، يجب على الشعوب والأنظمة الجديدة أن تتعلم من الأخطاء الكارثية التي حدثت بعد الثورات، وأدت إلى تدمير أوطان بأكملها وتشريد الملايين من الشعوب في سوريا وليبيا واليمن والعراق بسبب الظلم الذي مارسته فئة على أخرى.
لا يمكن أن يكون الحل في كل بلاد الثورات إلا سياسياً، ليس لأن طرفاً لم يستطع القضاء على طرف، أو أن الحل السياسي أصبح الملاذ الأخير بالنسبة للثائرين الذين فشلوا في إسقاط هذا النظام أو ذاك. لا أبداً. بل لأن الحل السياسي القائم على عقد اجتماعي وسياسي جديد وتقاسم السلطات والثروات هو صمام الأمان لأي بلد في العالم، وليس فقط لبلاد الثورات العربية. فلو انتصر طرف على طرف في أي ثورة سنعود إلى المربع الأول الذي تسبب أصلاً في اندلاع الصراع. فما الفائدة أن يتمكن طرف من هزيمة طرف آخر، ثم يمارس بحقه لاحقاً نفس المظالم التي مورست سابقاً بحق الطرف المنتصر؟ ليس مطلوباً في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن أن ينتقم طرف من طرف، ويحل محله ليمارس نفس القذارات القديمة التي مارسها الطغاة الساقطون والمتساقطون. هذا ليس منطق دولة، بل منطق عصابات، ولا يمكن أن يبني دولاً، بل سيعيد السيناريو التدميري القديم بنكهة جديدة. طبعاً نحن هنا لا ندعو أبداً إلى إعادة تأهيل العصابات والقتلة والمجرمين الذين أوصلوا الأوضاع إلى هنا في سوريا واليمن وليبيا والعراق وغيره. لا أبداً. فهؤلاء مصيرهم مزبلة التاريخ. وأشك حتى أن تقبل بهم مزابل التاريخ، فالمزابل أقل قذارة منهم ومن أفعالهم. على الأقل المزابل لا تتسبب بتهجير الملايين وتدمير مدن بأكملها كما فعل نظام الأسد.
باختصار نحن بحاجة لبناء دول لكل مواطنيها، وليس لفئة معينة تضطهد باقي الفئات لفترة من الزمن، ثم تنقلب عليها الفئات المظلومة كما حدث في سوريا ومصر واليمن وتونس والعراق وليبيا ولبنان. علينا أن نتذكر أن الشعوب ثارت أصلاً على حكم الأقليات في تونس وليبيا وسوريا ومصر والعراق واليمن. وقد ضاقت ذرعاً بحكم العصابات الطائفية والعسكرية والقبلية والعشائرية والمحسوبيات والدوائر الضيقة. فلماذا يريد الحوثيون في اليمن أن يحكموا بنفس الطريقة التي أدت إلى ثورة الشعب اليمني على حكم عصابة صالح؟ لماذا يكرر النظام العراقي نفس الأخطاء التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية؟ أليس ما يحدث في العراق أصلاً نتيجة حكم العصابة الطائفية؟ وفي لبنان، لا يمكن لطائفة أو حزب أن يُخضع اللبنانيين إلى ما لانهاية. هل كان لبنان على كف عفريت لولا استئثار حزب الله بالسلطة السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية في البلاد؟ بالطبع لا. وأيضاً في ليبيا ثار الشعب على العصابة القذافية، لهذا لا يمكن لعصابة جديدة أن تحكم البلاد بنفس العقلية ونفس الطريقة. طالما هناك عصابات تحكم البلاد العربية، لن تهدأ البلاد. وستبقى مرجلاً يغلي حتى يأخذ الجميع حقوقهم، وحتى تختفي هيمنة جماعة على جماعة.

اقرأ المزيد
٣ مايو ٢٠١٥
اقتراب نهاية الأسد يدفع حزب الله لتسريع "معركة القلمون"

يعود القلمون للواجهة من جديد ، كاسم عام دون ارتباطه بمدينة أو منطقة بعينها  ، فالمعركة القادمة تحمل اسم "معركة القلمون" ، التي يُنظر لها من قبل مُدعي الهجوم على أنها أم المعارك ، و يسوق للأمر على أن الإعجاز سيتحقق هناك ، ووعود زعيم المليشليا ستكون منفذة.

مشاركة قوات حزب الله الإرهابية على الأرض السورية خف زخمها كثيراً و اختفت في عدة مناطق ، بعد الخسائر الكبيرة التي أنهكت الجسد البالي للحزب ، الذي وجد نفسه داخل منطقة تلفظه دوماً و تُعيد مقاتليه أجساداً متناثرة في توابيت أو مثخنة بالجراح .

حزب الله يقود حالياً ماكينة اعلامية كبيرة جداً و قد تكون الأكبر على مدى أربع سنوات القتل في سوريا ، فشلت معارك "مثلث الموت" في درعا ، تقهقر النظام الذي يسانده على كافة الجبهات ، و تصدعت ايران التي تدعهما و توجههما ، و بات النهاية قريبة أو وشيكة ، لذا فلابد من البحث عن نصر داخل جبال القلمون ، و تأمين خط أو طريق سحب ما تبقى من الترسانة التي يملهكا الأسد ، إلى لبنان ليضمن استمرار السيطرة على الجميع في لبنان من خلال التفوق بالسلاح .

يسوق الحزب معارك القلمون ، القريبة الإندلاع ، على انها معركة من أجل تحصين لبنان ، و إنهاء وجود المعارضة السورية و الثوار في الجبال الفاصلة بين لبنان و سوريا ، و طبعاً حضور مصطلح "التكفريين" ، و ترديد الخطر على لبنان الذي تعهد بحمايته ، هذه الخطب و الخدع التي لا تنطلي إلا على مؤيديه ، في حين يرى اللبنانيون أن أفعال الحزب ماهي إلا لمصالحه الضيقة و تنفيذ لمخططات إيران في المنطقة ، و خير رد ما قاله سمير جعع " من قال أننا نخاف من النصرة أو داعش " .

السبب الأساسي الذي دفع الحزب لسحب غالبية قواته من الأراضي السورية و إفراغ القرى الشيعية اللبنانية من الشبان و التحضير لمعركة القلمون ، ينبع من استشعاره لاقتراب سقوط الأسد ، و الحاجة لممر بين الجبال ليسحب الترسانة التي يملكها الأسد بأسرع وقت قد السقوط بات وشيكاً ، ففي المناطق القريبة من القلمون المستودعات المركزية لقوات الأسد ، في عين منين و دنحة و ..... إضافة إلى اللواء 155 الذي يحوي على الصواريخ البالستية ، و عشرات القطع العسكرية المنتشرة و الممتلئ بالعتاد و السلاح و الذخيرة.

