مقالات
١٧ أبريل ٢٠١٥
البداية من اليمن... لكن إيران تُهزَم في سورية

يطالب باراك أوباما العرب، وهو محقٌّ إلى حد بعيد، بأن يكونوا «أكثر نشاطاً» في مواجهة الأزمات الإقليمية، لكنه يريد من العرب إظهار قوة سعت الولايات المتحدة دائماً إلى حرمانهم منها، بل عملت وتعمل لكي يكون العرب محاطين بقوى إقليمية متفوقة عليــــهم عسكرياً، بدءاً بإسرائيل النووية وتركيا الأطلسية ثم بإيران المعربدة مذهبياً ونووياً. لعل «عاصفة الحزم»، كمؤشر يقظة تتخطّى مجرد رد الفعل، هي التي أوحت للرئيس الأميركي بهذا الوعي - الاعتراف المفاجئ بدور العرب، فإذا أبدوا استعداداً عملياً للدفاع عن أنفسهم ومصالحهم تستطيع أميركا عندذاك أن تساعدهم. لكن أوباما يحتاج إلى أكثر من التذرّع بـ «السخط الداخلي لدى الحلفاء العرب» ليبرر انحيازات أميركا إسرائيلياً وأخطاءها عراقياً (قبل الانسحاب وبعده) وفظاعة مجاملاتها لإيران في كل تدخلاتها من سورية إلى العراق واليمن مروراً بلبنان والبحرين وغزة. فأميركا أوباما مثل أميركا بوش مالأت أعداءها العرب وخذلت حلفاءها، إذ آزرت دائماً إبقاء العالم العربي مضطرباً ومشتعلاً، فالاختلال الذي يعاني منه العرب لم يبدأ بظهور حوثيي إيران كغزاة في اليمن ولا بجرائم بشار الأسد وصدام حسين ولا بالبرنامج النووي الإيراني، بل بجرائم إســـرائيل واحتلالها المستمر لأرض الفلســـطينيين، وبالأخـــص في التواطؤ الأميركي - الإسرائيلي لجعل «السلام» تكريساً للاحتلال.

يتساءل أوباما، محقّاً أيضاً، عن سبب عدم مكافحة العرب انتهاكات مريعة ارتكبها بشار الأسد ضد حقوق الإنسان، منتقلاً سريعاً إلى تمرير أن الولايات المتحدة كانت لديها «رغبة كبيرة في دخول سورية وعمل شيء هناك». لـــكن أحداً لم ينسَ أن تلك «الرغبة الكــــبيرة» بلعت استخدام السلاح الكيماوي (يقع تحت المساءلة الدولية) وحوّلته إلى صفقة أميركية - روسية إنقاذاً لنظام الأسد، الذي يواصل إطلاق الغازات السامة على المدنيــــين في الأحياء السكنية. ربــــما عنــى أوباما أن أميركا كانت مستعـــــدة للـــتدخل لو حصل تدخل عربي في سورية، والمؤكد هنا أنه لا يقول الحقيقة، وهي أن واشنطن (وإسرائيل) مانعت منذ البداية إسقاط النظام وأيدت بقاء حكم فئوي متطرّف حتى عندما لم يكن البديل الإسلامي المتطرّف خطراً ماثلاً، بل إنها (وإسرائيل) مانعت أي تدخــل ســـواء عبر تركيا أو الأردن، كما أنها (وإسرائيل) ساندت بوضـــوح تدخل إيران و «حزب الله» ولم تردعهما إلا حين اقتربا من الحدود الإسرائيلية. والأهم أن أميركا أحبطت كل المساعي لتسليح «الجيش الحر» ودعمه عنـــدما كـــان على أهبة إسقاط النظام، يوم لم يكن هناك «داعش» ولا «نصرة قاعدية» ولا مئات الفصائل الإسلامية، بل يوم كانت هناك «دولة» تستحق «الحفاظ» عليها، فـ «الدولة» الحالية تقتصر على «شرعية» وهمية للأسد، وعلى وهم أنه سيوقّع يوماً على قرار عقلاني - («وطني»!) بالتنحّي - أو بالتنازل عن صلاحياته إتاحةً لحكم انتقالي.

على رغم كل شيء فلنقل أن ثمة «إيجابية» في لوم أوباما العرب في شأن سورية، بل لعله كان بهذا اللوم يخاطب إيران قبل العرب ليقول أن المعركة الحقيقية هي على سورية وفيها، أولاً وأخيراً. وهو ما ينبغي أن يدركه العرب. فإيران ما كانت لتبتلع اليمن مهما بذلت، وقد برهنت لتوّها وبإدارتها للحليف الحوثي أنها لم تكن تعرف البلد، وأثبتت أيضاً أنها في كل الأحوال لا تسعى إلى مواجهة إقليمية ستصبح بالضرورة دولية ولــــن تبقى أراضيها بمنأى عنها، وهو ما تفادته على الدوام. ومع بلوغها لحظة الحصول على اتفاق يعترف بـ «نوويتها» لا بدّ من أن يذوب جليد الأوهام ليظهر مجدداً منطق «لا شيء بلا مقـــابــل»، ليـــس فقط في التنازلات «التقنية» (التخــصيب، أجهزة الطرد، آلية التحقق...) بل خصوصاً في مراجعة سياسات التحايل والتذاكي والأطماع التي سوّلت لطهران عسكرة أبناء الطائفة الشيعية ليصبحوا مصدر تهديد لدولهم وإرهاب لمجتمعاتهم وشركائهم في أوطانهم.

سبق لكثيرين أن أشاروا إلى أن ما يهم إيران، في نهاية المطاف، هو دوام الاستيلاء على العراق، كقاعدة صلبة للنفوذ ورأس حربة للغزوات الإقليمية. غير أن الوقائع، حتى في الحرب على «داعش»، أظهرت أن حاجة إيران إلى سورية حاسمة لإظهار قوتها وللاحتفاظ حتى بالعراق، وأن حاجتها إلى لبنان - «حزب الله» حاسمة للاحتفاظ بسورية. لذلك، تكافح إيران لإقحام ميليشياتها العراقية في تحرير المناطق العراقية ليصبح الخط الممتد من حدودها إلى ديالى فتكريت فالرمادي ثم الموصل مفتوحاً لبلوغ الحدود السورية ومن ثَمَّ ربط هذه الميليشيات بقوات النظام السوري لوضع «التحالف الدولي» أمام الأمر الواقع: الاعتماد على نظام الأسد (وحلفائه) في محاربة «داعش» وتحرير الرقّة ودير الزور... ولا تكمن أهمية سورية بالنسبة إلى طهران في كونها خط الإمداد والتواصل مع «حزب الله»، أو في كونها متاخمة للعراق، بل خصوصاً لأن وجودها على حدود إسرائيل هو ما يعطي النفوذ الإيراني بعده الإقليمي - و«الإمبراطوري» المخترق للعالم العربي، بمعزل عما إذا كانت إيران متجهة مستقبلاً إلى التطبيع مع إسرائيل أو إلى مهادنة راسخة كالتي أقامها نظام الأسد معها. وفي كل السيناريوات يمكن إسرائيل وإيران أن تكونا متفقتين ضمناً وعلناً على تحييد سورية، فلا تكون مصدر تهديد للأولى أو مصدر إضعاف للثانية، والأهم أن تفريس سورية ولبنان سيكون إلغاءً لـ «عروبة» المشرق وعقبة أمام قيام «نظام عربي» أياً كانت صيغته وأهدافه.

كل ذلك يشير إلى أن هزيمة إيران تكون في سورية أو لا تكون. وكان لا بدّ من أي خطوة لوضع إيران أمام الواقع، لذا كانت «عاصفة الحزم» التي خلطت الأوراق وباتت تفرض تغييراً عميقاً في معطيات الوضع الإقليمي. فعلى رغم وقوع بغداد تحت الترهيب والهيمنة الإيرانيين إلا أن حكومتها صارت أكثر قابلية واضطراراً لأخذ بعض الضرورات الوطنية في الاعتبار، تحديداً في تقنين تدخلات ميليشيات «الحشد الشعبي» في تحرير مناطق السنّة من سيطرة «داعش».

وعلى رغم الضعف والوهن في صفوف المعارضة السورية أمكن إيجاد صيغ للفصائل الإسلامية وغير الإسلامية لتتوحّد سواء في الشمال أو في الجنوب ولتعاود مدّ سيطرتها إلى مناطق للنظام، من بصرى الشام إلى محيط درعا إلى إدلب، ولعل الظهور المحدود لبعض الأسلحة النوعية يؤشر إلى تراجع ولو آنيّ لـ«ممانعة» أمـــيركية لم يعد لها معنى.

ولا شك في أن البداية من اليمن تنطوي على إرباك لسياسات روسية اختبأت أولاً وراء التهوّر والفجور الإيرانيين لتدافع عن «مصالح» في سورية، فإذا بها اليوم إزاء معضلة تمسّ بمصالح أكبر، بل إزاء عجزها عن التأثير سياسياً في الأزمة السورية، وحتى الدول العربية التي تغازل روسيا لإبقاء موطئ قدم لها في المنطقة تبدو أيضاً مسبوقة بالأحداث وأسيرة مفاهيم قديمة تجاوزتها التبدلات الإقليمية.

ليس مطلوباً ولا مُتوقّعاً من الجامعة العربية أن تعلن الحرب على أحد، لكن اتخاذها الأمن القومي محوراً للتفكير والتخطيط يدعوها إلى تشخيص واضح ومعلن لتدخلات تخوضها إيـــران بــــروح استعمارية لا يتردد مسؤولوها في الجهر بها. هذه الحال الاستعمارية تستوحي ضغائن تاريخية بين العرب والفرس، وتتمثّل بمفاهيم إسرائيل وفكرها الصهيوني وأساليب عصابات الاحتلال في ما قامت وتقوم به من تصرّف بالأراضي في مناطق سورية وعراقية ولبنانية، كما أنها اتّبعت لـ «تصدير الثورة» بعض الأساليب السوفياتية، وهـــي استنسخت أخيراً الكثير من تكتيكات تنظيم «القاعدة» والمجموعات الإرهابية الأخرى... لذلك، فإن مواصلة الصمت، واعتناق الحصافة، والإحجام عن إعلان إيران عدواً موازياً للعدو الإسرائيلي، هي تحديداً ما راهنت عليه إيران لتمرير تغلغلها الذي انتقل من مساندة فئة مذهبية إلى تصنيع الإرهاب وزعزعة الأنظمة وتفكيك الدول وتقسيمها.

