١٣ مايو ٢٠١٥
كان "حزب الله"، بذهابه الى القتال في سوريا، استعدى الشعب السوري، واستدعى انتقاماتٍ منه ومن لبنان واللبنانيين، رغم أنه غير معني بلبنان إلا بمقدار ما يشكّل له الساحة التي استطاع مصادرتها لممارسة وظيفته الايرانية. ليس مهماً أن يسمّي الجماعات المسلحة الناشطة على الحدود "ارهابيين" أو "تكفيريين"، فهو لم يعد مؤهلاً للمحاضرة في العفّة، اذ كان "مقاومة" محترمة ومقدّسة وأصبح شيئاً آخر، ويكفي أنه قاتلَ وقتلَ سوريين يقاومون بطش حاكم مستبد.
ها هو الذهاب الى القلمون يثير حماسة الحزب، "الباحث عن انتصار"، كما بات يقال. هذه حربه الثانية في القلمون، ومعروفٌ سلفاً أنها حربٌ لا انتصار فيها. بالكاد يمكن طرد المسلحين، أو إبعادهم، وإجبارهم على الانكفاء، تأميناً لظهر نظام الاسد في دمشق، وتأميناً لاستمرار تدفق الأسلحة عبر سوريا. فهذا شريان الحياة، ومن دونه لا حياة للحزب، ومن أجله وبسببه يمعن في العسكرة حتى للمراهقين والأطفال. بعد المرّة الأولى اقترب المسلحون وصاروا على الحدود، من يدري ماذا سيحصل بعد الثانية؟ يؤمل بأن لا نراهم داخل الحدود.
كالعادة، يذهب "حزب الله" الى هذه الحرب بمنطق ميليشيوي خالص، من دون أي اعتبار للعواقب والتداعيات.لا يبالي بقلق اللبنانيين على العسكريين المحتجزين لدى "جبهة النصرة" في جرود القلمون، فيضع مصيرهم في مهب الريح. من الواضح أن سلامتهم ليست بين هواجسه، وهي بالطبع لا تهم النظام السوري. في أي حال، ظُلم هؤلاء العسكريون منذ بداية احتجازهم والتخبط المتواصل في مساعي تأمين اطلاقهم أو مبادلتهم.
لكن هذه الحرب وغيرها لم تعد مفيدة، حتى في نظر ايران، لتأمين بقاء النظام، لأن بقاءه لم يعد كافياً لضمان مصالح طهران. أصبحت "مرحلة ما بعد الاسد" حديث الساعة في كل مكان، مع اقتراب التوصل الى اتفاق نووي. لذلك لم تحرك ايران ساكناً للرد على خسائر النظام، شمالاً وجنوباً، ولم تأمر "حزب الله" بالذهاب الى ادلب وجسر الشغور، أو الى حلب وحمص ودرعا. القلمون استثناء، نظراً الى حساسيتها، بقربها من دمشق، أو بازدياد الخطر على الحدود.
ليس مؤكداً، بل من المستبعد، أن يكون "حزب الله" مدركاً فداحة خسارته فرصة أن يكون مكوّناً طبيعياً، ومساهماً أساسياً في استقرار البلد، وفي توطيد التعايش بين فئاته. فما أضحى "طبيعياً" الآن هو أن يشابه مصير الحزب مصير الديكتاتور الذي يسفح دماء أبنائه دفاعاً عنه. وهذا ليس تمنياً حاقداً ولا مهاترة جدلية. إنه استقراء للتوقعات والوقائع. لا يمكن مسيرة بهذا الكمّ من الأخطاء والمخاتلات والتهوّرات إلا أن تفقد معايير الصواب وتضلّ طريق العودة اليه.
١٢ مايو ٢٠١٥
لا تكمن مشكلة الثورة السورية في تشرذم قوى المعارضة، السياسية والعسكرية، ولا في ضعف الإمكانيات والموارد الذاتية، ولا في غياب الدعم العربي والدولي المناسب لها في مواجهة جبروت النظام، فهي فوق كل ذلك تعاني، أيضا، من الاضطراب في تعريفها لذاتها، وفي توضيح مقاصدها.
عندما اندلعت هذه الثورة محمولة على مظاهرات الشباب، الذين كسروا الصورة النمطية عن السوري الخائف والخانع والمدجن، كان معناها غاية في الوضوح، يتمثل في الانتهاء من الفكرة المشينة عن “سوريا الأسد إلى الأبد”، واستعادة سوريا لكل السوريين، ما يضع البلد على عتبة التحول نحو دولة ديمقراطية.
بيد أن الرياح لا تجري كما تشتهي السفن، إذ أن تغول النظام ووحشيته في مواجهة السوريين، وفي قتل روح الثورة والتمرد عندهم وتشريده معظمهم، أديا إلى استنقاع الوضع السوري، ما نجم عنه الارتهان لقوى خارجية فرضت أجنداتها وأولوياتها على جماعات المعارضة السياسية والعسكرية. المهم أن كل ذلك، وضمنه ظهور جماعات محسوبة على “القاعدة”، ثم تنظيم “داعش”، أدى إلى أخذ هذه الثورة إلى غير المقاصد التي نشأت عليها. هذا لا يتعلق فقط بالدعوة إلى إقامة نظام “الخلافة”، على نحو ما تدعو إليه بعض الجماعات المحسوبة على الإسلام السياسي، فثمة جماعات أخرى ترى في الديمقراطية، وليس في العلمانية فقط، مجرد هرطقة. بمعنى أن هذه القوى لا تتحرك فقط من منطلق أيديولوجي أعمى أو جاهل، يرى العلمانية إلحادا، وإنما تنطلق أيضا، من موقف سياسي عدمي، في موقفها المعادي للديمقراطية، يروم تأبيد الاستبداد باستبدال نظام الأسد بنظام استبدادي آخر يتغطى بالدين، ما يضيع تضحيات السوريين التي بذلوها طوال الأعوام الماضية.
الآن، تستعد المعارضة السورية، السياسية والعسكرية والمدنية، لعقد اجتماع لمختلف تكويناتها في الرياض، المفترض به توحيد فصائلها وترتيب أوضاعها وتوضيح خطاباتها، وضمنه توجيه تطمينات للسوريين بمختلف أطيافهم، بشأن طبيعة سوريا المستقبل، النقيضة لسوريا الأسد، أو البديلة لنظام الاستبداد والفساد والاضطهاد.
مناسبة هذا الكلام التسريبات الجارية عن اشتراط الجماعات العسكرية المحسوبة على الإسلام السياسي، كأحرار الشام وجيش الإسلام وصقور الشام، تغيير الخطاب السياسي للائتلاف الوطني السوري، سيما المتعلق بالدولة المدنية الديمقراطية باعتبارها ذاتها الدولة العلمانية. ذلك أن الرضوخ لمثل هذه الشروط يمثل انتكاسة للثورة وحرفا لها عن مقاصدها التي ضحّى من أجلها ملايين السوريين، ناهيك عن أن هذه الجماعات تحاول احتكار تفسير الإسلام بينما هي تتماثل مع داعش والنصرة، بحيث يبدو الخلاف مع هذين على السيطرة فقط، وفي الشكل، لا في المبادئ. هذه الجماعات، وهي على هذا النحو، ستأخذ سوريا نحو أمراء الحرب، وربما نحو حروب أهلية ودينية وطائفية مستمرة. هذا مع العلم أن حركة الإخوان المسلمين في سوريا، لا ترى ما يراه هؤلاء كما ظهر في وثيقة العهد والميثاق (آذار 2013) المتضمنة قيام دولة مدنية ديمقراطية في سوريا يتساوى فيها المواطنون دون تمييز ديني ولا طائفي ولا إثني، مع أنها لا تبدو جادة في التأكيد على هذه المواقف.
من حق الجماعات العسكرية في المعارضة، بغض النظر عن محمولاتها الأيديولوجية، التمثل في هيئات الثورة السورية، وأصلا هي التي تمنّعت عن ذلك، لكن ماذا عن تمثيل أكثر من 300 ألف شهيد ومئات الألوف من الجرحى وملايين المشردين من السوريين؟
الثورة بحاجة إلى هيئة قيادية تمثل مختلف مكونات الشعب وقوى الثورة بمختلف توجهاتها، لكن دون أن يكون ذلك لحساب طرف على طرف آخر، ودون الإضرار بمقاصد الثورة، التي اندلعت من أجل إنهاء الاستبداد ومن أجل حرية السوريين وإقامة دولة المواطنين الأحرار المتساوين.
١٢ مايو ٢٠١٥
ليست هناك عاصفة حزم سورية، ومن يتخيل ذلك هو واهم، فالأمريكان لا يوزعون على الأمم أوطانا، وليس من مصلحتهم إيقاف الحرب السورية، وإذا كنا نفهمهم يهتمون بمصالحهم اولا، فعلينا ان ندرك أن هناك نخبة واسعة من قادة المعارضة، هم جزء من تصدير حالة الوهم الحالية، فعلى الجميع أن يدرك، أن الحرب في سوريا مستمرة، والحديث عن تدخل عربي قادم هو محض خيال.