اذا الغاية هي سحب السلاح بأسرع وقت عبر طرق آمنة يتم تأمينها من خلال حشد كل القوات  التي يملكها لتحقيق هذه الغاية ، و لكن هل معركة القلمون هي نزهة عادية !؟ أم معركة كباقي المعارك التي خاضها الحزب في المنطقة !؟

و تحديد الإجابة يستوجب العودة إلى المعركة السابقة و التي جرت العام الماضي في يبرود و رنكوس و باقي نقاط القلمون ، والتي  خاض الثوار فيها  حرب ضروس مع الحزب و كلفته حينها أكثر من 1350 قتيل و مئات الجرحى ، و لم يتمكن من تحقيق التقدم إلا من خلال الخيانات التي حدثت هنا و هناك ، إضافة لتخاذل الجميع في مساندة الثوار على الأرض .

أما معركة الجرود اليوم ، فهي مختلفة تماماً ، فالإمتداد الجغرافي لها كبير جداً و التضاريس المعقدة و الشربكات الناتجة عن تداخل الحدود و وجود الممرات السرية سيحول الجرود إلى شواهد لقبور الآلاف المتبقة من الحزب .

معركة القلمون هي أم المعارك ليس لإنتصار حزب الله ، و إنما هي أم المعارك التي ستنهي الحزب ....

و للحديث بقية ..

اقرأ المزيد
١ مايو ٢٠١٥
مع "إقتراب ساعة النهاية".. حرب على الثورة

أرهق كاهل الثورة السورية الحرب النفسية التي تخاض ضدها من كل الجهات بغية إضاعة البوصلة و تشتيت الأفكار و الجهود ، أكثر من أي نوع من أنواع الحروب التي تم توجهيها ضدها ، هذه الحرب التي استعرت أكثر مع إقتراب ساعة النهاية التي اجتهد الثوار على مختلف الجبهات المشتعلة أو التي هي تتحضر للإنطلاق ، للوصول إلى تلك اللحظة التي انتظرها السوريين على مدى أربع سنوات.

ما يمكن قوله أن الثورة السورية استطاعة في عامها الخامس كسر غالبية القيود و تحقيق ما عجزت عنه طوال سنوات ، و يكفي الشهور القليلة الأخيرة التي أدت لقلب الموازين على الأرض ، بخلاف ما كان المحللون يقولون أن "العام الخامس سيكون صعباً".

هذا التحسن الكبير على الأرض و التنسيق و التوحد و العمل المشترك ، دفع أعداء الثورة و حتى من يدعون صداقتها ، لخوض حرب غير عسكرية ، و إنما نفسية تؤدي إلى وهن الثوار و التقليل من إنجازاتهم و الحد من إنتصاراتهم لضمان إستمرار الوضع على ماهو عليه ، أو الوصول إلى الصيغة التي تناسب مصالحهم.

الحرب النفسية التي تخاض على أعلى المستويات ، ويشارك البعض فيها عن دراية أو غباء ، تتمثل بالسعي باتجاه حل سياسي ، و إستغلال الأوضاع الميدانية التي تشهد قفزات متتالية و مستمرة ، كوسيلة ضغط بغية إخراج الأسد من السلطة والحفاظ على الهيكلية العامة للنظام .

جنيف 3 أو مؤتمر القاهرة أو مؤتمر الرياض ( الذي تم إلغاءه في المرحلة الحالية ) أو مباحاثات البلد الفلاني أو بإشراف المبعوث هذا أو استخدام تلك المظلة ، كلها أسماء إلى أمور يسعى من خلالها جميع رافضي انتصار الثورة والمضي نحو الإنهاء لوجود الأسد ، إنهاءً عسكرياً كما بدأه الأسد الأسد عسكرياً ، لإيقاف هذا التقدم العودة لطاولة السياسة وتحقيق كل طرف لمصالحه الخاصة ، دون أي مراعاة لمصالح السوريين .

مضحك جدا الحديث عن اتفاقات و توافقات على أن شكل الدولة القادم في سوريا سيكون من صبغة معينة ، إضافة للحديث عن التقسيم ، أو حرب تالية لإسقاط الأسد ، و تسريبات و قراءات و استشراقات من هذا و ذاك ، و كأنهم قادرون أو يملكون شيء على الأرض ، ومع تكرار اسطوانة أن لا حل عسكري للأزمة في سوريا ، و إنما الحل سياسي ، و كيف هذا الحل الذي بقي الشعب ينتظره أربع سنوات و هو يحتمل كل أنواع الموت و التدمير .

هناك حرب تدار بين الأطراف الخارجية حول كيفية انهاء الأسد (عسكرياً – سياسياً) ، و لكن تلك الحرب لاتجد مكاناً لها على الأرض التي تتجه  إلى أنه  لن يكون هناك حل سياسي حالي ، إنما الحل سيكون عسكرياً ، فالثوار لن يتراجعوا بموجب صفقات تجعل المجرم مجرد "منفي" ، و لا حتى الأسد سيكون راضٍ عن سحب الملك منه ، و إن رحل بشخصه سيبقى حاضراً بنظامه ، و كأن الثورة لم تقم و كل ما حدث عبارة عن موت مجاني .

اقرأ المزيد
٣٠ أبريل ٢٠١٥
إعلام الثورة وتحديات المرحلة الراهنة من عمر الثورة

في بداية الحراك الثوري إتجه عدد من الشباب للعمل في المجال الإعلامي وتصوير المظاهرات ونقلها لقنوات الإعلام ثم تطور الأمر لتأسيس مكاتب إعلامية وتنسيقيات وأصبح الناشط  يخرج على أثير الإذاعات والقنوات الإخبارية بالصوت أو الصوت والصورة لنقل تفاصيل الأحداث على الساحة متحدياً بظهوره كل ألة البطش الأمنية التي تلاحق كل من ينقل الحقيقة التي عمل النظام على تهميشها ومحاربتها بكل ما يملك من وسائل ومعرضاً نفسه للملاحقة هو وذويه من اهله وأقاربه لكونه يخرج بشكل علني على وسائل الإعلام العربية والعالمية يتحدث عن مجازر النظام بحق الشعب في وقت كان يخاف فيه الكثير مجرد الظهور ملثماً أمام عدسات الكمرات أو المشاركة في المظاهرات.