اقرأ المزيد
١٧ أبريل ٢٠١٥
ثورة السوريين وأساطير الفلسطينيين

عانى الفلسطينيون من النظام السوري كما عانى السوريون، طوال العقود الماضية، وتبعاً لذلك عانوا من بطشه بالبيئات الشعبية السورية، التي اعتبرها بمثابة بيئات حاضنة للثورة، معتبراً مخيمات الفلسطينيين جزءاً منها.

ووفق الإحصائيات الموثّقة، وخلال الأعوام الأربعة الماضية، ثمة حوالى ثلاثة آلاف فلسطيني قضوا ضحية النظام في مختلف المخيمات الفلسطينية والمدن السورية، نصفهم في مخيم اليرموك وما حوله، وضمنهم حوالى 250 شخصاً قضوا تحت التعذيب في المعتقلات، وحوالى 170 قضوا بسبب الجوع والمرض في ظلّ حصار المخيم.

في قصة فلسطينيي سورية، ثمة كثير من الادعاءات أو الأساطير التي تنطوي على الحجب والمخاتلة والتلاعب، والتي تروّجها أبواق النظام، والفصائل التابعة له، وتلك التي تدور في فلك ما يسمى بمحور «المقاومة» و «الممانعة».

معلوم أن الجبهة السورية باتت خارج الصراع ضد إسرائيل منذ أربعين عاماً، وقد تم حظر العمل الفدائي من تلك الحدود نهائياً، بل إن النظام، كما هو معروف، وسّع رقعة ضبطه للعمل الفدائي إلى لبنان، في محاولته الإمساك بالورقتين الفلسطينية واللبنانية في آن معاً، بوسائل القوة والقسر والهيمنة على الفلسطينيين واللبنانيين.

أما في الداخل السوري، وإلى محاولة النظام السيطرة على منظمة التحرير، ومنعه وجودها ونشاطات «فتح» منذ أكثر من ثلاثة عقود، ودعمه إقامة بدائل عنهما، فقد اقتصرت نشاطات الفصائل في المخيمات على إحياء مهرجانات انطلاقاتها، وعلى مجرد نشاطات إعلامية، بعد أخذ موافقة الجهات الأمنية («الضابطة الفدائية»). هكذا، فإن تشكيل نادي كرة قدم أو إقامة معرض فني أو تأسيس حضانة للأطفال، كان يحتاج الى موافقة مسبقة، علماً أن النظام كان يمنع أية مظاهر ذات طابع سياسي، ويأتي ضمن ذلك، حظره تظاهرات «يوم الأرض» التي كانت تتم رغماً عنه، وندر أن كانت تمرّ من دون أثمان.

مع اندلاع الثورة، صدرت تصريحات عدة من المسؤولين السوريين تلقي المسؤولية عما يجري على عاتق الفلسطينيين، في مخيمي اللاجئين في اللاذقية ودرعا. أي أنه من الأشهر الأولى لعام 2011، بدأ إقحام الفلسطينيين في الصراع السوري، حيث ساهمت الفصائل التابعة للنظام في ذلك بادعائها أن ما يجري مؤامرة على سورية، وعلى المقاومة، وأنها ستدافع عن النظام من منطلقات وطنية وقومية، وهو ما عبر عنه أحمد جبريل، الأمين العام للجبهة الشعبية - القيادة العامة.

المشكلة أن الأمر لم يتوقف عند التصريحات، إذ إن هذه الفصائل باتت تطالب بتسليح المخيمات، وإقامة لجان للدفاع الذاتي، الأمر الذي رفضته فصائل منظمة التحرير، بل إن قيادة المنظمة اتهمت جبريل بتوريط الفلسطينيين في ما يجري في سورية.

هذا كلّه حصل قبل تصاعد الصراع المسلح في سورية، أي قبل ظهور «جبهة النصرة»، و «داعش»، إذ إننا نتحدث عن 2011، حتى منتصف 2012. أما في النصف الثاني لعام 2012، فتعمّد النظام قصف اليرموك مرات عدة، ما أدى إلى مصرع العشرات، كما تعمّد اعتقال عشرات الشبان، وذلك فقط بسبب استعصاء المخيم على المنظمات التابعة له (وهو ما ظهر جلياً في تظاهرة الفلسطينيين ضد جبريل والقيادة العامة في حزيران (يونيو) 2011)، وأيضا بسبب تحوّل المخيم الى بيئة حاضنة للنازحين السوريين من المناطق المجاورة.

على أية حال، فإن تصاعد الصراع المسلّح، بدءاً من النصف الثاني من 2012، أدى الى احتدام الصراع على مخيم اليرموك، الذي يتموضع كنقطة في بحر من المناطق السورية العشوائية المكتظة بالسكان، هي بمثابة مدن في ريف دمشق (الحجر الأسود، يلدا، ببيلا، التقدم، التضامن، الشاغور)، وفي حين أن عدد الفلسطينيين لا يتجاوز 180 الفاً، فإن سكان هذه المناطق يقدّر بمليون نسمة.

ولعــــل هـــذا التـوصيف للواقعين الجغرافي والديموغرافي للمخيم وما حوله، يفنّد خرافة روّج لها النظام ومن معه، وبعض أوساط المعارضة، باعتبار المخيم بمثابة بوابة لدمشق، في حين أنه لا بوابة ولا حتى نافذة، فمساحته لا تتعدى الكيلومترين المربعين، وأقصى عرض له بضع مئات أمتار فقط. والمؤسف، أن ثمة أوساطاً فلسطينية روّجت لهذه الدعاية بخفّة وسذاجة بالغتين لأغراض التوظيف السياسي، تبريراً لتصرفات المعارضة أو لحصار النظام للمخيم.

وهذا يفيد بأن الحصار (أواخر 2012) تم من النظام بإرادة وتصميم مسبقين، قبل ظهور «جبهة النصرة» و «داعش»، وهو حصار مرّ عليه 25 شهراً. والمفارقة أن النظام كان يبرر حصاره المخيم وقطعه الماء والكهرباء والغذاء والدواء عنه، بحجة الجماعات الإرهابية التكفيرية، يساعده في الترويج لذلك بعض الفصائل الفلسطينية، وحتى بعض المثقفين الفلسطينيين، في حين تبين بعد هجمة «داعش» و «النصرة» أن المخيم تحت حماية أبنائه، من الشبان الذين بقوا فيه، مع وجود حالة عسكرية تابعة لـ «حماس»، نشأت في ظل الحصار، وبسبب الحصار، وليس قبله.

المهم أن التطورات الأخيرة كشفت النظام على حقيقته، كما كشفت الفصائل التي سكتت عن الحصار، وعن كل الإجرام بحق الفلسطينيين الذين عانوا العذابات، وقضى المئات منهم بسبب القصف والقنص والموت جوعاً أو تحت التعذيب في المعتقلات، كما كشفت «المثقفين» الذين وقفوا مع النظام، على رغم كل تاريخه المشين في «مرمطة» الفلسطينيين، وتوحّشه بحق السوريين والفلسطينيين.

يبقى أن بعض الفلسطينيين من المحسوبين على ما يسمى بالمقاومة والممانعة، وحتى من الذين يدورون في فلك السلطة، يتحدثون عن ضياع «حق العودة»، متناسين أن هذا الحق ضاع مع عقد اتفاق أوسلو (1993)، أي قبل أكثر من ثلاثة عقود، وأن النظام السوري هو السبب الأساس في ضياع مخيم اليرموك (وغيره من مخيمات في سورية ولبنان)، وتشريد سكانه، مع كل ملاحظاتنا وحتى اعتراضاتنا على المعارضة السورية، وجماعاتها المسلّحة.

أما الذين يرون أن قضية فلسطين تراجعت، أو أن عملية التسوية انحسرت، فيتناسون أن هذين الأمرين حصلا، أصلاً، قبل «الربيع العربي»، وأن مسار أوسلو تحديداً وصل الى أفق مسدود منذ زمن، وأن «المشرق العربي» يتعرّض لهزات تاريخية كبيرة، وفلسطين جزء من هذا المشرق، لها ما له وعليها ما عليه. أليس كذلك؟