بالنسبة للأمريكان، هم لم ينتهوا من استنزاف القدرات العسكرية الايرانية، وهم أيضا، لم ينتهوا من تدمير مساحات محددة من سوريا، وهي تحديدا المنطقة الجنوبية، والمناطق المحاذية للجولان المحتل، ﻷن المطلوب أن يقف الجندي اﻹسرائيلي بجانب الجولان ولا يرى في الجهة المقابلة سوى أكوام من الركام، أما المدن التي يخسرها جيش النظام مثل إدلب وجسر الشغور فالمسألة سهلة، فطائرات النظام هي التي ستقوم بتدميرها بالبراميل العشوائية، وهكذا نختصر المسألة بدوام الحرب ولكن هناك تغييرا في أولوياتها. ليس مهما في المسألة السورية ماذا تعني التبدلات على اﻷرض بالنسبة لعموم اﻷطراف التي تقاتل، وإنما ماذا تعني هذه التبدلات بالنسبة للأمريكان وإسرائيل وشركائهم من اﻷوروبيين الذين يفرضون معادلة الحرب من الخارج.
فإذا كان المطلوب استمرار النظام لأجل استمرار الحرب، فلا يهم اﻷمر في إعادة تموضع القوات على اﻷرض، فانسحاب الإيرانيين من إدلب وبقية مدن الشمال، له ترجمة مختلفة، فهو يعني أن الايرانيين بانتشارهم في جنوب دمشق وحتى درعا، هم هنا بالفعل يساعدون في اطالة عمر النظام، وليس في معادلة تحقيق النصر، وبهذا المنطق، لا تصبح مدن الشمال مهمة للإيرانيين، واﻷمر ذاته للنظام، الذي لم تعد الجغرافيا تعنيه شيئا بمقدار ما يهمه أن يبقى، حتى لو كانت هذه الدولة مجرد كرسي أسفل شجرة.
القوات العربية التي يحتمل تدخلها لن تكون ضد النظام، وهي قوات مرشح لأن ترتدي القبعات الزرقاء، وهذا ليس الان، وانما عندما تصبح قوات النظام أمام مواجهة صعبة في اللاذقية، وهنا طبعا سيتدخل العرب اصحاب القبعات الزرقاء تحت ذريعة حماية الاقليات، وليس اسقاط النظام، وبهذه المعادلة ستكون كل سنوات الحرب السورية الماضية هي مجرد المرحلة الاولى من الحرب فقط.
اشكالية الشعب السوري ان المعارضة السياسية غبية بما يكفي، وهي تفرص معادلاتها السياسية على القوى الميدانية، ولأن المعارضة السورية السياسية غير جاهزة سوى لاستماع نصائح الامريكان، فهم سينقلون شعبهم من كارثة الى كارثة. هذه المعارضات هي كاﻷنظمة، لا تسمع ولا تريد ذلك.
١٢ مايو ٢٠١٥
فعلها وليد جنبلاط. كعادته فاجأ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبنانيين، مخالفاً التوقعات التي تريده متقلباً ومهادناً. وراح، ببرودة أعصاب وتصميم لافتين، يكشف الحقائق، ويسمي الأمور بأسمائها، في إدلائه بشهادته في لاهاي أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، حول جريمة اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق، رفيق الحريري.
جنبلاط ملم بوقائع ومعطيات كثيرة، وعليم بخفايا الأمور التي أحاطت بتلك المرحلة التي حملت بشار الأسد إلى السلطة في سورية خلفا لوالده حافظ الأسد، وتحديدا بين سنتي 2000 و2005، والتي كان خلالها جنبلاط على تقارب وتنسيق تام مع الحريري. وكان أيضا الشريك، لا بل المبادر منذ عام 2000 إلى خوض معركة التصدي لنظام الهيمنة السورية على لبنان، بالتنسيق مع "لقاء قرنة شهوان" المسيحي، وبمباركة ضمنية من الحريري نفسه، مطالبين بخروج الجيش السوري من لبنان بعد وصاية، قال عنها جنبلاط بالأمس مصححاً إنها كانت احتلالا، ودامت نحو ثلاثين سنة.
إلى لاهاي، رافق جنبلاط نجله تيمور الذي بدأ يحضّره لوراثته السياسية، وزوجته نورا، واثنان من أركانه، هما الوزير الحالي والمقرب جدا منه، وائل أبو فاعور، والوزير السابق، غازي العريضي. على مدى أربعة أيام، تكلم جنبلاط ورد على أسئلة المدعي العام بأجوبة واضحة ومباشرة ومختصرة، متحاشيا الدخول في أفخاخ التفاصيل. بدا كأنه أعد شهادته بإتقان، مستفيداً، على الأرجح، من المناخ السياسي الملائم، والناتج عن مجموعة عوامل وتطورات إقليمية، بدءاً من "عاصمة الحزم" في اليمن، وانتهاء بسورية التي مني جيشها بأكثر من هزيمة، وخسر أكثر من محافظة أخيراً.
وكان من المفترض أن يتوجه جنبلاط إلى الإدلاء بشهادته، قبل نحو شهرين، بالتزامن مع شهادة رئيس الحكومة السابق ورفيق درب الحريري، فؤاد السنيورة، إلا أنه طلب تأجيلها الى الأسبوع الماضي. وكان تصويبه واضحاً ومباشراً على النظام السوري، وبشار الأسد تحديداً، الذي اتهمه صراحة، وحمّله جريمة قتل الحريري. فقد بدأ من بعيد، من جريمة اغتيال والده كمال جنبلاط، التي حصلت في 16 مارس/آذار 1977، قبل 38 سنة، أي بعد أقل من سنة على التدخل العسكري لجيش حافظ الأسد في لبنان، فقد استرجع جنبلاط اللقاء العاصف والأخير الذي جمع والده برئيس النظام السوري، قبل ثلاثة أشهر من اغتياله، وما قاله والده للأسد الأب في ذلك اللقاء من أنه يرفض أن "يدخل السجن الكبير". وهو لقاء يشبه إلى حد بعيد اللقاء الأخير الذي جمع الحريري بالأسد، في 26 أغسطس/آب 2004.
أكد الزعيم الدرزي أن النظام السوري هو من ارتكب الجريمة، مقدماً وقائع وشواهد ومعلومات عن التحقيق وعن المنفذين الذي التجأوا يومها إلى سورية. وقد مُنع القاضي المكلف بملف الجريمة إصدار مطالعته وحكمه. وتكلم جنبلاط عن اغتيال شخصيات لبنانية أخرى طوال سنوات الوصاية السورية، مؤكدا أن القاتل واحد، من جنبلاط الأب الى الحريري.
وكانت المواجهة الأصعب مع محامي الدفاع الذين أظهر بعضهم صلافة غير معهودة، في طريقة طرح الأسئلة، والسعي إلى تركيب نوع من "معادلة حسابية"، تجعل من خطابات جنبلاط محرضاً على القتل، إلا أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لم ينجر إلى هكذا استفزاز، وحافظ على برودة أعصابه، متسلحاً بـ "الاتهام السياسي" الذي هو حصيلة إمساك النظام السوري بمفاصل القرار السياسي والأمني، عبر أجهزة المخابرات السورية واللبنانية، والتعبئة والتحريض الذي كان يمارسه رأس هذا النظام وأدواته، ضد الحريري وعدد من السياسيين اللبنانيين.
لا يملك جنبلاط، بطبيعة الحال، تقديم حيثيات ووقائع عن الجريمة، وليست لديه معرفة بهوية المنفذين. لذلك، كان يكرر تأكيده أن اغتيال الحريري جريمة سياسية، كما صنفتها المحكمة الدولية نفسها. وقد استعان، أيضاً، للإجابة على أسئلة الدفاع بمسلسل "الوفيات الغامضة والمفاجئة" التي طاولت مجموعة من الضباط السوريين الكبار، كان آخرهم اللواء رستم غزالي الذي كان حاكم لبنان الفعلي في السنوات الأخيرة، وعشية اغتيال الحريري حتى انسحاب الجيش السوري في 26 إبريل/نيسان 2005. وأكد جنبلاط أنها "تصفيات سياسية"، استهدفت تحديدا الضباط الذين خدموا في لبنان، أو كانوا على علاقة بالملف اللبناني، والذين يتلقون أوامرهم من بشار الأسد، من أجل طمس معالم الجريمة وأدواتها والمتورطين فيها.
"حافظ جنبلاط على برودة أعصابه، متسلحاً بـ "الاتهام السياسي" الذي هو حصيلة إمساك النظام السوري بمفاصل القرار السياسي والأمني"
اختار جنبلاط تحويل شهادته إلى محاكمة للنظام السوري، ساعياً إلى تحييد، ما أمكن، الحليف اللبناني للنظام المذكور، حزب الله، المتهم خمسة من كوادره بتنفيذ جريمة الاغتيال. وهذا ما دأب عليه منذ 7 مايو/أيار 2008، وبعد مغادرته تحالف قوى 14 آذار في صيف 2009، إلا أنه لم يخف حنينه إلى انتفاضة 14 آذار 2005، وإلى ما تبعها من محطات، لم يتردد في وصفها أكثر من مرة، ردا على أسئلة أحد محامي الدفاع، بـ "الأوقات الجميلة".
وصف جنبلاط الأسد مرات بأنه "السخيف" و"المستشرق"، راوياً أنه راح يسأله في أول لقاء جمعهما عن الدروز وأماكن وجودهم، وعن وضع المسيحيين... كما أن سهامه المتكررة باتجاه الرئيس الأسبق، إميل لحود، ما هي إلا تأكيد على إحكام قبضة النظام السوري من خلاله على الشؤون اللبنانية الداخلية.
وإذا كان جنبلاط يعتبر أنه كان مضطراً للتعاون مع النظام السوري، وخصوصاً في عهد الأسد الأب، فلا شك في أن هذا النظام الذي وصفه بالشمولي، والأكثر ديكتاتورية في المنطقة، قد شكل عنده نوعاً من "عقدة أصلية" لازمته منذ دخوله شاباً (27 سنة) المعترك السياسي، يوم اضطر عام 1977 أن يرتدي عباءة زعامة والده السياسية والدرزية. فهو يتعايش مع هذه "العقدة" منذ 38 سنة، ويتعاطى طوال الفترة نفسها مع من يعرف أنه أمر بقتل والده. وقد توترت العلاقة مع مجيء بشار إلى السلطة. وهذه "العقدة" هي التي جعلت منه، على الأرجح، "حيواناً سياسياً" بامتياز، وهذا ما دفعه، أخيراً، إلى القول إنه "يجلس على ضفاف النهر بانتظار أن تعبر جثة عدوه".
فهل بات مقتنعاً بأن عبورها أصبح قريبا؟
١٢ مايو ٢٠١٥
أدت التطورات المتلاحقة في سورية إلى نشوء تحولات جديدة في ديناميكية الصراع، ناتجة عن تغير المعادلات الميدانية بشكل واضح، وهو ما أوجد واقعا جديدا للموضوع السوري، بالنسبة لأطراف الصراع والقوى الداعمة لها، وخصوصاً تلك التي استثمرت فيه بكثافة على مدار سنوات الأزمة، وصاغت رهاناتها عليه، ملفاً أساسياً لتعزيز مواقعها الإقليمية والدولية.
روسيا وإيران، شركاء نظام الأسد الأساسيان في إدارة الصراع في سورية وعليها، هما الآن في وضع مربك. الأوضاع الجديدة لا تتناسب مع تصوراتهما لمآلات الأزمة، حيث تشكل التطورات الحاصلة هناك خسارة وازنة في صراع يعتبر بالنسبة لهما صفرياً، ولا يملكان هامش مناورة واسعاً حياله، لارتباطه بدرجة كبيرة بمشاريعهما الإستراتيجية في المنطقة، ونظرتهما له على أنه صراع جيوإستراتيجي في المقام الأول.
دقة الموقف وحساسيته تتمثل، بدرجة كبيرة، ليس بعدم قدرتهما على تقديم الدعم اللازم لعكس الهجوم على حليفهما، وتغيير المعادلة لصالحه، فعلى الرغم من ظروف البلدين الاقتصادية الصعبة، إلا أن إنفاقهما في سورية طالما جرى اعتباره إنفاق ضرورة واستثماراً استراتيجياً. وبالتالي، خروجه من منطق حسابات الربح والخسارة. تأتي المشكلة في جانب آخر، هو تحطم البنية التي يمكنها أن تستوعب المساعدات، وتوطنها في الجسد المتهرئ، إما بسبب دمار الجزء الأكبر من البنية التحتية للدفاع والأمن أو لانحسار المدى الجغرافي الذي باتت تسيطر عليه قوات الأسد، وهذا الواقع يحوّلها إلى قوة دفاعية صرفة، ضمن نطاقات معينة، وخصوصاً مع تزايد خساراتها المزايا الإستراتيجية المتمثلة في السيطرة على التلال وطرق الإمداد اللوجستي والمعابر الحدودية، وما يستتبع ذلك من حاجتها لأنماط معينة من الأسلحة والدعم، وعدم حاجتها لأنواع أخرى، لعدم فعاليتها مع الأوضاع والتموضعات المستجدة، ولعلّ ما يزيد من حدة هذه الإشكالية حالة الصراع التي بدأت تظهر بوضوح بين مكونات النظام، وفي مستوياته المختلفة، الأمر الذي ينذر بحصول تصدعات في جسمه، ويقلص بدرجة كبيرة النواة الصلبة، ويحصرها ضمن أجهزة وشخصيات محددة.
"لدى روسيا ما تدعيه من حقوق استثمارية واتفاقات دولية تضمن لها امتيازات في الساحل السوري"
غير أن هذا الواقع، في حال تكرسه، يبقى مفتوحا على احتمالات تراجع المنظومة القتالية للأسد، أكثر من إمكانية استعادتها خسائرها. وبالتالي، يلغي أي احتمالية مستقبلية، لإمكانية عودتها قوة مسيطرة على سورية، الأمر الذي يؤهلها للتحدث كسلطة شرعية، ويجعلها بمقاس طموحات إيران وروسيا اللتين استثمرتا بحجم مشاريع كبيرة، وليس بمقاس مليشيا طائفية محصورة في مناطق محددة.
أمام هذا التغيير في ديناميكية الصراع، ولمحاولة تعطيل الديناميات المتولدة، ستجد دوائر القرار في موسكو وطهران نفسها محصورة ضمن مساحة ضئيلة من الخيارات المربكة:
الأول: أن تعيد الدولتان تقديراتهما وحساباتهما، وتقتنعا بأن سورية ساحة صراع ونفوذ لأطراف عديدة، بحكم موقعها الجغرافي وتداخلاتها الإثنية والدينية. وبالتالي، من العقلانية تشجيع مبادرات السلام والدعوة إلى إجراء حوار وطني، يحفظ حقوق جميع المكونات والأطراف، وتقتنعا أيضاً بأنه ليس بالإمكان أكثر مما كان، غير أن هذا الخيار تقف دونه معوقات كثيرة، منها أنه ليس لدى نظام الأسد تصور واضح للانخراط في عملية سلمية، كما أنه وإن كان يضمن تماسكا نسبيا في حالة الحرب التي أصبحت مصلحة لأطراف كثيرة فيها، فإنه قد يتعرض للتصدع في حال تحوّله إلى السلم، من جهة أخرى فإن إيران أكثر الأطراف تأثيرا في النظام، لا يبدو أنها في وارد التراجع في الساحة السورية في ظل انخراطها في صراع إقليمي علني وبعد الضربة التي تلقتها في اليمن وعدم ضمانها لبديل يضمن مصالحها في سورية التي لم تعد تقتصر على الموقع الاستراتيجي بل تعدته إلى استثمارات تجارية في العقارات والأملاك العامة، ثم إن روسيا أيضا لديها ما تدعيه من حقوق استثمارية واتفاقات دولية تضمن لها امتيازات في الساحل السوري.
"بالنسبة لروسيا، يمكن أن تعمل على تعزيز دفاعاتها في مناطق النظام بشكل أكبر، بذريعة مسؤوليتها في حماية الأقليات"
الخيار الثاني: النزول، بشكل مباشر، إلى أرض الميدان، ليس لوقف حجم الخسائر على الأرض وحسب، وإنما من أجل إنقاذ النظام، وضبط الصراعات المتفلتة داخله، وإدارة المعركة بما يضمن عدم الخسارة الكلية بالحد الأدنى، وعلى الرغم من أن هذا النمط من الانخراط الكلي سيكون مكلفاً، إن بحساباته الميدانية المباشرة، لاضطرار إيران وروسيا إلى خوض حرب غير متماثلة، لا تتناسب وحروب الجيوش الكلاسيكية، أو لجهة الاعتبارات السياسية، كون الأمر سيتحول إلى حالة احتلال رسمي ومعلن، وإلغاء شرعية نظام الحكم نهائياً، وتدمير المؤسسات الوطنية، بما يجعل الخسائر الناتجة عن هذا الخيار أكبر بكثير من الأرباح المتوقعة.
الخيار الثالث: التكيف مع المستجدات الحاصلة، ومحاولة إعادة بناء ما أمكن من قوة النظام، وتدعيم مفاصله الفاعلة، وإبقاء حالة الاستنزاف وقتاً أطول، بالمراهنة على عامل الزمن، بانتظار حدوث متغيرات جديدة. وتقع ضمن هذا الخيار محاولة حزب الله إشعال معركة في القلمون، من أجل تعويض بعض الخسائر وتقوية العزائم ورفع المعنويات المنهارة. ويقع ضمنها أيضا إعادة جزء من الكتائب العراقية التي غادرت سورية لقتال داعش، وترك مهمتها في العراق لقوات التحالف. وبالنسبة لروسيا، يمكن أن تعمل على تعزيز دفاعاتها في مناطق النظام بشكل أكبر، بذريعة مسؤوليتها في حماية الأقليات. وفي الوقت نفسه، دعم النظام بأنماط معينة من الأسلحة التي من شأنها إحداث تدمير أكبر في بيئة المعارضة، بما يؤدي إلى زيادة إنهاكها على المدى الطويل.
تشكل التغيرات الجديدة في سورية عكساً لحالة الهجوم الروسي الإيراني، المستمر منذ فترة، وتضعهما أول مرّة أمام خيارات صعبة، سيكون لها تداعياتها، ما يزيد من تعقيدات إدارتهما الصراع في الفترة المقبلة، والأهم أنه سيشكل إرباكاً إضافياً لحركتهما في البيئة الدولية المتعثرة أصلاً.
١١ مايو ٢٠١٥
شكل ظهور رئيس الائتلاف الوطني خالد خوجة مع رئيس تيار الدولة لؤي حسين ، في مؤتمر صحفي مشترك ، صدمة للجميع ، وحمل في طياته آلاف اشارات الإستفهام حول هذا الجمع و كيفيته و إلى أين يرمي.
ظهر خوجة مع انطلاق المؤتمر مرتبكاً و يتلكئ في قراءة البيان ، الذي تمخض عن اجتماعه مع معارض الداخل لؤي الحسين ، بيان اعتدناه ، و بذات الإسلوب ، قابله حسين بقبول وتوافق مع إبداء السرور به ، و كذلك التشديد على ان نظام الأسد غير قابل للحل السياسي بل يجب التخلص مما وصفه بـ"الطغمة في دمشق".
ولاشك أن اجتماع المعارضة السياسية دليل على بداية تعافي الجسد السياسي الرث للثورة السورية ، و أن الأمور تتجه نحو الأفضل ، ولكن لازلنا في بداية الطريق ، و لا داعي إلى أن يتم توزيع صكوك التوافق و عدم التوافق ، او شهادات القبول و الرفض اتجاه الثوار العاملين على الأرض ، فهو شيء غير مطلوب بتاتاً و إن كان خلال هذه الفترة .
فليس من حق حسين أو خوجة أو أياً كان ممن يعملون في السلك السياسي أن يهاجم او يحدد الطريق لمن هو على الأرض و يواجه الأسد و حلفائه على مدى السنوات الأربع الماضية ، محيداً دون معيل و إنما محارباً من الجميع و رغم ذلك يدأب على العمل و المواجهة.
سعي السياسين للم الشمل ، و تقديم رؤية بأن سوريا المستقبل ستبقى موحدة و متقبلة الآخر ، ومتعايشة فيما بينها من مكونات ، هو شيء من الناحية السياسية و الإعلامية و خطوة تفيد في تسهيل عملية التفاوض و إنتقال للسلطة ، و لكن هذه الحركة التي يشوبها أخطاء تصل لحد الكفر ، يجعل من الايجابيات مهما كثرت صفر ، و من الممكن أن تجعل الجناح السياسي ملفوظ بشكل يوازي رفض الأسد.
إختيار لؤي حسين و غيره ممن ستحفل بهم الأيام القادمة ليتشاركوا مع الائتلاف كونه التشكيل الأكبر و الأوسع بين المعارضات السياسية التي تدعي تمثيل الثورة السورية ، فيجب على الائتلاف ان كان يبحث عن صك تمثيل واقعي و حقيقي ، ان يضع كل معارض في القالب الذي يناسبه ، و يتجانس مع عدد من يمثلهم و يتكلم نيابة عنهم ، فـ لؤي الحسين الذي لايمثل إلا العشرات أو المئات إن تجاوزنا كل الإحصائيات العقلية ، هو من أشد المعارضين للعمل الثوري المسلح الذي دفعنا إليه نظام الأسد و المليشيات المساندة له ، و هو يعارض افكار إنهاء نظام الأسد الطائفي بشكل كامل و يطالب بوجود جزء منه في مستقبل سوريا ، و حتى علم الثورة لا يجد حسين فيه ما يجذبه ، بل شيء يرفضه و طالب بإبعاده عن منصة المؤتمر ، و الغريب أن الإستجابة كانت سريعة ، فـ لؤي حسين ، يرأس تشكيل سياسي كبير صحيح أنه تم حله حالياً لكن يبقى الرئيس رئيس ، لو بدون كرسي .
لؤي حسين الذي لا ينفك عن المطالبة بالتطمينات للطائفة العلوية ، و لم يوجه لهم أي إدانة أو مجرد توجيه رسالة لهم للوقوف إلى جانب الشعب.
اليوم لؤي حسين و غداً حسن عبد العظيم ، و ليكن قدري جميل حاضراً في قادمات الأيام ، لم لا فالثورة هي ثورتهم ، هم من ضحى و فُني في القصف و الذبح و دفن حياً في المعتقلات !!؟
١٠ مايو ٢٠١٥
الآن، مع بلوغ الجيش العقائدي السوري أقصى حالات التعب والإنهاك، وتَوَاتُرِ هزائمه العسكرية في الشمال والجنوب؛ يمكننا ملاحظة أن الإعلام السوري يعاني من التعب نفسه، والإرهاق نفسه، ويقوم بتصرفات توحي وكأنه مستشعرٌ نهايةَ النظام الذي يدافع عنه، وهذا ما يُفْقِدُه صوابه، ويَجْعَلُه يتصرف على نحو مضحك.
كان هذا الإعلام قد اخترع، على أيام حافظ الأسد، مصطلحات سيميائية قادرة على تحويل أكبر الهزائم التي يُمْنى بها الجيش إلى انتصارات مؤزرة؛ كأنْ يسمي الانسحاب الكيفي، مثلاً، انسحاباً تكتيكياً! ولأجل تبرير عجزه عن الرد على اعتداءات إسرائيل أوجد مصطلح "الاحتفاظ بحق الرد".
حينما انطلقت الثورة السورية، واتسعتْ، وتعاظمتْ، بدأ النظامُ يسمع صوتَ طقطقة الأرض من تحته؛ فما كان من إعلامه إلا أن رفع نسبة الكذب والدجل واللف والدوران، وحاولَ إظهار أقصى درجات الثقة بالنفس لحظةَ الهزيمة، ففي صيف سنة 2012، حينما سألَ مندوبُ قناة الجزيرة الناطقَ الرسميَّ باسم الخارجية السورية عن موضوع خسارة النظام السوري معبر باب الهوى الحدودي قال: إذا التقينا، أنا وأنت خلال الأيام القليلة المقبلة، سأُذَكِّرُكَ بأن المعبر سيكون معنا.
وحينما بدأت التسريبات الإعلامية الأميركية تشيرُ إلى نية النظام السوري استخدام الأسلحة الكيماوية لقمع الشعب الثائر، وأن أميركا تعتبرُ هذا الفعل خطاً أحمرَ؛ شمَّ النظامُ رائحة خطر يتهدده. وبناء عليه، أصبح الحضور الإعلامي لمسؤول الخارجية المذكور على شاشات الفضائيات شبه يومي، وكان هذا المسكين يضطر لأن يُدلي بتصريحاتٍ يكذِّبُ بعضُها الآخر، فإذا قال اليوم: نحن لا نمتلك أسلحة كيماوية أساساً، يقول في الغد: أسلحتنا الكيماوية ليست مخصصة لقتل الشعب، وإنما للدفاع عن بلدنا في وجه العدوان الخارجي. وعندما يتذكر أن العدوان الخارجي سيأتي من الجارة الحبيبة إسرائيل، يستدرك قائلاً: لن نستخدم الكيماوي، لا ضد الأعداء ولا ضد الشعب. .. دواليك حتى أطلق عليه ناشطو "فيسبوك" لقب "الكذاب المناوب"!
في أيام الرئيس السوري الشاب المتشرب بالمعلوماتية ومنجزات الثورة الرقمية العالمية؛ أصبح مصطلح الانسحاب التكتيكي، على حد تعبير أشقائنا المصريين، (دَقَّة قديمة)، واخترع الإعلام بديلاً عنه مصطلح إعادة الانتشار. وهذا ما حصل بعد الانسحاب من مدينة إدلب في أواخر شهر مارس/آذار 2015، حينما أعاد الجيشُ الباسل انتشارَه وتموضعه في قرية المسطومة، ونقل أموال البنوك، والسجلات المهمة التي كانت موجودة في الدوائر الحكومية إلى جسر الشغور. وأما الإعلام السوري فقد واكب الحدث بنقله عن القائد العسكري البطل، سهيل حسن، الملقب بالنمر قولَه إن الإرهابيين المدعومين من تركيا والصهيونية ودول الخليج سيضطرون قريباً لمغادرة إدلب تحت ضربات الجيش العربي السوري الباسل، وأجرى قفزة نوعية إلى الأمام، حينما نقل عن الشيخ أحمد شلاش أنه سيحلق شاربيه، إذا لم يَسْتَعِدْ الجيشُ الباسل مدينةَ ادلب، خلال عشرة أيام من فقدانها.
لم يعدم النظامُ السوري تَدَخُّلَ شخصيات فنية وثقافية وأدبية محلية وعربية لصالحه، مختبئة وراء أكذوبة "المؤامرة والصمود"، فكنت تسمع، في آخر كل مقابلة تلفزيونية، الضيفَ وهو يتوجه بالتحية إلى الجندي العربي السوري الباسل، المرابط على خطوط محاربة الإرهاب الذي لولاه لما شعرنا بالأمان أبداً.
هذا الكذب يمكن أن نقول عنه إنه طبيعي (normal)، ولبق، وأما الكذب الزائد عن الحد الـ (over) فمثالُه الممثلُ النجم سلوم حداد الذي أقام في الاستديو حفلة نواح وندب، ليس لها مناسبة سوى أنه رأى، عند باب الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، عسكرياً يحرس المبنى! فقال: تطلعتْ في عينيه شفت فيهم عزة وكرامة و... إهي إهي إهي..
وأما المثال الأكثر عيباً وعاراً وشناراً وسخفاً وتفاهة، فلا شك في أنه يتجلى بتمثيلية تقبيل الحذاء التي قدمتها السيدة كوثر البشراوي على الهواء مباشرة قبل أيام.
١٠ مايو ٢٠١٥
تقف أميركا على مشارف تغيير يطاول أولوياتها السياسية والعسكرية تجاه العراق وسورية، بعد قرابة عام من حربها ضد "داعش".
عندما قرر أوباما شن الحرب على "تنظيم الدولة"، أعلن أن استراتيجيته ستعطي الأولوية بعد انهيار جيش العراق واحتلال الموصل للوضع العراقي، حيث يمكن لسيطرة "دولة داعش " على مساحات كبيرة من الأراضي العراقية أن يهدد، في ظل انهيار الجيش والسلطة، بتقويض الوضع الذي أقامته واشنطن هناك، ومعه توازنات داخلية وإقليمية دولية الأبعاد، يزج تقويضه بها في صراعات عسكرية مع إيران التي تسعى للوصول إلى تفاهم استراتيجي واسع معها، يضم صفقات متنوعة الموضوعات والأهداف.
في تلك الفترة، قال أوباما إن على سورية أن تنتظر ريثما تقهر "داعش" في العراق، وتتم إعادة ترتيب حال حكمه المتداعي، ويدرب جيش يستطيع مواجهة الإرهاب في العراق. أما اليوم، فيقول الساسة الأميركيون إن هزيمة "داعش" في العراق ترتبط برحيل بشار الأسد من سورية، في تبدل للأولويات، يوقفها على قدميها، بعد أن كانت واقفة على رأسها، بسبب عزوف أوباما عن العمل لحل المسألة السورية. اكتشفت أميركا هشاشة الوضع العراقي، وهشاشة خياراتها هناك، والنتائج الوخيمة التي يمكن أن تواجهها بسببه، سواء فيما يتعلق بقدرة إيران الكبيرة على اختراق جارتها الغربية، أم بتركيب حكمه الطائفي، أم ببنية جيشه التي تخضعه لاعتبارات وتوازنات، تغلب طائفة بعينها على بقية الشعب، أم بمحدودية قدرة ما اختارته واشنطن من وسائل حربية لتحقيق أهدافها. وأخيراً، بقدرة تنظيم الدولة على المبادرة، على الرغم مما نزل به من خسائر، تمكن من احتواء آثارها، عبر هجمات معاكسة، كشفت وعززت عجز مكونات العراق العسكرية عن حسم الصراع لصالحها، ما أرغم واشنطن على انتهاج سياسات انتقائية في الحرب، فهي تقصف هنا وتمتنع عن القصف هناك، حيث تشارك المليشيات الشيعية في معارك تنتهي، دوماً، بمجازر تدفع أ
هل السنة إلى الالتحاق بـ "داعش"، أو منحها تأييدها، أو الوقوف جانباً، بينما ترفض الحكومة تزويدهم بالسلاح، وتحول بينهم وبين الدفاع عن أنفسهم ضد مخاطر تأتيهم بصورة رئيسة من نظام تنتقم سياساته منهم، تبعدهم عن السلطة والجيش، وتعرضهم للقتل والتهجير والتهميش.
لم يضمن الاقتصار على الحرب الجوية ما أرادته أميركا من انغماس محدود في الحرب العراقية، ومن إمساك بمساراتها العسكرية والسياسية. لذلك، بدلت أولوياتها أو عدلتها، بحيث تربط هزيمة "داعش" برحيل بشار الأسد، بعد أن كان رحيله مؤجلاً إلى ما بعد الانتصار عليها.
تتعثر معركة أميركا ضد "داعش" في العراق، بينما هزمها "الجيش السوري الحر"، بقواه الذاتية، وأخرجها من مناطق واسعة تقع بين الساحل والرقة، الأمد الذي يحدث فارقاً، كما يبدو، في نظرة الأميركيين إلى المؤسستين العسكريتين، العراقية والثورية السورية، ويشجع واشنطن على جعل رحيل الأسد شرط تحقيق انتصار على "داعش" السورية وإضعاف "داعش" العراق وكسر شوكتها هناك، لا سيما أن "الجيش الحر" يحقق انتصارات استراتيجية الطابع على جيش الأسد، تعزز الاعتقاد بقدرته على إلحاق الهزيمة بـ "داعش" السورية، وتحسين ظروف الحرب ضد "داعش" العراقية.
توشك المسألة السورية على الانتقال إلى طور جديد، طال انتظاره؟ هذا ما يؤكده التغيير البادئ في أولويات أميركا، وما سينجم عن انتقال مركز الجهد الأميركي من العراق وسورية، وسيترتب عليه من نتائج مهمة، يمكن لمن يعرف كيف يفيد منها أن يجعلها نتائج حاسمة.
١٠ مايو ٢٠١٥
لم تتغير العقلية السورية البعثية القومجية المقاومجية الممانعجية الحاكمة قيد أنملة رغم كل هزائمها وكوراثها منذ منتصف القرن الماضي. ليس هناك مكان لكلمة «هزيمة» في قاموس النظام السوري وأمثاله، حتى لو خرج من المعركة بعين واحدة، ويد واحدة، ورجل واحدة، ووجه مشوه تماماً بلا ملامح وأضلاع مكسرة لا يمكن تجبيرها. المهم بالنسبة له أنه صمد. لا يهم أن يخسر ثلاثة أرباع جيشه، ويدمر ثلاثة أرباع البلد، ويقوم بتهجير نصف الشعب أو اكثر. لا يهم إن خسر ساحات شاسعة من الأرض للأعداء. المهم أن النظام ما زال يتنفس. هذا هو المهم.
بعد خسارة الجولان في حرب سبعة وستين مع إسرائيل، خرج أحد رموز النظام، بلا أدنى خجل، ليقول للسوريين: «ليس المهم أننا خسرنا المعركة، أو أن إسرائيل احتلت المزيد من أرضنا، المهم أن النظام لم يسقط. والباقي تفاصيل». هذه العقلية الكوميدية لم تفارق النظام البعثي القومجي صاحب شعارات «الصمود والتصدي» «والتوازن الاستراتيجي» حتى هذه اللحظة.
لا شك أنه من حق القوى المتصارعة أن تمارس المقاومة الإعلامية في وجه خصومها، وأن لا تبدو مهزومة، حتى وإن كانت خاسرة، فهذا من أصول الحرب النفسية في المعارك والحروب. لكن هناك حدودا لهذه الاستراتيجية الإعلامية، وإلا انقلبت إلى مهزلة، كما هو الحال مع النظام السوري وحلفائه، الذين تحولوا إلى نماذج تاريخية للسخرية والتهكم.
لو نظرتم إلى الخطاب الإعلامي «الانتصاري» للنظام السوري وكل من يقف في صفه، لوجدته أنه، بالرغم من كل ما حصل في البلاد من كوارث وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم، إلا أنه يتظاهر بأن لا شيء يهمه، ولا يعنيه. والأنكى من ذلك أن أبواقه مازالت تتصرف وكأنه المنتصر، وأن كل من وقف في وجهه في عداد المهزومين. لا يسعك إلا أن تضحك كثيراً عندما ترى أبواق النظام وهي تشمت بسقوط الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في الانتخابات الفرنسية الأخيرة بفعل «صمود المقاومة والممانعة».
ههههه. ولا يسعك أيضاً إلا أن تقلب على ظهرك من الضحك عندما تسمع أراجوزات بشار الأسد وهم يقولون إن كل الذين وقفوا في وجه قائدنا من سياسيين وحكام ومسؤولين عرب وأجانب طاروا من مناصبهم، بينما مازال أسدنا صامداً.
أي عبث وكوميديا هذه؟ ليس لدى هؤلاء أي شعور أو حس بالمسؤولية، فهم كرئيسهم، يتعاملون مع سوريا كما لو كانت مجرد مزرعة من الحيوانات يتصرفون بها كما يشاؤون دون أدنى حس أخلاقي. لا قيمة للضحايا في قاموسهم أبداً، فملايين المشردين والجماجم التي خلفوها ليست أكثر من رافعات بالنسبة لهم يقفون فوقها ليعلنوا «صمودهم».
لم يشهد التاريخ طاغية يتباهى بصموده على محنة حوالي خمسة عشر مليون سوري بين لاجئ ونازح تلتهمه الحيتان والأسماك في عرض البحار والمحيطات. الحاكم المحترم يتنازل عن السلطة إذا اهتز اقتصاد بلاده، فما بالك أن ينتهي إلى غير رجعة كما حدث للاقتصاد السوري. لم يشهد التاريخ مثيلاً لطاغية يتغاضى تماماً عن تدمير عشرات المدن والقرى عن بكرة أبيها، عن وطن كان اسمه سوريا، فأصبح الآن مثالاً لكل ما هو فاشل بفضل قيادته «الحكيمة».
قد تتشدقون بالقول إنكم لستم مسؤولين عن خراب سوريا، بل المسؤول هو الإرهابيون والعصابات التكفيرية. فحتى لو كانت تلك الجماعات، جدلاً، هي المسؤولة، فهذا لا يعفيكم من المسؤولية. لماذا لا تعترفون بأنكم فشلتم في حماية سوريا من الجماعات المزعومة؟ لماذا سمحتم لها بأن تشرد الملايين، وتدمر المدن والقرى، وتقضي على سوريا، بينما أنتم تتفاخرون بالصمود والانتصار؟ هل يحق لكم أن تتشدقوا بالصمود إذا كانت تلك الجماعات، كما تزعمون، دمرت البلاد وشردت العباد، ودمرت الاقتصاد؟
لكن بقدر ما تشمئز من الخطاب الانتصاري الكوميدي الممجوج للنظام السوري وحلفائه، بقدر ما تحزن عليهم، فهم يعرفون في أعماقهم أنهم يعانون الأّمرّين، وبأن عنتريات الانتصار ما هي إلا مخدرات لهم ولبعض القطعان المؤيدة لهم. لا شيء يُضحكني ويُحزنني أكثر من مؤيدي بشار الأسد عندما يتشدقون بأنهم صامدون منذ أربع سنوات، وأن النظام لم يسقط، وأن كل من توعد بإسقاط النظام قد فشل. صدقوني لو سقط النظام في السنة الأولى كان ذلك أفضل لكم بعشرات المرات. حالكم الآن كحال مريض السرطان الذي يموت يومياً ألف ميتة، والذي يتمنى لو أنه فارق الحياة بعد اكتشاف المرض فوراً. قارنوا وضعكم قبل أربع سنوات، يا من تطبلون وتزمرون لصمود بشار الأسد، بوضعكم الآن. ألم يكن من الأفضل لكم لو أن قائدكم لم يصمد، ولو أنه اختفى في السنة الأولى؟
هل تعلمون أنه كلما صمد بشار، دفعتم المزيد من أرواح شبابكم ثمناً لصموده المزعوم؟ هل يستحق «صموده» أرواح أكثر من مائة ألف علوي فقط من طائفته، ناهيك عن بقية السوريين، ناهيك عن العذاب الذي تكبدتموه، وستتكبدونه في قادم الأيام أضعافاً مضاعفة، لأنكم أخطأتم في المراهنة؟ لقد متّم عشرات الميتات، وأنتم تزعمون الصمود أنتم وقائدكم، وصدقوني ستموتون مئات الميتات لاحقاً. ولا شك أنكم الآن ترددون ما يردده المصابون بأمراض مستعصية، فهم يتمنون الموت يومياً، لكنهم لا يحصلون عليه.
قال صمود قال.
صمود بطعم الفالج والسرطان.
٩ مايو ٢٠١٥
يتصدّر خبر إسقاط طائرة دائماً نشرات الأخبار في الخبر الأول ، ويُدرج ضمن "الخبر العاجل".
ويطمح الكثيرون أن يحصل الثوَّار على صواريخ مضادة للطيران تتفوق على المضاد التقليدي الموجود لدى كل الكتائب وهو الدفع عيار "23مم" ، ومنها الحراري كالكوبرا والستينغر وغيرها.
ولكن ما أهمية تقديم الدول الداعمة لأسلحة نوعية مضادة للطيران ؟
ولماذا لم يقدموا ذلك السلاح حتى الآن ..؟
أولاً المقاتلون على الأرض المعركة ليسوا بحاجة ماسة لمضادات الطيران كحاجتهم لمضادات الدروع مثلاً ..!!!
ففي المعارك الطيران لا يغير الموازنة كما تغيرها الدبابات والصواريخ والراجمات والمشاة على الأرض .
وفي المعارك بالكاد تقدّم الطائرات تقدماً للجيش مقارنةً بما تقدّمه الأسلحة الثقيلة والمتوسطة الأخرى .
بل إن كثيراً من المعارك كنا نرى فيها تفاصيل الطائرة بوضوح شديد لشدة اقترابها ، بينما المعركة على الأرض مستمرة والتقدم مستمر والجيش ينهزم ويتقهقر.
والطيران الحربي يضرب مسرعاً ويهرب (خوفاً من المضاد عيار "23") مما يجعل أهدافه غير دقيقة أبداً، بينما الهلوكوبتر ذات الدقة بالتصويب بالكاد تستطيع الاقتراب لنفس السبب .
خصوصاً أن معارك كبيرة تتجاوز فيها أعداد المدافع المضادة للطيران العشرة مدافع من عيار "23"..!!
ولم يحدث أن هزمنا في معركة بسبب الطيران ، بينما مشاة الحرس الثوري الإيراني أحدثوا تغييراً في مسار إحدى المعارك .
____________
ولعل غرابة هذا الكلام تكمن في أن عدد المجازر التي تجري جرّاء غارات الطيران والبراميل تتجاوز بعشرات المرات أعداد الشهداء الذين يسقطون جراء قذيفة هاون أو صاروخ ..
بل إننا لا نكاد نجد فرقاً بين نتيجة ضرب صاروخ "سكود" وبين رمي برميل من طائرة ..!!
فكيف نقول أن الثوار ليسوا بحاجة لمضاد طيران وأن الطيران لا يؤثر بهم ؟؟
...
إن الثوار في معاركهم ولحماية أنفسهم بل ومقراتهم ليسوا بحاجة ماسّة لتلك المضادات ..
ولكن الحاجة الماسّة لتلك المضادات تكمن في حماية المدنيين ..
حماية سكان أحياء حلب والغوطة وحماة وحمص وغيرها .
غارات الطيران تُكثر من استهداف المدنيين .. تقتل النساء والأطفال والشيوخ ..
تهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها .
بل إنَّ غارة واحدة تهدم بناءاً قد تخلف عشرات الشهداء .
وبرميلاً واحداً قد يدمر حياً بأكمله .
فنحن بأمس الحاجة لتلك الأسلحة النوعية لحماية الأبرياء من المدنيين . ولمنع الموت عن هؤلاء .
وإن كان المجتمع الدولي والعربي يتقاعس عن الإمداد بمضادات الطيران بدعوى التوازن أو لدواعٍ عسكرية فإن تلك ذريعة كاذبة .
لأن هذا السلاح أول ما يحمي فإنه سيحمي المدنيين ، وأكبر تأثير سيكون على أرض المعركة إنما هي منع الطيران من قتل الأطفال والنساء وتهديم الأحياء المدنية .
والمعارك التي تجري على الأرض لن تتوقف إن توقف الطيران .
ولن يتأثّر حزب الله -مثلاً- أو الحرس الثوري إن خاضوا معركة بلا غطاء جوي .
ولن يحقق الثوار تقدماً على الأرض إن فقدوا مضادات الدروع وحصلوا على مضادات الطيران .
ولم ينتصر حزب اللات في القصير ، ولم يجهز ليبرود الأبية الصامدة طائرة واحدة ..!
بل إن كثيراً من الصفقات الدولية الكبيرة التي عقدت لدعم ألوية في الجيش الحر لم يهتم فيها القادة بمضادات الطيران بمقابل اهتمامهم بمضادات الدروع..! كما شاهدت بنفسي ذلك .
لذلك ، فالمجتمع الدولي والعربي يساهم مباشرة بقتلنا ، وذبحنا ، وتهديم مدننا وأحيائنا ، وإبادة أطفالنا ونسائنا ورجالنا ، وتهجيرهم ، وذلك عبر منع وحجب ما يمنع قتلهم ، ويحميهم ، ويطرد الموت الذي يخيم فوق رؤوسهم .
فلكم أن تعرفوا أيها الشعب السوري إلى أي حد يتآمر الصديق قبل العدو علينا .
لدرجة أنه حتى حماية الأطفال والنساء والمدنيين ممنوعة عنا ..!!
٨ مايو ٢٠١٥
لعلّ شهادة النائب اللبناني وليد جنبلاط، رئيس «جبهة النضال الوطني»، أمام غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؛ هي الأبرز، حتى الساعة، ضمن سلسلة الشهادات حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
وإذا كان من الإنصاف، للسجلّ التاريخي على الأقلّ، ملاحظة خلوّ الشهادة من أيّ عنصر جديد، مثير أو حاسم أو دامغ، أو مختلف عن جملة المعطيات، الفعلية أو الافتراضية، التي اقترنت بالملفّ؛ فإنّ من الصحيح، على قدم المساواة، أنّ لا جديد كذلك في سمة طاغية طبعت شخصية جنبلاط على الدوام: التقلّب، الذي يعدّه البعض مكراً سياسياً، ويذمّه البعض الآخر تحت مسميات سلوكية شتى، ويراه فريق ثالث محض تنويعات على غاية كبرى هي حفظ البقاء.
وبمعزل عن ملفات لبنان الداخلية الصرفة، إذا جاز فصلها هكذا أساساً، فإنّ جوهر تقلبات جنبلاط يتصل بالشأن السوري، عموماً؛ وبتاريخ العلاقات، المضطربة والقلقة، بين نظام «الحركة التصحيحية»، أي البيت الأسدي كما يمثّله اليوم بشار بعد أبيه حافظ الأسد، والبيت الجنبلاطي كما يمثّله وليد بعد الأب كمال جنبلاط. وأرشيف الماضي، القريب أو البعيد، الذي سجّل التحوّلات السياسية الدراماتيكة التي انتهجها جنبلاط الابن، خاصة بعد اغتيال أبيه في آذار (مارس) 1976، لا يعني البتة أنه اليوم ليس نزيهاً في تأييد الانتفاضة السورية، وليس راغباً في سقوط نظام آل الأسد، وليس مستعداً للانضواء في أية جبهة داخلية لبنانية مناهضة لما تبقى للنظام السوري من نفوذ في لبنان؛ بما في ذلك الموقف من «حزب الله» عموماً، وقتال الحزب إلى جانب الأسد في سوريا خصوصاً.
ومع ذلك… تلك تقلبات تظلّ بمثابة خيارات يداولها التاريخ، بين حال وحال، كما في وسع المرء أن يفترض؛ إذْ مَن كان سيصدّق «فعل الندامة» الذي مارسه جنبلاط (ونقصد الابن دائماً، ما لم تُعقد التسمية للأب تحديداً)، حين زار دمشق، قبل خمس سنوات، في آذار أيضاً، ذكرى اغتيال أبيه؟ ومَنْ كان سيصدّق أنّ حسن نصر الله، الأمين العام لـ»حزب الله»، هو الذي أعلن، يومذاك، استعداد الأسد (الابن دائماً، هنا أيضاً) لاستقبال جنبلاط، «في وقت قريب جداً» حسب تعبير السيد؟ وأخيراً، كيف حدث أنّ نبيه برّي، رئيس مجلس النواب اللبناني وحليف النظام السوري، هو الذي استبق الجميع، فأعلن أنّ «ما سيقوله جنبلاط اليوم في مقابلته مع قناة الجزيرة مهم جداً»، بما أوحى أنّ برّي علم بفحوى فعل الندامة حتى قبل أن يظهر جنبلاط على القناة؟ الأهمّ من هذه التفاصيل الشكلية كان مغزى مجيء الضوء الأخضر من نصر الله، بما يفيد بأنّ «حزب الله» هو الجهة الأولى المعنية بقرار استقبال جنبلاط، وليس أياً من الأطراف السياسية اللبنانية، سواء في تحالف 8 شباط أم تحالف 16 آذار.
على أصعدة أخرى، أضعف دلالة، كان مفهوماً أنّ أمثال وئام وهاب وعاصم قانصوه، من رجالات النظام السوري المتخندقين المتجندين، ظلوا بمنأى عن الفريق الذي طبخ زيارة جنبلاط إلى دمشق؛ بالرغم من أنّ وهاب كان أوّل المتطوّعين لاستبصار فعل الندامة واحتمال الزيارة، حين صرّح منذ الصيف الماضي بأنّ «الطريق إلى دمشق مفتوحة بوجه النائب جنبلاط». كان جلياً، كذلك، السبب في أنّ صحيفة «الوطن» السورية ـ المقرّبة من دوائر النظام، والتي يملكها رامي مخلوف، تمساح الأعمال الأشرس وابن خال الرئاسة ـ هي التي اعتمدت تعبير «فعل الندامة»، ولم تكن بعيدة عن الصواب في واقع الأمر؛ قبل أن تنتقل إلى الغمز من قناة جنبلاط لأنه لم يعتذر بوضوح، و»فضّل التأرجح» بين قوى 14 آذار المناهضة لسورية وقوى 8 آذار المؤيدة لها، ولم يكن صريحاً في مواقفه، ولا يقرّ بأنّ القرار 1559 كان «مؤامرة على سوريا ولبنان معاً وعلى المقاومة خاصة».
في المقابل، سجّل التاريخ أنّ جنبلاط، في أواخر العام 2000، تجاسر على كسر محرّم خطير، حين طرح إعادة انتشار قوّات النظام السوري على الأراضي اللبنانية، على نحو كان يمسّ ضمناً شرعية وجودها في الأصل. صحيح أنه عفّ عن استخدام مفردة «الانسحاب العسكري»، واتكأ على اتفاق الطائف لعام 1989، لكنّ مجيء المطالبة من رأس آل جنبلاط (الذين تقول الحكمة الشائعة أنهم أمهر من يقسم لبنان، وأمهر من يوحّده أيضاً) كان لا ينتهك المحرّم، فحسب؛ بل يحرج الرئاسات اللبنانية الثلاث؛ ويربك معظم أنصار النظام السوري، بمَن فيهم أولئك الذين سيصبحون في صفّ خصومه لاحقاً: من إميل لحود رئيس الجمهورية، إلى رفيق الحريري رئيس الوزارة، إلى نبيه برّي رئيس المجلس النيابي، إلى البعثيّ عاصم قانصو الذي هدّد جنبلاط بالقتل على يد «المقاومة اللبنانية!
ثمّ… بعد اضطرار النظام السوري إلى الانسحاب عسكرياً من لبنان، صنع جنبلاط مفاجأة غير مسبوقة حين استقبل، في المختارة، صيف 2006، وفداً قيادياً من جماعة «الإخوان المسلمين» السورية، ضمّ عدنان سعد الدين المراقب العام الأسبق، ومحمد فاروق طيفور نائب المراقب العام ورئيس المكتب السياسي، وعبد القادر زهران مستشار العلاقات الخارجية. ذلك كان تجاوزاُ لخطّ أحمر في عرف النظام السوري، وكان عبوراً إلى ما يقع وراء المحرّمات الأمنية ـ السياسية الكبرى، وحنث بالالتزام الضمني الذي تعهد به جنبلاط مراراً، حول «عدم تحويل لبنان إلى ساحة للمساس بأمن النظام السوري». لكنّ الخطوة كانت، في بُعدها الآخر، مثار استياء المعارضة السورية الديمقراطية والعلمانية، لأنّ جنبلاط بدا كمَن يعطي استبطاناً خاطئاً حول قوى التغيير المستقبلي في سوريا: هل التقى بهم، أوّلاً وحصراً وقبل أيّ فريق سوري معارض آخر، لأنه أيقن بأنّ الجماعة هي الكتلة الأهمّ في وجه آل الأسد، ومن الحكمة التفاعل معهم فوراً، أو مسبقاً، منذ الآن؟ أم اعتبرهم ـ على غرار رأي رهط واسع من المراقبين في الغرب ـ العنصر الأبرز في صفّ، أو صفوف، المعارضة السورية؟ أم كان يستجيب، خفية، لرغبة عبد الحليم خدّام في تبييض صفحة الجماعة، بما يساعد على تنشيط «جبهة الخلاص» الخدّامية ـ الإخوانية الكسيحة؟
والحال أنه يسهل على المستمع إلى شهادة جنبلاط، أمام الحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أن يحجب عنه فضيلة العودة إلى الحصيلة الإجمالية التي صنعتها سلسلة المواقف السابقة، إنْ لجهة الانقلاب على بعضها، أو إعادة إنتاج بعضها الآخر؛ بما يردّ الرجل إلى سوية ليست جديدة عليه تماماً، ولكنها كانت في سبات متعمّد ربما: أنه جنبلاط الابن، الذي لا ينسى، أوّلاً، ما للبيت الجنبلاطي من ديّة دم في ذمّة النظام السوري؛ وأنّ اغتيال أبيه لم يقتصر على تصفية زعيم درزي كبير، بل استهدف أيضاً تفكيك ما كان يُعرف آنذاك باسم «الحركة الوطنية اللبنانية»؛ وأنّ انتصار الانتفاضة السورية، وإسقاط نظام «الحركة التصحيحية»، هو معادلة لبنانية ـ لبنانية أيضاً.
وهذه سويّة ليس في وسع جنبلاط أن يعيد خلط عناصرها، مجدداً، والتقلّب فيها، وعليها؛ خاصة وقد تلازمت عناصرها اللبنانية ـ السورية على نحو وثيق مترابط، فلم تعد تقبل المزيد من ألعاب التكتيك أو حفظ البقاء، بعيداً عن التلازم الحقّ لمسارات الشعبين اللبناني والسوري. ههنا يبقى العود ما بقي اللحاء، كما يذكّرنا أبو تمام الطائي.
٨ مايو ٢٠١٥
بعد أكثر من أربع سنوات على فوران الدم السوري في حمّام ساخن، كلّما خبت ناره أُضرمت من جديد، لتحرق الأخضر قبل اليابس من البشر والشجر، وكل مظاهر الحياة السورية، لا يزال قسم كبير من النخب السياسية، وحتى الثقافية، متمترساً عند حدود خطابه القديم الذي لم يفعل شيئاً للشعب السوري، غير مزيد من التيه والضياع والدفع باتجاه العنف، وانحرافه عن أهداف انتفاضته التي كانت تتقدم باتجاه ثورة حقيقية، بكل ما يحمل مفهوم الثورة من انقلاب جذري على النظام القديم، بكل مناحي الحياة، وليس النظام السياسي فقط الذي كان، على مدى خمسة عقود، يزيد من تمكن النظم الجائرة كلها، ضماناً لعرشه واستئثاره بالسلطة واستبداده بالشعب. ما زالت هذه النخب التي صادر جزء كبير منها إرادة الحراك الشعبي، وطرح نفسه الممثل الوحيد والشرعي للشعب السوري، مثلما طرح ومارس قبله حزب البعث على مدى خمسة عقود نفسه القائد الوحيد للدولة والمجتمع، تغمض عينيها عن بعض الحقائق، وتتجاهلها وتعتم عليها، بينما تسلّط الضوء الباهر على بعضها الآخر، لتصنع منها ثوابت وحقائق، لها الدور الأول والأهم في انتصار الثورة، وإنجاز قضايا الشعب، المحقّة، في وقت صارت الحقائق جليّة مقروءة ومفهومة، ولا مجال لمواربتها، كيف يمكن لنخب سياسية أن تبقى ثابتة ساكنة، في موقفها وخطابها وأفعالها، في زمن المتغيرات السريعة؟
ما زالت هذه النخب بعيدة عن ميدان العمل الفعلي، الميدان الذي تجاهلوه، أو ركنوه على الهامش، منشغلين بلعبة سياسية أكبر منهم بكثير، بينما الوطن السوري يُدمّر بمنهجية محكمة وإرادة جبارة، يتبارى فيها أطراف النزاع بالإجرام. لم تشتغل هذه النخب على الوعي العام للشعب، وتُرك الضخ الإعلامي والأجندات المتباينة والمتصارعة تفعل فعلها في بنى المجتمع التي أوصلها القتل والتنكيل والتهجير والحرمان والفواجع إلى مرحلة الغريزية الثأرية، وأوصل الوطن السوري إلى حالة من فقدان الأمل بإمكانية البناء والنهوض من جديد، فيما لو توقف العنف وأخمدت نيران الحرب، بإمكانيةٍ تبدو ميئوساً منها في المدى المنظور، وذلك بنضوب نبع الحياة وخامات الإبداع والابتكار، جيل الشباب، هذا الجيل الذي من لم يستطع منه الهروب خارج الحدود يعيش حياة من العطالة، متخفياً في الظل، لأنه مجبر على حمل السلاح، في كل مناطق سورية، لصالح الطرف المسيطر على البقعة التي ينتمي إليها، بينما لا يريد أن يحمل السلاح.
الكلّ صار يعرف أن لا أحد نزيهاً من دم الشعب السوري، كما أن لا أحد وفّر مساندة أطراف الصراع، في إجرامها بحق الشعب. الكل صار يعرف أن دول الجوار فتحت حدودها لكل متطرفي العالم، المدفوعين إلى تلبية نداء الجهاد المقدس، مثلما كانت هناك دول ومنظمات دفعت مقاتليها إلى الأرض السورية، بحجة مساعدة النظام في حربه ضد الإرهاب، كما يدّعي. وللأسف، تحوّل الادعاء إلى واقع فاجر، ومع هذا لا زالت النخب "الممثل الشرعي الوحيد" للشعب السوري، تشيح وجهها عن الحقائق السافرة، مثلما استهانت ببواكير حرف الحراك الشعبي، عندما هللت لجبهة النصرة وغيرها من الكتائب المسلحة، أو الفصائل السياسية التي تقوم على عقائد إقصائية، أو بأقل تقدير، تحمل أجندات وبرامج ومشاريع تتناقض مع أهداف الثورة من حرية وعدالة ومساواة، وحلم بناء دولة مدنية، تقوم على المواطنة أساساً في بنائها.
لم تحصل النخب هذه على ثقة الشعب، بل كلما تقدم الزمن بالحراك الشعبي الذي تحوّل إلى حرب، فقدت صدقيتها، وأظهرت عجزها وقصورها عن مواكبة حاجات الشعب. ومثلما اشتغلت النخب السابقة للحراك، في عصر النظام الشمولي على القضايا الكبيرة، وطرحت الشعارات الباهظة، متناسية، أو مقصرة، عن المشكلات الداخلية والحقيقية للشعب السوري، غافلة عن وعي يتشكّل في الظل، وتحت رحمة الاستبداد المصادر للحريات، كذلك نخب اليوم انشغلت بلعبة سياسية كبيرة، وارتهنت لأطراف فيها، تاركة الشعب لتيارات متضاربة متصارعة، تصادر وعيه وتوجه أهواءه وعواطفه، حتى ضاعت البوصلة، وفُقد الأمل بالخلاص، إلّا بسقوط مريع، ينزف الشعب ما تبقى من دمائه على مقصلة الاقتتال الأهلي الذي يمكن أن ينفجر مثل قنبلة انشطارية.
وبعد أربع سنوات من العنف والعنف المضاد، ومن التجييش والتعبئة والحقن بكل أشكال الفتنة والفرقة والثأرية ومشاعرها، ودفعها إلى أقاصي التطرف والمغالاة، من الحمق، أو بتعبير ألطف، من المجانية، الكلام عن موقف يجب أن تتبناه بعض الطوائف، أو الأقليات، من أجل توجيه الضربة القاضية للنظام وإنهاء الحرب. بعد كل هذه الدماء، وهذا العنف وهذه الثأرية التي لم توفر عَرضَها وإرسالها إلى الضمير العام المنابرُ الإعلامية المتنوعة، من شاشات ومواقع إلكترونية وصفحات تواصل، وحتى صحف ورقية، مثلما كان للإعلام دور كبير ومؤثر وخطير، ربما فاقت خطورته الحرب الميدانية، وما نجم عنها من سفك دماء وقتل أرواح ودمار مدن وقرى وتهجير وتنكيل وغيره، مما لم تبخل به تلك المنابر والشاشات.
" ينزف الشعب ما تبقى من دمائه على مقصلة الاقتتال الأهلي الذي يمكن أن ينفجر مثل قنبلة انشطارية "
بعد أربع سنوات من الجحيم السوري، ومن تخلّي الأطراف الداعمة للحرب عن الشعب في محنته، بل ودورها الذي لعبته في إضرام نار الحرب، وتسهيلها المقاتلين الأجانب بعبور الحدود وانخراطها في القتال، وبعد مساندة الكتائب الجهادية المتطرفة المعادية، في طروحاتها ومواقفها، للحرية ومبادئ الثورة، على حساب الجيش الحر الذي اضمحلّ وتراجع دوره، بسبب تركه وحيداً في العراء، بلا تمويل ولا دعم، وبعد وصول المجتمع السوري إلى مرحلة التهتك المريع، وصار جاهزاً لضربة قاضية، يقوم بها تجاه نفسه، ضُخّ الدعم بغزارة، ودفعت الكتائب إلى معارك أشرس وأقوى، وهجّر المزيد من أبناء المناطق التي تقوم فيها المعارك، وزهقت أرواح كثيرة في تقاطع نيران شرس وحاقد بين سماءٍ، يسيطر عليها النظام، وأرض امتلكتها الكتائب المقاتلة، وتدفقت مشاهد القتل الانتقامي والتطهير الطائفي، وتعالت الأصوات المتوعدة بأبناء الساحل، وانطلقت الخطابات "الرصينة والحريصة" من النخب التي تدعوهم إلى أن يكونوا الضربة القاضية للنظام، أملاً وطمعاً بسورية جديدة، يكون لهم موقع فاعل فيها.
وترافق هذا كله بالتلويح بمعركة الساحل، متجاهلين حقيقة أن الساحل صار بمثابة الحاضن الأكبر لجزء كبير من أبناء سورية المنكوبة، ومتجاهلين أكثر، كما تجاهلوا في السابق، دراسة المجتمع في تلك المنطقة بشكل دقيق ونزيه، مرددين المقولة الجامدة الخشبية التي تعتبر الطائفة العلوية جسماً صلداً واحداً، يحمل ملامح الهوية التي منحوه إياها. المنطقة الساحلية التي تغص بأبناء سورية من جهاتها الأربع، كان أهلها حاضنة لإخوتهم المنكوبين الذين لجأوا إليها ولاذوا بهم، وعلى الرغم من كل التجييش والحقن والفتن المنظمة، وعلى الرغم من توفر السلاح بكثافة غير مسبوقة والفوضى العارمة وغياب القانون، لم تحصل فيها جريمة انتقامية واحدة، وقبول إخوتهم السوريين في مدنهم وقراهم، واشتغال عدد كبير منهم في عمليات الإغاثة ومساعدة النازحين إليها هو "أضعف الإيمان"، ومؤشر كان من الإيجابية بشيء الالتفات إليه، والاشتغال عليه، وجعله منطلقاً لكسب الرأي العام، بشكل أجدر وأجدى، عوضاً عن تأييد الخطابات والسلوكيات الطائفية والانتقامية، أو تجاهلها.
كان الشعب السوري، بكل مكوناته، يعيش تحت خيمة الاستبداد نفسها، ومارس النظام القمعي نهجه في الحكم الشمولي على كل فئات الشعب، وعمل، عقوداً، على تغريب العقل، ودفعه إلى العطالة شبه التامة، بينما كان يعمل على إنشاء وتأسيس كوادر يكون همها وشغلها وطموحها خدمة النظام الذي تماهى في وعي الشعب مع الدولة، فلماذا يُطلب من بعض مكونات هذا الشعب أن تمتلك الحدّ المطلوب من الوعي، بينما الشعب كله كان مغيّب الوعي؟ ولماذا النخب السياسية والثقافية التي اصطفت إلى جانب قضايا الشعب، منذ انطلق، في تظاهراته الرافضة للاستبداد، لم تشتغل على حماية الوعي الجمعي وحماية مشروع الثورة من الانحرافات الخطيرة التي أودت بها؟
يقول المثل الشعبي السوري: خرج من تحت الدلف إلى تحت المزراب. وهذا يعني أن المرء انتقل من بلل إلى بلل أكبر، ومن سيئ إلى أسوأ. وهذا هو حال الشعب السوري، بعد سنوات الدم الذي تلوثت به أيادي كل أطراف النزاع، وبعد أن كان عقوداً تحت حكم الحزب القائد، يدخل مرحلة التيه، ووطنه مهدد بالتقسيم، خصوصاً أن التقسيم المجتمعي وقع وترسّخ تقريباً، بينما النخب تبارك جرائم في مكان وتنكرها في مكان آخر، وتنسى أن الشعب، مهما تألم وقاسى، يبقى قادراً على الفصل بين الأمور وفهم المعاني والاحتفاظ بذاكرته، وتصبو هذه النخب لأن تحل محل "الحزب القائد".