وعلى الرغم من ضعف الإمكانات وإنعدام الدعم عمل أغلب النشطاء في الداخل على نقل الواقع بكل مهنية وأمانة وبوسائل بسيطة جداً قهروا بها ألة الإعلام الأسدية وقدموا للعالم أجمع أحداث الثورة السورية بلحظتها وكل تفاصيلها من معارك ومظاهرات وظلم وقهر وبطش فتحمل الناشط تلك الأمانة التي حمل لوائها منذ بداية الثورة وكان جهاده بالكلمة متوازياً مع جهاد إخوانه بالسلاح فكان رفيقهم في أرض المعركة يصور بطولاتهم وتضحياتهم فكان بحق صحفياً ينقل ما عجز عنه رواد الإعلام وناشطا طبياً يسعف المصابين وإغاثياً ينجد المحتاجين من عوائل الشهداء والأسر المشردة فأدى دوره بكل ما استطاع ومازال...


واليوم وبعد سنين طالت من عمر الثورة المباركة ودخول وسائل الإتصال المنوعة للمناطق المحررة من أجهزة فضائية وغيرها من وسائل التواصل والتي أصبحت بمتناول الجميع وظهور ناشطين جدد ممن وجدوا في العمل الإعلامي باباً لكسب المال أو الشهرة أصبح العمل الإعلامي أمام تحديات كبيرة جداً تفرض على الناشطين الأوائل إعادة ضبط المسار الإعلامي والعمل على كبح العبثية الإعلامية التي أثرت سلباً على مسيرة الإعلام الثوري ومطالبة جميع الفعاليات الثورية بالعمل كل في مجاله وليترك الإعلام للناشطين الأوائل والمختصين في هذا المجال وليعمل كل فرد على التقدم في المجال الموكل إليه فلا يتدخل الطبيب بعمل الإعلامي ولا المقاتل بعمل الطبيب ولا المهندس بعمل المخطط العسكري فيرقى كل في مجاله ونرقى بالثورة والسورية والوطن السوري الحبيب لمراتب عليها من التطور والعمل المهني المنضبط.

اقرأ المزيد
٣٠ أبريل ٢٠١٥
«عاصفة الحزم» وانتصارات المعارضة السورية!

«نَفَسُ الرِّجال يُحيي الرِّجال»، مع الاعتذار الشديد لكل نساء العالم. و«عاصفة الحزم»، التي كان هذا التحالف العربي، الذي انتشل الأمة العربية من واقعٍ رديء بالفعل، هو أحد إنجازاتها هي سبب كل هذه المتغيرات التي طرأت على واقع ميادين القتال بين المعارضة والنظام في سوريا، فالنجاحات التي تحققت في اليمن والتي لا تزال تتحقق قد انعكست، وفقًا لنظرية السوائل في الأواني المستطرقة المعروفة، على معادلات القوى السورية المتصارعة وأيضًا، في حقيقة الأمر، على الأوضاع في العراق وفي لبنان وبعض دول الخليج العربي.
لقد قُلْت وقال غيري مرارًا وتكرارًا إنَّه قبل «عاصفة الحزم»، وقبل بروز هذا التحالف العربي الواعد الذي يمكن البناء عليه من أجل أن يأخذ العرب مكانتهم المفترضة في هذه المنطقة وفي العالم بأسره، كان هناك اعتراف يصل إلى حدّ الاستسلام بأنَّ هذا العصر هو عصر إيراني، وأنه من العبث الوقوف في وجه إيران التي غدت قوة متفوقة، وغدا العالم، وفي مقدمته الولايات المتحدة، ينظر إليها على أنها الرقم الفاعل الرئيسي في المعادلة الشرق أوسطية، وبالتالي فإن من يريد الحفاظ على مصالحه «الاستراتيجية» فعليه أن يضع يده في يدها، وعليه أنْ يهمل العرب لأنهم أصبحوا، حتى مجتمعين، قوة ثانوية!! ولذلك، وعلى هذا الأساس، فقد استمرت مفاوضات أو محادثات النووي بين مجموعة «5+1» وإيران بالطريقة التي استمرت بها. ولذلك، وعلى هذا الأساس أيضًا، فإنَّ الدول الكبرى كلها، كلها من دون استثناء ولا دولة واحدة، بدأت تنظر إلى الشرق الأوسط على أنه منطقة نفوذ إيراني. والمعروف أنها، أي هذه الدول، قد تراجعت إنْ ليس عن كل مواقفها السابقة تجاه الصراع في سوريا فمعظمها، وهذا هو في حقيقة الأمر ما جعل دولة الولي الفقيه تتمادى كثيرًا في التدخل في شؤون سوريا الداخلية، وما جعل نظام بشار الأسد يبقى قائمًا حتى الآن، وما جعل بعض دول الاتحاد الأوروبي تفتح قنوات اتصال خلفية مع هذا النظام الذي كانت تصفه بـ«القاتل» و«الدموي»، ومع أجهزته الاستخبارية.
كان عنوان مرحلة ما قبل «عاصفة الحزم» وبروز هذا التحالف العربي الواعد بالنسبة لسوريا والتطورات السورية التي تلاحقت خلال الأعوام الأربعة الماضية هو هذا المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، الذي جاء إلى هذه المنطقة بمشروع حل يبدأ بمدينة حلب هو في حقيقة الأمر عبارة عن مشروع تأبين للمعارضة السورية، وهو عبارة عن مشروع إعادة بناء لنظام بشار الأسد، يفتح المجال أمامه ليستمر لعشرين سنة مقبلة وربما أكثر، ولينقل مهمة اضطهاد الشعب السوري التي تسلمها من والده إلى ابنه حافظ الذي بات يعامل على أنه ولي العهد بالنسبة للعائلة الأسدية الحاكمة.