اقرأ المزيد
١٦ أبريل ٢٠١٥
تكراراً، ما الحل في سورية؟

كل ما يجري يُظهر أن هناك من يعمل على "تزبيط" معارضةٍ، تقبل باستمرار بشار الأسد. ما زالت روسيا تعمل على ترتيب معارضة "من صلب السلطة"، ربما تسعى إلى الحصول على مناصب. لهذا، دعت شخصياتٍ، بصفتها تمثل المعارضة وهي ليست معارضة، لم تكن ولم تصبح ولن تكون. وعلى الرغم من ذلك، أتت بوفد سلطوي ينفّر أيّاً كان، فيُفشل أي "تزبيط" روسي. بعدها، تحاول موسكو أن توجد مخرجاً يسمح باستمرار الأسد. ولهذا، تحاول إيجاد معارضة توافق على ذلك. وما تطرحه يقوم على تشكيل حكومة انتقاليةٍ، تهيئ لانتخابات رئاسيةٍ، يشارك فيها بشار الأسد، وبإشراف الأجهزة السلطوية نفسها، لينجح بنسبة 92%.
لكن، ما يبدو واضحاً أن كل الأطراف الإقليمية والدولية باتت تتعامل مع أفراد معارضين، وليس مع هيئات معارضة، ويبدو أن أطراف المعارضة توافق، لأن مشاركين كثيرين يريدون أن يحصلوا على مناصب في أي حلّ قد يتحقق، فلا يتوقفون أمام وجود هيئات المعارضة. لهذا، لم يعد أحد ينظر إلى "الائتلاف" أو "هيئة التنسيق"، أو المجموعات الأخرى، تكويناتٍ تمثل معارضة، بل أصبح كل طرف إقليمي، أو دولي، يستنسب بعض المعارضين لعقد لقاء أو مؤتمر يطرح تصوراً للحل، بات يتراجع عن التمسك بإبعاد بشار الأسد ومجموعته.
يحدث الأمر نفسه في القاهرة. لكن، مع أفراد آخرين، أو حتى مع الأفراد أنفسهم. لهذا، يظهر ما يسمى حوار المعارضة، وهو حوار معارضين بهذا المستوى أو ذاك، عليهم أن يشكلوا "هيئة" متابعة. ويجري الحديث، الآن، عن دعوة سعودية مماثلة، أي لمعارضين، لتشكيل هيئة تشارك في الحل السياسي. وذلك كله يعني أن المعارضة المتبلورة أساساً في هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وتحالفات أخرى أقل أهمية، باتت في مرحلة التفكيك، من أجل اختيار ما يناسب حلاً تتوافق عليه الدول الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، يسعى كل طرف إلى اختيار المقربين منه، والموافقين ربما على استمرار النظام، لكن، بالتحديد استمرار بشار الأسد.
بات هذا الأمر يفرض لَيّ عنق مبادئ جنيف1 عن تأسيس هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، ما يعني، بالضرورة، إنهاء بنية السلطة القائمة بكل مستوياتها، بما في ذلك سلطة الرئيس ومنصبه، ومنصب رئيس الوزراء. لَيّ عنقها لمصلحة ضمان استمرار الأسد وبنيته، حيث بات يتكرر الكلام عن ضرورة عدم طرح وضع الرئيس في المفاوضات، وربط ذلك في المآل الأخير. فمن سيضمن تحقيق التغيير، إذا بقي الرئيس، وبقيت الأجهزة نفسها؟ والأفراد أنفسهم؟ بالتالي، كيف ستمارس الهيئة الانتقالية مهماتها، في ظل سيطرة المجموعة التي خاضت الحرب ضد الشعب؟
يهدف هذا الممر إلى عدم الوصول إلى حل، لأن عدم إزاحة بشار الأسد ومجموعته التي خاضت الحرب ضد الشعب سوف يبقي الصراع قائماً، فليس من إمكانية للوصول إلى حل يوقف الصراع، ويسمح بقبول الكتائب المسلحة والشعب الذي تدمرت بيوته وتشرد وقتل أبناؤه وما زال يقاتل ويخوض الصراع ضد السلطة، سوى (كحد أدنى)، إبعاد الأسد ومجموعته المهيمنة على الأمن والجيش والاقتصاد. ليس من حل ممكن، من دون أن يشعر الشعب الذي قاتل من أجل التغيير، وتدمرت بيوته وقتل أبناؤه وتشرد، بأنه حقق انتصاراً "صغيراً"، يتمثل في إبعاد الرئيس ومجموعته. من دون ذلك، ليس ممكناً أن تقبل الكتائب المسلحة والشعب. وبالتالي، سيفشل أي حل لا يبدأ من إبعاد هذه المجموعة التي خاضت الحرب ضد الشعب ودمرت سورية، بعد أن نهبتها عقوداً طويلة، في ظل سلطة استبدادية.
الأوهام حول اللعب على الكلمات لن تفيد شيئاً. لهذا، يجب أن ترفض المعارضة تفكيكها، وأن تتمسك بأساس نجاح أي حل، وهو إبعاد الفئة المسيطرة على الدولة.

اقرأ المزيد
١٦ أبريل ٢٠١٥
انتظار "الحزم" هو : موت "الحسم"

20 يوماً مضت على "عاصفة الحزم" ، التي بدأت سريعاً و بدون أي تفويض دولي ، بقوة و ضرب مركز ، مع غياب قوة فاعلة تماما على الأرض ، أيام و اتخذت الإجراءات القانونية و حصلت على بطاقة السماح الأممية بسيفها السابع ، لتتحول إلى حرب دولية على أتم وجه ، حرب على الخروج عن الشرعية ، و حرب على منتهكي الإنسانية ، و حرب على عملاء الأعداء.

ليس اليمن حاله أصعب من حال سوريا و لا شروط التدخل فيها أصعب من  الشروط في سوريا ، لكن هناك كل شيء تم و يتم بسرعة لا يمكن معها القراءة ، في حين أن شدة البطئ في التعامل مع الوضع في سوريا يجعل قراءته غير متاحة أيضاً.

منذ اللحظة الأولى و نحن ننتظر الإعلان عن حزم مشابه في سوريا ، ولا يخلو يوم من تسريب هنا أو هناك ، كشف من هذا أو ذلك ، أو حديث في الدوائر المغلقة و الشديدة السرية عن شيء مشابه ، لكن كلها باتت شيء عادي و اعتيادي و من طبيعيات الأمور في الشأن السوري.

ثورتنا تشبه حال الأهل بطفلهم الصغير الذي يتعلم الكلام حديثاً ، فكلما نطق بحرف أو طلب شيء جديد نهلل و نفقز فرحاً و ننتظر أن يكمل وحده التعلم و يبهرنا ، و رغم كل ما يصدر عنه مجرد كلام إلا أنه يبقى مصدر سعادة آنية تنسينا مؤقتاً مرارة البحث عن رزقه و تأمين مستقبله.

الحق يقال أن الثورة السورية و الأوضاع التي خلفها الإجرام في التعامل معها ، هي من أكثر الأمور التي جرى الحديث عنها و التصريح بشأنها و عقد المؤتمرات و اللقاءات و المشاورات على مر التاريخ ، و لا يوجد حدث عالمي اتخذ هذا الشكل من الإهتمام على مر التاريخ ، و لا نبالغ إذا ما تفوقنا على أطول الصراعات و هو الصراع "العربي – الإسرائيلي" ، و لكن كل هذا التفوق لا يتجاوز حدود " كلمة جديدة نطق بها طفل".

نترقب الأمور و بانتظار مرور الحزم من الأجواء السورية لتنهي أو لتخفف على أبسط تقدير حجم المعاناة الهائل عن كاهل الشعب السوري ، لكن هل هذا الترقب و الانتظار هو شيء مفيد أو جديد أو ذو فائدة ؟

اعتدنا على الوعود الكاذبة و اعتدنا الانتظار و كذلك الترقب و أيضاً سماع الخطب الرنانة و كلمات التأييد ، كما اعتدنا الخذلان و النسيان و الاهمال ، اعتدنا التراخي و التماهي في المصالح ضدنا ، اعتدنا أن نعتاد على عالم كل همه تعويدنا على الموت و جعله ثقافة اعتيادية ضمن العادة الأساسية ، عادة "ذهبية المصالح تُفضل على حديد المبادئ" .

انتظارنا و ترقبنا لـ"الحزم" ماهو إلا صناعة أكفان جديدة لثورتنا و شعبنا ، انتظار لموت أعنف و أشد ، النظر لإحتلال أوسع و أشد ، و انتظارنا لـ"الحزم" كمشاهدة البوارج الأمريكية على السواحل السورية تتأهب لإرسال صواريخها ، كمتابعة جلسات مجلس الأمن التي تقترب من الخروج بقرار تحت السيف "السابع" ، كرؤية الإجتماعات خلف الأبواب لتخرج بإذن الإنهاء ، فكل هذه المشاهدات و الإنتظارات و الرؤى تقف عند حد المحسوس دون أن تصل إلى الملموس.

لسنا بحاجة لـ"حزم" أحد بل نحن بحاجة لـ"حسمنا" و اتفاقنا و تنازلات من الجميع لإنقاذ الجميع ، لو اضطررنا للتخلي عن كثير من الأشياء أو تأجيلها في الوقت الحالي ليتم "الحسم" و من ثم نعود لـ "خلافنا".

اقرأ المزيد
١٦ أبريل ٢٠١٥
بعد موسكو2: جنيف 3 أم عاصفة حزم لسوريا؟

على رغم امتناع روسيا عن التصويت في مجلس الأمن على القرار المتعلق باليمن، يبدو المشهد الدولي أقرب إلى التوافق منه إلى الشقاق، ما دام القرار المذكور قد صدر بما يشبه إجماع أعضاء المجلس. لكنه ليس توافقاً على السلام، بل على تهديد الحوثيين وحلفائهم بالفصل السابع، الأمر الذي يعني وقوف «المجتمع الدولي» وراء الحرب الجوية السعودية على الانقلاب الحوثي المدعوم بفلول علي عبد الله صالح.
هذا جديدٌ في المشهد الدولي، هو ثمرة التغيير الكبير في السياسة السعودية الذي حدث بعد تولي الملك سلمان القيادة. ولا يمكن فصل تشجيع الرئيس الأمريكي باراك أوباما على «تدخل عربي» في سوريا، عن آثار هذا التغيير السعودي على توجهات الإدارة الأمريكية بعد إنجازها لاتفاق الإطار على الملف النووي الإيراني. كأن أوباما أطلق يد حلفائه التقليديين للي ذراع نظام الملالي في اليمن وغيرها من جبهات المواجهة مع النفوذ الإيراني، من الآن وحتى اكتمال شروط الاتفاق النهائي مع طهران في نهاية حزيران المقبل.
يبدو منتدى موسكو 2 الذي انتهى قبل أيام، في ضوء هذه التطورات، كما لو كان خارج السياق العام. كان مجرد مناسبة جديدة لعرض بذاءات رئيس وفد النظام الكيماوي بشار الجعفري واستهانته بمحاوريه من «المعارضة المقبولة»، كما عبرت الورقة التي قدمها عما يشبه يأس النظام من أي حل لأزمته ما دام يستنجد فيها بالمجتمع الدولي ليقضي، من أجله، على «الإرهاب» الذي يشمل، في تعريفه له، كل معارضة سلمية كانت أم مسلحة، «داخلية» أم «خارجية»، وليعيد، من أجله أيضاً وأيضاً، اللاجئين والمهجرين إلى ديارهم، ويعيد إعمار ما دمره هو بطائراته وبراميله طوال سنوات أربع.. ولكن بشرط أن يترك الحل السياسي للسوريين أنفسهم بقيادة النظام وبلا أي تدخل خارجي! كأن المجتمع الدولي، الذي طالما شكى الجعفري ونظامه من دعمه للإرهاب، خادم مطيع لدى النظام مطلوب منه إعادة الوضع إلى ما كان عليه، قبل منتصف آذار 2011، ولا يحق له التدخل في أي حل سياسي يقوم فقط على تمكين النظام وتسليم المسلحين لسلاحهم له صاغرين. بكلمات مختصرة، عبرت «الورقة» عن أضغاث أحلام تبعد النظام عن جحيم الواقع الذي تعمل دينامياته لغير صالحه. واقع يقول بخروج مدينة إدلب، بعد الرقة، عن سيطرته، كثاني مركز محافظة يتم طرد قواته منها، مع إشارات قوية إلى قرب انضمام مدينة حلب، العاصمة الثانية لسوريا، إلى المدينتين المذكورتين.
تحدثت مخرجات «موسكو 2» عن شروط النظام المذكورة في ورقته بوصفها «مدخلاً إلى جنيف 3» الذي من المفترض أن يزود النظام بصك شرعي دولي لانتصاره على السوريين وفقاً لأحلام اليقظة التي تراوده. في حين يترقب الجميع «عاصفة حزم» في سوريا، تزداد مؤشراته باطراد، قائمة على توافق حربي سعودي ـ تركي ـ قطري قد يحظى بتغطية سياسية أمريكية. تتحدث بعض السيناريوهات التي يتم تداولها عن توغل بري تركي في الشمال مع تغطية جوية من الطيران السعودي. قد يمكن قراءة التطورات العسكرية في مدينة حلب ومحيطها القريب بوصفها مقدمة للسيناريو المذكور. فتحرير القسم المتبقي تحت سيطرة النظام من المدينة من قبل الفصائل العسكرية الموجودة فيها، قد يشجع القيادة التركية على توغل بري لتثبيت الأمر الواقع الجديد الذي سيفرضه تحرير حلب على النظام وظهيره الإيراني. فإذا تمكن طيران التحالف العربي ـ الإقليمي بقيادة السعودية من ضرب الدفاعات الجوية للنظام، يفقد هذا الأخير نقطة تفوقه الأبرز على الثوار وهي السيطرة على الجو.
ولكن دون هذا السيناريو الطموح عقبات كثيرة في الجانب التركي تحديداً. فالحزب الحاكم يتهيأ لخوض انتخابات نيابية ستحدد مصيره في الحكم، وربما تحدد مصير تطلعات الرئيس أردوغان إلى حكم رئاسي يجمع بين يديه كامل السلطات. ولن يكون من السهولة بمكان أن يقنع أردوغان قادة الجيش بخوض مغامرة عسكرية بهذا الحجم وبدون تغطية دولية، أمريكية بصورة خاصة. بيد أن نقطة الضعف هذه يمكنها، في الوقت نفسه، أن تشكل نقطة قوة، بالنظر إلى ما يدور من كلام، في الرأي العام التركي، عن «استعداد أردوغان لفعل أي شيء يوصله إلى أهدافه» في استمرار حزب العدالة والتنمية في الحكم وتكريس موقعه الرئاسي بصلاحيات مطلقة لحكم البلاد. هذا الاستعداد «لفعل أي شيء» لماذا لا يدفع الرئيس التركي وأركان حكومته إلى مغامرة عسكرية خارجية مدعومة بقوة من دول الخليج؟
زيارة أردوغان إلى طهران، الأسبوع الماضي، لا توحي أبداً برغبة تركية في التورط بصراع مكشوف ضد جارتها الشرقية. وعلى رغم الخلاف الحاد بين سياستي البلدين، في سوريا وغيرها من المواقع المشتعلة بسبب النفوذ الإيراني، تبدو طهران وأنقرة أقرب إلى التنافس الاقليمي السلمي منهما إلى الصراع العنيف. يمكن لإيران أن تتحمل تدخلاً تركياً في سوريا بواسطة وكلاء من الفصائل السورية المسلحة، تماماً كما تفعل إيران نفسها في تدخلها في ساحات الصراع بواسطة وكلائها المحليين.
أما أن تتوغل تركيا بجيشها داخل الأراضي السورية، فهذا يغير قواعد اللعبة المقبولة إيرانياً. من المستبعد أن ترد طهران، في هذه الحالة المفترضة، بحرب مباشرة ضد تركيا. فمنذ القرن السادس عشر لم تخض إيران حروباً خارجية، باستثناء حربها الدفاعية ضد عراق صدام حسين في ثمانينات القرن الماضي. هي تستخدم التناقضات الاجتماعية – السياسية الموجودة داخل بعض بلدان المنطقة، وتدعم جهات محلية في نوع من حروب بالوكالة في صراعها على النفوذ الاقليمي. وبطريقة لا مفر منها تحول هذا المسار إلى صراع شيعي ـ سني اخترق عدداً من الدول. وهكذا يمكن توقع الرد الإيراني على توغل تركي محتمل في سوريا بالسعي إلى خلق اضطرابات داخلية في تركيا انطلاقاً من المكون الشيعي ـ العلوي التركي الذي يقدر بنحو 12 مليون نسمة ويشكو من مظلومية تاريخية ازدادت بروزاً بعد وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى الحكم.
المرجح، على أي حال، ليس اقتراباً من جنيف 3 باتت بعيدة جداً بعد حرب اليمن، بل عاصفة حزم لسوريا ليس واضحاً أي شكل قد تتخذ، وأية نتائج قد تفرز.

اقرأ المزيد
١٥ أبريل ٢٠١٥
هل من أفق للحل السياسي في سورية؟

أربعة حوادث جديدة بدأت تفرض نفسها على المشهد السوري الدامي، وتبدو كأنها حوافز تتضافر تدريجياً، لفتح نافذة في جدار الاستعصاء القائم وتحريك عجلة التفاوض والمعالجة السياسية.

يتعلق الحدث الأول باتفاق الإطار لطي الملف النووي الذي أبرم بين إيران والدول الست وفي مقدمها أميركا، والذي سيقيد، على عكس ما يعتقد البعض، يد طهران العسكرية في المنطقة، ربطاً بتراجع حاجتها للاعتماد على أوراق نفوذ إقليمية، باتت باهظة ومكلفة، كي تعزز موقعها التفاوضي، وتالياً تنامي حاجتها للانفتاح على الأسرة الدولية وفك الحصار المفروض عليها للخلاص من حالة الاستنزاف المزمنة والاهتمام بالوضع الداخلي وأزماته الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة، وخير دليل ردة الفعل الشعبي الاحتفالية على ما حصل، ونضيف أن هذا الاتفاق ما كان لينجح لولا تنازل طهران عملياً وخضوعها للنهج التسووي والحلول الوسط ولمبدأ التعاون والتشارك، ما يقود إلى تعزيز مراكز القوى السياسية والدينية التي تميل إلى المعالجة السياسية على حساب دور الحرس الثوري ومراكز القوى التي دأبت على نهج تصدير الثورة واستثمار البعد المذهبي لمد نفوذها في المنطقة، خاصة وقد تلقت هذه الأخيرة ضربات مؤلمة في الجنوب السوري، ثم في اليمن ناهيكم عن مثال تكريت في العراق.

الحدث الثاني تمثله عاصفة الحزم وتداعياتها في المنطقة، والتي إن أظهرت قيمة الحضور العربي وما يمتلكه من قوى كامنة أعادت رسم التوازنات الإقليمية لمواجهة تفرد إيران في استثمار المتغيرات المجتمعية التي أحدثتها ثورات الربيع العربي، فإنها حاصرت حلفاء طهران في غير مكان وعززت موضوعياً من وزن مناهضيهم، الأمر الذي يضعف جدوى التسعير المذهبي ومنطق العنف والغلبة اللذين وسما صراعات المنطقة لسنوات ويشجع مسار التوافقات والتفاهمات السياسية، خاصة إن تمكنت عاصفة الحزم من تحقيق هدفها في إعادة القوى اليمنية المتمردة إلى رشدها ودفع مختلف الأطراف بمن فيهم الحوثيون إلى التفاوض وبناء حلول سياسية تؤكد على العيش المشترك في إطار دولة تعددية تضمن حقوق الجميع ومصالحهم.

بينما يرتبط الحدث الثالث بالدور السياسي الذي بدأ يتطلبه الحضور الصريح لتحالف عسكري دولي ضد تنظيم داعش في سورية والعراق، ما قد يفضي إلى تحرر المواقف الغربية وتحديداً الأميركية من سلبيتها وترددها ويحثها على التدخل للتأثير سياسياً في مجريات الصراع السوري كي تضمن نتائج مجزية بأقل ثمن، فكيف الحال مع إلحاح دول الجوار على أولوية إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة، وقد تصاعدت خشيتها من ما تخلفه بؤرة التوتر السورية من استقطابات حادة واحتقانات مذهبية وعرقية، ومن الأضرار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الازدياد المتواتر لأعداد اللاجئين السوريين في أراضيها.

أما الحدث الرابع فيتعلق بالنتائج التي أسفرت عنها المعارك الأخيرة بين قوات النظام وحلفائه، وبين جماعات المعارضة المسلحة على اختلاف مسمياتها، ونجاح هذه الأخيرة في الاستيلاء على مناطق مهمة ونوعية، كمدينة إدلب شمالاً، وبصرى الشام ومعبر نصيب جنوباً، ثم في ريف حماة الشرقي والبادية وسط البلاد، والقصد أن الفشل المتكرر للخيار الأمني والعسكري في تحسين مواقع النظام وتمكينه من انتزاع زمام المبادرة ومحاصرة قوى المعارضة المسلحة في بقع صغيرة كما كان يأمل، يجعله موضوعياً أكثر استعداداً للخضوع لمسار الحوار والحلول السياسية، بدليل قبوله بمبدأ التفاوض ومشاركته في اجتماعات جنيف وموسكو، حتى وإن كان الغرض المضمر من وراء ذلك هو ربح الوقت لالتقاط الأنفاس واستمالة بعض أطراف المعارضة، وما يزيد هذا الاستعداد وضوحاً قناعة باتت تتملك الجميع بعجز أي طرف عن تحقيق الحسم، وبأن ما يشهده الصراع الدامي من عمليات كر وفر هي عرضة للتبدل والانتكاس وأشبه بمعارك تدمير واستنزاف متبادل لن تفضي إلى انتصار عسكري نوعي أو توازنات مستقرة. ويعزز ما سبق تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية وشيوع رغبة عارمة وضاغطة لدى الناس بضرورة الخلاص من هذا التردي المريع في شروط حياتهم وعيشهم وأمنهم، ربطاً بتنامي استعداد المعارضة السياسية للتوصل إلى حلول تخفف من دوامة العنف وتحفظ وحدة البلاد ومؤسسات الدولة.

صحيح أن أهم أطراف المعارضة السورية تنادي بالحل السياسي للصراع الدامي، وصحيح أنها استجابت للمطلب العربي بضرورة الحوار لتوحيد صفوفها وخطابها، وتحمست، من أجل ذلك، للمشاركة في اجتماع القاهرة المرتقب أواخر الشهر الجاري، لكن ذلك لن يثمر تبدلاً في موقعها ودورها، إن لم ترتق بمسؤوليتها الوطنية وتتجاوز الحسابات الأنانية والضيقة والصراعات الحزبية والفئوية، وإن لم تنجح في تمثل دروس الماضي والوقوف نقدياً من نهج الترويج لطلب السلاح وتشجيع الحسم العسكري، وتالياً نشر ثقافة تدين لغة العنف والإكراه وتنبذ مظاهر التباهي بمنطق المكاسرة والغلبة، والأهم إطلاق المبادرات لتثقيل الوجه السياسي والمدني لقوى التغيير الديموقراطي.

والحال هذه، هل نستطيع القول أن الزمن السوري لن يستمر عبثياً ودموياً وبات محكوماً بتسوية سياسية، وأن ثمة احتمال يتقدم في أن تحاصر الأحداث الحاصلة اليوم أهم الأطراف المتحاربة وتجبرها على ترك ميدان العنف والسعي لمعالجات من طراز مختلف تخمد بؤرة التوتر وتوقف تفاقم هذه المأساة الإنسانية، أم لا تزال هناك صعوبة في التوفيق بين مصالح متباينة تمثلها قوى عربية ودولية وفئات من النظام والمعارضة زادها تبايناً ما كرسه طول أمد الصراع والعنف المفرط من نتائج مؤلمة يصعب تجاوزها بسهولة؟! وبعبارة أخرى، هل سيكتب التاريخ قصة عجز السوريين أخلاقياً ووطنياً عن مقاربة حلول تخفف آلامهم وتسعى للحفاظ على وحدة وطنهم وتعايشهم، أم ثمة بعد هذا الخراب ما يشجع على تبلور قوى ورؤى سياسية تتطلع، بعيداً عن أوهام الانتصارات والحسم، نحو التشارك في بناء مستقبل جديد تحدوه دولة ديموقراطية تعددية ومجتمع مواطنة لا مكان فيه للتمييز أو لحقد وانتقام؟!.

اقرأ المزيد
١٥ أبريل ٢٠١٥
رياح عاصفة الحزم

منذ انطلقت عملية عاصفة الحزم التي تقودها المملكة العربية السعودية ودول أخرى ضد متمردي جماعة الحوثي وقوات الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح، بدأ السوريون يستبشرون خيراً ويتناقلون أخباراً تفيد أن العاصفة، التي تستهدف التمدد الإيراني في منطقة الخليج، سوف تلامس بشكل أو بآخر، ذلك التمدد والتغول في سوريا، ويعزز ذلك التفاؤل السوري أخبار لم تتوقف منذ اليوم الأول لعاصفة الحزم تؤكد أن قادة مجلس التعاون الخليجي لم يعودوا قادرين على احتمال ما تفعله إيران في المنطقة العربية، خاصة بعد أن اكتسبت نوعاً من الثقة بنفسها غداة توقيعها الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، وهو الأمر الذي أثار حفيظة دول الخليج التي ترى في إيران خطراً محدقاً يهدد مستقبل المنطقة بأسرها، وثمة عتب لم يعد خفياً على أحد يوجهه المسؤولون الخليجيون لواشنطن لتهاونها في الملف الإيراني، وتفريطها بطريقة أو بأخرى في أمن الخليج والمنطقة.

بالتزامن مع انطلاق عاصفة الحزم حققت بعض الكتائب على الأرض السورية انتصارات ميدانية كبيرة في محافظتي إدلب ودرعا، وقد ربط البعض هزائم النظام في هاتين المنطقتين بانشغال حليفته طهران بلملمة أوراقها اليمنية التي تبعثرت في ضوء المفاجأة التي تعرضت لها، وقد بدأت تمنى بالخسائر المتلاحقة، وفقد المسؤولون الإيرانيون أعصابهم وهم يرون الحديقة الخلفية للخليج العربي، والتي كانوا يعدون عشرات الخطط لها بدأت بالخروج من أيديهم، ولن يكون بإمكانهم إعادة بسط سيطرتهم كما كان الأمر خلال الأشهر الستة الأخيرة والتي أعقبت استيلاء الحوثيين على السلطة، وإعلانهم تبعيتهم للولي الفقيه، ولعل هذا التحالف هو ما يفسر ما يمكن وصفه بالجنون الذي أصاب أقطاب المحور الإيراني وجعل النظام السوري يلقي بكل ثقله في التجييش ضد عملية عاصفة الحزم، مذكراً القادة الخليجيين من جديد أن طريق القدس لا تمر عبر اليمن، وكأنها تمر أصلاً عبر تدمير المدن السورية وتشريد أهلها.

وفيما لم تصدر بعد أي تأكيدات من قبل قادة عاصفة الحزم أنهم قد يتخذون خطوات عسكرية ضد النظام السوري، واستطراداً ضد الميلشيات الإيرانية المنتشرة بكثرة على الأراضي السورية والمتمثلة في حزب الله اللبناني الذي لا يختلف من حيث المبنى والمعنى عن ميلشيات أنصار الله في اليمن، إلا أن ذلك لم يمنع الارتباك الذي بدأ يعتري سلوك تلك الميلشيات ويجعلها تفكر بالخروج بأقل الهزائم، وإن كانت طهران تدرك أنها لا يمكن أن تسمح بخسارة جبهتين ثمينتين في وقت واحد، فإنها قد تحاول التركيز على الجبهة اليمنية لما تمثله من ثقل نظراً لقربها الشديد من منطقة الخليج العربي، ولموقعها الإستراتيجي الذي لا تخفي طهران رغبتها في التحكم فيه والسيطرة عليه، ولعل ذلك ما يجعل اهتمامها بالساحة السورية يضعف بعض الشيء، وقد انتقل قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني والذي كان يدير العمليات على الساحتين السورية والعراقية إلى اليمن.
وانتقل معه عدد من قياديي حزب الله اللبناني أيضاً، وهو ما يتيح الفرصة أكثر لكتائب الثوار على الأرض للانقضاض على قوات النظام المنهكة والتي كانت قد أسلمت قيادتها وبشكل كلي لمن يسمون بالخبراء الإيرانيين، وإن كانت النتائج التي حصدها الثوار خلال الفترة الماضية تعكس تفوقاً ملحوظاً، فإنه يمكن اعتباره واحداً من نتائج عاصفة الحزم التي بدأت تظهر باكراً على الساحة السورية، وإن كان النظام قد بدأ يكتفي بشن الغارات على المناطق المحررة في محاولة منه لتدمير ما يمكن تدميره ريثما يستطيع “الخبراء الإيرانيون” العودة للإشراف على العمليات القتالية، فإن الكلام عن مناطق حظر جوي فوق المناطق المحررة بدأ يعلو خلال الأيام الماضية.

ويبدو أن الرياض وهي أكثر المعنيين بالملف السوري تقود ماراثوناً دبلوماسياً على أكثر من اتجاه لإيصال رياح عاصفة الحزم إلى دمشق، ربما دون أن تكون مضطرة لتوجيه أسراب طائراتها وطائرات حلفائها إلى هناك، طالما أن النتيجة ستكون مرضية في نهاية المطاف.

اقرأ المزيد
١٥ أبريل ٢٠١٥
نحو تحالف إقليمي جديد بشأن سوريا

من المبكر الحديث عن خطط إستراتيجية في طريقها إلى الإنجاز أو أن ترى النور قريبا، للإطاحة بنظام الأسد، كما تتوقع مراكز أبحاث أميركية، تأسيسا على الحراك السياسي بين أقطاب المنطقة العربية الشرق أوسطية، خاصة السعودية وتركيا، منذ فبراير الماضي.

المسألة من التعقيد بأكثر مما يمكن أن يتصوره باحثون غربيون يحتاجون معلومات دقيقة ومعطيات متصلة بدول المنطقة وسياساتها وأنماط التفكير فيها. وقد لا تعكس التصريحات والتحركات الدبلوماسية، حقيقة السياسات التي تطبخ على نار هادئة، فيما يحترق السوريون سراعا بمختلف وسائط الموت.

تتوقع أوساط سياسية، أن عاصفة الحزم، سوف تنتقل شمالا لتضع حدا للحالة السورية التي أوغلت في الدم والخراب، وهذا التوقع يكاد يقترب من نسج الخيال الشعبي، الذي يعكس أحلامه في تمنيات يتوق إليها المقهورون، خارج المعطيات الموضوعية. من هنا ينظرون إلى ما تقوم به السعودية ودول الخليج في ردع الحوثيين، على أنه مقدمة للخلاص من نظام الأسد. لكن الأمر أيضاً ليس بعيدا عن القوى الإقليمية المعنية مباشرة بالوضع في سوريا، فليس من المستبعد بلورة تحالف سعودي تركي، تدعمه الإمارات العربية المتحدة، وقطر ومصر، لكنه لن يماثل بأي حال مهمة عاصفة الحزم، كما أنه غير وارد الآن، في هذه المرحلة، بسبب انشغال تلك القوى بإنجاز مهمتها في اليمن، وهي تشهد توسعا في العمليات العسكرية الجوية، وإلحاقها بعملية برية، من شأنها استكمال العمل على استئصال حركة الحوثيين المسلحة، وإعادة سيطرة الدولة اليمنية.

من المتوقع، المزيد من الوقت الذي ستستغرقه عاصفة الحزم. وفي الأثناء، ليست ثمة أولوية للانشغال بالحدث السوري على جميع الأصعدة. والواقع فإن لقاء موسكو 2 أظهر الانشغال الدولي عما تقوم به روسيا من دور يتمثل بتعويم النظام السوري واحتواء المعارضة، بالصورة المعيبة التي انجلت عنها المشاورات الأخيرة، من حيث استمرار إشكاليتي تعنت النظام، وفوضى المعارضة.

تشير المعطيات إلى أن الرياض تتحرك بشأن سوريا في اتجاهين، بتعاون وثيق مع الدوحة، وتاليا مع أنقرة، مع ملاحظة الإشكال الأساسي الذي يظلل العلاقة السعودية التركية بشأن دعم الأخيرة لتنظيمات الإخوان المسلمين في المنطقة العربية، خاصة مصر وتونس وليبيا، وبالطبع سوريا. يتمثل الاتجاه الأول في دعم الجهود السعودية في إعادة تشكيل المعارضة السورية، وبمعنى أدق بثّ الروح في الجسد الميت عبر مؤتمر القاهرة، واستباقه بحملة تنسيق مع الأطراف المؤثرة في مكوناتها الأساسية، علّ ذلك ينقذ المشروع من الوقوع في أخطاء الانفراد والإقصاء وبالتالي الفشل. أما الاتجاه الثاني، فهو العمل على بلورة رؤية مشتركة تطلق حراكا سياسيا دوليا من شأنه أن يدفع باتجاه اتخاذ مواقف دولية أكثر حزما في ما يتصل بإلجام نظام الأسد عن الاستمرار في عدوانه على المدنيين السوريين.

أي تحالف في المنطقة لن يستهدف القيام بعمل عسكري لإسقاط بشار الأسد ونظامه الأمني. أيا تكن الأطراف التي يكونها ذلك التحالف، ذلك أن الإرادة الدولية وضعت تصورا وحيدا هو التسوية السياسية، وليست هناك حتى الآن أي تطورات في هذا الشأن. وأقصى ما يمكن الوصول إليه، هو فرض مناطق حظر طيران في شمال سوريا، وهو مطلب تلّح عليه تركيا وتعتبره شرطا لازما لانخراطها في أي تحالف عسكري بشأن سوريا. وهو ما يؤاخذ على أنقرة اشتراطاتها في إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية في حقبة أردوغان، كاشتراط تغيير الموقف السعودي من الإخوان المسلمين. غير أن فشل هذه الجماعة في إدارة الدولة والصراعات في حيزها الجغرافي المحدد، انعكس على الدور الريادي الذي حاولت تمثلّه بدعم من تركيا.

تحالف السعودية وتركيا، إذا قيّض له أن يولد بمباركة أميركية، سوف يكون مرتبطا بالمنظومة الأمنية الخليجية، التي تلعب أطرافها دورا محوريا في تذليل الصعاب بينهما، بما يقود إلى ممارسة ضغط فعّال يُجبر نظام الأسد على التفاوض، وكذلك تأهيل فريق معارض قادر على تحمل مسؤولياته. وهذا يحتاج الكثير من الوقت والجهد، خاصة أن الوضع السوري مفتوح على كل الاحتمالات، دون قدرة أي من الأطراف على وقف التدهور القائم أو التحكم بسيرورة العمل العسكري، الذي اتسع بصورة غير مسبوقة، يقابله استقواء نظام الأسد بميليشيات الاحتلال الإيراني ومثيلاتها. يضاف إلى ذلك العقدة المتصلة بالدولة الإسلامية التي تتمدد في دول الربيع العربي، فيما يشبه اقتصاص من مجتمعات التغيير الثوري، في تونس وليبيا وسوريا.

إن لم تكن هناك رؤية شاملة للحل في سوريا، تتضمن كيفية التعامل مع داعش من جهة، وجبهة النصرة من جهة ثانية، فإن أي تحالفات جديدة لن يكون مصيرها أقل مما آل إليه التحالف الدولي لمحاربة داعش. والنجاحات التي حققتها عاصفة الحزم يمكن أن تشكل لدى القادة الإقليميين، السعودية والإمارات وقطر، دافعا للعمل المشترك، ليس لنسخ تجربة “الحزم” في سوريا، بل للقيام بدور أساسي لإنشاء تحالف إقليمي، من أجل فرض تسوية مرتبطة بالتغيير.

اقرأ المزيد
١٥ أبريل ٢٠١٥
النفاق الإيراني لتدمير أوطان العرب!

مع اندلاع عاصفة الحزم في اليمن، هبّت إيران لمهاجمتها كما كان متوقعاً؛ لأنها طالت أحد أذرع أخطبوطها في المنطقة. حيث نعتتها بمختلف الأوصاف والنعوت؛ كـ "الجرائم"، "العدوان"، "الاحتلال"، وأن السعودية هي "غدة سرطانية يجب استئصالها"... إلخ.

وصل مرشد ثورتها الخمينية، علي خامنئي، لدرجة الحديث عن المحاكم الدولية، بسبب ما قيل إنها "جرائم ضد الإنسانية" تقترفها قوات التحالف بحق المدنيين والعزّل من الشعب اليمني!

قنوات إيران الفضائية حوّلت عاصفة الحزم إلى مجرد "عدوان سعودي أمريكي" على اليمن، وهذه كي تخوّنها، وكأن إيران لا تتعاون مع أمريكا وإسرائيل أيضاً، حيث يربط بينهما مشروع استعماري مشترك.

تهمة التحالف والتعاون مع أمريكا ثابتة على طهران، وبتصريحات من مسؤولين إيرانيين، حيث إن محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية، صرّح مساء الثلاثاء 2004/1/15، في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل، الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية سنوياً بإمارة أبوظبي، بأن بلاده قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربهم ضد أفغانستان والعراق.

وأكَّد أبطحي أنه "لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة". وتابع أيضاً: "لكننا بعد أفغانستان حصلنا على مكافأة، وأصبحنا ضمن محور الشر، وبعد العراق نتعرض لهجمة إعلامية أمريكية شرسة"..

من جهة أخرى، أعلن رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، علي أكبر هاشم رفسنجاني، في خطبته بجامعة طهران في فبراير/شباط 2002، أنّ "القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، وأنّه لو لم تُساعد قوّاتهم في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني".

وتابع قائلاً: "يجب على أمريكا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيراني الشعبيّ ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان".

وفي السياق نفسه، أعلن الناطق باسم الخارجية والاستخبارات الإيرانية علي يونسي أن هناك شكلاً من أشكال الدعم تقدمه إيران للولايات المتحدة.

أما د. محسن رضائي، الأمين العام لمجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، أعلن من فضائية الجزيرة عبر برنامج "بلا حدود"، الذي بث في 2002/7/25 أثناء العدوان الأمريكي على أفغانستان، أن الخلاص من المستنقع الأفغاني يجب أن يمر عبر إيران، وإذا وصلت أمريكا إلى طريق مسدود في أفغانستان فإيران طريق جيد، وإيران يمكن بشتى الطرق أن تحل هذا الطريق.

أما عن التواصل مع الولايات المتحدة، التي سماها الخميني "الشيطان الأكبر"، فقد كان قائماً دائماً من قبل، وليس في إطار المفاوضات على المشروع النووي فقط، وأكَّد نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني الإصلاحي محسن أرمين عن وجود اتصالات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.

في السياق نفسه، ذكرت صحيفة "يو إس إيه توداي" الأمريكية، أن إيران مهتمة بإعادة العلاقات الدبلوماسية بينها وبين الولايات المتحدة.

أما مستشارة الأمن القومي السابقة، كوندوليزا رايس، فتحدثت في مقابلة مع إحدى وكالات الأنباء عن أن الأمم المتحدة قد قامت بتيسير اتصالات بين بلادها وإيران بصورة منتظمة، لمناقشة مسائل عملية كانت تتعلق أصلاً بأفغانستان، ثم اتسع نطاقها لتشمل العراق.

إيران مع عاصفة الحزم التي دكّت أوصالها في اليمن، هبّت تتحدث عن الصهاينة والمؤامرة والمقاومة والممانعة والقانون الدولي، ولكن لم نسمع من وسائل إعلامها أدنى إشارة لجرائم مليشيات الحوثيين الذين حولتهم إلى الشعب اليمني، ولا نقلت لنا مشهداً واحداً عن جرائمهم في دماج – مثلاً- بحق طلبة علم من المدنيين، ولا رأينا صور سيطرتهم على المباني الحكومية بقوة السلاح.

طبعاً، هذه عقيدة إيران في التعامل مع قضايا الشعوب العربية، فهي التي ترى حراك الشيعة في البحرين ثورة شعبية، في المقابل تشارك بحرسها الثوري ومليشياتها الإرهابية في ذبح الشعب السوري لأنه طالب - بادئ الأمر - نظام الأسد بالإصلاحات، قبل أن يبطش بمظاهراتهم السلمية فاضطروا إلى مقاومته بالسلاح.

إيران تحتل دولة الأحواز منذ 1925 وتشرّد شعبها، وتمارس شتى المخططات للتطهير العرقي ومسح الهوية العربية والإسلامية، وبذلت ما في وسعها لتشييع الأحوازيين، غير أنها فشلت؛ حيث نشهد سنوياً المئات من شيعة الأحواز يتحولون إلى أهل السنّة، بل حتى الذين بقوا على تشيّعهم الكثير منهم يناهضون الاحتلال الإيراني الفارسي والصفوي لبلادهم.

نعم، تحتل الأحواز، وتعمل على تغيير دينهم وقوميتهم، وتعلق على المشانق من دون محاكمات عادلة كل من يناهض احتلالها، ولو كان شيعياً، وفي الوقت نفسه ترفع شعارات تحرير فلسطين من العدو الصهيوني الذي لم تطلق رصاصة واحدة عليه.

حتى بعض مغامرات "حزب الله" ضد "إسرائيل" كانت من أجل مصالح أخرى فيها ما جرى الاتفاق عليه بين الموساد والمخابرات الإيرانية تحت رعاية المخابرات الروسية.

إيران التي تذبح الأحوازيين وتحتل أرضهم وتحاول أن تجتثّ دينهم وعرقهم، هل يعقل أنها ستحرّر إخوانهم في الدين والهوية بفلسطين أو أي مكان آخر من العالم العربي والإسلامي؟

لم يقتصر الأمر على الأحواز فقط، بل إن إيران ذبحت أكثر من مليوني عراقي، وتعاونت مع الجيش الأمريكي في احتلال بغداد، وشيعتها العراقيون هم رؤوس الحربة الذين استعملتهم أمريكا في غزوها للعراق.

هل يعقل أن إيران تعادي أمريكا وتتعاون معها في غزو أفغانستان والعراق؟

الأدهى من كل ذلك، أن إيران لديها خط إمداد ينطلق من طهران ويمرّ عبر العراق ويصل إلى سوريا ثم لبنان حيث "حزب الله" الذي يدّعي المقاومة والممانعة، لكنها لم ترسل يوماً صاروخاً واحداً من الصواريخ طويلة المدى، حتى يستعمله حسن نصر الله ضد تل أبيب التي هدّد بنسفها، كما زعم الرئيس الإيراني الأسبق نجاد أنه سيمسحها من الوجود.

إيران صارت حدودها مع "إسرائيل" وهي حقيقة ثابتة لا اختلاف حولها، من جهة الجولان المحتل حيث نظام الأسد الذي هو مجرد محافظ إيراني على مقاطعة إيرانية، ولم نشهد أنه أطلق رصاصة واحدة لتحرير الأراضي السورية المحتلة.

بل الأخطر أن نظام الأسد يمتلك ترسانة كيماوية ضخمة، كما صرّح الرئيس الأمريكي باراك أوباما، يمكنها أن تمسح "إسرائيل" من الوجود، ولم يستعملها إلا ضد السوريين، كما أن بحوزته صواريخ مسافتها تتجاوز 200 كم لم يستهدف بها قوات "إسرائيل" في هضبة الجولان التي تبتعد بـ 50 كم عن العاصمة دمشق.

نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في عددها الصادر بتاريخ 2013/8/26 أن نظام الأسد يمتلك 100 ألف صاروخ متطور ومتنوع من نوع "سكاد"، يمكن أن تغطي فلسطين المحتلة كلها.

ترى، لماذا لم يطلق نظام إيران في دمشق صاروخاً واحداً ضد "إسرائيل" في حين استهدف الشعب السوري بمئات الصواريخ المدمرة للإنسان والبنيان والحيوان؟

لو أردنا أن نحصي جرائم إيران بحق العرب والمسلمين، وبتسمية أوضح وأدق هي "أهل السنّة"، لما كفتنا المجلدات، فقد تسبّبت في مقتل أكثر من مليوني عراقي، وحوالي نصف مليون سوري، وعشرات الآلاف في أفغانستان ولبنان واليمن والأحواز، وهو ما لم يفعله العدو الصهيوني منذ احتلاله لفلسطين عام 1948 إلى يومنا هذا.

على الرغم من كل ما شاهده العالم موثّقاً بالصوت والصورة في سوريا أو العراق، فإننا لم نسمع الإعلام الإيراني يتحدث يوماً عن جرائم ضد الإنسانية، ولا عن العدوان على الشعب السوري أو العراقي.

في حين هبّت تستعمل هذه الاصطلاحات في اليمن، مع أنه لم يثبت بأدنى دليل سقوط مدنيين في غارات قوات تحالف عاصفة الحزم، في حين ثبت بأكثر من دليل عدوان الحوثيين على المدنيين واستعمالهم كدروع بشرية، بل وصل الحال إلى الكذب باستخدام صور مفبركة أو أخرى وقعت في سوريا لتشويه العاصفة.

إيران تبرّر تدخل "حزب الله" وغيره بأنه جاء بطلب من الرئيس الشرعي – كما تصفه – بشار الأسد، في حين تخوّن الرئيس المنتخب في اليمن هادي لما طلب من الدول العربية أن تتدخل لحماية الشرعية ومؤسسات الدولة!

لما جاء شيعتها في العراق على ظهر دبابات أمريكية، وأفتى السيستاني بعدم جواز قتال الجيش الأمريكي، لم نسمع إعلامها ولا معمّميها يتحدّثون عن العمالة، في حين لما دخلت قوات درع الجزيرة في إطار قرار خليجي راحت تصفه بالاحتلال والعمالة وغيرها!

كل ما تقوم به إيران ضد العرب وأهل السنّة تراه حلالاً، ولو وصل إلى حدّ ذبح الأطفال ونحرهم من الوريد إلى الوريد بخناجر منقوش عليها "يا حسين"، في حين أن أهل السنّة حين يقاومون ويدافعون عن أنفسهم يُتّهمون بالإرهاب إن كانوا تنظيمات، وبالاحتلال إن كانوا دولاً وهيئات معترفاً بها دولياً.

نظام الأسد الذي تدعمه إيران بالصواريخ والأسلحة والأموال، حين يقصف المدن، ويبيد النساء والأطفال والشيوخ، ويدمّر المساجد والمستشفيات، فإنه يكافح الإرهاب في نظر ملالي طهران.

وحين تشكّل قوات شيعية طائفية تسمّيها "الحشد الشعبي"، وتبيد القرى وتقتل عشرات الآلاف من المدنيين، فهذا عمل مشروع وحلال لدى إيران الصفوية.

وحين تتدخل الدول العربية لحماية الشعوب من الإبادة، فإن ذلك حرام ومجرّم في قانون الغاب الذي تؤمن به دولة الفرس العنصرية.

ثبت سقوط الملايين من المدنيين في سوريا والعراق واليمن ولبنان والأحواز، وثبت مقتل عشرات الآلاف تحت التعذيب في أقبية المخابرات السورية، ولم نسمع إيران تتحدث عن المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، والسبب واضح؛ أن القاتل لا يجرم نفسه أبداً.

في حين لم يثبت سقوط مدني واحد في عمليات عاصفة الحزم، ونسمع إيران وهي تملأ العالم ضجيجاً عما تسميه "إبادة" الشعب اليمني من طرف قوات التحالف العربية بقيادة المملكة العربية السعودية.

صار واضحاً أن المعايير الإنسانية والأخلاقية لا تهم إيران أصلاً، فهي مجرد دولة مافياوية متطرفة دينياً وعرقياً، وكل ما يهمّها هي مليشياتها التي تقاتل وتدمر الأوطان لصناعة إمبراطورية فارسية تظل هي شرطي المنطقة العربية يحمي الكيان العبري ويساعده في بناء دولته من الفرات إلى النيل.

الحلال لدى إيران أن تقتل أهل السنّة وتُبيدهم على بكرة أبيهم، وتمزّق أوطانهم، والحرام أن يحمي العرب وجودهم وكيانهم.

الحلال عند إيران أن تكون هي القاتل فقط، وحين تتحول إلى قتيل أثناء دفاع ضحاياها عن أنفسهم فهذا حرام في دينها ودنياها.

هذا ليس جديداً؛ فتاريخ الصفويين مملوء بالجرائم ضد البشرية، والفرق الوحيد أن آليات القتل تطورت، والجرائم صار يراها كل العالم على المباشر.

لم يقتصر أمر الحلال والحرام على ما ذكرنا، بل إن إيران حركت أجهزتها الاستخباراتية كي يطعنوا في كل مثقف أو إعلامي أو حقوقي أو مفكر أو كاتب يدافع عن عاصفة الحزم، ويتّهمونه بأنه مرتزق يتلقى الأموال من السعودية.

في حين أن المدافعين عن جرائم إيران وحروبها النجسة الطائفية شرفاء وأصحاب مبادئ ونخب فكرية، مع أن كثيرهم من التافهين الذين لم يجدوا لأنفسهم مكاناً بين مجتمعاتهم وشعوبهم فراحوا يبحثون عنه لدى غزاة وبغاة.

بلا أدنى شك أن هدف إيران هو الهيمنة على العالم الإسلامي، وهذه لن تتحقق لها إلا بزرع الخراب وتدمير أوطان العرب والمسلمين، وهو ما تنفذه بامتياز عبر مليشيات شيعية موالية لها، وتجلى ذلك بوضوح في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ولعابها لا يزال يسيل لأجل أقطار عربية أخرى، وإن لم تتعدد عاصفة الحزم وتتمدّد فسيتحقق لها ما تريده، لا قدّر الله.

اقرأ المزيد
١٤ أبريل ٢٠١٥
ماذا اشترى بشّار الجعفري في موسكو؟

خرجَ وفد النظام السوري برئاسة بشار الجعفري من مشاورات موسكو-2، بتوقيع جزء من المعارضة التي التقاها، على تنازلات خطيرة في ملفات عديدة، وذلك بصورة مغايرة لما حصل خلال "جنيف-1" و"جنيف-2"، إذ إنه واجه في حينه معارضة جدية تمثّلت بوفد الائتلاف السوري، وحداً أدنى من قرار دولي رافض لتمييع الملف الإنساني في سوريا، ومسألة الهيئة أو الحكومة الانتقالية التي أشير إليها في وثيقة جنيف الأول عام 2012.

قبل بدء المشاورات، لم يكن للقاء السوري في موسكو جدول أعمال رسمي. فانتهى بعدم معرفة وفد المعارضة ما تم إنجازه من نقاط وما بقي معلّقاً، وظهر ذلك جليّاً في المؤتمر الصحافي المشترك لرئيس حزب "الإرادة الشعبية"، قدري جميل، ورئيس "منبر النداء الديموقراطي"، سمير العيطة، إذ اختلف الرجلان على تقييم الجلسات ونقاط الوثيقة الختامية التي ادّعى الجعفري، وجميل، أنها نالت موافقة المجتمعين، فيما اعتبر عيطة أنها ليست مهمة وليست ما تم الاتفاق عليه من قبل الجميع.


منسق اللقاء، فيتالي نعومكين، تعمّد وضع جدول الأعمال خلال اليومين الأخيرين، اللذين جمعا وفد النظام والمعارضة، بحيث وضع في اليوم الثالث- الذي شهد انضمام وفد النظام إلى المشاورات- أول جدول أعمال، تضمّن بشكل رئيسي نقاطاً تناقش "سبل توحيد القوة في مواجهة الإرهاب"، وفي اليوم الأخير وضع جدول جديد، لم يكن استكمالاً لجدول اليوم السابق بقدر ما كان لأخذ إقرار من وفد المعارضة بالوثيقة النهائية، التي غاب عنها أي إشارة تدين النظام، بل أكثر من ذلك أعطته الصلاحية لقيادة أي عملية تسوية بحسب ما جاء في الفقرة السادسة من البند السابع، بالإضافة إلى انتزاع تأييد للعمليات العسكرية والأمنية في البند الخامس.


تواطأت روسيا مع النظام لإنجاز اللقاء. ولعل الصورة الوقحة للدبلوماسية السورية التي كان الجعفري خير سفير لها، دليلاً على ذلك التواطؤ. فالجعفري رفض ورقة الوفد المعارض، التي حملت عناوين عامة ينادي بها النظام منذ "جنيف-1"،عن وحدة سوريا وإدانة الإرهاب، وتفصيلاً وحيداً تعلّق بالوضع الإنساني، وفي مقدمته الحصار المفروض من قبل النظام على المدن، وملف المعتقلين. وذلك الرّفض نابع من حالة نكران النظام لوجود حصار ومعتقلين، أو سوريين يرفضون الإيمان بقيادة الأسد. مع العلم أن موسكو نفسها دخلت على خط الوساطة لدى النظام من أجل الإفراج عن رئيس تيار "بناء الدولة" المعتقل، لؤي حسين، فأخرجه من السجن ومنعه من حضور موسكو-2.


رغبت موسكو من خلال جمع المعارضة والنظام في روسيا أن تستعيد شرعية دولية خسرتها على خلفية الأزمة الأوكرانية، وحتى الآن يبدو أنها نجحت في تحقيق ذلك، أمام حالة الإنشغال الدولي وإعادة تقييم الأولويات التي أخّرت الأزمة السورية إلى ما بعد الملف النووي الإيراني والعملية العسكرية التي تقودها المملكة السعودية في اليمن. وهي الآن أيضاً تدخل كلاعب رئيسي على خط الأزمة اليمنية، وتجتمع مع مندوبي الدول الخليجية في الأمم المتحدة لبحث سبل عدم معارضتها لمشروع قرار ضد الحوثيين.


بعد الوثيقة التي خرجت عن المجتمعين في موسكو، يصبح الحديث عن أن المشاورات  حصلت بين فريقين مختلفين نكتة ثقيلة. فالجعفري اشترى تواقيع تنازل من الوفد المعارض عن مطلب الإفراج عن المعتقلين، وأخذ مبايعتهم على دعم "القيادة السورية من دون أي تدخل خارجي" لقيادة عملية التسوية السياسية، وهذه الوثيقة، بهذه التنازلات، أصبحت ورقة رسمية للتداول في "جنيف-3"، الذي ألمح نعومكين إلى أن مشاورات جدية بدأت من أجل انعقاده. أما قدري جميل فيبدو أنه لم يكن سوى حصان طروادة، وربما يعود قريباً إلى دمشق. لكن في أحد أوجه هذا المشهد، والتجاهل الدولي للمساعي الروسية في إعادة تأهيل نظام الأسد دولياً، يبدو أن سوريا لم تعد القضية.

اقرأ المزيد
١٤ أبريل ٢٠١٥
الثورة و النصرة ..

سيقفز كُثر ليقول يا "عدو الله " و "عدو المجاهدين" و نصير " الكفرة" ، فالأمر بات من أبجديات الرد و طبيعيات الحوار ، و لكن الغاية أن نتمتع بشيء من الوعي و نتفهم الأمور و نكون على قدر الإدارة السياسية و الإعلامية إلى جانب الأمور العسكرية الميدانية ، بشكل يمكّن الثورة من ايجاد طريق لها و مستمعين لها و موالين لها ، بدلاً من عملية التنفير المستمرة التي تقاد بشكل متقن ضدنا.

فعندما يتم تحرير أي منطقة أو يتحقق أي انجاز ، تسارع وسائل الإعلام بالحديث بأحدى الإسلوبين  إما "جبهة النصرة " تسيطر أو تهاجم ، أم "جبهة النصرة و شركائها الإسلاميين" يفعلون كذا ، و لا نعرف لماذا الاصرار على وضع جبهة النصرة في مقدمة أي حدث و كأن سوريا كلها و الثورة و الثوار و الفصائل اختزلت بهذا الفصيل.

لا أتحدث عن تسمية هذا الفصيل أو ذلك أو ألبس لبوس العدواة أو الإختلاف من حيث الهدف المشترك و الغاية المرجوة مع أياً كان ، و لكن العمل الإعلامي و السياسي الذي يواجه الثورة يفوق بآلاف المرات العمل العسكري على الأرض ، و الذي طبعاً يؤثر على نظرة المجمع الدولي و الأهم التعاطف الشعبي مع معاناتنا .

المجهود الذي يبذل و الذي يعمل عليه عشرات الجهات لكي يتم وسم الثورة السورية بوسم غير مرغوب دولياً ماهو إلا تمهيد لإعادة الأسد من جديد ، سواء بالمحافظة على شخص بشار الأسد ، أم بالمحافظة على هيكلية النظام و إحضار لعبة جديدة تكمل ما بدأه الأسد الأب و ليبقى الشعب داخل مستوعب محكم الإغلاق ، و تبقى تلك الطائفة المستباحة حالياً ضمن إطار الضبط و عدم التمرد.

لسنا في وارد الحديث عن القاعدة أو الإنتماء لها و مدى صوابيته من عدمه ، كل ما يهمنا هو الصورة العامة للثورة بأن تبقى وطنية بإمتياز و إن كانت بإيدلوجية إسلامية ، فالإسلام هو صفة ليست مرفوضة و لا محاربة من قبل الشعب ، الذي هو من يملك القرار في شكل الهوية المستقبلية للدولة .

ولعل السعي إلى سبق أي انجاز بوسم "القاعدة ، متشددون ، سلفيون ، ......" ماهو إلا سياسة يعمل النظام على توسعتها من خلال أبواق إعلامية و للإسف منها من يحسب على الثورة السورية ،وذلك ليؤكد نظريته أن ما يحدث هو خطة ، و أن ما يقوم به هو دفاع عن العالم أجمع من "بعبع القاعدة" الذي يخيف الجميع و الذي تمخض عنه تنظيم الدولة ، و من الممكن أن يخرج منها أمثال ذلك في المستقبل.

هذا السعي يدفع الكثيرين للإحجام عن الدعم و المساندة و الخوف طبعاً أن إن سقط الأسد من سيحكم ... هل سنمنح الأرض للقاعدة ... أم لمتشددين ... أم سنبقي الحال على ماهو عليه حتى ينهك الطرفان ويأتي من نجد فيه الصلاح و المناسب لمصالحنا...

لست ضد هذا الفصيل أو ذلك ، فإنما الثورة السورية التي حظيت للأسف بكم هائل من المعوقات و أبرزها ذاته ، جعلتها لقمة سائغة لكل من يرغب النهش في الجسد السوري ، و لست ضد الجبهة أو أي فصيل آخر ، و إنما عندما توجد مصلحة عامة و سياسة أمر واقع ، يفترض بأن نملك الحنكة في مواجهتها.

ولعل الكثيرين من الأخوة في النصرة يجتهدون في هذا المجال و قد تحمل الأيام القادمة شيئ ، من خلال رسالة من النصرة للقاعدة تفيد بالوضع الميداني و كيفية الأرضية و مع مقترحات قد تكون من قبيل الإنفصال ، (هذا ما نأمله) ، نصرة لشعبنا و لمظلومينا .

فـ"مخطئ" من يظن أن العمل عسكري بحت أم سياسي بحت .. فالحرب بلا سياسة حرب لانهاية لها ، و سياسة بلا حرب كلام لا طائل منه.

اقرأ المزيد
١٤ أبريل ٢٠١٥
إدلب… الاختبار الأصعب

بعد أن تم تحرير محافظة إدلب من قوات النظام السوري، بعد معارك واشتباكات عنيفة دامت أياما، يواجه الثوار اختبارا صعبا في إدارة ثاني مدينة يخسرها النظام، بعد «الرقة» السورية، التي أصبحت بيد «تنظيم الدولة» (داعش)، فأعين جميع الناس في الداخل والخارج تنظر إليهم وتراقبهم بشدة.
كيف سيديرون المدينة.. وما هي الآليات.. وهل سينجحون فعلا في إثبات ذاتهم ويبرهنون للعالم أنهم بديل حقيقي عن الأسد ونظامه؟ ربما لن يكون الأمر سهلا، لاسيما أن نظام الأسد يقصف المدينة بشكل عنيف كل يوم بالبراميل المتفجرة وصواريخ الطيران الحربي. عشرات القذائف والصواريخ والبراميل تسقط على ادلب كل يوم، معيقة محاولات الثوار لتفعيل مؤسسات المحافظة من جديد، وتشغلهم بإسعاف الضحايا ودفن الشهداء وفتح الطرقات التي تغلق كل يوم بفعل انهدام مبان جديدة بسبب القصف
ما يزيد الأمر صعوبة هو واقع المعارضة السياسية خارج سوريا، التي من المفترض أن تكون هي المسؤول الأول عن إدارة المدن والمناطق السورية بعد تحريرها، فحالة الضياع التي تعيشها هذه المعارضة طيلة الأشهر والسنوات الماضية، بالإضافة لقلة الدعم الدولي المقدم لها ماديا وسياسيا وعسكريا، أدى لانعدام الثقة بينها وبين الثوار على الأرض، الأمر الذي سيصعّب إدارتها لإدلب المحررة. الثوار السوريون يقولون إنهم سينجحون في إدارة المدينة رغم كل المصاعب والتحديات.. فنجاحهم في الصمود طيلة أربعة أعوام، أمام نظام مجرم وحلفاء طائفيين وعالم متخاذل يوفر الغطاء السياسي لنظام الأسد وحلفائه بفعل ما شاء في سوريا، يشكل الحافز الأهم في تصميمهم على إدارة المدينة. هم نجحوا، وإن بشكل نسبي، في إدارة الأرياف التي يسيطرون عليها في عموم أنحاء سوريا، من خلال محاكم شرعية ودور قضاء مهمتها فض النزاعات بين الناس، ومجالس محلية تحاول تأمين متطلبات الحياة للريف، رغم صعوبة الأمر وضعف الإمكانيات،.لكن طبيعة إدارة المدينة بمؤسساتها المتعددة وكثافة سكانها يشكل تحديا أكبر للثوار. ما بدأنا نراه فعلا على الأرض يبشر بالخير.. فمنذ دخول الثوار أرض ادلب لم تسجل أي حالة سرقة أو اعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة.. تفاءلنا جميعا بهذا الأمر، ومما زاد تفاؤلنا هو تشكيل قوة مشتركة مستقلة من فصائل جيش الفتح، الذي حرر إدلب وبدأت هذه القوة مهامها في إعادة تشغيل المؤسسات وشكلت لجنة أمنيّة مهمتها الحفاظ على المباني العامة والممتلكات الخاصة، وهي تعمل حاليا على تأهيل وتشغيل مؤسسات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه وغيرها من المؤسسات. كل هذا يأتي بعد إعلان حركة أحرار الشام الإسلامية «الفصيل الأكبر في سوريا، والفصيل الأكبر في عملية تحرير ادلب» نيتها تسليم إدارة ادلب لإدارة مدنية وتسليم المؤسسات فيها للمدنيين من أبناء ادلب والمناطق المجاورة..
كل هذه المبادرات لم يعرها الإعلام العربي أو الغربي أي أهمية، وسط انشغالهم في التركيز على مخاوف تحول ادلب الى رقة اخرى. أما العمل الرائع الذي وجدته على الارض والذي إن أشيد به سيتشجع الثوار في البقاء على الطريق الصحيح فيتغاضى عنه الاعلام تماما، بانتظار خطأً من الثوار ليضخموه وينشروه في كل مكان على أنه الطامة الكبرى التي أفسدت واقع سوريا.
ردا على هذا التعتيم، بالاضافة الى حرص الناشطين على إنجاح تجربة ادلب، أطلق عدد من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي حملة عبر هاشتاغ تحت مسمى «نصائح بعد تحرير ادلب» يشيدون فيه بجهود أهالي ادلب و يدعون الثوار إلى إدارة المدينة بشكل ناجح، ويحذرونهم من مغبّة الفشل ويدعونهم لنقل مقراتهم العسكرية إلى خارج المدينة، لاستكمال عمليات التحرير والاكتفاء بالقوة المشتركة التي شكلت من الفصائل داخل ادلب،.إذا يبدو أن درجة الوعي التي يمتلكها ثوار سوريا وناشطوها مختلفة هذه المرة عن سابقاتها، فجميعهم متفقون على أن النجاح هذه المرة ستلحقه سلسلة من النجاحات، والفشل لو حصل سيتبعه فشل.وهم يدركون حقا أن النصر لا يكون عسكريا فقط، بل أن النجاح في إدارة المحرر هو الأهم وهو الذي يعطي الشرعية للثوار فهم أصحاب الحق.. ولا بد للحق أن ينتصر عسكريا وسياسيا ومدنيا واداريا.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >