٨ مايو ٢٠١٥
منذ سيطرة النظام السوري على مدينة القصير في ريف حمص الجنوبي، في الخامس من يونيو/حزيران عام 2013، بدأت مرحلة تقدم ملحوظة لقوات النظام السوري وداعميه، في مناطق مختلفة من سورية (ريف حمص، القلمون الفوقا، القلمون التحتى، شرقي الغوطة، حماة)، وبدأت معها عملية تراجع واضحة للمعارضة المسلحة، لا سيما الجيش الحر الذي أصبح أثرا بعد عين. لكن التطورات الميدانية التي شهدها الجنوب السوري، في الأسابيع الماضية، في ريفي القنيطرة ودرعا والسيطرة على بصرى الشام ومعبر نصيب الحدودي مع الأردن من جهة، والتطورات في الشمال التي تشهدها محافظة إدلب منذ نحو شهر، من جهة ثانية، بدأت في تغيير معادلة القوى على الأرض، ودفعت وزير الدفاع السوري إلى عقد اجتماع طارئ مع نظيره الإيراني في طهران.
ما جرى في مدينة إدلب ومن ثم في جسر الشغور ومعسكر القرميد ليس تفصيلا عادياً في سياق عمليات الكر والفر بين النظام والمعارضة المسلحة، صحيح أن هذه التطورات تظل بعيدة عن تغيير المعادلة الميدانية، وبالتالي، ميزان القوى على الأرض، بحيث يمكن استثمارها سياسيا في الوقت الحالي، لكن الصحيح، أيضاً، أن ما جرى هو بداية تحول مهم، يعتبر الأول من نوعه، منذ بدء الأزمة السورية، في بقعة جغرافية تشكل أهمية فائقة، وساحة مفتوحة لكل الفصائل والقوى المقاتلة.
فللمرة الأولى منذ عامين، بدأ الحديث عن خسائر مهمة للنظام، وانتصارات مهمة للمعارضة المسلحة، وكسر للمعادلة التي طالما حاول النظام تثبيتها لصالحه، وهي أن أي اتفاق سياسي مرهون بتطورات الميدان. وللمرة الأولى، نجد ارتباكا واضحا في صفوف النظام في اللاذقية لم نشهده مع معارك رأس البسيط قبل نحو عام.
تعتبر محافظة إدلب صلة الوصل بين المنطقتين الساحلية والوسطى والمنطقتين الشمالية والشرقية، وأهمية خروج هذه المحافظة من يد النظام تفوق أهمية خروج محافظة الرقة بكثير، من الناحية العسكرية وتداعياتها المستقبلية، فقد أدت سيطرة المعارضة على جسر الشغور، ثم غانية والسرمانية والزيارة واشتبرق في الجنوب، إلى قطع طرق الإمداد عن القوات المنتشرة على طول أوتوستراد أريحا ــ اللاذقية.
فضلا عن ذلك، ستجعل سيطرة المعارضة المسلحة على محافظة إدلب المعارك في حلب صعبة بالنسبة للنظام، وستضع اللاذقية بعد السيطرة على حاجزي البركة وغانية على طريق إدلب ــ اللاذقية الرئيسي في مرمى نيران المعارضة، مع ما تمثله الأخيرة من رمزية في العقل السوري، وهكذا انتقلت المعارك من مدينة إدلب إلى جسر الشغور إلى جنوب المحافظة، ثم سهل الغاب في حماه وبعض ريف حمص.
تعكس طبيعة العمليات العسكرية التي قام بها جيش الفتح مستوى التنسيق العالي بين عناصره على المستوى الميداني من جهة، وعلى مستوى التخطيط الاستراتيجي من جهة ثانية، حيث امتدت المعارك على عشرات الكيلومترات، وبمشاركة نحو عشرة آلاف مقاتل، مع مختلف أنواع الأسلحة، بما فيها صواريخ تاو الأميركية التي كانت في حوزة حركة حزم، كما امتد التنسيق، ليشمل الائتلاف الوطني وفصائل من الجيش الحر، ترتب عليه اتفاق مبدئي في رفض أي صفقة سياسية دولية، تبقي على بعض رموز النظام في الحكم، وهذه خطوة لها دلالتها السياسية، من حيث إنها المرة الأولى التي يجري فيها التعبير عن تبدلات الميدان، بلغة سياسية.
لفتت هذه التطورات الانتباه إلى نجاح تجربة جيش الفتح الذي تأسس نهاية مارس/آذار الماضي من تجمع عدة قوى (جبهة النصرة، حركة أحرار الشام الإسلامية، ألوية صقور الشام، فيلق الشام، أجناد الشام، جيش السنة، لواء الحق)، بعدما حالت جبهة النصرة دون قيام قوة عسكرية للمعارضة في إدلب، وكان مصير جبهة ثوار سورية وحركة حزم مثالين على ذلك.
"آثرت السعودية التعاون مع قطر وتركيا، لتشكيل قوة تساهم في ترتيبات الوضع السوري مستقبلا"
وقد ترتب على هذا النجاح محاولة استنتساخ تجربة جيش الفتح، في أكثر من بقعة سورية، هكذا شكلت مجموعات الجيش الحر، جبهة النصرة، لواء نسور دمشق، لواء الغرباء، كتيبة رجال القلمون، حركة أحرار الشام، تكتلا عسكريا أطلقت عليه اسم جيش الفتح في القلمون، وهكذا خرجت دعوات في حلب، لتوحيد صفوف الفصائل العسكرية، كما حدث مع جيش الفتح، الأمر الذي يعني أن هذه التجربة الوليدة قد تتحول إلى تجربة راسخة في عموم سورية، وتؤدي إلى تغيير كامل في بنية الصراع.
والحقيقة أن هذه التغيرات التي أصابت المشهد السوري ليست ناجمة عن اعتبارات داخلية فحسب، بل نتيجة تفاهمات إقليمية عبرت عن نفسها في سورية: تفاهمات إقليمية بين الرياض والدوحة وأنقرة، بعيد وصول الملك سلمان إلى سدة الحكم في السعودية، والتغيرات التي طرأت على سياستها الخارجية تجاه ملفات الإقليم الشائكة، خصوصا في اليمن وسورية، حيث آثرت السعودية التعاون مع قطر وتركيا، لتشكيل قوة تساهم في ترتيبات الوضع السوري مستقبلا. نجاح تجربة الحزم في اليمن، بحيث يمكن نقلها إلى سورية بعد تبيئتها بما يناسب المناخ الميداني والإقليمي، فقد بينت الأحداث أن معركة الحزم تتجاوز الحدود الجغرافية لليمن، لتشمل عموم المنطقة، عبر تثبيت قواعد التحالف، وتغير قواعد الاشتباك. نضوج فكرة إنشاء قوة أرضية عربية ــ تركية مشتركة في شمالي سورية، لدعم التحالف الدولي في حربه على داعش، بحيث يمكن إقامة منطقة آمنة بيد المعارضة المسلحة، مقدمة للاستيلاء على أراض أخرى، قد تنتزع من تنظيم داعش.
مثل هذه المنطقة ستسهل إقامة حكومة للمعارضة تمهيدا لدمجها مع الحكومة الرسمية في حال التوصل إلى اتفاق سياسي، وهي الإمكانية التي بدأ الحديث عنها، أخيراً، وتتبناها بعض الدول العربية والغربية.
٧ مايو ٢٠١٥
"قائد المقاومة، أمين عام حزب الله حسن نصر الله، يمارس أبشع أنواع التنكيل والظلم والاضطهاد بحق الشعوب العربية، المقاوم الجنوبي الذي ذاق مرّ الاحتلال الإسرائيلي، يمارس دور المحتل في سوريا والعراق واليمن"؟.
هذا ما رأى أن يعبر عنه كاتب لبناني اسمه محمد سعيد الحايك، في مقال كتبه على موقع "جنوبية" اللبناني تحت عنوان " أيّارنا وأيّاركم: لنا دم الحسين ولكم سيف القتلة".
وكتب الحايك"من 25 أيار عام 2000 إلى 7 أيار عام 2008، تحول المقتول قاتلاً، والمظلوم ظالماً، والمُعتدى عليه غازياً، والمُحرّر محتلاً، والزعيم طاغية... في السابع من أيار المقاومين الأشاوس أنفسهم الذين حرّروا الجنوب، احتلوا العاصمة بيروت، وها هم اليوم يحملون سلاحهم في دمشق وبغداد وصنعاء".
وأضاف: "يكاد أيار يختصر تناقضات لبنان التي لا تعد ولا تحصى، فالشهر الخامس مثخنٌ بسيل من الذكريات والأحداث التي نريد أن نحياها كل يوم ولحظة، وتلك التي نريد أن ننساها كل يوم ولحظة".
وتابع صاحب المقال: "تناقضات تشير بأن أيار مضى على درب زميليه أي كانون بأوله وثانيه، وتشرين بأوله وثانيه، وكأن الشهر انشطر واستحال أيار أول وأيار ثانٍ، وكل منهما لا يربطه بالآخر سوى الاسم ودورة التقويم الميلادي فقط لا غير".
ولفت إلى أنه "في صبيحة الخامس والعشرين من أيار/ مايو عام 2000 استفاق اللبنانيون من كل الطوائف والمِلل على هروب جنود الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان تحت وطأة ضربات المقاومين الأشاوس والأبطال".
ونوه الحايك في مقاله إلى أنه "حينها، رفُعت بعفوية تامة الأعلام اللبنانية ورايات حزب الله (الشيعي) جنباً إلى جنب، في صورة ذات دلالة واضحة على أن الحزب بات يحتل مكانة كبيرة ومرموقة ترقى حد القداسة في قلوب اللبنانيين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم".
واستطرد "كَسر لبنان المشكوك في عروبته على ما تبين في مقدمة الدستور قبل اتفاق الطائف (بلد ذو وجه عربي) بسواعد أبطاله الجنوبيين (الشيعة)، أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر. لم يقتصر قلب المفاهيم على تحطيم صورة العدو فحسب، بل نجح كذلك في إعادة تشكيل نفسية المواطن العربي المهزوم دوما بحرب أو من غير حرب".
وقال: "أفلح رجال السيّد حسن نصر الله بإمكانياتهم البسيطة وإرادتهم الصلبة وعزيمتهم التي لا تلين في تحقيق ما عجزت عنه جيوش نظامية، مجهزة بطائرات وصواريخ ودبابات وآلاف مؤلفة من النجوم والدبابير والنياشين المنتهية الصلاحية"
إزاء ذلك، "غيّر الانسحاب الإسرائيلي من لبنان المعادلة على أكثر من صعيد، بدءا من الواقع الجغرافي، مرورا بالميزان العسكري، أو بالأصح تكتيكات القتال وفنون المواجهة ومقاييس النصر والهزيمة، وصولا إلى شعور المواطن العربي، وهو الأهم".
واعتبر أنه "في النقطة الأخيرة تحديدا، استبدل المواطن العربي بفخر واعتزاز كل قادة الجيوش العربية دفعة واحدة برجل واحد اسمه حسن نصر الله، وانسحب فعل الاستبدال هذا على الآلاف المؤلفة من الجنود النظاميين على مساحة العالم العربي بالمقاوم الجنوبي، الذي بات قدوة حسنة يحلم الآباء أن يروا فلذات أكبادهم على صورته ومثاله".
وتمنى الكاتب بقوله: "ألا ليت الزمن توقف هناك، ألا ليت الزمن توقف عند بزوغ فجر الخامس والعشرين من أيار عام 2000، يوم بات الجنوب موئلا للحرية والكرامة، يوم بات الجنوب يصدّر إلى الدول العربية قوارير التراب المحرّر، قوارير التراب الممزوج بدماء الرجال الرجال".
ولكنه أقر أن "الزمان الغدّار دار دورة كاملة، وخرج علينا من صلب غدره بكابوس السابع من أيار. بعد ثماني سنوات من اللحظة التاريخية التي أردنا أن نعيشها كل يوم، لم نشأ أن نصدّق بأن المقاومين الأشاوس أنفسهم الذين حرّروا الجنوب… احتلوا العاصمة بيروت".
ورأى كاتب المقال أنه في "أيّار عام 2000، لعلع الرصاص في العاصمة بيروت فرحا بتحرير الجنوب، أيّار 2008 "لعلع" الرصاص في شوارع "تل أبيب" فرحاً باحتلال ست الدنيا"، فرحا ببداية نهاية مشروع المقاومة".
ولفت إلى أنه "لم نشأ أن نصدّق بصرف النظر عن الحجة والتبرير والذريعة وكل مفردات "الضرورة والاضطرار" وأمن "المقاومة"، بأن الراية الصفراء التي رفعنا بالأمس "تمذهبت" وذهبت في طريق الفتنة السوداء".
وشدد قائلا: "لم نشأ أن نصدّق بأن الجنوبيين "الأشاوس" حطموا بأنفسهم صورة المقاومة في نفوسنا، وهزموا عن سابق تصوّر وتصميم وحدتنا الوطنية وعيشنا المشترك وسلمنا الأهلي".
واستطرد الكاتب: "مثلُ اللبنانيين لم يشأ العرب أن يصدّقوا بأن حسن نصر الله لا يختلف كثيرا عن قادة جيوشهم الذين مارسوا أبشع أنواع التنكيل والظلم والاضطهاد بحق شعوبهم، كيف يفعل وهو الذي انتصر لهم، وانحاز لحقوقهم، وتكلم بلسانهم على مدى عقدين من الزمن؟!".
وأوضح أنه "لم يشأ العرب أن يصدّقوا بأن المقاوم الجنوبي الذي ذاق مرّ الاحتلال الإسرائيلي، يستطيع أن يمارس يوما دور المحتل، ماذا يقول العرب اليوم لأبنائهم عن صورة البطل ومثاله؟!
وتابع "في أيار الأول كان الجنوب يصدّر قوارير الكرامة وجثامين الشهداء إلى العواصم العربية (عملية تبادل جثتي جنديين إسرائيليين، مقابل الإفراج عن سمير القنطار ومقاتلين آخرين وعشرات الجثامين لمقاتلين فلسطينيين وعرب)، وفي أيار الثاني بات الجنوب يتلقّى توابيت أبنائه الموزعين بتكليف "أبله" على العواصم العربية".
وقارن الكاتب في مقاله قائلا: "بين أيار الأول وأيار الثاني استحال المقتول قاتلا، والمظلوم ظالما، والمُعتدى عليه غازيا، والمُحرّر محتلا، والزعيم طاغية و ….".
وختم الكاتب محمد الحايك مقاله بقوله : "في غمرة التناقضات لنا أيارنا ولكم أياركم، لنا الشهادة على تخوم فلسطين المحتلة، ولكم الموت في زواريب بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، لنا أطفال الغوطة وحمص ودرعا وحماه وحلب وإدلب وبانياس ومخيم اليرموك والمعضمية ودوما وحرستا، ولكم الكيماوي والبراميل المتفجرة، لنا أحشاء حمزة الخطيب وحنجرة إبراهيم القاشوش، ولكم رستم غزالة وعلي مملوك وآصف شوكت وبشار الأسد، لنا أيارنا ولكم أياركم… لنا دم الحسين، ولكم سيف القتلة".
٧ مايو ٢٠١٥
تعليقاً على مقال للدكتور تميم البرغوثي[1].
"إن أسوا مكان في الجحيم مخصص لأولئك الذين يقفون على الحياد في المعارك الأخلاقية الكبرى". مارتن لوثر كينغ.
من الغايات التي تعتبر أساساً لوجود المثقف والمفكر بين الناس، إيضاحُ المشوَّشِ في المشهد وليس التشويش على ما اتّضح، وتصحيح المغالطاتِ في القراءة وليس تكثيرها.
إذا أردتَ أن ينفضّ الآخرون عن التضامن مع الضحية و أن يقفوا على الحياد أمام الجلاد، فساوي بينهما، بإشارةٍ ناعمةٍ إلى ظُلمٍ في موقف الحُسين ومظلوميّةٍ في موقف يزيد سيرتَبِكُ المشاهدُ بينهما ويخون الحقَّ إنِ اعتبر نفسه مُحايداً.
كتب د. تميم البرغوثي مقالاً في موقع /عربي 21/ بعنوان /الأخلاق أو ما تبقى منها/ متحدّثاً عن حربٍ أهلية تراودُ الناس عن بلادهم ممتدةً /كالدُّهْن السائح من جبال الشام والعراق حتى جبال اليمن/[2] ولعلّ موقفه فيها ما اختلف كثيراً تُجاه الثورة السورية ووصفها /بالحرب الأهلية/ وهو مفهومٌ سائبٌ غير صلب ولا يوجد تفاهمٌ في المواثيق والقوانين الدولية بشأن مركّباته أو معناه الدقيق، موجداً بذلك العذر للمقاومة /ويعني فيها حزب الله غالباً/ في تورّطها ضمن هذه المواجهة مع الناس وإنه في الوقت ذاته حيث اعترف بالمستبد وممارساته وخروج الناس عليه، يصف ما يجري بالحرب الأهلية وأن المقاومة تورطت فيها، مستخدماً عبارة تغتالُ نفسها بقوله: "كل رصاصةٍ في صدر متظاهر هي رصاصةٌ في ظهر مقاوم[3]" فكيف إن أطلق هذه الرصاصة المقاوم ذاته /حسب وصف د. تميم/؟ فقد أطلقها في صدر المتظاهر فأصابت ظهر المقاوم الذي أطلقها في الآن ذاته، وعلى ذلك لابد أن يعترف د. تميم أن هذا المقاوم /حسب وصفه له/ قد قتل نفسه، فليس من الواقعية أن يبقى يدّعي المقاومة أو أن نصفه بها، إلا إنْ كانت المقاومة المقصودة هي /حماس/ والتي ما انجرّت للوقوف مع حليفها السابق المستبد ضد الناس، وعند حماس فقط تكون كل رصاصة أطلقها مدّعو المقاومة في صدر المتظاهرين هي رصاصة في ظهر المقاومين من حماس، فلابد من بيان ذلك صراحةً فـ/إن المقاومَ تشابه عليه/، ولو أردنا أن نُحرر المصطلحات ونضع المفاهيم على نصابها لوجدنا ثوّار سورية هم المقاوِمون يقاتلون محتلّاً إيرانياً ومستبداً بعثياً فيدفعون الشرّين معاً المستعمر والمستبد، وما بقيَ لمدّعي المقاومة إلّا قتلُ الناس وإمطارهم بالبراميل والأسلحة الكيميائية أو مشاركة حلفائهم بقتل الناس واحتلال ديارهم ورفع شعاراتهم الطائفية الحاقدة على المآذن والجدران.
ولو اتّفقنا على أن النتائج التي وصلنا إليها /في الوضع الراهن/ تشبه إلى حدٍ ما نتائج الحروب الأهلية في: (غياب الدولة وضعفها، وانتشار الميليشيات، وانعدام الأمن وتعطيل مناشط الحياة ووضع المجتمع رهينة لقوى خارجية)، فما هذا إلّا سعيٌ وترويجٌ من النظام حتى يمتنع على الدول التدخل فيما يجري ويتفرّغ نظام الأسد لحل مشكلاته الداخلية كما يرتئيها وذلك حسب نصوص القانون الدولي، ولكن الحكم على الأمر لا ينطلقُ من توافق بعض نتائجه مع مفهومٍ ما فحسب، بل من أسبابه ومجرياته وتركيباته أيضاً، فما كانت غاية الناس الاستيلاء على السلطة أو جزء من البلاد للاستقلال فيه ـ كما في الحروب الأهلية عامةً ـ ، إنما غايتهم أن يُردَّ أمرهم إليهم، وأن يُحكَموا كما يرضون فلا طاعةَ لحاكمٍ في مخالفة إرادتهم أو مصادرتها، وما إطلاقُ وترويج هذا المصطلح إلّا محاولةً للمساواة بين الذين /أُذِنَ لهم بأنهم ظُلِمُوا/[4] وبين الذين /يسومونهم سوء العذاب يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ../[5] ويفعلون أكثر، ومحاولةً لطمسِ أحقيّة الناس في المطالبة وطمس مطالبهم التي يُقتلون ويُقاتَلُون بغية الوصول إليها.
لعلّنا لا نختلفُ كثيراً في الموقف الأخلاقي من الذين يُلقون البراميل على الناس ليُقتلوا أو يُدفنوا أحياءً تحت ركام منازلهم، ومن الذين يقطعون رؤوس الناس ويتملّكون رقابهم بدعواتٍ لا تُماثل الدين إلّا اسماً، ولكن المغالطة الكبرى التي يضعنا أمامها د. تميم في مقاله هي هذه: بين أن تكون مع أحد القاتِلَين أو أن تعتزلهما، وهو مشهدٌ صادم، فلا يوجد إلا أحد قاتِلَيْن! إما أن تصطف لأحدهما أو أن تبقى أعزلاً بينهما طيباً شريف النفس وكأن من يقاتل نصرةً لأهله ورداً للظلم عنهم خبيثٌ مهما فعل، وقد غفل أو تغافل د. تميم عن الناس الذين خرجوا على النظام في معركةِ حدودٍ ضمن العقد الاجتماعي بين النظام والناس، فحولها النظام إلى معركةِ وجودٍ فكان لابد أن ينتصر الناس لأنفسهم ووجودهم، وقد دأبوا على شرح موقفهم للجميع وطلبوا منهم ثني نظام الأسد وحلفائه عما يقومون به ولكن .. لقد أسمعت لو ناديتَ حيّاً، فالفئة الأخلاقية التي لم يذكرها د. تميم (فأساء للمشهد جداً) هي التي ذُبِحَتْ بالسكاكين قبل وجود تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وهي التي منعت حرباً طائفيةً تتربّص بالقلوب والنفوس، فلا قتال إلا ضد القاتل مهما كان انتماؤه، وهي التي تمنع البراميل ما استطاعت فلم تجد بداً من قتال أصحاب البراميل وحلفائهم، وهي التي قاتلت قاطعي الرؤوس "داعش" في الكثير من الواقعات وأخرجتهم من الديار، وهي التي ما زالت تتظاهر ضد أي مسلحٍ أو داعمٍ أو محسوب على الثورة نفسها إنْ تجاوز عليها واستباح ما لا تُطيق، ولك في أهل حلب وريف إدلب وريف دمشق وغيرها خير أدلة، وما كان التشويش صعباً على أي مشهدٍ حين نُعظِّمُ صورةً ما لتطغى ونُقزِّمُ ونجمّلُ صورةً أخرى، فيتساوى قُبحان (لا أدافع عن أحدِهما) ولكن أرفض المساواة بينهما حتى لا يضيع جهدُ الناس ودمهم سُدى.
إنّ الثوار الذين قاتلوا ما قاتلوا إلّا قاتلهم وما الكفاح المسلح الذي يتغاضى عنه د. تميم أو يصفه بقطع الرؤوس وخيانة المقاومة والتعاون مع من يدعون مناصرة قضيته وهم استعمار في الأصل، إلّا ضرورة أباحتِ المحظورَ عندما اتسع الفتقُ على الرّاتِق، وحلّت بالناس مصيبةٌ /لا يرقى الحدادُ لها .. لا كربلاءُ رأتْ هذا ولا النجفُ[6]/ فما كانوا سعداء بالقتال بل هو كرْهٌ لهم ولك في قول الشهيد العقيد أبو الفرات يوسف الجادر مثالاً عن الغضاضة التي اعتصرت الحلق والقلب عندما يقاتلون مكرهين لا راغبين.
فالتشويش على المشهد العام للابتعاد عن اتّهام ذراع /ولاية الفقيه/ في بلادنا بما قاموا به من طغيان وبحصان طروادة الذي استباحوا البلاد بدعواه ما بين قتال إسرائيل لاستعادة الأرض المحتلة التي قتلوا أهلها الفلسطينيين في سورية وبين حماية المقامات التي كانت تعيش فينا ونعيش فيها فقتلوا من استضاف السيدة رقية والسيدة زينب طيلة تلك العقود في شمال البلاد وجنوبها، فما هذا التشويش إلا تضليلٌ للعقول، وإنّ الاختباء خلف المواقف الأخلاقية لاتّهام الجميع بالمسؤولية عمّا جرى للبلاد والعباد وجعل المظلومين متهمين لأنهم دافعوا عن أنفسهم واستغلَّ مستعمرٌ ما حاجتَهم وإيغالَ النظام وحلفائه في ظلمهم، كلُّ ذلك طوباويةٌ مفرطة قرينةٌ للطغيان المفرط، فلا تقتلوا الناس بطوباويتكم كما قتلهم الظلَّامُ بأسلحتهم، وكما تورّط المقاومون /على حد وصفك لهم/ بدمائنا فسقطتْ عنهم كل فضيلة، فقد تورّط المثقفون والمفكرون /على حد وصف الأعراف لهم/ بالوقوف على الحياد فسقطت عنهم كل مكانة اجتماعية.
إن كانت الأطراف قد تعددت في المشهد الكامل وتداخلت مصالحها واشتبكت أصابعها فما زالت الثورة في الناس ظاهرةً على الحق لا يضرّها من وقف على الحياد متهماً لها أو متعالياً عليها، ومازالت الثورة في الديار عامرةً ينخفض صوتُها حيناً ويظهرُ لونُها حيناً، ومازال الناس في بلادنا يُقتلون لكلمةِ حقٍ عند سلطانٍ جائر لا فرق عندهم في طول لحيته، وما زالوا يقاتلون للكلمة ذاتها .. حريّة.
الثورة لو قَاْدها أهل الحكمة مَ بتِنْجَحشْ
يبدأ علاجَك بإعدام الطبيب الجحشْ
أصل الشهيد لما يرجعلك .. حَ يرجع وحشْ
ولمّا الحُسين يتقتل .. يرجع أبو العباسْ
يا أُمي يحيا الحزام الناسِف العادِلْ
يا أُمي بيسوّي بين القتلىْ والقاتِلْ
يا أمي ويريح الإتنين من الباطِلْ
ويشرّب اللي سقونا المرّ .. نفس الكاسْ[7].
محمود الطويل.
[1] مقال /الأخلاق أو ما تبقى منها/ المنشور في موقع /عربي 21/ يوم الأحد 03/05/2015 الرابط: http://arabi21.com/story/828413/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%20%D8%A3%D9%88%20%D9%85%D8%A7%20%D8%AA%D8%A8%D9%82%D9%89%20%D9%85%D9%86%D9%87%D8%A7
[2] من مقال د. تميم البرغوثي، المصدر السابق.
[3] من مقال د. تميم البرغوثي، المصدر السابق.
[4] إشارة إلى الآية الكريمة (أُذنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِموا ..) وهي التي أعطت الأذن للمسلمين بالقتال ضد من اعتدى عليهم، سورة الحج الآية 39.
[5] إشارة إلى الآية الكريمة عن آل فرعون وما مارسوه بأصحاب موسى، سورة طه الآية 8
[6] من قصيدة مقام عراق د. تميم البرغوثي
[7] قصيدة بالعامية المصرية ألقاها د. تميم في أمسيته مع والده الشاعر مريد البرغوثي في عمّان إحياءً لذكرى والدته الروائية رضوى عاشور18/04/2015.
٧ مايو ٢٠١٥
تأتي معركة القلمون التي اتخذت مسمى معركة ذوبان الثلج أو الربيع ، في توقيت يكاد يكون مفصلي و حاسم ، ليس في هذه الرقعة الجغرافية ، بل الأمر يتعلق بترتيب أوراق سوريا كلها .
القلمون التي كان العام في نفس هذا الوقت تقريباً قد تم احتلالها من قبل مليشيا حزب الله الإرهابي و مشاركة من حركة أمل اللبنانية إضافة لقوات الأسد و بعض المليشيات الشيعية العراقية ، بعد معارك طاحنة أخذت من الوقت قرابة الثلاثة أشهر ، سبقها تمهيد اعلامي كبير ، كالذي يتم حالياً.
ما يجعلني أعود بالذاكرة للوراء لكشف أين أخطأنا و أين المشكلة كانت ، فوقتها كانت الرقعة الجغرافية للمعركة طويلة جداً و خط المعركة بطول أكثر من 30 كم و عمق يزيد عن 50 كم فيها قرى و مدن و مساحات شاسعة من الأراضي و الجبال ،كان تشتت القوة سبب في ضياع الجهود ، ووقف الدعم بشكل شبه كامل أدى للتسليم في النهاية ، مع ترك القلمون وحيداً يجابه الجميع حتى الشركاء في نفس المسير القريبين جغرافياً و البعيدين فكرياً .
أما اليوم الخط العام للمعركة ليس كما تلك ، فلجهود يمكن القول أنها توحدت تحت "الفتح " ، و المساحة ضاقت و الأراضي فيها و من الوعورة ما يجعلها بحاجة لما يسمى المعجزة من نوع "لاتصدق" و الكثير من الخيانة ، و الفائض عن الحساب من الخذلان ، حتى يتم الحسم فيها .
اليوم كما ذلك اليوم ، القلمون يجب أن لا يترك وحيداً ، و لا يكون الجبهة الوحيدة المفتوحة ، و لا ينأى الكثر بنفسه عن هذه المعركة ، فهنا المعركة تكسير عظم الحزب و النظام بآن معاً ، و ليست معركة جرح أو وهم أو إضعاف ، فلتشتعل الجبهات بعدة نقاط سواء في شطر القلمون الشرقي ، أم في امتداده في الغوطة و باقي أطراف السلسلة في حمص ، فالقلمون اليوم بحاجة لجبهات تسانده تشتت التركيز الكامل عليه ، و ما تبقى نتركه للأبطال على الأرض ، الذين عرفوا جيداً الأرض خلال العام الفائت الذي أمضوه في الجرود ، بين الصخور و الشوك و شجر "اللزاب" ، و بين أطنان الثلج و صقيع المغاور ، و هذه المعركة بالنسبة لهم معركة حياة أو موت ، فطريق الإنسحاب شبه مغلق ، إضافة لقلوب مُلئت بالحقد على أناسٍ دمروا حياة بلاد بأكملها و تسببوا بموت خيرة أشخاصها و أبرء سكانها .
لن نضخم من الأبطال المتواجدين في الثغور ، فالواقع شيء و الكلام الإنشائي شيء آخر ، ففي القلمون قلة قليلة ، يملكون من الإيمان و العزيمة ما يكفي جيوش و جحافل ، ففي القلمون رجال صادقين ، و يعرفون الطريق جيداً و خارجين عن كل سيطرة مصلحية أو غاية وضيعة ، فهم يحملون في قلوبهم مصلحة و غاية أنبل من أن نقيمها أو نحدها بوصف ، و تبقى القلمون بجبلاها و جرودها و اشجارها الفريدة ، فريدة حتى بمعاركها .
٦ مايو ٢٠١٥
بعد أن فتح "نظام الأسد" قضيّة تجديد وتمديد الجوازات حتى للمخالفين قانونياً (كالمتخلفين عن الجيش) ، يبدو جليّاً أن النظام ما زال يعمل بالاستراتيجية نفسها التي تغفل عنها كل معارضتنا السياسيّة : ((أنا "الدولة" .. أنا "النظام" ..))
فقد طفت مشكلة الجوازات على السطح ، وبعد ضغوط الدول لأجل هذا الملف سارع النظام لاستلام الملف بنفسه بدلاً من إحالته للإئتلاف أو الحكومة المؤقتة ، فهو ليس فقط يحتاج للسيولة النقدية (الدولار) بل هو يحتاج لتثبيت ما لم يفقده حتى الآن على مستوى المجتمع الدولي حتى اللحظة : "الدولة" ..!
فكل دول العالم تعترف بالنظام السوري كدولة ، شرعية ، ونظام قائم ، رئيسه بشار الأسد ..
وهذا ما يقوم النظام بالعمل عليه على الأرض :
- فالمصالحات التي يقيمها يتعامل مع ملفها على أنه الدولة ، ويفتح صدره الكبير لهؤلاء المخطئين حتى يؤوبوا ..
وما إن يقع البعض في فخ المصالحة إلا ويسارع النظام بتأمين المنطقة ، وإعادة تأهليها قدر الإمكان ، وإتاحة عودة الناس لبيوتهم .. فقد عادت "الدولة" ..
- الهدنة مع المعضمية عندما وصلت لذروتها عقدتها ، بقي للنظام شرط واحد لم يتنازل عنه : رفع العلم السوري ..! فهو "الدولة" ..
- يتعامل النظام مع الموظفين على أنهم على رأس عملهم لدى "الدولة"، حيث ما يزال الكثير من الموظفين في حمص .. في إدلب .. في الغوطة حتى .. ما يزالوا يقبضون رواتبهم حتى الآن من عند النظام ..!!
ورغم أننا سعينا قدر الإمكان لوقف دوام الموظفين لتسقط الدولة (في 2012) ، لكن البعض عارض للأسف ، والموظفون خافوا على مرتباتهم، وبقي النظام قوي الأركان ، وبقيت "الدولة" ..!!
- السفارات الرسمية السورية في كلّ دول العالم هي سفارة النظام السوري .. ويبذل النظام كل جهده ألا يفقد واحدة منها ، فإذا ما حصل فإنها بالتأكيد لا تذهب إلى معارضيه (كالتي في السعودية) .. فهو فقط النظام .. وهو "الدولة" ..
- المناطق المحررة ، أو المحاصرة .. يتعامل معها النظام على أنها متمردة عن سلطة "الدولة" وهو مع ذلك يمرر شيئاً من شريان الحياة بمنطق واحد : أنا "الدولة" ..
- وبعيداً عن المعركة العسكرية إلا أنه ما يزال يصر على أن يكون أمام الناس والمواطنين على أنه "الدولة" ومؤسساته تعمل ، وعبر قنواته -الرسميّة- يتابع شؤون الناس في المناطق المحررة .. فهو "الدولة" ..
___________________________
أمثلة كثيرة تحضرني الآن عن هذا المفهوم ، ولكن أختصر وأقول :
لم تستطع المعارضة السياسية أن تثبت نفسها "كدولة" أو بديل عن النظام الحالي ..
وتستعر نار الحرب على المحاصصة فيما بينهم بين شلة السعودية وشلة فرنسا وشلة قطر .. فيما لم يفكروا بجدية بالظهور بمظهر "الدولة" ..
فكلّ طرف فيهم يعود إلى مرجعياته التي انتدبته : ماذا تأمرون لنفعل ؟؟!!
بينما الأحرى بهم أن يرتقوا إلى مستوى "النظام" و "الدولة" .. أن تكون فعلياً الحكومة المؤقتة "حكومة" .. وتحمل مواصفات "دولة" ، وقادرة على قيادة المرحلة الحالية أو الانتقالية ..
فهم لم يديروا قرية في ريف إدلب .. وتحررت المدينة ، وهم في المريخ جالسين ..!
لا يفكر أحدهم بالانتقال إلى الداخل ليعمل كدولة خوفاً أن تفوته المحاصصة السياسيّة في اسطنبول .. أو يقوم منتدبوا الطرف الآخر بالتمدد على حساب الطرف الذي انتدبه .. مما يجعلهم يفكرون باستبداله .. فكما فرضت فرنسا "ميشيل كيلو وقائمته كاملة" بالحذاء ، يفرضون غيره بنفس المنطق ..
وللإنصاف فإن ليس فقط ضعف المعارضة سبب رئيس ، فالمجتمع الدولي ما يزال حتى اللحظة يتعامل مع نظام بشار الأسد على أنه "الدولة الشرعية لسوريا" ، ومؤسساته وسفاراته ومقعده في الجامعة العربية أو مجلس الأمن وغيره مقعد شرعي رسمي وحيد ..
وتضغط كلُّ هذه الدول المعادية لثورتنا ، خصوصاً صاحبة لقب (أصدقاء سوريا) تضغط ليبقى النظام رسمياً شرعياً يُتعامل معه كنظام قائم الأركان ، وإن فقد بعض أجزائه في بعض مراحل الصراع مع هؤلاء (المسلحين المتمردين) ..
ولعل ديمستورا ذو التاريخ الشيعي العريق يفرض أيضاً النظام السوري ليس كطرف ، بل كجزء من القضية ، لحل المشكلة مع هؤلاء المعارضين الذين لا شكل لهم ولا هوية ..
وللأمانة أيضاً فإنَّ تركيا حاولت تسليم السفارة (وهو ملف خدمي بحت ذو بعد سياسي) للمعارضة إلا أنها لم تجد من يتولى هذا الشأن سوى مجموعة مافيات متصارعة فيما بينها ، تعمل بالتحكم عن بُعد ..
بينما فعلت قطر ذلك ، وسلّمت السفارة للإئتلاف ، عبر رجل تثق هي به ..
ولما أن قام سفير الائتلاف (الحراكي) بانتزاع حقّ إصدار الجوازات وتجديدها بشكل رسمي معترف فيه بأغلب دول العالم ، بادر غلمان فرنسا والسعودية بانتزاع السفير كله ، ومنعوا حصول ذلك ، وعاد الأسد وحيداً متفرداً بلقب : "الدولة" و "النظام" ...!!!
فليس تحرير منطقة هي نهاية المطاف ، وليس طرد المحتل الأسدي هي ذروة طموحنا .. فهنالك "دولة" يجب بناؤها ، والعمل عليها ، وتحقيقها ..
شؤون الناس لا تقضيها مجموعات إغاثيّة تطوعية أو جمعيات خيرية ..
والمدارس لا يمكن لمدرسين متطوعين ينتظرون المنح من الداعمين أن يقوموا بشؤونها ، وتخريج الأجيال دراسياً وإصدار الشهادات الرسمية ..
والمجالس المحلية لا تُقام بطريقة كل مجلس مستقل عن غيره يدير شرون قريته وحيداً دون منظومة تجمعهم ..
ولا يمكن أن يتحقق الانتصار الحقيقي طالما أن سقوط النظام الحالي والدولة الحالية لا يعقبه في المرحلة التالية مباشرةً : بناء "الدولة" ، واكتمال أركانها .
وإن كانت مخيمات أطمة التي تقع في المنطقة الآمنة المحظور على النظام استهدافها يزورها من السعودية وقطر والكويت أكثر مما يزورها أصحاب الائتلاف والحكومة المؤقتة .. فكيف لهؤلاء بناء "دولة" وإدارة "نظام" ؟؟؟؟
٦ مايو ٢٠١٥
من اليوم الأول لشهادته أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، عرّى الزعيم الدرزي كمال جنبلاط النظام السوري. فكّك النظام من خلال معرفته برجاله. كشف جنبلاط بحسّه السياسي المرهف طبيعة النظام الذي دمر سوريا، وكاد أن يدمّر لبنان لولا صمود اللبنانيين وإصرارهم على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بلدهم.
هناك نقاط عدّة يمكن التوقف عندها بعد سماع جنبلاط يدلي بشهادته في لاهاي أمام المحكمة التي تنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، فضلا عن جرائم أخرى، أحيلت أو يمكن أن تحال عليها. ولكن يظلّ أهمّ ما في الشهادة كشفها الوجه الحقيقي للنظام السوري في أيّام الأب وفي أيام الابن. من الواضح أن لا فارق كبيرا بين الأب والابن، باستثناء أنّ الأوّل كان يعرف جيدا كيف يخفي الطبيعة العلوية للنظام، عبر تغطيتها بشخصيات من سنّة الريف مثل العماد حكمت الشهابي الذي كان رئيسا للأركان، أو السيّد عبدالحليم خدّام الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية.
أوضح جنبلاط، بما لا يقبل أي شك، أن الأسد الأب ترك هامشا للمناورة لكلّ من الشهابي وخدّام اللذين كان يعتبرهما “صديقين” له. ولكن في نهاية المطاف، كشف ما يفترض أن يكتشفه كلّ سياسي يمتلك حدّا أدنى من النضج والرؤية. كشف أن العدو الأوّل للنظام السوري هو السنّي ابن المدينة الذي يمتلك علاقات عربية ودولية. وهذا ما جعل بشّار الأسد يخشى رفيق الحريري ويسعى إلى التخلّص منه. كان يخشى دائما من وجود زعيم قوي يمتلك علاقات عربية، سواء أكان ذلك في سوريا نفسها أم في لبنان.
فكّك وليد جنبلاط النظام السوري. استخدم اللواء غازي كنعان الذي كان مسؤولا حتّى العام 2002 عن لبنان. واستخدم الشهابي وخدّام والعبارات التي كانا يمرّرانها له بين حين وآخر. كذلك، استخدم دعوات الغداء، لدى اللواء محمّد ناصيف (أبو وائل) الذي كان يطغى عليها الجوّ العلوي. واستخدم حتّى رستم غزالي الذي كان عليه أن يتعامل بفظاظة مع رفيق الحريري.
فبعد اللقاء الأوّل الذي عقده الزعيم الدرزي مع بشّار الأسد، قبل أن يصبح الأخير رئيسا، خرج جنبلاط بانطباع فحواه أنّ الأسد الابن لا يعرف شيئا عن لبنان واللبنانيين، خصوصا عندما راح يطرح أسئلة تتناول المناطق التي يعيش فيها الدروز في لبنان، مشيرا إلى “أنّ له جماعة أيضا بين الدروز”. وقد دفع ذلك بغازي كنعان إلى تمرير رسالة إلى وليد جنبلاط عندما قال له “الآن صرت تعرف من هم آل الأسد”. كان يريد أن يقول له أن بشّار ليس سوى جاهل في أمور لبنان، وذلك قبل أن يتبين لاحقا أنه جاهل أيضا في أمور سوريا. لم يدرك جنبلاط مغزى الرسالة، إلا بعد “انتحار” غازي كنعان. وكان ملفتا أنّه أصرّ على تمرير عبارة أنّ غازي كنعان “أُجْبر على الانتحار”.
اتهم وليد جنبلاط حافظ الأسد، مباشرة، بقتل والده. لم يتّهم بشّار الأسد بشكل مباشر باغتيال رفيق الحريري، لكنّ الواضح أنّه استطاع رسم الأجواء التي هيّأت للجريمة التي تندرج في سياق الحرب التي يشنّها النظام السوري على أهل السنّة، خصوصا على سنّة المدن الكبيرة.
من خلال اغتيال رفيق الحريري، يمكن فهم ذلك الحقد على كلّ ما هو سنّي في لبنان. كذلك يمكن فهم تلك النقمة على كل سياسي كانت له حيثية بغض النظر عن مذهبه. لذلك، اغتيل كمال جنبلاط الذي لم يسمع نصيحة أنور السادات، فيما اضطر ريمون إده إلى تمضية بقية حياته في المنفى الباريسي.
في ضوء شهادة وليد جنبلاط، يمكن فهم لماذا كان اغتيال المفتي حسن خالد والاغتيال السياسي لصائب سلام وتقيّ الدين الصلح. كذلك، يمكن فهم لماذا لم يستطع النظام السوري أن يطيق وجود بشير الجميّل أو رينيه معوّض في رئاسة الجمهورية.
تساعد شهادة وليد جنبلاط في إعادة تركيب النظام السوري قطعة قطعة. إنّه نظام يقوم أساسا على تقارير لأجهزة المخابرات المتعددة التي يتجسس كلّ منها على الآخر. تصبّ التقارير، التي تبدو وكأنّها العمود الفقري للنظام، عند الرئيس الذي يبدو واضحا أنّه لا يثق سوى بعدد قليل من الأشخاص، هذا إذا كان يثق بأحد.
من يستمع إلى وليد جنبلاط أمام المحكمة الدولية، يدرك لماذا انتهى النظام السوري بالطريقة التي انتهى بها. إنّه نظام لا يعرف سوى التدمير، ولا شيء غير التدمير. عمل على تدمير لبنان ويعمل حاليا على تدمير سوريا. فشل في تدمير لبنان كلّيا، لكنه زرع فيه أمراضا سيكون من الصعب عليه التخلّص منها، خصوصا بعدما أقام هذا التحالف مع “حزب الله”، الذي ليس سوى ميليشيا مذهبية تعمل لمصلحة إيران ولا هدف لها سوى نشر البؤس والفقر في الوطن الصغير.
هدّد بشار الأسد رفيق الحريري بأنّه “سيكسرّ لبنان”، وذلك عندما بدا أن هناك محاولات يبذلها الرئيس الفرنسي جاك شيراك لإخراج الجيش السوري من لبنان. هذا ما نقله جنبلاط عن الحريري بعد لقاء له مع رئيس النظام السوري. انتهى الأمر بتكسير قسم لا بأس به من لبنان. لكنّ ما تكسّر في نهاية المطاف كان سوريا.
ما لم يقله جنبلاط أن النظام السوري لا يستطيع أن يبني. يستطيع أن يهدّم. هذا كلّ ما يستطيع عمله. حيثما حلّ يحلّ الدمار. حلّ في سوريا فحلّ معه الدمار. في كلّ يوم كان فيه ضيفا على لبنان، كان الدمار رفيق اللبنانيين، بدل أن يكون رفيقهم مشروع الإنماء الذي وقف خلفه رفيق الحريري.
بغض النظر عن كلّ المحاولات ذات الطابع الفولكلوري التي حاول من خلالها وليد جنبلاط التمسّك باتفاق الطائف، وعدم الربط بينه وبين القرار الرقم 1559 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي دعا إلى حلّ كل الميليشيات المسلحة في لبنان وإلى انسحاب الجيش السوري منه، يظلّ أن القرار والطائف شيء واحد. كلّ كلمة واردة في القرار، واردة أيضا في نص اتفاق الطائف.
كانت شهادة وليد جنبلاط شيّقة، خصوصا لجهة كشف حقيقة النظام السوري. تفادى الرجل، أقلّه في اليوم الأوّل، أي إشارة إلى “حزب الله” وإلى ملائكته المتهمين بتنفيذ الجريمة. هذا أمر يمكن أن تكون له انعكاساته الإيجابية على الصعيد الداخلي في لبنان.
المهمّ الآن، على صعيد المحكمة الدولية، استكمال رسم الأجواء التي ارتكبت الجريمة في إطارها، بما في ذلك التقارب المسيحي الإسلامي والدور الطليعي الذي لعبه البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير في التصدي للاحتلال السوري، وصولا إلى مرحلة يصبح من السهل فيها القول: الجريمة واضحة وأبطالها معروفون.
٦ مايو ٢٠١٥
كل المؤشرات توحي بأن بشار الأسد انتهى وان ما يجري وراء الكواليس ليس سوى عملية مقايضة معقدة تتصل باقتسام سوريا مناطق نفوذ مرحلياً ريثما تتضح صورة المستقبل الذي لا يمكن فصله عن الشكل الإقليمي الجديد، وخصوصاً إذا تذكّرنا ان الحديث عن تقسيم العراق بات علنياً وصريحاً.
لكن هناك فرقاً في الواقع الميداني وفي التوزيع الأتني بين العراق وسوريا، ولهذا تستعمل في الحديث عن سوريا الآن كلمة اقتسام بدلاً من تقسيم. والاقتسام قد يكون مرحلياً لترتيب الحصص والمصالح بين المقتسمين. ولهذا كان من الضروري ضخّ مقدار من دخان التعمية عبر المشاورات الجانبية التي يجريها ستيفان دو ميستورا في جنيف مع بعض الأفرقاء السوريين، والتي لن تؤدي الآن الى أكثر من تحضير المنبر في إنتظار الاعلان عما يمكن ان يتوصل اليه المقتسمون وأعطائه شكلاً مشروعاً.
قبل أيام قليلة، ظهرت من طهران تحليلات غير رسمية تتحدث عن نقل العاصمة السورية دمشق الى طرطوس واللاذقية. ومع ان المقربين من النظام سارعوا الى القول ان هذا الإقتراح بعيد عن الواقع، فان لا دخان بلا نار كما يقال، فبعد ٢٤ ساعة برزت تقارير ديبلوماسية تتحدث عن مساعي اميركية مع ايران تهدف الى إجبار الأسد على التنحي!
طهران على ما تردد وضعت شروطاً محددة ثمناً لرأس الأسد، كضمان الحصول على الديون المترتبة عليه لمصلحتها وعدم الإدعاء على أي من الاطراف الايرانيين الذين قاتلوا الى جانبه، وتثبيت الملكيات العقارية التي حصلت عليها مقابل بعض الديون للنظام، والاعتراف بالهوية السورية التي أُعطيت لكثيرين من الإيرانيين الذين حاربوا مع الأسد!
كل هذا يأتي في ظل التطورات الميدانية الأخيرة التي عكست انهيارات متلاحقة لجبهات النظام، سواء في الجنوب حيث صدّ "الجيش السوري الحر" الايرانيين و"حزب الله"، وإنتقل الى الهجوم ليسيطر على بصرى الشام التي كانت مركزاً لـ"الحرس الثوري"، ثم جرى إقتحام معبر نصيب على الحدود الأردنية، أم في الشمال حيث سقطت إدلب ثم جسر الشغور وباتت اللاذقية مهددة!
المعارضة ستجتمع في انقرة ومن المرجح إعلان الشمال منطقة آمنة وبموافقة أميركية على ما يبدو، وفي الجنوب تسعى دول عربية لجعله منطقة آمنة أيضاً، وهذا ما يجعل منطقة الساحل السوري مسرحاً لتجاذب النفوذ بين ايران وروسيا، والرهان ضمناً على اصابة عصفورين بحجر واحد الخلاص من الاسد لفتح الباب واسعاً للخلاص من "داعش" والمتطرفين الإرهابيين.
من خلال كل هذا يمكن ان نفهم لماذا التركيز الكبير على المعركة من القلمون الى دمشق، ذلك ان ايران التي تخشى سيطرة روسيا على الساحل السوري تحرص على إبقاء الكوريدور الذي يربط القلمون وضواحي دمشق بلبنان!
٥ مايو ٢٠١٥
حمل خطاب حسن نصر الله تهديدات وعلى عدة دفعات وباتجاهات مختلفة لكن ما يخصنا من كلامه حول معركة القلمون لأن الهدف الأساسي من معركة القلمون التي يريد حزب الله وضع ثقله فيها بناء على تعليمات طهران تأتي في إطار التحضير والاستعداد للانسحاب من سورية مع انهيار النظام وهو سينفذ ذات الاستراتيجية للانسحاب التي نفذتها اسرائيل عام 2000 عندما انسحبت من جنوب لبنان لحماية ظهر عناصره وكوادره عند إعطاء إشارة الانسحاب السريع
والمطلوب في حملة حزب الله الأهداف التالية:
أولا: بعد تحرير معبر نصيب وانقطاع شريان دمشق - عمان أصبحت ضرورة قصوى تأمين طريق دمشق - الساحل مرورا بحمص بعد أن تمت خلال الفترة الماضية تعزيز و تأمين طريق دمشق - بيروت لأنها ما تبقى من شرايين حياة للنظام ولأنها المنافذ البرية التي تؤدي إلى انسحاب سريع لإجلاء ماتبقى من كوادر وعناصر عسكرية وأمنية لإيران و لحزب الله مع سقوط نظام الأسد.
هناك أهمية لهذه الطرق أيضا لتأمين إجلاء من يتبقى من قيادات النظام وعائلاتهم للفرار نحو لبنان أو الساحل وكذلك اخراج الملفات والوثائق الهامة وربما بعض الأسلحة.
ثانيا: حماية وتأمين القرى الشيعية (حاضنة حزب الله الشعبية) المتاخمة للقلمون على طول الحدود السورية اللبنانية من مناطق الزبداني وصولا للقصير.
ثانيا: تعزيز وتقوية المراكز والمواقع الاستراتيجية لحزب الله في الجرد العالي في الطفيل والجبة والمعرة وعسال الورد و توسيع مناطق النفوذ وتعزيزها في طلعة موسى ومناطق من الجبل الشرقي.
ثالثا: تثبيت مواقعهم ومحاولة احتلال مناطق استراتيجية على المرتفعات المطلة على القلمون لحرمان المعارضة السورية المسلحة من السيطرة عليها لأن السيطرة عليها تعني أن المعارضة ستستطيع ببعض أنواع الأسلحة قطع طريق دمشق - الساحل عن بعد دون الحاجة إلى التدخل البري على الطريق لقطعه.
الجيش اللبناني لن يتدخل ولن يتجرأ على التدخل في القلمون وجرود القلمون من الجهة السورية وعمليات الحشد لحزب الله في مناطقه المطلة على القلمون أغلبهم يافعين و طلاب مدارس أعمارهم بين 15 و18 سنة ولا يمتلكون خبرات عسكرية والسبب أن أغلب القوة الضاربة للحزب والكوادر موجودة بالداخل السوري و هو في أقصى حالات الاستنزاف بعد الخسائر البشرية والعسكرية الكبيرة والفادحة في سورية.
جرود القلمون لن تستطيع أي قوة عسكرية من السيطرة عليها نظرا أنها مناطق جبلية وعرة تمتد على طول قد يزيد عن 100 كم .
مما لا شك فيه أن جرود المعرة وعسال الورد والجبة و رنكوس والطفيل ستكون مسرحا لمزبد من معارك عنيفة و كبيرة للغاية ستكلف حزب الله الكثير من الخسائر .
الجرود مناطق جبلية وعرة للغاية لا يمكن التنقل في أغلبها إلا للمشاة.
لا بد من الإشارة أيضا أنه لا وجود لداعش بالمطلق في كل مناطق القلمون وجرود القلمون ونؤكد أن داعش سحبت كل عناصرها نحو 600 عنصر من هذه المناطق قبل نحو ستة أسابيع باتجاه حمص و المناطق الشمالية وبناء على اتفاق مسبق مع نظام دمشق بعد فشل كل محاولات اشعال معارك بين داعش والنصرة في القلمون وفي مرحلة سابقة ولمنع الاحتكاك في جرود القلمون بين داعش والنصرة فقد حافظت داعش على وجودها في جريجير باتجاه القصير فيما بقيت بعض وحدات النصرة والجيش الحر تسيطر من خط عدم الاحتكاك مع داعش في جريجير وصولا إلى عسال الورد.
بقلم فهد المصري: رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والامنية والعسكرية حول سورية
٤ مايو ٢٠١٥
بعد مؤتمر موسكو التشاوري الثاني حول سورية، وتردد معلومات عن انعقاد مؤتمر القاهرة الثاني أيضا، اتضح أن المؤتمرين لم يضيفا إلى الأزمة إلا مزيداً من التعثر السياسي، ووهن المعارضة السورية، على وقع بحث العاصمتين عن دور ما لهما. وها هي العجلة السياسية تدور، ويلوح أن حراكا يدخل على خط الأزمة، بعد طول ركود واستنقاع سياسي، استمرت معهما مقتلة الشعب السوري، بوجوهها المأساوية المختلفة. فقد رشح أن السعودية تسعى إلى دعوة شخصيات من بعض أطراف المعارضة، وبغض النظر عن مؤسساتها، بهدف الاجتماع مستقبلاً في الرياض، من أجل تشكيل وفد أو هيئة عليا، للتفاوض على مستقبل الوضع السوري. وذلك في وقت أعلنت فيه الأمم المتحدة عن الدعوة التي وجهها المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي مستورا، لأطراف وشخصيات سورية معارضة، عسكرية وسياسية، وأخرى من النظام السوري، لحضور لقاءات تشاورية ثنائية منفصلة في جنيف في السابع من مايو/أيار المقبل، وحتى 22 من الشهر نفسه، لإجراء عملية حوار موسع، للوقوف على آراء المعنيين، بالإضافة إلى إيران والقوى الإقليمية والدولية، في ما يتعلق بكيفية المضي نحو حل سياسي للأزمة السورية.
وبطبيعة الحال، لا يمكن فصل المسعيين، السعودي والأممي، عن وقع التطورات الميدانية الأخيرة في المنطقة، سواء في اليمن أو في سورية، وهي تطورات دفعت مراقبين إلى المقارنة والربط بينهما، أو حتى لملاحظة تبادلية في التقدم والتراجع، على المستويين، العسكري والسياسي، إلى درجة أن بعضهم توصّل إلى القول إن عاصفة الحزم تضرب في جسر الشغور، وذلك بعد تحريرها قبل أيام، وسيطرة قوات المعارضة السورية عليها، واستكمالها قطع الطريق الدولي بين حلب واللاذقية، فبينما كانت "عاصفة الحزم" تضرب معاقل الحوثيين وحلفائهم، وتقطع مصادر إمداداتهم، وتعيد حسابات التدخل الإيراني، كانت المعارضة السورية تتابع تحقيق انتصاراتها في الجنوب، مع تحرير بصرى الشام، ومعبر نصيب، ثم تستكمل تحرير إدلب في الشمال، لتلحق به تحرير أريافها، وتتوجه غرباً إلى ريف اللاذقية، وجنوباً إلى ريف حماه ووسط سورية.
وحقا، وبغض النظر عن القوى المتصارعة محليا في اليمن وسورية، فإن القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الصراعين، تكاد تكون متطابقة، من السعودية وتركيا إلى روسيا وإيران، وصولاً إلى باقي دول الخليج المنضوية في إطار تحالف عاصفة الحزم أو والمتضامنة معها، فيما عدا سلطنة عمان التي بقيت على الحياد، ما أهلها لدور الوسيط في التهدئة الحاصلة، وفي مشروع الحل السياسي الجاري بحثه.
لكن، إذا كان من الواضح أن أجواء تحالفات عاصفة الحزم، قد انعكست على تحسن العلاقات السعودية القطرية التركية، ما ساهم في دعم انتصارات المعارضة، وحزمها في شمالي سورية بخاصة، فإن مسارا موازيا من الحزم إلى الأمل ما زال في طي الغموض، على الرغم من التفاؤل الذي توحي به دعوة الرياض القائمة على توقع الوصول إلى مرحلة تفاوضية قادمة.
وذلك ما لا تدل عليه، من جهة أخرى، دعوة دي مستورا للحوارات المنفصلة في جنيف، والتي تأتي بعد فشل مشروعه السابق لإقامة مناطق مجمدة في الصراع السوري، نتيجة تعنت النظام في حصاره وقصفه، ولرفض الثوار فصل حلب وبعض المناطق عن كلية الوضع السوري. كما أنها تأتي في جو شاعت فيه دلائل استعداد الغرب لتقبل إعادة تأهيل النظام السوري، في إطار التحالف الدولي ضد الإرهاب، والحرب الجوية التي أعلنها ضد داعش وأشباهه، والتي توقعت لها القيادة الأميركية ثلاث سنوات من المدى الزمني على الأقل، وما برز في إطار ذلك التقبل من وفود برلمانية أوروبية زارت دمشق، أو من منابر إعلامية أوروبية، فتحت نوافذها للنظام السوري ورأسه، علما أن الأخيرة تستجيب لهاجس إضافي ملح، أصبح مهددا لمستقبل النمو الأوروبي وميزانياته، وهو ما يتعلق بأخطار الهجرة المليونية غير الشرعية التي تهدد السواحل الأوروبية، والتي صار من الشائع القول إن علاجها غير ممكن، من دون إطفاء حرائق الشرق الأوسط وإيجاد تسويات سياسية لها.
"
يمكن أن يتقدم الحل السياسي السوري، بما فتحه التقدم العسكري للثوار، وهو حل يرتبط تحسين شروطه، بمتابعة زخم الانتصارات التي كانت وحدة جيش الفتح عنوانها البارز
"
وفي كل الحراك السياسي المذكور، سواء ذلك الذي جرى في موسكو والقاهرة، أو الذي يتوقع له أن يجري في الرياض وجنيف، من الواضح أن دور المعارضة السورية تغير، بعد أن فشلت، حتى تاريخه، في توحيد قواها، بل إن شرعيتها الرمزية ضعفت أو تلاشت عمليا، إذ لم تعد تدعى كمؤسسات، ولا كهيئات، ولم تعد مؤسستها الرسمية في الائتلاف الوطني تحتكر تمثيل المعارضة، أو تحدد ممثليها، ويجري السكوت عن كل ما يتعلق بهذه المسألة، بعد أن كانت أحد شروط مشاركتها في جنيف 2، فضلا عن أن المشاركات الجديدة ستشمل قادة عسكريين من الداخل أيضا، ولم يكن بعيداً عن ذلك خروج أبرز قادة جيش الإسلام من سورية، في زيارة خاطفة إلى تركيا والسعودية، وذلك كله سيعطي طابعا مختلفا لأداء ممثلي المعارضة، في أي مفاوضات مقبلة.
هكذا، يبدو أن سورية ستشهد صيفا ساخنا، بينما يتردد الميدان السياسي بين مجال دعوتين، يبدو أن إحداها يمكن لها أن تبنى على تجميد الصراع بين المعارضة والنظام، بانتظار التوصل إلى تسويات لا يفني فيها الذئب ولا يموت الغنم. بينما يمكن للثانية أن تبني على الحزم الحاصل على الأرض دعوة للأمل بتفاوض قريب، تدخله المعارضة والنظام على وقع التطورات العسكرية الأخيرة، وقبيل ارتسام نتائج التوقيع النهائي على الاتفاق النووي الإيراني ـ الغربي، حيث يمكن أن يتقدم الحل السياسي السوري، بما فتحه التقدم العسكري للثوار، وهو حل يرتبط تحسين شروطه، بمتابعة زخم الانتصارات التي كانت وحدة جيش الفتح عنوانها البارز، وتلك مسألة لا يتحمل المقاتلون مسؤوليتها وحدهم، بل هي مسؤولية جميع السوريين المعنيين بتدارك ما بقي من الوطن.
٤ مايو ٢٠١٥
المعطيات السائدة، سوريا وإقليميا ودوليا، باتت تبشّر بإمكان استنفاذ الانفجار السوري لطاقته التدميرية، مع الاستدراك هنا بأن هذا الاستنتاج لا يعني بأية حال من الأحوال، التخفّف من التداعيات الخطيرة لترددات هذا الانفجار التي ستبقى مع السوريين، مع الأسف، لسنوات قادمة، والتي ستعتمد عند الانتهاء منها، على شكل إسقاط النظام، وطبيعة الحل، والمداخلات الدولية والإقليمية الفاعلة في المشهد السوري.
وفي الواقع لا يمكن احتساب الهزائم العسكرية التي مني بها النظام مؤخرا على امتداد الأرض السورية، لاسيما في إدلب وجسر الشغور، ودرعا وبصرى الشام وبصرى الحرير بالقرب من الحدود الأردنية، إلا في هذا الإطار، لاسيما مع توقع أن يمتد ذلك إلى حلب وربما حماه. هذا يظهر أيضاً على الصعيد المجتمعي، مع التململ المتزايد في البيئات الشعبية المتعاطفة مع النظام، خاصة في حمص والساحل، سيما مع تزايد الأخبار عن التهرب من الالتحاق بوحدات النظام العسكرية، وحتى حصول اشتباكات مع وحداته، ما يفيد بتنامي الشعور بالخوف من تبعات الارتباط بهذا النظام. وعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن ملاحظة ذلك في الانخفاض المريع في قيمة الليرة السورية، واستنفاذ النظام لموارده، وحتى للمساعدات الخارجية التي كانت تغدق عليه من حلفائه، بعد أن باتت بمثابة عبء عليهم، ولا يخفى في هذا الإطار أن هذا حصل بسبب تقلص قدرة حلفاء النظام، خاصة روسيا وإيران، على مد يد العون له، بعد أن باتتا تدركان الكلفة السياسية والمادية والعسكرية الكبيرة، التي باتت تترتب على محاولاتهما إنقاذ النظام.
في هذا السياق نلاحظ أن هاجس نظام إيران أصبح يتركز على إيجاد توافقات مع الغرب، ولاسيما مع الولايات المتحدة، للانتهاء من مشكلة الملف النووي، وهو ما يتجلى في الجهود المضنية التي يبذلها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مع نظرائه الغربيين، بسبب التبعات السياسية والمادية لهذا الملف. كما يمكننا ملاحظة نوع من لهجة عسكرية هادئة لدى القادة العسكريين الإيرانيين، محل اللهجة “العنترية” التي كانت سائدة سابقا، ومثال ذلك إعلان قائد البحرية في الجيش الإيراني حبيب الله سياري أن السفن الحربية لبلاده “لن تدخل المياه الإقليمية لدول أخرى”.
مع ذلك فإن العلامة الأكبر لانكفاء حلفاء النظام السوري جرت مع انطلاق “عاصفة الحزم”، التي وضعت حداً لتمدد الحوثيين في اليمن، والتي بيّنت حدود قدرات إيران، وكشفت الأوهام عند دهاقنة النظام الإيراني.
ولعل هذه التطورات، الناجمة عن الانتصارات العسكرية للمعارضة السورية، وعن تداعيات “عاصفة الحزم”، وانكفاء حلفاء النظام، هي التي عززت موقف الإدارة الأميركية، التي أعادت الاعتبار لمواقفها المتعاطفة مع ثورة السوريين، والتي تتأسس على نزع شرعية نظام الأسد، على ما ظهر في استقبال جون كيري، وزير الخارجية الأميركي لرئيس الائتلاف الوطني السوري خالد خوجا في واشنطن. في هذا اللقاء بدت تصريحات كيري حاسمة بشأن أن الأسد “فقد كل شرعية ليكون جزءاً من مستقبل سوريا”. وبتشديده على “التزام الولايات المتحدة بالمساعدة على إحداث انتقال سياسي يقوم على أساس بيان جنيف ويفضي إلى تشكيل حكومة تمثيلية ومستقبل من الحرية والكرامة والأمن لجميع السوريين”.
لا ريب أن هذه التطورات تحصل على خلفية انكماش تنظيم “داعش”، إلى العراق، وتراجع دوره في سوريا، وعلى خلفية توحد الفصائل العسكرية للمعارضة السورية والتوافقات السياسية الإقليمية، وارتدادات الموقف العربي ضد السياسات الإيرانية، على ما ظهر في “عاصفة الحزم” في اليمن.
هل يقترب الانفجار السوري من نهاياته وهل اقتربت لحظة الخلاص من النظام؟ هذا ما ستجيب عنه الأشهر أو الأسابيع القادمة.
٤ مايو ٢٠١٥
بعد أقل من 48 ساعة من مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بوقف فوري للهجمات على مخيم اليرموك، عاود النظام في سورية قصف المخيم مستخدماً مختلف أنواع الأسلحة، مما تسبب بسقوط عدد من القتلى والجرحى المدنيين، رغم ادعاء النظام في سوريا وحلفائه من الفصائل الفلسطينية أن المخيم أضحى خالياً من قاطنيه.
قوات النظام السوري تقصف بمختلف أنواع الأسلحة مخيم اليرموك؛ منها البراميل المتفجرة وصواريخ الفيل شديدة الانفجار وقذائف الهاون من العيار الثقيل، وتتبع سياسة الأرض المحروقة، في ظل تردي الأوضاع الإنسانية، مما ينذر بكارثة كبرى لـ 13 ألف مدني ما يزالون محاصرين داخل اليرموك.
حتى الآن تم إحصاء نحو ثمانية براميل متفجرة وخمسة صواريخ أرض أرض، إضافة إلى عشرات القذائف، خلال 24 ساعة في حين يتواصل القصف الكثيف من دون توقف. وتشير مصادر مطلعة أن النظام استنفر ميليشيات ما يسمى «قوات الدفاع الوطني» على الجبهة الجنوبية على خط التضامن مخيم اليرموك، وقد تم إبلاغ العناصر أن ينتظروا ساعة الصفر، وأن هناك قراراً باقتحام المنطقتين.
تأتي هذه الضربات بعد أقل من 24 ساعة على دعوة بان كي، في بيان له، الحكومة السورية لوقف أي عملية عسكرية، بشكل فوري، من شأنها تعريض المدنيين للخطر في مخيم اليرموك، كما يجب عليها الالتزام بواجباتها حيال حماية المدنيين في منطقة القتال كما تقتضي قواعد القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.
والحال أن هناك تخبطاً في القرارات جنوب دمشق، مما أثار الرعب بين أهالي المخيم، كتعليق يافطة على حاجز ببيلا باتجاه المخيم الأسبوع الماضي، يعطي الأهالي 48 ساعة لإخلاء المخيم، وأنه بعد انتهاء المدة سيمنع دخول أو خروج أي شخص، قبل أن يسحب الإنذار مساء اليوم ذاته، وسط استمرار المضايقات والتفتيش الدقيق للداخلين والخارجين في المخيم.
لم يعد هناك وجود لما يسمى تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) داخل المخيم، ومن يقول إن التضييق على إدخال المواد الطبية والغذائية إلى المخيم كي لا تصل إلى الإرهابيين التكفيريين هو شريك النظام في قتل أهالي المخيم، وهدفه الحقيقي مكاسب إعلامية ومادية على أنه مستضيف لأهل المخيم.
ويؤكد الناشطون من قلب مخيم اليرموك أن لا معارك حقيقية تجري مع «داعش»، وكل ما يسوق له هي أخبار بعيدة عن الواقع، ففي وقت يقول البعض إنهم قتلوا أكثر من 50 داعشياً، فإن مجموع قتلى التنظيم منذ دخولهم إلى المخيم حتى اليوم بحدود 20 مقاتلاً على الأكثر.
الفصائل المسيطرة على المخيم اليوم هي جبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية، إضافة إلى فصائل فلسطينية صغيرة كـ(الكراعين والزعاطيط)، وهي تكنى بأسماء عائلات أو مناطق وترابط بوجه النظام، في حين تنأى بنفسها عن الصراع الداخلي، حيث تحدث بعض المناوشات وعمليات القنص المتبادلة مع فصائل غرفة نصرة أهل المخيم، في وقت استطاع النظام أن يحقق تقدماً في عدة أبنية باتجاه ساحة الريجة.
دخول «داعش» الشهر الماضي أعاد قضية مخيم اليرموك من جديد إلى المنصات الإعلامية وأصبح حديث العديد من الساسة والمنظمات الإنسانية والحقوقية، حتى مجلس الأمن تحدث عن المخيم وأعرب عن قلقه، ودعا إلى إدخال المساعدات الإنسانية.
وبينما يدعي النظام خلو المخيم من سكانه وأن عملياته العسكرية تستهدف المسلحين ومقاتلي المعارضة، يؤكد الناشطون من قلب مخيم اليرموك أنه يوجد في المخيم أكثر من 13 ألف مدني بينهم ثلاثة آلاف طفل، يعانون من وضع مزر، بسبب الحصار منذ نحو عامين ونصف، والذي أودى بحياة 2000 شهيد.
وبينما يستعد النظام وحلفاؤه من ميليشيات طائفية وعنصرية لاقتحام المخيم والتنكيل بأهله كما فعل في مناطق أخرى من سوريا، تقف منظمة التحرير الفلسطينية عاجزة عن التدخل أو التحرك لإنقاذ المخيم من مصير المخيمات الفلسطينية الأخرى في سوريا، بعد أن رفض نظام دمشق استقبال وفد المنظمة بحجة عدم ترؤس المجدلاني لذلك الوفد، فهل بات القرار الفلسطيني والمصلحة الوطنية منوطة بوجود أشخاص بعينهم لقبول التفاوض على مصير آلاف المدنيين العزل في مخيم محاصر منذ أكثر من عامين ونصف العام لم يتبق من سكانه الذين كانوا يعدون بمئات الآلاف سوى بضعة آلاف صامدين في بيوتهم وأزقة مخيمهم؟ وهل يوكل أمر من تبقى من فلسطينيي سوريا إلى نظام الأسد ليفعل بهم كما فعل بشعبه، فهل سيكون أكثر رحمة بهم من شعبه الذين تجاوز عدد شهدائهم نحو 300 الف سوري خلال أعوام الثورة السورية الأربع؟
٣ مايو ٢٠١٥
بعد تحقيق المعارضة السورية المسلحة لانتصارات عسكرية جديرة بالاهتمام، بعضها استراتيجي، عاد الحديث من جديد عن إمكانية تحقيق المعارضة السورية المسلحة لنصر على النظام، وراحت هذه المعارضة تبث التفاؤل إلى أبعد من الحد المتوقع، وتؤكد على أن النظام بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، وأعتقد أن حماسها هذا ينبغي أن يُلجم حتى لا تبيع الثوار الوهم مرة ثانية وتُضيّع انتصاراتهم الهامة.
في درعا وريفها، وإدلب وحلب وريفهما، وفي مناطق أخرى من سوريا، حققت المعارضة المسلحة انتصارات على جيش النظام وميليشياته، السورية منها والمتعددة الجنسيات، وتراجعت قوات النظام عن مواقع كثيرة كانت تسيطر عليها وتكبّدت خسائر، وامتلأت وسائل الإعلام المناوئة للنظام من خلال ما صرح به مسؤولو المعارضة السورية وكشفته توقعاتهم عن قرب سقوط النظام وانهياره، وعن انقلابات داخلية وانقسامات تنهش جسم النظام، وتسريبات عن تراجع طائفة النظام عن دعمه، وتحليلات عن قرب معركة الحسم في دمشق.
كل ذلك الصخب الإعلامي قد يكون صحيحا في ظروف أيّ ثورة تحاول تغيير قيادة سياسية تحكم البلد، لكنه ليس صحيحا في ظروف الأزمة السورية، فهي أزمة أكثر تعقيدا مما يمكن توقعه، يتداخل فيها السياسي بالطائفي، والمحلي بالإقليمي والدولي، وتحكمها ثلاث عُقد عمل النظام السوري على تشبيكها منذ عقود.
العقدة الأولى تتعلق بالنظام نفسه، فهو قد سخّر موارد وإمكانيات الدولة بكاملها لخدمة بقائه، واستخدم الجيش والأجهزة الأمنية والوزارات والمؤسسات والمدارس والمشافي والمطارات، ووضع يده على مليارات خزينة الدولة وعلى كل الطاقات الاقتصادية لسوريا في خدمة بقائه، وهو لهذا مازال يمتلك موارد لا يستهان بها، وعليه يمكن أن يستمر بالقتال حتى لو جاع كل السوريين وعاشوا بؤسا وظلما لا ينتهي.
العقدة الثانية طائفية بمعناها المصلحي، فالنظام استخدم الجيش والأمن اللذين يُقدّر عددهما قبل الأزمة بنحو 700 ألف، عمل جاهدا خلال عقود لتكون الغالبية الساحقة من قادتهما من طائفته، ومهما انشق منهم أو قُتل فالبقية كُثر، وهو لم يكتف بهؤلاء، بل جيّش جزءا كبيرا من الأقليات الدينية والطائفية لخدمة كرسيه بالإيحاء لهم أن مصيرهم مرتبط بمصيره، وفتح الباب ليتطوع عشرات الألوف من الميليشيات والشبيحة وسلحهم للدفاع عن النظام، كذلك ربط مصير جيش من الفاسدين بمصيره، فاسدون من كل الطوائف استفادوا منه طوال عقود وباتوا جزءا من تركيبته، وليس لدى النظام السوري أيّ مانع أخلاقي أن يرسلهم جميعا للمحرقة إن وُضع بالزاوية.
أما العقدة الثالثة فهي دولية، حيث باع النظام السوري قراراته بالكامل لإيران من أجل أن تدعمه، قراراته العسكرية والسياسية والاقتصادية، وبما أن إيران غير مهتمة إن دُمرت سوريا أم لم تُدمّر، فإنها ستدفع النظام لمواصلة حربه حتى آخر شبر يمكن أن يبقى فيه، وحتى آخر قطعة سلاح يمكن أن تقدمها له.
من واقع هذه العُقد، واضح أن النظام السوري لن ينتهي إلا بانتهاء موارد الدولة، وهذا يعني انهيار سوريا قبل انهياره، أو بفك ارتباطه كليا بإيران، وهذا يعني انهيار مشروع إيران الفارسي القومي الذي يأخذ غطاء طائفيا، أو إقناع الدول الداعمة للمعارضة بأن تفتح مستودعات السلاح للمعارضة السورية، وهذا يعني وجود بديل مقبول ترضى عنه.
المفارقة بالأمر، أن مقاتلي المعارضة الذين حققوا الانتصارات لم يتباهوا ولم يبيعوا السوريين الوهم بانتصار نهائي قريب، بل حذّروا بأن عملهم يجري خطوة خطوة، وهو عملية كرّ وفرّ، وأن أمامهم وقتا طويلا لتحقيق النصر الناجز، بينما المعارضة السياسية التي لم يكن لها أيّ علاقة بالانتصار العسكري ولا تملك أيّ تأثير في الميدان، هي التي راحت تعد السوريين بسقوط النظام خلال أيام وبفقدانه السيطرة وبدء انهياره، وتُضخّم قوة المقاتلين الذين يعيشون ظروف حرب شبيهة بقسوة الحرب العالمية الأولى ويناشدون كل من يقدر أن يمدهم بالسلاح والذخيرة.
لا شك أن السوريين اعتادوا على هذه المعارضة، أو ما يطلقون عليها “معارضة الفنادق”، فهم يذكرون تماما كيف كان معارضون مخضرمون بارزون كُثر يظهرون على شاشات الفضائيات في مراحل مبكرة من الثورة، ويوهمون السوريين بأنهم على قرب من أصحاب القرار الدوليين وأنهم ضمنوا بدء التدخل الخارجي خلال أيام، ووعدوا الثوار بوصول السلاح الفتاك خلال أسابيع ودون حساب، وأعلنوا أن مصادرهم من داخل النظام تؤكد بدء انهياره، وغير ذلك من الوعود والتوقعات الخلّبيّة، وهو ما أثّر سلبا على الثوار، وزاد الانخراط بالعمل المسلّح باعتباره مهمة مؤقتة قصيرة يسقط بعدها النظام، وهذا أدى إلى سقوط الكثير من الضحايا المتحمسين للحل العسكري.
الواقع الميداني على الأرض لا يشير إلى وصول أيّ أسلحة نوعية إلى ثوار جنوب سوريا، ولا دخلها “آلاف المقاتلين” الذين قِيل إن الأميركيين دربوهم طوال أشهر، ولا من أيّ مؤشر على بدء انسحاب النظام من دمشق نحو الساحل، والشيء الوحيد الحقيقي على الأرض أن النظام السوري استغلّ هذه التحليلات والتسريبات الإعلامية ليشن غارات جوية قاسية ومدمرة على قرى وبلدات حررها الثوار وقصفها طوال الأسبوع الماضي بالمدافع والطيران بشكل عنيف ومتواصل، وكأن شيئا لم يحدث.
التردد والتأخر الدولي، الغربي والعربي، في دعم المعارضة السورية بالسلاح النوعي لا يعني أن النظام السوري في موقف القوي أو أنه مسيطر على سوريا، فالرئيس الأسد مازال على رأس السلطة فقط بفضل مساعدة حلفائه مثل إيران التي تشرف على عشرات الآلاف من مقاتلي ميليشيات حزب الله اللبنانية والميليشيات الشيعية العراقية والإيرانية والأفغانية، فضلا عن استمرار روسيا بتزويده بالأسلحة والفيتو السياسي، ومع كل هذا الدعم فإنه لا يمكن له أن يحسم عسكريا، فهذا حلم بعيد المنال لأن إرادة الشعب تناقض هذه الرغبة.
عمليا، يقاتل ثوار سوريا على جبهتين، جبهة النظام وجبهة المسلحين المتطرفين والتنظيمات الإرهابية، ويحتاجون إلى مساعدة عسكرية جدّية لقلب موازين القوى بشكل حاسم لمصلحتهم، لإرساء مرحلة انتقالية إلى الديمقراطية، وهو أمر صعب التحقق إلا إذا لاحت في الأفق مساعدات عسكرية نوعية وهو أمر مازال يحتاج إلى زمن، أو أن يتعرض النظام إلى عملية انقلاب من داخله تشرّع أبواب انتقال السلطة وهو طريقة أسرع، وإذا لم يحدث هذا أو ذاك فإن الحرب ستستمر ربما لسنوات.
الممكن الآخر، هو أن يستفيد الثوار والمعارضة السياسية من الانتصارات العسكرية للمعارضة والنظر إليها كمكسب تكتيكي، يجب دعمه وزيادته لتطويق النظام وإضعافه، وحصاره سياسيا وعسكريا، وإرغامه في مرحلة ما للقبول صاغرا بالحل السياسي، أو بالمعنى الأدق القبول ببيان جنيف، الذي ستُشكل من خلاله حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات تدير شؤون البلد وتنقلها تدريجيا إلى بلد تعددي تداولي، وتُنهي النظام بصورته الحالية، أفرادا وجماعات، دون أن يُتاح لهذا النظام الفرصة لاستكمال تدمير سوريا.
بيع الوهم أمر سهل، وهو لا يحتاج إلا إلى منبر إعلامي حتى لو كان متواضعا، وعلى المعارضة السورية أن تضع نصب أعينها مآسي ملايين السوريين المساكين بعيدا عن امتيازاتها ومصالحها الشخصية وأحلامها هي الأخرى، وتقف مرة واحدة موقف رجال دولة، وتتحدث عن الواقع دون وهم، وتُخبر السوريين أنه مازال أمامهم وقت عصيب يجب أن يحتملوه، وأن النظام ليس على حافة الانهيار، وسيستمر بقتل المدنيين بالمئات يوميا بالطيران الحربي والبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والصواريخ، وسيواصل تجويعه للسوريين بالحصار، وأن أحدا غيرهم لن يحك جلدهم، وعليهم الصبر حتى يحققوا حلمهم بالكرامة والحرية.