إن المفترض أن الكل يذكر كيف أنَّ بشار الأسد كان قد التقط أنفاسه قبل «عاصفة الحزم» بأيام قليلة، وأعلن ومعه البوق الإيراني حسن نصر الله أن قواته ذاهبة إلى حلب لتخوض المعركة الأخيرة، وأن كل شيء أصبح منتهيًا، وأن الأمور قد عادت إلى نصابها، وأنه لا ثورة ولا معارضة بعد الآن، وأنَّ التحالف الإيراني أصبح قدرًا لكل أهل هذه المنطقة. وحقيقة فإن معنويات الرأي العام العربي كانت قد أصبحت في تلك المرحلة في الحضيض وذلك إلى حدِّ أن بعض العرب بادروا إلى فتح قنوات سرية وأيضًا علنية مع إيران، و«على عينك يا تاجر» كما يقول المثل العربي.
لكن ما الذي حصل بعد «عاصفة الحزم» فتغيرت معادلة الصراع في سوريا وأصبحت الأمور على ما هي عليه الآن..؟!
إن الذي حصل هو أن «عاصفة الحزم» قد أثبتت أنها ليست مجرد عملية عسكرية تستهدف تحالف الحوثيين مع علي عبد الله صالح للحفاظ على الشرعية اليمنية، التي أراد هؤلاء التخلص منها، بل بداية نهوضٍ عربي شامل، وأنها أيقظت وجدان الأمة العربية كلها. ولعل ما تجب الإشارة إليه هو أنَّ هذا قد تجلَّى وبأوضح صوره من «تطْوان» في الغرب وحتى رأس الخيمة في الشرق، ومن «كريتر» في الجنوب وحتى «باب الهوى» في الشمال على الحدود السورية - التركية.
سُئِل أحد كبار ضباط الجيش السوري الحر عن الجديد الذي نقل المعارضة السورية من واقع الدفاع إلى واقع الهجوم، والذي جعلها تحقق كل هذه الانتصارات التي حققتها في إدْلب وجسر الشغور وفي حماه وأيضًا في جبهة الجنوب، على الحدود السورية – الأردنية، كلها.. وكان جوابه أن هذا الجديد هو «عاصفة الحزم»، وهو الانتصارات التي حققها «التحالف العربي» في اليمن. لقد عززت هذه الانتصارات ثقة قوى الثورة بنفسها، وجعلتها تلملم أوضاعها وتبادر إلى تجاوز تعارضاتها وتنصهر في إطار تحالف عام شعاره التخلص من نظام بشار الأسد وتحرير سوريا من الظلم والطغيان والحفاظ على وحدتها ووحدة شعبها.
في آخر عدد لها نشرت صحيفة الـ«واشنطن بوست» تحقيقًا موسعًا عمَّا أصبحت عليه أوضاع نظام بشار الأسد، استندت في جانب منه إلى معلومات نسبتها إلى السفير الأميركي (السابق) في دمشق روبرت فورد، وهي قالت مما قالته في هذا التحقيق إنَّ قبضة الرئيس السوري بدأت تهتز، وإنَّ نهايته أصبحت قريبة، وإن الخلافات باتت تحتدم داخل عائلته، مشيرة إلى عدد من التصفيات المتبادلة داخل هذه العائلة، ومشيرة إلى أنَّ ابن خاله حافظ مخلوف، المسؤول الأمني في منطقة دمشق والذائع الصيت في دمويته وإجرامه، قد استقال من منصبه، وأنه قد يكون غادر البلاد إلى جهة مجهولة.
بعد «عاصفة الحزم»، وبعد انشغال إيران بالأوضاع اليمنية الملتهبة وبالأوضاع المتفاقمة في العراق، شعر بشار الأسد بأنَّ حلفاءه بدأوا يتخلون عنه، وأنَّ «الحنفية» التي كانت تضخُّ الأموال عليه قد توقفت، وأن نهايته باتت قريبة. ولعلَّ ما زاد الطين بلَّة، كما يقال، أنَّ كل هذه المستجدات قد جعلت المتحلقين حوله يفقدون الأمل به وبأنفسهم، وجعلت الخلافات تدب بين أبناء عائلته، وهذا أضعف معنويات باقي ما تبقى من جيشه وجعلهم يتركون مواقعهم من دون أي قتال وأي مقاومة في إدلب وفي جسر الشغور وفي العديد من المواقع والحواجز في ريف حماه وأيضًا في العديد من المواقع في الجبهة الجنوبية.
لقد أصبح بشار الأسد عمليًا في حالة انهيار معنوي، وأصبح بلا جيش متماسك ومنضبط، وأصبح قتاله ضد الجيش الحر وقوى المعارضة بالمروحيات وبالبراميل المتفجرة، ثم وفوق هذا كله فإنَّ الطائفة العلوية التي تمكن من اختطافها وزجها في حرب، هي ليست حربها، على مدى الأعوام الأربعة الماضية قد أدركت، بعدما فقدت كما تقول التقديرات أكثر من ستين ألفًا من أبنائها، أن عليها أن تخرج من دائرة هذا النظام وأن تسعى إلى أي رأب للصدع مع شركائها في الوطن وفي المستقبل، وهنا فإنه لا بد من التأكيد على ضرورة أن تلتقط قوى المعارضة السورية هذه اللحظة التاريخية، وأن تغلب المصالح الوطنية العليا على الخلافات والأوجاع الخاصة، وأنْ تتقدم نحو أبناء هذه الطائفة عشر خطوات إنْ هم تقدموا نحوها ولو بمقدار خطوة واحدة.
ثم في النهاية، وإذا كان لنا الحق في أي مراهنة على ما يمكن أن يحصل في سوريا خلال الأيام المقبلة، سواء كانت هذه الأيام قريبة أم بعيدة، فإننا نراهن على إمكانية بروز مجموعة من الضباط الوطنيين، حتى من أبناء الطائفة العلوية، وقيامهم بإزاحة هذا النظام والمبادرة فورًا للانفتاح على المعارضة السورية للتفاهم معها على مستقبل البلاد وإقامة نظام يمثل كل أبناء سوريا ويحافظ على وحدة هذا البلد ووحدة شعبه وعلى كونه لبنة أساسية في صرح الأمة العربية الواحدة.

اقرأ المزيد
٣٠ أبريل ٢٠١٥
علويو سوريا بين طلب الضمانات و«العفو عند المقدرة»

بعد تحرير مدينة جسر الشغور من قبل «جبهة الفتح» المؤلفة من مجموعات مسلحة إسلامية، تشكل جبهة النصرة عمودها الفقري، ارتفعت وتيرة المخاوف من ارتكابات محتملة ضد العلويين في محافظة اللاذقية. ذلك أن السيطرة على جسر الشغور تعني، عسكرياً، الإطلال المباشر على منطقة الساحل.
إن كلمة «تحرير» باتت تثير مشكلة وجدانية لدى السوريين المعارضين لنظام الأسد الكيماوي، بسبب «المُحرِّر» الذي هو جبهة النصرة، وربما ينسحب الأمر على معظم التشكيلات الإسلامية الفاعلة. فهم يفرحون، من جهة، بطرد قوات النظام من منطقة جديدة كان يسيطر عليها، ويغصون بهذا الفرح، من جهة ثانية، لأن «المحرِّر» المفترض لا يؤمن بالحرية ولا بأي من القيم التي من أجلها أطلق السوريون ثورتهم ضد النظام. لكن هذا شيء، ومخاوف «الأقليات» شيء آخر تماماً. والمقصود بالأقليات هنا كل المكونات الاجتماعية التي لديها مشكلة مع الإسلام السني والإسلاموية السنية، والجهادية منها بصورة خاصة. وعلى رغم أن التيار الإسلامي عموماً، والمكون الجهادي منه بصورة خاصة، يعلن في خطابه عداءه الصريح للطائفة العلوية (و»تسامحه» مع المسيحيين، من موقع «الأخ الأكبر» تجاه «أهل الذمة»)، لم تشهد الحرب متعددة المستويات الدائرة في سوريا، إلى اليوم، مذابح طائفية واسعة النطاق ضد العلويين على غرار المذابح الطائفية التي ارتكبها النظام بواسطة شبيحته العلويين في عدد من المناطق كالحولة وقبير وجديدة الفضل وداريا وغيرها، حيث كان يتم ذبح الأطفال والرضّع أو حرقهم على مرأى من أمهاتهم وآبائهم. وإذا لجأنا إلى لغة الأرقام، لوجدنا أن الغالبية الساحقة من ضحايا النظام التي تقدر بنحو ربع مليون قتيل هم من المنتمين إلى الأكثرية السنية. بالمقابل، تتحدث التقديرات عما بين ستين ألفا إلى مئة ألف من القتلى العلويين في المعارك ضد سائر السوريين. وتدور هذه المعارك خارج المناطق ذات الغالبية السكانية العلوية، الأمر الذي يعني أنها معارك هجومية، بالمعنى الاجتماعي، وليست دفاعية.
لكن الأسوأ من المذابح الطائفية المذكورة والأخطر في دلالاته كمؤشر على مستقبل العلاقة بين المكونات السورية، إنما هو احتفال البيئات الاجتماعية الموالية بها كـ»انتصارات» على العدو. على سبيل المثال، تم توزيع الحلوى وإطلاق النار في الهواء ابتهاجاً بمجزرة الكيماوي في الغوطة، على رغم إنكار النظام مسؤوليته عن ارتكابها. مثال آخر، حينما اعترض أهالي من أحياء حمص الموالية طريق قافلة مساعدات إغاثية من الأمم المتحدة كانت متجهة إلى الأحياء المحاصرة.
ليس المقصود بإيراد هذه الأمثلة القول إن بعض الطوائف أكثر طائفية أو عدوانية أو وحشية من غيرها. كما لا يعني عدم وقوع مجازر بحق العلويين أو غيرهم من الأقليات، إلى اليوم، أنها لن تقع غداً. حينما يسود منطق الانتماءات الأهلية على الانتماء الوطني، تصبح كل الطوائف والأقوام سواء في نظرتها إلى «الآخر العدو». واقع الحال أن الثورة الشعبية في سوريا التي بدأت سلمية، شكلت فرصةً لخلق هوية وطنية سورية، وقف العلويون منها موقفاً خارجياً، فلم يكتفوا بعدم المشاركة في الثورة ضد نظام دكتاتوري دموي، لم يوفرهم من مظالمه، بل وقفوا منها موقفاً عدائياً وعدوانياً صريحاً منذ اليوم الأول، وشارك كثير من شبانهم في عمليات القتل الممنهجة ضد البيئات الثائرة.
يأتي الاعتراض على هذه الوقائع غالباً بالقول إن الشبيحة المدنيين الذين شاركوا في القمع والقتل لم يقتصروا على العلويين، وهو اعتراض صحيح. ولكن في الوقت الذي تم فيه نبذ الشبيحة من غير العلويين من قبل بيئاتهم الأهلية واعتبروا أعداء، لم نر من البيئة الاجتماعية العلوية ما يشير إلى نبذ مماثل، إلا في حوادث متفرقة في السنتين الأخيرتين حين بدأ الشبيحة بمد اعتداءاتهم إلى بيئاتهم الأهلية نفسها، وباتوا يتصرفون كقطاع طرق خارج أي سيطرة من السلطة. من تم نبذهم حقيقةً هم أولئك الأفراد الوطنيين الشجعان من أبناء الطائفة بحكم المولد الذين وقفوا في صف الثورة على رغم كل التضييق الاجتماعي الذي تعرضوا له.
لكن الأكثر دلالة هو موقف العلويين من نظام تصرف مثل عصابة خارج القانون، منذ اللحظات الأولى للثورة السلمية، ودمر البلاد طولاً وعرضاً، من غير أن يتمكنوا كجماعة أهلية من إفراز ممثليهم السياسيين الخاصين بهم. ويشير هذا المسلك إلى أمرين متعارضين معاً: أولهما أنهم لا يتصرفون كطائفة من الطوائف، أو جماعة من الجماعات الأهلية، ليجلسوا على طاولة المفاوضات مع الجماعات الأخرى في «مؤتمر طائف سوري» عبر ممثلين سياسيين عنهم بعيداً عن النظام الكيماوي؛ والثاني هو أنهم ينظرون بعين العداء إلى المكون الأكثري السني بوصفه تهديداً وجودياً لهم كطائفة. ينتج عن هذين المسلكين أنهم ما زالوا يعتبرون النظام الكيماوي «دولة» ويتمسكون ببقائه بهذه الصفة، مع استعداد مستمر لتقديم المزيد من الضحايا من شبانهم دفاعاً عن «دولتهم» هذه. لفهم هذا السلوك المتناقض ظاهرياً، لا بد من افتراض سيكولوجيا جمعية لعلويي سوريا تنظر إلى الأمر من المنظار التالي: فقط منذ عهد حافظ أسد وصعوداً، امتلك العلوي النمطي ـ بصرف النظر عن قربه من النظام أو تمتعه بامتيازات السلطة من عدمهما ـ ثقة بالذات طالما افتقدها في ظل التهميش السابق. بات يشعر أنه مواطن في دولة، مرفوع الرأس، لا يضطر إلى إخفاء انتمائه الأهلي أو ثقافته ولهجته، بل بالعكس أصبح قادراً على التباهي بها.
مع اندلاع الثورة وقف العلوي النمطي ضدها لأنه، من موقعه الأقلوي، رآها ثورة السنة ضد «دولته». ليس لأن الثوار السلميين في البداية كانوا «عراعير» أو سلفيين أو إسلاميين أو إرهابيين، بل لأن الثورة كان مفترضاً لها أن تؤدي إلى تغيير النظام الدكتاتوري الوراثي إلى نظام ديمقراطي. فمن صناديق الاقتراع سيخرج، حسب تصورات العلوي النمطي، السنة حكاماً بما أنهم يشكلون الأكثرية العددية. بدا لهم هذا المستقبل الأسود كقدر لا مفر منه. سيفقدون وضع الأمة الممتازة ليذوبوا في مساواة لا يمكنها ان تكون مساواة ما داموا أقلية والآخر أكثرية.
بعد تحرير إدلب وجسر الشغور، ارتفعت وتيرة المطالبات بالضمانات. فقد بدا النظام هشاً وقابلاً لانفراط عقده بين يوم وآخر. والخطر الإسلامي الذي طالما استخدم كشماعة كاذبة، أصبح اليوم حقيقة واقعة. فرأس حربة القوات التي تدحر قوات النظام هو اليوم جبهة النصرة القاعدية الولاء، وأحرار الشام وجيش الإسلام وغيرها من المجموعات الإسلامية المتفاوتة في إعلان عدائها الصريح للعلويين.
الضمانات تكون طرفاً في صفقة، طرفها الآخر تخلي العلويين عن النظام واختيار ممثلين آخرين للطائفة. طالما لم يحدث هذا فهم يطلبون الحماية، لا الضمانات. والرد الإيجابي على طلب الحماية هو «العفو عند المقدرة».
وهذا ليس مضموناً في الشروط الراهنة.

اقرأ المزيد
٣٠ أبريل ٢٠١٥
حل عسكري أم سياسي في سورية؟

لا يوجد بعد أي اتفاق جامع حول طبيعة الحل المطلوب للمسألة السورية، وهل هو سياسي أم عسكري، على الرغم من مرور أربعة أعوام ونصف على الثورة السلمية والعمل المسلح. ينقسم السوريون إلى قائلين بالحل العسكري وباستحالة الحل السياسي مع نظام قتل وجرح وأعدم وعذّب واعتقل وهجّر وشرّد الملايين منهم، وقائلين باستحالة الحل العسكري وبضرورة السعي إلى حل سياسي، يعيد المهجرين والمشردين إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم، ويوقف القتل والتدمير، قبل أن يقضي النظام والأصولية الجهادية على البلاد والعباد.
ومع أن هناك مواقف متنوعة في كل واحد من هذين الحلين المقترحين، فإن المبدأ المعتمد في النظر إليهما يفصل بينهما، ويقيم تناقضا قاطعا بينهما، يضعهما في جانبين متقابلين، ويجعل من المحال إيجاد أية صلة، أو أي تداخل بينهما، فالحل السياسي لا يتقاطع مع الحل العسكري، وهذا ينفي نفياً قاطعاً أية صلة له مع ذاك، والمرء إما أن يكون مع الحل السياسي أو مع الحل العسكري، لأنه ما من مجال لأي موقف يلتقي عنده الحلان، على الرغم من أن وقائع التاريخ وخبرة السياسة تقول عكس ما يعتقده الداعون إلى استبعاد الحل السياسي لمصلحة الحل العسكري، وبالعكس. واليوم، ونحن نشهد انتصارات عسكرية استراتيجية يحققها المقاومون ميدانياً، ونسمع أصواتاً دولية تربط الأعمال العسكرية بحل سياسي مرتقب يعمل له الخمسة الكبار والعرب، يقول بعض المعارضين باستحالة الحل العسكري، وبحل سياسي يجب أن يكون خيار الثورة الوحيد.
بداية، لا يوجد، ولم يوجد، في أيّ من فترات الاضطراب الاجتماعي والسياسي والعسكري، حل عسكري من دون مكونات سياسية، أو حل سياسي من دون مفردات عسكرية. وليس هناك ولن يكون هناك حل سياسي صرف أو حل عسكري بحت. هناك دوما حل مركب، تختلط فيه جوانب عسكرية وسياسية، تختلف تمثيلاتها من مرحلة إلى أخرى من مراحل الصراع، فترجح أوجهها العسكرية على السياسية في مرحلة، ثم ترجح جوانبه السياسية في مرحلة لاحقة، وتصبح أكثر أهمية جوانبه العسكرية، فإن كان العمل الثوري يسير في الاتجاه الصحيح، شق العمل السياسي الطريق للعمل العسكري في طور منه، وأسهم العمل العسكري في تحديد هوية الحل السياسي، وجعله لمصلحة الثورة، وفرضه على الخصم في طور آخر، فالتفاعل التصاعدي المتبادل بين جانبي الثورة العسكري والسياسي الذي يقربها من هدفها، ويأخذها إلى النصر، هو معيار نجاح العمل الثوري وفشله.
"لا يوجد، ولم يوجد، في أيّ من فترات الاضطراب الاجتماعي والسياسي والعسكري، حل عسكري من دون مكونات سياسية، أو حل سياسي من دون مفردات عسكرية"
 
في المقابل، نلاحظ دوما في الثورات الفاشلة تنافر جانبيها هذين وتعارضهما، وإرباك أحدهما الآخر وإثارة البلبلة والاضطراب في أولويات العمل الثوري، مع ما يترتب على ذلك من فقدانه المبادرة، واقتصاره على ردود أفعال انفعالية، متقطعة ووقتية، مثلما حال الثورة السورية اليوم التي تكاد سياساتها تنضوي في ذلك الصنف من التصرفات الذي كان أجدادنا يسمونه "خبط عشواء".
في ضوء ما تقدم، تكمن قيادة الثورة في التوفيق والانسجام بين جانبيها العسكري والسياسي، وإقامة بيئة بينهما يغذي كل جانب فيها الجانب الآخر وينمّيه، ويدفع به نحو الهدف النهائي، في جدلية تصاعدية، تضع السياسي في خدمة العسكري والعسكري في خدمة السياسي، إلى أن يحدث التحول النوعي الحاسم الذي يعبر عن تدامجهما وتوحدهما، ونسميه انتصار الثورة.
إذا انفك العسكري عن السياسي، أو السياسي عن العسكري، وتضاربت أجنداتهما، وقعت الكارثة، وغدا العمل الثوري مرشحا للهزيمة، نتيجة تناقض حديه هذين، أو تضاربهما، أو تعارضهما. وصارت ثورية أي عمل تقاس بنجاحه أو فشله في التوفيق بينهما، خصوصاً في الحالات التي تخضع الثورة لتقسيم عمل يضع أهل السياسة في مكان، وأهل المقاومة المسلحة في مكان مختلف، وكان اختلاف موقعيهما يرشحهما لصراعات تولد من تباينه، ومما يمكن أن ينتجه من تناقضات بينهما في المصالح والنظرة والأهداف. في حال كهذه، نجد ما يماثلها في الثورة السورية، يتوقف نجاح الثورة على إزالة ما هو قائم ومحتمل من تباينات بين قيادتيهما، وبلورة مواقف مشتركة، توحد نظرتهما ومواقفهما من الهدف المشترك والمرحلة التالية لبلوغه، ما دام خلافهما سيفضي حتماً إلى استئثار أحدهما بالسلطة، وإبعاد الآخر عنها، وإلى ما يصحب ذلك من مشكلات قد تكون قاتلة.
تقترب سورية من حل مركب: عسكري/ سياسي، يشق الجانب المقاوم، العسكري، الدرب فيه أمام الحل السياسي الذي عطلته روسيا وإيران في جنيف 2، وسيكون من الصعب جداً عليهما رفضه بعد يومنا، في حال تواصل انهيار جيش النظام بالوتيرة التي نعيشها اليوم. سيطيح هذا الحل بشار المجرم وعصابته، وسيطبق وثيقة جنيف 1 التي تضمن حقوق جميع السوريين في الحياة والأمن والعيش المشترك، فهل يبادر أحد من رجال السلطة إلى إزاحته والانخراط في الحل المقترح، حفظا لدماء السوريين عامة، والعلويين منهم خاصة، فيعتبر، عندئذٍ، جزءاً من الثورة، انشق وانضم إليها، ولو في حقبة جد متأخرة، قبل سقوط النظام بأسابيع أو أشهر قليلة، ويستبق ما قد يترتب على إخلاص المهزومين لقائدهم، أسوة بما حدث في حالات تاريخية مشابهة، وقع أهمها في ألمانيا النازية، انتهت بكوارث حلت بهم وبأنصارهم قبل أي أحد آخر، أدركوا، ولكن بعد فوات الأوان، أن خطأهم يرقى إلى مستوى جريمة كبرى، في حق وطنهم وشعبهم.

اقرأ المزيد
٢٩ أبريل ٢٠١٥
نكبة "حزب الله" في سوريا

توالت انباء التطورات الميدانية الدراماتيكية تباعا في سوريا، فبعد اقل من شهر على سقوط مدينة ادلب بيد المعارضة السورية وقواتها المؤتلفة تحت اسم "جيش الفتح"، سقطت مدينة جسر الشغور الاستراتيجية وتبعتها مجموعة من المواقع العسكرية القريبة وصولا الى منطقة سهل الغاب التي تعتبر حلقة مركزية تصل منطقة الساحل السوري حيث قلب النظام، بمدينتي حلب وحماة. وكان لافتا منذ معركة ادلب ان مجموعة من الفصائل الاسلامية الكبرى بينها "جبهة النصرة" تمكنت من تجاوز خلافاتها وتنافسها، وتشكيل قوى عسكرية مشتركة على مستوى عال من التنسيق بحيث تمكنت من اجتياح مواقع نظام بشار الاسد بسرعة، قياسا على حال المراوحة التي استمرت لاكثر من ثلاث سنوات. يأتي ذلك وسط حديث متزايد عن تبلور "التفاهمات" التي حصلت اخيراً بين السعودية وتركيا وقطر، للعمل على احداث تغيير ملموس على الارض في سوريا. ووسط حديث آخر تزايد في المدة الاخيرة في المحافل الدولية، ومفاده ان نظام بشار الاسد الذي منع من السقوط ربما اقتربت نهايته، وذلك في اطار معركة تقليم اظافر ايران في المنطقة التي تبجح مسؤولوها في المدة الاخيرة بأنها تسيطر على اربع عواصم عربية!

في الجنوب فشل النظام وميليشيات ايران الطائفية وفي مقدمها "حزب الله" في استعادة المبادرة، وسقطت بصرى الشام، ولم تتم استعادة بصرى الحرير، وسقط آخر منفذ حدودي مع الاردن بيد المعارضة المؤلفة من تحالف فصائل اسلامية احداها "جبهة النصرة". وفي القلمون تحولت الارض الى فيتنام حقيقية بالنسبة الى مسلحي "حزب الله" الذين يقتلون يوميا من دون ان يتمكنوا من تحقيق اي انجاز عسكري دائم يحسم المعركة.
وقبل يومين عادت الطائرات الاسرائيلية الى الإغارة على مواقع للنظام و"حزب الله" تحتوي صواريخ "سكود" متطورة، فيما يقوم "حزب الله" بتوزيع شائعات عن قرب بدئه "معركة الربيع" في القلمون ضد الثوار السوريين. ويسجل في هذا الاطار السعي المتواصل من قبل الحزب الى توريط الجيش اللبناني في المعركة ليؤدي دور الظهير في المعركة!
سواء أطلق "حزب الله" ما يسميه "معركة الربيع" ام لا، فإن الواقع على الارض يفيد أن المعادلة غير قابلة للتغيير، وبأن اكثر ما يمكن ان يحصله الحزب من مكاسب (اذا استطاع ذلك) سيكون موقتا وغير دائم، لان الارض تغيرت في سوريا بين الشمال والجنوب. ولان قوى الثورة متجددة، وفي تزايد مطرد، وتسليحها يرتفع في مستواه مع مرور الوقت. ان الحقائق على الارض لا يمكن تكذيبها: ان نظام بشار الاسد ساقط في النهاية. و"حزب الله" سيهزم في سوريا بعد ان يكون ضحى بمئات الشبان اللبنانيين المخدوعين. والحقيقة التي يستحيل دحضها تتلخص في امر واحد: يستحيل ان تنتصر الاقلية في سوريا. قصارى القول ان النظام ميؤوس منه، و"حزب الله" يأخذ بيئته الحاضنة الى نكبة تاريخية.

اقرأ المزيد
٢٩ أبريل ٢٠١٥
موت غزالي ومصير الأسد

في الدول العادية، لا يفعل الضابط، مهما علا شأنه، سوى تنفيذ ما أوكلت إليه القيادة السياسية من مهمات. وقد يبالغ بعضهم في إظهار ولائه والتزامه التعليمات، فيتشدد في تطبيقها إلى حد يتجاوز الغرض منها. لكن، ودوماً في الدول العادية، يخضع أي ضابط لمراجعات ومحاكمات إذا ما أخلّ بحدود صلاحياته، واجتهد في تفسير مهمته، وخرق الأصول المتبعة في تنفيذها، حتى لو جرى ذلك في بلد آخر غير بلده، وعادة ما تتحمل القيادة السياسية المسؤولية عن أعماله لأنها تعتبره موظفاً لديها.

لكن، في الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية - أمنية، ليست هناك حدود ترسم للضباط المكلفين أدواراً داخل البلاد أو خارجها، بل تُترك لهم حرية اختيار وسائل التنفيذ وتوقيته ومداه. فالمهم هو النتائج وليس كيفية الوصول إليها. ولأن الضابط في أنظمة كهذه يشعر بأنه من «أهل البيت» وأن ما يفعله يصب في «المصلحة الوطنية» التي لا يفرق بينها وبين مصلحته الشخصية، فهو «يُبدع»، إرضاء لمسؤوليه، في ابتكار أساليب تحقيق ما يصبون إليه، حتى لو شمل ذلك الظلم والاعتقال والقتل.

وهذه هي حال ضابط الاستخبارات السورية رستم غزالي، المتوفى قتلاً أو تعذيباً أو بـ «مرض نادر»، والذي كان حاكماً عسكرياً للبنان، وجاء إعلان وفاته قبل يومين من حلول ذكرى خروج الجيش السوري من هذا البلد في 26 نيسان (أبريل)، إذ عُرف عنه بطشه وسفاهته وتجاوزاته في التعامل مع اللبنانيين على اختلاف مللهم وعقائدهم، وتورطه في السرقة والإفساد، وتهديداته المتكررة بالاغتيال وصولاً إلى الاغتيال نفسه. أما ما ذكر عن محاولته الاتصال بسعد الحريري ورغبته في «إعلان شيء ما» قبيل موته، فلن يشفع له في تبييض سجله الأسود الحادق لدى اللبنانيين والسوريين.

غزالي، مثله مثل سلفه الضابط الآخر «المنتحر» غازي كنعان وسائر الضباط الكبار والصغار الذين شاركوهما «الانتداب» على لبنان، كان نموذجاً للرجال الذين ينتجهم نظام يفرض سطوته بالقهر والتسلط. فالعسكريون السوريون الذين تولوا حكم بيروت على مدى نحو ثلاثة عقود، تصرفوا تماماً مثلما يفعلون في بلدهم في ظل نظامهم الأمني، حيث لا كرامة لمواطن ولا حرية ولا رأي، بل حيث السوريون مهددون في كل لحظة بالإهانة والسجن والاختفاء والقتل. فكيف إذا كانوا يريدون فرض سلطتهم على بلد دخلوه بذرائع واهية، ومتهم بأنه لا يرحب بهم، ويطالبهم مواطنوه بأن يحترموا طرق عيشهم وعاداتهم وتنوعهم وحرياتهم، على نسبيتها.

وعلى رغم كثرة الإشاعات التي أحاطت بموت غزالي، واعتبر بعضها أن نظام الأسد المُتوارث يسعى إلى إغلاق ملف ضباطه المتورطين في لبنان بقتلهم، كي لا يمثلوا أمام المحكمة الدولية التي تنظر في جريمة اغتيال رفيق الحريري، بعدما تبدلت الأحوال وبات النظام التوسعي في حال «دفاع» وتراجع، فالمؤكد أن النظام السوري لن ينجح في تغيير جلدته وصورته وطبيعته، مهما قدم من «قرابين»، وأن مصيره الوحيد سيكون مثول رأسه، ولو ميتاً، أمام محكمة لجرائم الحرب، مع سائر أركانه.

وهذه المحاكمة لن تكون فقط بسبب التنكيل بالبلد الصغير المجاور، والاغتيالات المتوالية لكبار شخصياته السياسية والدينية والإعلامية، وتفكيك مؤسساته الدستورية، وتحجيم دوره الفكري والثقافي والتعليمي، بل خصوصاً بسبب ما فعله الأسد بشعبه نفسه بعد انتفاضة 2011، حين توسع القتل والتنكيل ليشمل مئات آلاف الضحايا، وتزايد التدمير ليطاول مدناً وقرى بأكملها، واكتمل ذلك كله بتهجير ملايين السوريين.

لكن الأسد الأب والابن لم يقدما على ما فعلاه في لبنان من دون غض الطرف، بل أحياناً الشراكة، من دول نافذة دولياً وعربياً، أوكلت أمر الجار الضعيف إلى دمشق، بعضها اتقاء لشرّها، وبعضها لاتفاق في المصالح والأهداف. وهذه الحقيقة يفترض أن تدفع الكثيرين إلى إعادة قراءة التاريخ القريب، لعلهم يدركون كيف يمكن تجنب أن يحصل في دول أخرى ما أوصل لبنان إلى الوقوع فريسة سهلة في يد إيران وأجهزتها.

اقرأ المزيد
٢٩ أبريل ٢٠١٥
بعد أربع سنوات من الحراك الثوري إعلام إدلب الى أين ........ ؟

دمما لاشك فيه أن للحرب الإعلامية أهمية بالغة في الحراك الثوري منذ بدايته في سوريا والتي لعبت دورا كبيراً في كشف أكاذيب النظام وإدعائاته الباطلة أمام العالم أجمع فاستطاع الناشطون وبإمكانيات بسيطة نقل الوقائع على الارض بمختلف أنواعها من معارك ومجازر وحراك سلمي للقنوات الإخبارية والوكالات العالمية .

ومع دخول الثورة السورية عامها الرابع على التوالي وظهور تيارات ووسائل إعلامية محدثة تنطق بإسم الثورة السورية أصبحت القنوات الفضائية والوكالات العالمية أمام حالة من التخبط في نقل الأحداث على الساحة السورية نتيجة تعدد المصادر الناقلة للخبر وتعدد رواياته بين وسيلة إعلامية وأخرى مايجعل التثبت من صحة الأخبار أمراً معقداً نتيجة نفي هذه المؤسسة للخبر وتأكيده من أخرى تبعاً لتوجهات سياسية أو عسكرية أو تنافس في أسبقية نقل الخبر دونما التاكد من المصدر الحقيقي لهذه الأخبار أو الرجوع إليها .

وبالتوازي مع هذا التخبط استغل الجيش الإلكتروني للنظام هذه الحالة من التشرذم في إعلام محافظة إدلب نتيجة عدم وجود كيان إعلامي موحد يجمع نشطاء المحافظة المعروفين بعملهم ومصداقيتهم على الرغم من الدعوات المستمرة للتعاون في بناء "شبكة أخبار إدلب " الشبكة الإعلامية الأولى في نقل وقائع الأحداث في المحافظة منذ بداية الحراك الثوري حتى اليوم والتي يديرها نشطاء من الداخل والخارج بشكل طوعي منذ أربع سنوات حتى اليوم والتي تتعرض لحرب إعلامية قوية من شبكات النظام والجيش الإلكتروني للنظام الذي تسبب بإغلاق الصفحة الرئيسية بعد وصولها لمئات الألاف من المتابعين  إلا أن إنعدام الدعم المادي وعدم وجود مصدر لإمداد هؤلاء الناشطين  بالمعدات ومصاريف العمل جعل منهم لقمة سائغة بيد وكالات وشبكات إعلامية محدثة لاتعرف خلفياتها السياسية أو مصادر دعمها .

وفي ظل الحرب العسكرية المستعرة في ريف إدلب من جسر الشغور الى المسطومة وأريحا بين مقاتلي جيش الفتح وقوات النظام تستغل بعض الجهات المناصرة للنظام من شبيحة وجيش إلكتروني هذا التشرذم وتقوم بإنشاء صفحات إخبارية ثورية بأسماء متطابقة مع بعض الصفحات الثورية تبث من خلالها شائعات لزعزعة أي محاولة لضبط العمل الإعلامي منها التحرير المتكرر لمطار أبو الظهور العسكري أو بدء معارك وهمية وبث أخبار عن اسقاط طائرة حربية هنا أو هناك لتكون مصدرأ لحديثي العهد بالعمل الإعلامي فينقلون عنها الأخبار ويعم انتشارها لتصل للقنوات والوكالات الإعلامية دون تثبت من مصادر حقيقة على الأرض ولايلبث أن يكشف زيف هذه الإشاعات حتى تكون الطامة الكبرى بفقد أغلب الصفحات والحسابات والوكالات الإعلامية لمصداقيتها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي المتابع لتطورات الأحداث على الساحة الثورية .

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >