مقالات
١١ أبريل ٢٠١٥
بالإذن.. «داعش» الممانعة

نجح «داعش» في مخيم اليرموك، وسقط في عموم سوريا. سرق المخيم الفلسطيني المنكوب تمهيداً لتسليمه إلى بقايا سلطة الأسد، مثلما حاول أن يسرق الثورة ويسلّمها إلى جلاّديها.. وهو كاد أن ينجح في مهمته هذه وأن يرد الكثير من الاعتبار لمقولة المفاضلة بين جلاّد طاغية يرتدي بذلة رسمية ويضع ربطة عنق ويحمل في يمينه نصاً حزبياً (مدنياً!)، وبين جلاّد طاغية يرتدي جلباب الخليفة ويضع السيف في رقاب أعدائه ويحمل في يمينه نصاً دينياً محرّفاً.

وقصة «داعش»، لمن لا يزال يركبه الوهم ويأخذه الضجيج التزويري إلى المكان الخطأ، هي الإصدار الأنجح في سلسلة إصدارات مطابع الممانعة، وليس غيرها على الإطلاق.. غزلتها وسوّتها وحبكت خيوطها وأطلقتها في سوق ملتبسة لكنها ميّالة إلى الفراغ: لا المعارضة أمكنها الحصول على ما يلزمها لإنهاء الحالة الأسدية والإجهاز على ما تبقى من سلطاتها وقواها، ولا تلك السلطة تمكنت من كسر الثورة وإعادة الأمور إلى السيطرة الإحكامية السابقة. مرّ «داعش» بين سطور العجزين وحقّق الكثير مما عجزت تلك البقايا السلطوية عن تحقيقه.

وسرد الوقائع في زمن صاخب، لا يعطيها حقّها الكافي من الإنصات.. لكن ربما تنفع العموميات في إيصال الفكرة: نجح معارضو الأسد في الثورة عليه لكنهم فشلوا في تحقيق الانتصار. نجاحهم ذاتي وفشلهم (المرحلي والراهن بكل حال) موضوعي ويتصل بالأميركيين قبل غيرهم بالتمام والكمال. فيما الصورة على الجانب الآخر تكاد تقارب الأسطورة: لم يبقَ مَدَدٌ إيراني وروسي إلاّ وقُدّم إلى الأسد. ولم يبقَ سلاح إلا واستُخدم. ولم تبقَ خبرية رعب في التاريخ البشري إلا وتعرضت للتبخيس إزاء مقارنتها بارتكابات وفظاعات تلك المنظومة الممانعة الفتّاكة. ومع هذا كله بقي الانكسار صنوّها الوحيد، والاندثار مآلها الحتمي.

رمية «داعش» في هذا السياق كانت أهم الرميات وأنذلها وأكثرها شيطنة وعبثاً. وهي دلّت وتدلّ على أن منظومة الممانعة اعتمدتها بعد أن أخذ العجز منها مأخذه وتبيّن لها استحالة تنفيذ «إرادتها» باستخدام الكيماوي والغازات السامة، لحرق ومحو، حرفياً ومباشرة، كل منطقة خرجت فيها تظاهرة معادية أو انطلقت منها رصاصة معارضة، خصوصاً وأن التجربة في الغوطة الدمشقية كادت أن تكون مدمّرة ذاتياً.. وتحضر بالمناسبة ردحيات جون كيري يومها، وقصّته الأثيرة عن إحضاره أشرطة فيديو المذبحة التي تُظهر الأطفال السوريين المخنوقين، إلى بيته، لمعاينة الجريمة وفظاعاتها التي تذكّر بأفران الغاز النازية!

طبعاً، الأشرطة «ضاعت» لاحقاً، وتبخّر الغاز السام! ولم يبق إلا الاتفاق الذي رعته موسكو وأنقذت بموجبه الأسد من الهلاك.. وإدارة أوباما من الإحراج!

.. دخل «داعش» إلى مخيم اليرموك عبر خطوط حصار كانت كافية لمنع تمرير كيس طحين واحد على مدى سنتين! تماماً مثلما كان دخل إلى الرقّة وسيطر على أول مركز محافظة سورية، من دون أن يطلق رصاصة باتجاه قوات السلطة وشبيحتها وذبّيحتها. وفي الحالتين لم يقاتل إلا المعارضة، ولم يفعل سوى ترسيخ صورة الرعب من البديل عن سفّاح دمشق!

لكن مثلما أن الدفرسوار الذي شكّلته الرقّة لبدء اختراق الثورة في عموم سوريا (والمصطلح علمي وفي مكانه!) لم يوصل إلى نتيجة عامة وحاسمة، فإن سقوط اليرموك لن يسقط باقي خطوط المعارضة في ضواحي دمشق وبعض أنحائها الداخلية.. هو سقوط لم يفعل سوى تقديم عيّنة دموية ومأسوية أخرى، عن طبيعة المنظومة الممانعة ومدى «تنوّرها» تحت ظلال «داعش» وراياته السود!

اقرأ المزيد
١٠ أبريل ٢٠١٥
"أحرار الشام" من جديد .. على قائمة الإزالة

منذ 9/11 العام الماضي و حتى اليوم هناك فصول كتبت و أمور حدثت و تطورات جعلت التاريخ يقترب من إعادة نفسه على نفس الأيدي القذرة التي خطته بالدم في ذلك اليوم.

أحرار الشام من الفصائل الثورية ذات رؤية واضحة و متطورة و متناسقة مع متطلبات المراحل المختلفة التي مرت بها الثورة السورية ، و لعل اعتدالها و ميلانها إلى الوسطية القريبة من الشارع السوري جعل منها مقبولة لدى الجميع بمختلف أطياف المجتمع و إن كان لاقت فيما بعد رفض من الفئة المتشددة ، التي وجدت بالأحرار عدو قد يسحب كل تأييد ممكن تجده على أرض الظلم و القهر سوريا.

في 9/11/2014 كانت الضربة التي كان كل الظن أنها ستنهي حلم أكبر و أقدم و أعتى الفصائل الثورية عبر اغتيال رؤوس الفكر العسكري و الفكري و السياسي و الديني في الحركة ، و هذا الإستهداف الذي أودى بـ28 شهيداً ليسوا بحاجة أياً كان أن يمتدحهم فتاريخهم كاف .

بعد ذلك التاريخ لا نستطيع أن ننكر أن النجم بدأ يخبو و الضعف يتسرب إلى جسد الفصيل الذي يعرف عنه قوة تنظيمه و قيامه على عمل مؤسساتي مبني على علم ادارة و ضمه خيرت الخبرات التي بقيت في الدخل السوري و رفضت الخروج أو الهروب من المواجهة .

أشهر لم تكن قليلة و لكن كانت كافية لإعداد صف جديد من القيادات التي استطاعت العودة بالأحرار إلى الواجهة بقوة ، و بعد تحرير وادي الضيف ، تحولت الأحرار إلى الفصيل الأعتى و الأبرز و الأهم من هذا كله الفصيل الذي حظي بقبول الجميع دون استثناء ، سيما مع تغيير في الشعار ،  بالإنتقال من "مشروع أمة" إلى "ثورة شعب" هذه النقطة التي جعلت من الأحرار الفصيل الألصق بالشعب فهو يلبي ما يطمح له ، بروح اسلامية ميسرة و متفهمة ، تقودها سياسة شرعية تستطيع أن تتقبل التطور و تحاكي المخالف ، إما بالإندماج أو بالتحالف أو بالمشاركة ، فوحدة الهدف هو من يلعب الدور الأبرز ، دون التخلي عن الأخلاق و المبادئ الأساسية التي تطلبها الروح الإنسانية.

عودة الأحرار إلى تصدر الواجهة من بوابة "تحرير إدلب" ، أمر لا يعجب البعض ، هذا البعض يملك أدوات متنوعة و عنيفة ، و ليست محاولة اليوم باستهداف حسام أبي بكر أحد قيادي الأحرار إلا البداية لمرحلة تبدو صعبة ، تتطلب الكثير من الوعي و الإنتباه .

استهداف أبو بكر ، هي رسالة من ذات النوع التي أرسلت قبل عام ، أنه لا يجب أن تملك الثورة السورية فصيل نشيط و مقبول و يسعى لتصحيح المسار و تحقيق الأهداف ، سيما أن الأحرار بعد النجاحات المتتالية عسكرياً و تنظيمياً و إدارياً ، و ما تلاها من تحديد المسار نحو إستمرار العمل بزخم أكبر ضد نظام الأسد ، و ضد كل من يسانده  سواء تحالف معه علناً أو سراً أو حتى يتصرف تصرفات تضر بالثورة و تصب في مصلحة الطرف الآخر"الأسد" ، و إعلان أبو جابر الشيخ قائد الأحرار أن "الحياد" بات مرفوض ، بعد مشكلات مخيم اليرموك ، إعلانٌ يبدو أنه  فتح النار على الأحرار و قياداتها من جديد ، هذه القيادات التي عُرف عنها فعاليتها و قربها من المقاتلين و الشعب و مشاركتهم لكل تفاصيل العمل ، فليسوا بقيادات مكاتب ، بل هم قيادات في الخنادق ، و استشهاد أبي جميل نائب القائد العام للأحرار في تحرير إدلب ما هو إلا مثال بسيط  عن طبيعة هذه النوعية من الأشخاص.

إذاً مطلوب من الأحرار الوعي أكثر و الإنتباه بشكل أوسع ، و توقع كل شيء ، من إغتيال و إنقلاب الشركاء ، و طعن المقربين ، فالأحرار اليوم هم الشجرة المثمرة الوحيدة التي بتنا نملكها ، الشجرة التي يبدو أن كُثر يريدون ضربها بالحجارة.

اقرأ المزيد
١٠ أبريل ٢٠١٥
سقط 'تلفزيون لبنان'.. لكن لبنان لم يسقط بعد

مهين للبنان واللبنانيين ولكلّ عربي يمتلك حدّا أدنى من الوفاء والكرامة أن ينقل التلفزيون الرسمي حديثا للأمين العام لـ”حزب الله” الهدف منه، بين أهداف أخرى، شن حملة على المملكة العربية السعودية.

حشر”تلفزيون لبنان” نفسه في شأن لا دخل له فيه. نقل حديثا كان يجريه حسن نصرالله مع “الإخبارية السورية” وهي محطة تابعة للنظام السوري. أخطأ مرتين وليس مرّة واحدة عندما قبل أن يُستخدم في تصفية حسابات إيرانية مع السعودية، وعندما قبل أن يكون نسخة طبق الأصل عن محطة من محطات النظام السوري.

يدلّ ذلك على أن لا علاقة لوزير الإعلام، الذي يفترض أن يكون مشرفا على التلفزيون الرسمي، بالإعلام. كما يدلّ على أن المشرفين المباشرين على المحطة الرسمية، هواة في الإعلام أكثر من أيّ شيء آخر. ما الذي يُجبر هؤلاء، بدءا برئيس مجلس الإدارة، على إيجاد هذا الرابط مع محطة تروّج لنظام يذبح شعبه يوميا؟

معروف أن الأمين العام لـ”حزب الله” مضطر إلى الحديث إلى مثل هذه المحطة السورية. ثمّة حاجة إيرانية إلى تخفيف الاحتقان الداخلي، في أوساط النظام تحديدا، خصوصا بعدما بدأ الضباط السوريون يشكون من الهيمنة الإيرانية على البلد. إنّها هيمنة عسكرية وسياسية في الوقت ذاته، تشمل كلّ القرارات المرتبطة بمستقبل سوريا والقرارات الكبيرة التي صارت تتخذ في طهران وليس في دمشق.

لعلّ أفضل تعبير عن هذا الواقع ما حلّ باللواء رستم غزالة، بكلّ سفالته، الذي كان على رأس أحد الأجهزة الأمنية (الأمن السياسي) والذي لم يدرك أنّه كان عليه تسليم قصره في قرفا القريبة من درعا لـ“الحرس الثوري”، بدل نسفه وتوثيق عملية النسف وإنزالها في “يوتيوب”.

هناك ما هو أبعد من نقل “تلفزيون لبنان” المقابلة السورية مع حسن نصرالله. تبيّن مدى سيطرة “حزب الله” على المؤسسات التابعة للدولة اللبنانية من جهة، وسلوك الحزب من جهة أخرى. لم يعد من مشرف على مؤسسة لبنانية، باستثناء قلّة، يتجرّأ على قول كلمة لا للحزب، الذي هو في نهاية المطاف لواء في “الحرس الثوري” الإيراني. من لديه أدنى شكّ في ذلك، يستطيع أن يسأل نفسه ما مصلحة لبنان في جعل التلفزيون الرسمي في خدمة إيران؟ هل كان ذلك ممكنا لولا أن الحزب تحوّل إلى دولة، فيما الجمهورية اللبنانية دويلة داخل هذه الدولة؟

أكّدت إيران مرّة أخرى، وبما لا يدع مجالا لشك، أنّها تعتبر لبنان جزءا لا يتجزّأ من المحور الممتد من طهران إلى مارون الراس في أقصى جنوب لبنان. هذا المحور يمرّ ببغداد ودمشق وبيروت.

كان همّ “حزب الله” في السنوات الأخيرة عزل لبنان عن محيطه العربي. لم يعد من سائح أو زائر أو مستثمر عربي في لبنان. مطلوب نشر البؤس في لبنان كي تسهل السيطرة عليه والتحكّم بمؤسساته.

لم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه “حادثا” كما يقول حسن نصرالله عادة، وكما عاد وردّد في المقابلة الأخيرة التي نقلها “تلفزيون لبنان”. كانت الجريمة نقطة تحوّل في عملية وضع اليد على لبنان. كانت الجريمة خطوة على طريق تفريغ لبنان من العرب، وضرب الاقتصاد تمهيدا لإغراقه بلبنانيين عاطلين عن العمل يأتون من دول الخليج.

لم يحدث شيء بالصدفة في لبنان، بما في ذلك خروج الجيش السوري ليحلّ مكانه “حزب الله” الذي سارع إلى ملء الفراغ الأمني والعسكري الناجم عن الانسحاب السوري.

هل صدفة أن “حزب الله” لم يكن مهتمّا بدخول الحكومة اللبنانية بشكل مباشر في عهد الوصاية السورية؟ لم يعد مصرّا على الوجود المباشر في الحكومة إلا بعد اغتيال رفيق الحريري. أراد التأكيد أن الوصاية ما زالت قائمة، لكنّ انتقالا حصل من السوري إلى الإيراني ليس إلا؟

ما شهدناه عبر “تلفزيون لبنان” كان فصلا جديدا من فصول الانقلاب الكبير، الذي بدأ باغتيال رفيق الحريري الذي ربط العرب بلبنان، وربط لبنان بالعرب. لا يزال “حزب الله”، ومن خلفه إيران طبعا، يعمل على فكّ هذا الارتباط التاريخي ونقل لبنان إلى موقع آخر.

لم تكن حكومة “حزب الله” برئاسة شخصيّة سنّية من طرابلس، هي النائب نجيب ميقاتي، سوى فصل بارز ومفصلي في هذا الانقلاب الكبير. ففي عهد هذه الحكومة التي فرضتها قوّة السلاح غير الشرعي، بدأ السكوت الرسمي عن التهديدات الموجّهة لكلّ خليجي يزور لبنان. لم تتخّذ حكومة “حزب الله” أيّ موقف حازم من “الجناح العسكري” في هذه العائلة أو تلك. وفي عهد تلك الحكومة رُفعت التأشيرة بالنسبة إلى الإيرانيين الراغبين في المجيء إلى لبنان.

انتقلت إيران في سياستها اللبنانية التي تنفّذ عبر ميليشيا مذهبية مسلّحة إلى مرحلة جديدة. إنّها مرحلة جعل اللبناني المقيم في دول الخليج، على رأسها السعودية، مهدّدا بلقمة عيشه. الأمل كبير في تفادي دول الخليج الردّ على ما يصدر عن حسن نصرالله. فأيّ إبعاد لأي لبناني عامل في الخليج، هو بمثابة سقوط في الفخّ الإيراني. ليس لدى إيران ما تقدّمه للبناني غير السلاح وربّما بعض المال الذي يغنيه عن العمل الجدي، أي بما يساهم في جعل الاقتصاد اللبناني اقتصادا ريْعيا، بدل أن يكون اقتصادا منتجا.

كان ما فعله “تلفزيون لبنان” سقطة كبيرة. ربّما استخدمه “حزب الله” للردّ على الموقف الرسمي اللبناني الذي عبّر عنه الرئيس تمام سلام في القمة العربية الأخيرة في شرم الشيخ. بالطبع، كان موقف رئيس مجلس الوزراء اللبناني تعبيرا عن أنّ لبنان ما يزال، إلى إشعار آخر، دولة تحترم نفسها، وعضوا مؤسسا في جامعة الدول العربية.

قبل عشر سنوات، استشهد رفيق الحريري. استشهد من أجل لبنان. من أجل أن يبقى لبنان دولة عربية حضارية موجودة على خريطة الشرق الأوسط بهذه الصفة، وليس بصفة كونها ذيلا لإيران.

واضح أنّ لبنان ما يزال يقاوم. الإصرار على المقاومة زاد من شراسة الهجمة الإيرانية التي كشفت أنّ “حزب الله” ليس معنيا، بمصلحة لبنان ولا بمصلحة أبنائه. كيف يكون هناك مواطن، يحمل الجنسية اللبنانية، يرفض الاعتراف بأنّ السعودية لم تتوقف يوما عن مساعدة لبنان بكلّ الطرق والوسائل الممكنة. هل حاولت المملكة يوما فرض شيء على لبنان واللبنانيين؟

بعض الوفاء ضروري، أقلّه حماية للبنان واللبنانيين واحتراما للذات وللواقع وللحقائق التي تؤكّدها الأرقام قبل أيّ شيء آخر.

اقرأ المزيد
١٠ أبريل ٢٠١٥
رجع الصدى بين نصرالله وخامنئي

هل سيكرر الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله في خطابه المقبل، القول إن «إيران لا تملي ولا تقرر ولا تتدخل ولا تهيمن» في سورية والعراق واليمن ولبنان وفلسطين... بعد تصريح المرشد الإيراني السيد علي خامنئي أمس، الذي قال فيه إن السعودية «ستتلقى ضربة في اليمن وتُهزم فيه»؟

هل سيكرر القول إن «إيران لم تأمرنا بأمر ولم تطلب منا أي طلب»؟

لم يكن الأمر بحاجة إلى دليل التطابق في الأوصاف التي أطلقها نصرالله على عملية «عاصفة الحزم» التي قادتها الرياض ضد الانفلاش الحوثي الإيراني، مع ما قاله خامنئي للتأكد من أنه أمر عمليات صدر من طهران للتعاطي الإعلامي الشديد الحدة مع قرار المواجهة السعودي- العربي ضد هذا الانفلاش. فهجوم نصرالله، مع جوقة الإعلام التابعة للنفوذ الإيراني، بما فيه إعلام الحوثيين وحلفائهم، شكل «الفرقة السباقة» التي مهدت لترداد خامنئي ما سبق أن طلب من القوى التابعة له أن تطلقه، بعد المفاجأة التي أحدثتها الحملة العسكرية السعودية العربية بتأييد من باكستان وتركيا، رداً على احتلال الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، العاصمة الموقتة عدن، وتهديدهم الرئيس عبد ربه منصور هادي.

ومع أن التناقض صارخ في ما قاله نصرالله في خطابه غداة «عاصفة الحزم»، حين أقر بأن لإيران «احترامها وتأثيرها» في الدول المذكورة، وأنها تملأ الفراغ الذي تركه «العرب»، ثم تبرأ من التأثر بما تطلبه طهران منه، فإن استنساخ خامنئي أمس لتصريحات نصرالله هو رجع الصدى لأمر العمليات الذي أطلقه الجانب الإيراني في الرد على سعي الرياض والعواصم العربية الأخرى التي شاركتها الحملة إلى استعادة التوازن في المنطقة، مقابل تمكن طهران عبر «تصدير الثورة» من التقدم في نفوذها الإقليمي.

لم يكن ذهاب نصرالله إلى حد إطلاق الاوصاف المسيئة على المسؤولين السعوديين ناجماً عن انفعاله هو، بل كان صدى لانفعال القيادة الإيرانية التي رددت معظم ما قاله.

وبغض النظر عما ستؤول إليه مواجهة النفوذ الإيراني هذه، فإن عنصر المفاجأة والذهول ما زال يتحكم برد الفعل الإيراني، فطهران بنت حساباتها أولاً على أنها تتعاطى مع مسؤولين اخطأوا في التقدير، وثانياً على أن ازدراءها القومي الفارسي بمن سماهم نصرالله «العرب» لم يكن مطابقاً للواقع، فما كان واقعياً في هذه الأوصاف هو استبطان نصرالله انتسابه إلى غير هؤلاء «العرب».

والمصدر الأساس لهذا الذهول وتلك المفاجأة، هو أن الالتفاف العربي حول السعودية ومواقف مصر وسائر دول الخليج في القمة العربية في شرم الشيخ، جعل المواجهة عربية- إيرانية، فالرد في اليمن جعل ايران في موقع المحرج أثناء مفاوضات لوزان وسيؤثر في كل أوراقها على امتداد المنطقة. والهدف الإيراني هو منع استثمار الرد السعودي على الصعيد الإقليمي، وهو ما يجعل التحدي عربياً لا سعودياً فقط.

استعادة التوازن ستأخذ مداها الزمني في المرحلة المقبلة، التي ردد نصرالله أنها ستنتهي بـ «الانتصار» في اليمن وفي المنطقة، مستنهضاً الجهات الحزبية والمذهبية التي شكلت أذرعاً لطهران. والوعد بـ «الانتصار» تكرار للمكابرة التي تمارسها طهران حيال حرب الاستنزاف التي غرقت فيها وأغرقت «حزب الله» معها في سورية، فنصرالله يعد جمهوره بالانتصار في بلاد الشام منذ 3 سنوات، ويدعو الخصوم إلى الاستسلام لهزيمتهم الافتراضية أمام ما يمليه هو وطهران، من دون أن يرف له جفن إزاء الخسائر التي يوقعها بحزبه وبلده جراء الانغماس في حرب أهلية في بلد آخر لمصلحة بلد ثالث. لكنه انتصار لم يأتِ، بل نسمع كل يوم عن تحضيرات الحزب وجيش النظام لاستعادة القلمون السورية، تمهيداً لاستعادة إدلب، واستقدام الآلاف من «الحرس الثوري» إلى السويداء، على رغم زعمه أن الإيرانيين في سورية لا يصلون إلى 50 عنصراً!

توقع نصر الله في مقابلته مع «الإخبارية السورية»، أن يكون دخول الحوثيين إلى الأراضي السعودية «وارداً»، ممهداً لعمليات مدعومة إيرانياً داخل المملكة، واستند إلى قول الرئيس أوباما أن مشاكل دول الخليج هي مع الداخل عندها، متسلحاً باتفاق الإطار على النووي بين واشنطن وطهران لتصبح الحرب كراً وفراً، مثلما هي في سورية. أم أن نصرالله وطهران سيعتبران ما طرحته الرياض، من أن الحل السياسي بالحوار من دون استبعاد أي من المكونات اليمنية، بعد إنهاء المراهقة المكلفة التي أقحمت طهران الحوثيين ومن معهم فيها وبعد إعادتهم إلى حجمهم الطبيعي، هو الانتصار؟

اقرأ المزيد
١٠ أبريل ٢٠١٥
نحن وإيران

اختارت إيران، مع سبق الإصرار، أن تقف في خانة خصوم الشعوب العربية وتطلعاتها نحو الحرية والانعتاق من قيد الديكتاتوريات، غير أن هذا لا ينبغي أن يعمينا عن الحقيقة المُرَّة، وهي أن العيب فينا نحن، أكثر ممّا هو في إيران، أو حتى إسرائيل والغرب. فإيران، وعلى الرغم من سياساتها المدمرة في دول، مثل سورية ولبنان واليمن والعراق، وتسعيرها صراعاً طائفياً محموماً، سنياً ـ شيعياً، في فضاء المنطقة، إلا أنها تنطلق من زاوية مصالحها الوطنية، وسعيها إلى الهيمنة الإقليمية. ونحن، وإن رفضنا ذلك كعرب، فإننا مضطرون أن نحترم مَن يحترم نفسه، حتى وإن كرهنا سياساته ومواقفه. أبعد من ذلك، فإنه، وبدل الردح وإشباع إيران شتماً، فالأولى أن نعيد النظر في الأسباب الذاتية لإخفاقاتنا المخزية.
في مفاوضاتها مع القوى الكبرى حول برنامجها النووي، أثبتت إيران أنها جعلت من نفسها قوة إقليمية معتبرة، يحسب لها كل حساب. بل إن الرئيس الأميركي، بارك أوباما، وفي سياق تبريره اتفاق الإطار النووي في لوزان مطلع مارس/ آذار الجاري، أقر بأن البرنامج النووي بالنسبة لإيران هو مصدر فخار واعتزاز وطني، ما يجعل من المستحيل القفز عن هذه الحقيقة. أبعد من ذلك، أقر أوباما لإيران، أيضاً، بأنها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
لم تصل إيران إلى هذه المكانة الاستراتيجية عبثاً، بقدر ما أن الأمر حصيلة عقود من التخطيط وبناء القدرات والحسابات الدقيقة. ولا يجدي هنا الحديث الملقى على عواهنه من أن توتر العلاقات الأميركية ـ الإيرانية، أو العداء الإيراني ـ الإسرائيلي، في العقود الماضية، ليسا إلا تمثيلية هدفت إلى تمكين "إيران الشيعية" على حساب "العرب السنّة". فأي حديث عن مؤامرة أميركية ـ إسرائيلية ـ إيرانية مزعومة ليس أكثر من تبرير الكسول لفشله الذريع في محاولة لإبراء الذات.
منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، أي منذ ثورة الخميني على نظام الشاه، وإيران تخضع لعقوبات أميركية وغربية مشددة. ثمّ لم تلبث أن دخلت حرباً مدمرة مع العراق مطلع الثمانينيات، استنزفت البلدين سنوات، غير أن العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية على إيران دفعتها إلى تطوير قدراتها التصنيعية الذاتية، عسكرياً ومدنياً، في حين بقي العرب أسارى منطق العالة في كل شيء. ليس هذا فحسب، بل وظّفت إيران، وبذكاء، أخطاء العرب الكارثية لصالحها. فهي استفادت من الخلافات العربية ـ العربية التي أفضت إلى تدمير العراق، غربياً وعربياً، مطلع تسعينيات القرن الماضي، بعد احتلاله الكويت. ثمّ إنها تحالفت، ضمنياً، مطلع القرن الجاري، مع إدارة الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، في إسقاط نظام خصمها، طالبان، في أفغانستان. ثمَّ ما لبث أن تعزز وضعها الإقليمي أكثر، عام 2003، بعد أن أسقطت الولايات المتحدة نظام عدوها الأول، صدام حسين، واحتلت العراق. وتمكنت إيران، بدهاءٍ لا يُنكَر، من استغلال التخبّط الأميركي في العراق، وورطة احتلاله له، فكان أن ابتلعت البلد عبر حلفائها الشيعة، والذين، وإن كانوا جاؤوا على متن دبابة أميركية، فإن ولاءهم كان، ولا يزال إيرانياً.
"مع انطلاق الثورات العربية أواخر عام 2010، سارعت إيران، عبر أدواتها، إلى التمدّد في الفراغ والفوضى في منطقتنا، مستفيدة من غياب رؤية عربية واعية ومستوعبة الأخطار المحدقة بالجميع"
 
أيضاً، أحسنت إيران اللعب بالأوراق الإقليمية، في ظل غيبوبة عربية شبه كاملة. فحزب الله في لبنان تحوّل إلى قوة عسكرية إقليمية، تحسب له إسرائيل ألف حساب. وفي الموضوع الفلسطيني، القضية الأقرب إلى قلوب الشعوب العربية، تبنّت إيران خطاب المقاومة ودعمها، إلى حين، بينما انشغل جُلُّ النظام الرسمي العربي بمعاداتها واستهدافها. ولم تخلُ حسابات إيران من المتاجرة في هذا السياق، فكان أن تعززت صورتها، وإلى عهد قريب، في مخيال شعوب عربية كثيرة، في وقت أصبحت فيه هذه الأوراق أدوات ضغط ومساومة في آن واحد.
ومع انطلاق الثورات العربية أواخر عام 2010، سارعت إيران، عبر أدواتها، إلى التمدّد في الفراغ والفوضى في منطقتنا، مستفيدة من غياب رؤية عربية واعية ومستوعبة الأخطار المحدقة بالجميع. فمعاداة معظم الأنظمة العربية وقمعها المطالب المشروعة لشعوبها، كشفت الدول العربية، الهشّة أصلاً، استراتيجياً. وفي حين تخبّط النظام الرسمي العربي في دعم الثورة في سورية، وارتهن في حساباته إلى الحسابات الأميركية، ومعاداته، أي النظام الرسمي العربي، أصلاً، الثورات الشعبية، لم تتردد إيران، أبداً، في دعم حليفها السوري، ممثلاً بنظام بشار الأسد. الأمر نفسه، فعلته إيران في العراق الذي لم يجد مكوّنه السني أي دعم يذكر من النظام الرسمي العربي. ولولا تمددها أخيراً في اليمن، عبر الحوثيين، وتهديدها السعودية تحديداً، والخليج العربي عموماً، لما كان هنالك أصلاً بعض صحوة عربية.
"حركة التاريخ، ومنطق الأشياء، لا يقبلان أن يكافأ الكسالى على كسلهم، ويكفينا، هنا، أن نقارن بين دولة عالة مرتكسة مثل مصر، القوة العربية الأساس، ودولة جامحة منطلقة مثل إيران"
 
إذن، لم تصل إيران إلى ما وصلت إليه جراء مؤامرة أميركية ـ إسرائيلية ـ إيرانية، بل إن إنجازاتها الإقليمية حصيلة تخطيط طويل واعٍ وصبور، وتطوير للإمكانات الذاتية ضمن رؤية ومشروع إقليمي واضح. جعلت إيران من نفسها، عبر حساباتها الذكية، وبتوظيفها حماقات خصومها الإقليميين والدوليين، لاعباً إقليمياً كبيراً لا يمكن تجاوزه. وهذا ما يقر به أوباما نفسه. فحسب أوباما، من دون اتفاق نووي مع إيران، قائم على تنازلات متبادلة، كما جرى في لوزان، لم يكن ممكناً الحد من برنامج إيران النووي نهائياً. وها هو أوباما اليوم، وفي مقابلته قبل أيام مع صحيفة "نيويورك تايمز"، يحاضر في "الحلفاء العرب السنّة"، بضرورة العمل على إيجاد توافق مع إيران، وتجاوز التصعيد الطائفي السني ـ الشيعي، في سبيل محاربة "العدو الحقيقي"، المتمثل بـ"التطرف" و"تنظيم الدولة الإسلامية". بمعنى أنه يطالبهم بإبقاء الصراع في الداخل السني! الأدهى من ذلك أن هذا هو ما حصل فعلاً في السنوات الأخيرة، وما زال هذا هو الحال! فغياب قيادة سياسية سنية سمح بتمدّد تيارات عنف هوجاء لملء الفراغ.
باختصار، تحصد إيران نتائج استثماراتها، حتى ولو كان كثير منها إجرامياً في منظورنا العربي، وهي حتى حين تُسْتَنْزَفُ، كما في سورية والعراق واليمن، فإنها تدّخر أوراقها استعداداً لمساومات إقليمية كبرى، تضمن لها مصالحها ونفوذها. في المقابل، ما زال مجمل النظام الرسمي العربي مصراً على استنزاف الذات، والبقاء مرتهناً لأجندات خارجية. دع عنك أصلاً غياب المشروع والرؤية.
وكلمة أخيرة، حركة التاريخ، ومنطق الأشياء، لا يقبلان أن يكافأ الكسالى على كسلهم، ويكفينا، هنا، أن نقارن بين دولة عالة مرتكسة مثل مصر، القوة العربية الأساس، ودولة جامحة منطلقة مثل إيران. وإذا ما قال أحدهم إن إيران دولة تتمتع بمصادر طبيعية ومقدرات اقتصادية كبيرة، كالنفط والغاز ولا يجوز مقارنتها بدولة محدودة الموارد مثل مصر، فإن السؤال يكون وماذا عن السعودية مثلاً؟ نحن أمة لا تصنع سلاحاً، ولا تنتج غذاءً، ولا تحيك لباساً، فأنَّى لنا أن ننافس ونُحترَم؟

اقرأ المزيد
١٠ أبريل ٢٠١٥
لاتحزنوا "معتقلينا" .. فـ "معارضتنا" غبية

رغم سعة الطريق أمامنا لكتابة آلاف الأسطر المليئة بالكلمات الدالة و المبينة على دراسات و أرقام تدل على أن ابرز أسباب تأخر و تأزم و العجز في حل الوضع في سوريا يعود ليس لغياب معارضة سياسة فاعلة ، بل لوجود معارضة سياسية بهذا الكم من العجز و البؤس و الغباء.

بالأمس استعرض المعارض سمير العطية ما وصفه بـ"استهزاء " مندوب الأسد لموسكو2 بأهالي المعتقلين و المفقودين السوريين عندما رفض استلام ورقة تحمل اسماء 8884 معتقل ليتم الإفراج عنهم كبادرة حسن نية ، و الغريب أنه ذكر الرقم و حدده بـ 8884 ، لا نعرف من يكذب هو ، أم نحن عندما نقول أكثر من 200 ألف معتقل و مفقود لدى نظام الأسد ، وعلى الأغلب المخطئ هم أنفسهم "المعتقلين و المفقودين" فهم بضعة آلاف فقط ، و تكدسوا في بعض غرف المعتقلات ليظهروا أنهم كُثر.

في علم الاعلام يتطلب منا دوماً أن نكتب بعيداً عن العاطفة و الاسلوب الإنساني ، و لكن عندما يتعلق الأمر بأشخاص يقبعون داخل القبور و يتنفسون الموت و يتجرعون الذل و الهاون ، لا يكون للقواعد مجال ، و لذا لنقولها بالفم الملئان : تباً لكم من معارضة ، و تباً لكل من يسميكم بهكذا ، و تباً لروسيا و تباً للصين ، و لن نشتم الأسد أو إيران أو حزب الله ، فهم يستحقون أن يفرحوا بوجود هكذا معارضة .

ليس الحديث عن ماجرى بالأمس فهذا الأمر تكرر في ورقة المعارضة في جنيف عندما تحدثت الأوراق عن الآلاف ، و بين تحدثوا على المنابر عن مئات الآلاف داخل المعتقلات دون ألأن يقدم أسماء لو 10% .

تباً لكم من معارضة تعجز عن تقديم حتى رقم و لو قريب عن حجم الألم .. تباً لكم عندما لا تستطيعون أن تجروا عملية احصاء .. و تباً لكم عنا تنتظرون أن يلتحف الموت أهلنا لتقفذوا للإدانة و الشجب .. و تباً لكم عندما تكتفون بالمطالبة و الإستجداء.

وحدها صور قيصر وثقة جزء من كم هائل من المعاناة ، جزء من حجم الموت الذي ذاقه أبنائنا و أخوتنا و آبائنا ، و لم يتحدث عن الموت الكلي ، و الأهم لم يأتي على الذكر المتواجدين على قائمة الموت القذر على أيدي القذرين.

معتقلينا سامحونا .. فلدينا معارضة غبية ، دنيئة ، لاترتقي لأن تكون أكثر من بوق للقاتل و مساعد للظالم ، فأنتم في قلوبنا ، وستبقون ما بقيت الحياة موجودة في جسد أي سوري حر .

اقرأ المزيد
٩ أبريل ٢٠١٥
رفض العرب لإيران النووية سببه تطلعاتها التمددية!

المفترض أن العرب، إنْ ليس كلهم فمعظمهم، يعارضون إحباط محاولات إيران للحصول على السلاح النووي والقنبلة الذرية ما دامت إسرائيل، التي هي العدو الرئيسي والاستراتيجي وعلى المدى المنظور والبعيد أيضا، تمتلك هذا السلاح ومنذ سنوات بعيدة، وما دامت الولايات المتحدة متواطئة معها وترفض أي محاولة لإثارة هذه القضية الحساسة إنْ في الأمم المتحدة أو في غيرها من المحافل الدولية المعنية.
لكن المشكلة تكمن في أن إيران لا تسعى لامتلاك السلاح النووي والقنبلة الذرية لتحرير فلسطين، أو لمواجهة إسرائيل، بل لتفرض نفسها كإمبراطورية فارسية تتدثر بجلباب المذهب الشيعي - الجعفري الاثني عشري، وتضع فوق رأسها العمامة السوداء (الإمامية)، لتفرض نفسها وعلى غرار ما كان قائما في العصور الغابرة على الشرق الأوسط العربي والمنطقة العربية كلها، ولتحول عواصم العرب، كما قال أحد كبار المسؤولين الإيرانيين، إلى مجرد أجرام صغيرة تدور في فلك العاصمة الإيرانية طهران.
كانت باكستان أول دولة إسلامية تمتلك السلاح النووي والقنبلة النووية، وكان العرب كلهم، شعوبا ودولا وحكومات، قد اعتبروا أن هذا الإنجاز هو إنجاز لهم، فدافعوا عنه وتغنوا به، مع أن إسلام آباد لم تشر ولو إشارة واحدة إلى أن هدف ما حققته على هذا الصعيد هو تحرير فلسطين، أو هو مواجهة إسرائيل، ومع أن المعروف أن الهدف كان ولا يزال هو إحراز توازن رادع بعد امتلاك الهند لهذا السلاح بدعم وتأييد الاتحاد السوفياتي السابق الذي كان ينخرط، كما روسيا الآن، في صراع نفوذ مع الولايات المتحدة في هذا الجزء من آسيا وفي العالم بأسره.
كان على إيران أن تقنع العرب، بالأفعال وليس بمجرد الأقوال، أن سعيها للحصول على سلاح نووي لا يستهدفهم ولا يستهدف دورهم ومكانتهم في هذه المنطقة والشرق الأوسط كله، لكنها في حقيقة الأمر فعلت عكس هذا تماما، فهي عندما بادرت إلى استكمال ما كان أنجزه الشاه السابق محمد رضا بهلوي كانت قد كشفت عن نواياها وبالأدلة القاطعة وبالتدخلات الواضحة، وأن هدفها القريب والبعيد هو إلحاق العراق وسوريا بها، وهو السيطرة على المنطقة العربية، وهذا ما تأكد لاحقا، والدليل هو ما يجري في اليمن الآن والسعي لتحويل الشيعة العرب إلى جاليات إيرانية في بلدانهم.
إذن.. إن هذا هو أحد دوافع إيران للحصول على السلاح النووي، أما الدافع الثاني فهو إيجاد توازن رعب مع باكستان السنية التي كانت ولا تزال لها اليد الطولى في أفغانستان المجاورة، ولهذا فإن الاتحاد السوفياتي السابق كان قد فعل ما فعلته روسيا لاحقا بدعم طهران في السعي لامتلاك قنبلتها النووية. وهنا فإنه يجب أخذ صراع موسكو مع بكين سابقا بعين الاعتبار، وحيث كانت ولا تزال العلاقات الصينية - الباكستانية متينة وقوية، مع أن الهدف الحقيقي لمتانة هذه العلاقات في حقيقة الأمر هو مواجهة الهند التي لها مشاكل وإشكالات كثيرة مع كلا البلدين.
ولهذا فإن المعروف أن الاتحاد السوفياتي، الذي كان يتعامل مع شاه إيران السابق على أساس أنه تابع للولايات المتحدة وللمعسكر «الإمبريالي» الغربي، قد بادر إلى تأييد الثورة الإيرانية، التي أطاحت بعرش الطاووس في عام 1979، فهو (أي الاتحاد السوفياتي) كان وبخاصة بعد هزيمته في أفغانستان يخشى انتفاض الجمهوريات الإسلامية، السنية بمعظمها، ضده وهو كان يرى أن من مصلحته حصول إيران على السلاح النووي والقنبلة الذرية ما دام الهدف ليس إسرائيل وإنما باكستان، وكذلك إسناد التمدد الإيراني في المنطقة العربية، وهذا هو في حقيقة الأمر ما بقي يفعله الروس منذ بدايات تسعينات القرن الماضي وحتى الآن.
وهكذا فإن دافع الولايات المتحدة الرئيسي ومعها المعسكر الغربي كله (دول الاتحاد الأوروبي كلها)، من السعي الدؤوب منذ عام 2002 لإجهاض المشروع النووي الإيراني، هو الاستجابة لرغبة إسرائيل التي من المؤكد أنها تعرف حقيقة النوايا والتطلعات الإيرانية الآنفة الذكر، إلا أنها تحت وطأة الخوف من المستقبل ودائما وأبدا لا تمتلك إلا أن ترفض هذا المشروع وتقاومه، لكن وإلى جانب هذا فإنه لا شك في أن الأميركيين، ومعهم الأوروبيون، لا يمكن أن يقبلوا بسيطرة إيران النووية على منطقة استراتيجية تعتبر منطقة مصالح أميركية حيوية هي منطقة الشرق الأوسط.
والسؤال المُلح هنا ونحن بصدد الحديث عمَّا يمكن أن يترتب على الاتفاق بين الولايات المتحدة ومعها باقي دول ما يسمى «5+1» وإيران هو: هل مخاوف الدول العربية المعنية من أن يطلق هذا الاتفاق الذي لا يزال في مرحلة «الإطار العام» يد دولة الولي الفقيه في الشرق الأوسط محقة يا ترى؟!
معلومات المتابعين لهذا الاتفاق عن قرب لا ترى أي مبرر لهذه المخاوف. وهم يشيرون إلى أن أي صفقة بين الولايات المتحدة وإيران وعلى حساب العرب الرافضين للتمدد الإيراني في المنطقة العربية مستبعدة جدا، بل إن هناك من يقول إن التمسك الأميركي بالإبقاء على العقوبات الاقتصادية على طهران، إنْ ليس كلها فمعظمها على الأقل، ما لم يتراجع الإيرانيون عن هذا التمدد، يتعارض مع ذلك. ويبدو أن هذا هو موقف تركيا وباكستان، بالإضافة إلى مواقف الدول العربية كلها باستثناء القلة القليلة من المؤلفة قلوبهم وأصحاب المصالح الخاصة والنظرة الحولاء إلى قضايا بكل هذه الخطورة.
إنه غير صحيح وكـ«التغميس خارج الصحن» كل هذا الذي يقال عن أن كل مصالح الولايات المتحدة غدت مرتبطة بالصين وبالشرق الآسيوي الأقصى، وأن واشنطن عازمة على إدارة ظهرها لهذه المنطقة وتركها تغرق في المشاكل المتفجرة حاليا في معظم دولها وبلدانها. فالشرق الأوسط، بنفطه وبأسواقه الاستهلاكية و«بصرفه» مئات المليارات على التسلُّح العسكري، بالإضافة إلى ممراته المائية وبالإضافة إلى وجود إسرائيل فيه، لا يزال - والواضح أنه سيبقى - منطقة مصالح حيوية أميركية لا يمكن التخلي عنها لإيران، وبخاصة في عهد هذا الحكم الذي من غير الممكن أن يراهن على أنه قد يتغير حتى أصحاب أنصاف العقول!!
ثم وعوْد على بدء، فإن السؤال المطروح أيضا هو: هل اتفاقية «الإطار العام» هذه ستصمد يا ترى حتى يوليو (تموز) المقبل حيث من المفترض أن توقع اتفاقية «النووي» مع إيران بصورة نهائية؟!
البعض يرى أنه ليس لدى إيران الغارقة في المشاكل الاقتصادية، التي ترتبت على تدني أسعار النفط وعلى العقوبات التي فرضت عليها حتى ذروة رأسها، إلا الذهاب مع ما تم التوصل إليه في لوزان حتى النهاية، لكن وخلافا لهذا فإن هناك منْ يرى أن جمهورية الولي الفقيه تتعامل حتى مع المعاهدات والاتفاقات الدولية على أساس «التقية» وإظهار شيء وإبطان شيء آخر، وأنه لا يمكن الاطمئنان إليها، والدليل هو مسيرتها منذ عام 1979 وحتى الآن.
وهكذا، وفي النهاية، فإن ما يؤكد صحة كل هذا أن المعلومات المتوافرة تتحدث عن أن التيار المتشدد في إيران، الذي يمثله حراس الثورة وبعض المحيطين بالمرشد علي خامنئي ومن بينهم علي أكبر ولايتي، غير راض عن اتفاق «الإطار العام» هذا، وأن أحد مستشاري الولي الفقيه، الذي هو حسين شريعتمداري، قد قال بالنسبة لما تم الاتفاق عليه في لوزان: «إن هذا الاتفاق ولد ميتا، وإن محمد جواد ظريف بعث إلينا بإشارة استسلام، وإن ما جرى يعني أننا سلَّمنا الحصان وتسلمنا عنانه فقط»، ثم وبالإضافة إلى هذا كله فإن عددا من أعضاء مجلس الشورى قد هاجموا وبعنف «اتفاق الإطار»، وقالوا فيه أكثر مما قاله مالك في الخمر، وحقيقة فإن هذه مؤشرات تدل على أن هناك مقاومة فعلية لتخلي إيران عن إصرارها على الحصول على القنبلة النووية، وبخاصة إن هي لن تقبض ثمن هذا التخلي بإطلاق يدها في هذه المنطقة والاعتراف بها إمبراطورية «فارسية» مهمة في الشرق الأوسط!

اقرأ المزيد
٩ أبريل ٢٠١٥
مخيم اليرموك سلاماً


منذ أكثر من سنتين، ومخيم اليرموك محاصر من النظام السوري، وظل يُدك بكل أنواع الأسلحة، وحوصر إلى حدّ أن من سكانه من أكلوا الحشائش والقطط. وإذا كان الشباب الفلسطيني حاول، منذ البدء، تجنيب المخيم الصدام مع السلطة، على الرغم من أنهم كانوا مع الثورة، ومن أجل تجنيب المخيم مجزرة جديدة، شاركوا في التظاهر في كل أحياء دمشق وفي ريفها، بالضبط، لأنهم يعيشون الوضع نفسه الذي يعيشه السوري، من حيث الفقر والاستبداد، لكنهم كانوا يعرفون أن زج المخيم يمكن أن يدفع إلى صراع فلسطيني فلسطيني. لهذا، جهدوا من أجل ألا يتحوّل المخيم إلى ساحة صراع.
لكن السلطة وأدواتها الفلسطينية، من منظمة الصاعقة والقيادة العامة وفتح الانتفاضة، دفعت إلى تسليح مجموعاتها، وحاولت أن تزج المخيم من خلال التمسّح بالقضية الفلسطينية. وباتت تلك الأدوات تنطلق من المخيم لضرب الثورة في الحجر الأسود وحي التضامن وببيلا وغيرها، ما أدى إلى استجرار المخيم إلى الصراع، من خلال سيطرة المسلحين من الأحياء المجاورة عليه، بمساعدة فلسطينيين كذلك. ويبدو أن هذه اللحظة كانت الفرصة التي أرادتها السلطة، لتصفية الحساب التاريخي مع المخيم الذي كان يعبّر في كل المفاصل عن "خيانة" النظام للقضية الفلسطينية، وأيضاً احتضانه المعارضة السورية. لهذا، جرى حصاره بكل العنف الممكن، إلى حدّ منع دخول الغذاء والدواء بشكل كامل، وبالتالي، تجويع السكان حتى الموت، وإذلالهم حين أراد إدخال بعض الغذاء، وأمطر، كذلك، المخيم بالصواريخ وبقصف الطيران والبراميل المتفجرة.
لم يكن هذا الأمر لأن في المخيم مسلحين، فقد قصف كذلك مخيم خان الشيح، وهو لا مسلحين فيه أصلاً. الأمر يتعلق بموقف، من المخيم ومن اللاجئين الذين بات القرار الدولي يفترض ترحيلهم إلى أبعد نقطة عن فلسطين، كما حدث مع اللاجئين في العراق الذين رموا في معسكرات على حدود الأردن، وكذلك سورية (القومية والممانعة)، إلى أن تم ترتيب ترحيلهم إلى أميركا اللاتينية. في مخيم اليرموك، يبدو أن المطلوب أيضاً هو الأمر نفسه. يجب أن يدمّر المخيم، وأن يرحّل اللاجئون إلى مجاهل الأرض. هذا ما يُلمس، من طريقة التدمير والقتل التي شهدها المخيم الذي شكّل رمزاً للثورة الفلسطينية.
نقول ذلك بعد أن دخلت داعش المخيم، وسيطرت على أجزاء عديدة منه. كيف دخلت، والمخيم محاصر من كل الجهات من أكثر من سنتين؟ فقد كانت عناصر داعش موجودة في الحجر الأسود، وبين الحجر الأسود والمخيم سيطرة للسلطة. هذا يطرح الأسئلة حول كيفية الانتقال من الحجر الأسود إلى المخيم. ثم دخل داعش من مواقع جبهة النصرة، وهذا، أيضاً، يطرح الأسئلة عن طبيعة جبهة النصرة. السلطة تريد دخول داعش المخيم، وجبهة النصرة سهّلت ذلك. ما هي جبهة النصرة؟ ألم يحن الوقت لتكسير الوهم حولها؟
في كل الأحوال، يمكن القول إن داعش والنصرة يلعبان اللعبة نفسها التي تسهّل تصعيد عنف السلطة في المواقع التي يريدها، وهما أداتان لأطراف متعددة يستخدمان "شماعة"، من أجل القتل والتدمير. لهذا، صعّد النظام من قصفه المخيم وتدميره، وربما يصل الأمر إلى تدميره على بكرة أبيه بحجة داعش، لكن من دون أن يقتل عنصراً من داعش، بل يقتل الشعب، والمقاتلين الذين يقاتلونه، وباتوا يقعون بين فكي كماشة، هو وداعش.
آمل أن تفيق القوى الفلسطينية التي تمالئ النظام، ويفيق من يعتقد أنه يدعم "دولة الممانعة والمقاومة" ضد "المؤامرة الإمبريالية". فالنظام مستمر في سياسته القديمة، منذ غلْق الحدود أمام المقاومة الفلسطينية إلى مجازر تل الزعتر ودعم تصفية المقاومة في لبنان. فليست فلسطين هدفاً في أجندته، لم تكن، وليست هي كذلك الآن. فالمخيم يدمّر، من أجل تهجير جديد إلى بلاد بعيدة.

اقرأ المزيد
٩ أبريل ٢٠١٥
أوباما والعرب وإيران

لم تكد تمر أيام قليلة على توقيع اتفاق الإطار بين مجموعة 5+1 وإيران حول ملفها النووي، حتى ظهر أوباما في مقابلته الصحافية مع توماس فريدمان ليقول ما فهم منه تشجيعاً على تدخل عسكري عربي في سوريا ضد نظام بشار الكيماوي. وثار الجدل حول ما إذا كان هذا التصريح يشكل تغييراً في سياسة الإدارة الأمريكية تجاه المشكلة السورية أم لا. وبالنظر إلى سلبية هذه السياسة طوال أربع سنوات ونيف من المأساة السورية الفظيعة، قد يمكن للمتشائمين أن يقرأوا هذا التصريح بوصفه محاولة من الرئيس الأمريكي لتبرئة ذمته من دم مئات آلاف القتلى وملايين النازحين واللاجئين والمشردين وعشرات آلاف القتلى تحت التعذيب في سجون النظام الكيماوي، وكذا من المسؤولية التي تتحملها هذه السياسة عن انتشار التطرف الإسلامي وصولاً إلى ذروته في إعلان دولة الخلافة الممتدة من الموصل إلى حلب ودمشق (مخيم اليرموك وجواره).
بالمقابل، يمكن للمتفائلين قراءة التصريح نفسه على ضوء الدعم الأمريكي المعلن لمعركة عاصفة الحزم الهادفة إلى وقف زحف النفوذ الإيراني في اليمن. ذلك أن جميع المراقبين يجمعون على وحدة الصراع في اليمن وسوريا والعراق ولبنان والبحرين، لكون الدول المذكورة ملاعب لمنظمات محلية يجمعها المذهب الشيعي والولاء السياسي لإيران. ولعل ساحة الصراع الوحيدة التي تشذ نسبياً عن هذا التوصيف هي سوريا حيث لا منظمات محلية شيعية بسبب صغر حجم الطائفة الشيعية في سوريا وتشتتها الجغرافي، بل نظام ينتمي رأسه إلى الطائفة العلوية (النصيرية)، وتشكل هذه الأخيرة النواة الصلبة المتماسكة لقاعدته الاجتماعية التي لم تتخل عنه إلى الآن. ربما لتعويض هذا النقص المذهبي، نجد المنظمات الشيعية الموالية لإيران تأتي من الخارج لمؤازرة النظام الكيماوي الذي تدهورت امكاناته الذاتية كثيراً. من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان وغيرها من مناطق انتشار المذهب الشيعي.
الواقع أن تصريح أوباما يحتمل التأويلين المذكورين معاً. فصحيح أنه يحتاج إلى الكثير من تبرئة الذمة بالمعنيين الأخلاقي والسياسي إزاء النتائج الكارثية لسياسته السورية، قبل أن يودع البيت الأبيض ليتفرغ لكتابة مذكراته عن هذه الفترة العاصفة من تاريخ العالم ودوره كصانع قرار للقوة العظمى الوحيدة في العالم في أحداثها.
فمن المعروف أن تلك السياسة اختبأت طوال سنوات وراء الفيتو المزدوج الروسي ـ الصيني لتبرير تقاعسها عن ردع جزار أحمق دمر البلد الذي يحكمه على رؤوس سكانه، مع العلم أن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة القادرة على هذا الردع من غير أن يستلزم ذلك تدخلاً عسكريا فعلياً. ولم تكتف السياسة المذكورة بذلك، بل منعت الدول الأخرى التي لها مصلحة في الإطاحة بالنظام الكيماوي من تقديم مساعدة عسكرية ذات شأن لقوات المعارضة، بما يمكِّنُها من الإطاحة به. لكنها غضت النظر، بالمقابل، عن الآليات التي أدت إلى انتشار التطرف كما عن تدفق آلاف الجهاديين من أربع جهات الأرض إلى الداخل السوري، وعن تدخل المنظمات الإرهابية الشيعية التابعة لإيران بصورة علنية في الصراع الداخلي السوري لمصلحة النظام.
ومع تشكيل الولايات المتحدة لتحالف دولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالتوازي مع استماتة أوباما لتوقيع اتفاق نووي مع إيران، وغضها النظر عن زحف الحوثيين إلى صنعاء وانقلابهم على الشرعية في اليمن، بدا وكأن أوباما وفريقه في اصطفاف واحد مع إيران في الصراع الاقليمي المحتدم.
الأمر الذي أثار استياء واضحاً لدى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، من المنظومة الخليجية إلى تركيا وإسرائيل. لم تشهد العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية توتراً يماثل ما نشهده اليوم طوال تاريخ العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
مع انطلاق عاصفة الحزم، اتضحت أكثر السياسة الأمريكية إزاء صراعات المنطقة التي انتظمت في اصطفاف إيراني ـ عربي، أو شيعي ـ سني كما قد يفضل أنصار مذهبة الصراع السياسي على النفوذ. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية دعمها الصريح لتحالف عاصفة الحزم، بما في ذلك الاستعداد للمساهمة بدعم لوجستي واستخباري.
كذلك لم تعترض الإدارة على وصول سلاح نوعي إلى فصائل المعارضة السورية، في شمال البلاد وجنوبها، بما مكنها من تحقيق انتصارات بارزة على النظام في إدلب وبصرى الشام ومعبر النصيب الحدودي مع الأردن. ليأتي كلام أوباما الاستنكاري لـ«عدم رؤية تدخل عربي ضد الانتهاكات الفظيعة لنظام الأسد» كما لو كان ترجمة لسماح الإدارة بوصول السلاح المذكور، وتشجيعاً لتدخل عربي أكثر فعالية في سوريا على غرار التدخل في اليمن.
ولكن لا بد من الإشارة، بصدد هذا التأويل، إلى أن تشجيع أوباما لتدخل عربي في سوريا، لا يتضمن موافقةً على الإطاحة بالنظام، بل فقط منعه من ارتكاب المزيد من الانتهاكات الفظيعة على حد تعبيره. وهذا يعني ثبات الموقف الأمريكي في تمسكه بالحل السياسي، وتشجيعه الضغط العسكري على النظام لإرغامه على القبول بالحل السياسي. هذا هو الموقف الأمريكي من المشكلة اليمنية أيضاً على أي حال. أي تشجيع السعودية وحلفائها على ضرب الحوثيين لإرغام هؤلاء على الحل السياسي في اليمن.
تنطوي سياسة التشجيع هذه على مخاطر كبيرة، وقد لا تعطي أسباباً كثيرة للتفاؤل. فهي استمرار «أكثر عدلاً» إذا جاز التعبير لسياسة الانسحاب الأمريكي الاستراتيجي من شؤون المنطقة وصراعاتها، وترك أهلها يحلون مشكلاتهم بأنفسهم. وفي الشروط القائمة اليوم، يعني ذلك تأجيجاً للصراع الاقليمي على محور مذهبي شيعي ـ سني، أي مزيداً من الصراعات والحروب الدموية.

اقرأ المزيد
٨ أبريل ٢٠١٥
حزب النكبة 47


البارحة كان ذكرى ميلاد حزب البعث 1947م ( ميلاداً حسب وصفهم)
فعلا كان بعثاً وميلاداً لفصل من فصول نكبة المنطقة بل والأمة جمعاء كيف لا وهو أيضاً يعد التنظيم الأقدم على مستوى الوطن العربي، كما أنه كان كارثة على سوريا وتاريخ سوريا ونضجها السياسي والصناعي والإقتصادي الذي سجل لها بُعيد الإستقلال ليس للحزب به أي منة بل كان بأيدي سورية مخلصة للأرض الشام بمهدها الديني والحضاري، بدأ الحزب بتدميره منذ إنقلابه العسكري عام 1962م الذي سماه بالحركة التصحيحية.

الكارثة تعمقت أكثر منذ عمد المجرم حافظ الأسد إلى دفن الحزب بين سطور منطلقاته ومبادئه و وضعه صورة لأفعاله وفساد نظامه المعتمد بنهب ثروات الأرض الخيرة، ثم بإسطورة بطل التشرينين المزيفة وهما


- اللعبة التصحيحية في تشرين الأول عام 1970 إن صح التعبير كونها لعبة على عامة الشعب عندما أراد تطوير إنقلابه "حركته التصحيحية" بشعار سوريا الحديثة بادخال الكهرباء وبناء المشافي والمدارس وبعض المرافق العامة وكأنها ليس حق مشروع ومتأخر لهذا الشعب المُجد وصَور المجرم نفسه صاحب هذه الإنجازات بينما حقيقة ان سورية تراجعت بصناعتها واقتصادها، وتزفيت الطرقات ومد الشبكات الكهربائية وما شابهها من أعمال ما هي إلا لعبة على الشعب الذي عُتم عن العالم الخارجي حيث كانت شعوب الإستقلال والمنطقة وكذلك بلدان الإستعمار في تقدم وشعب سورية في إستعمار بشكل جديد تتزعمه عصابة مارقة من مجرم خبيث وثلة محيطة به من عسكر كطلاس الذي وصيي بمساعدة الخلفة بشار من بعد الأب وتعهد بذلك.


- لتأتي بعد اللعبة التصحيحية الخدعة التحريرية... نعم المقصود  حرب تشرين الثاني عام  1973م وكم من شهادات طافت على السطح عن خيانة عمود محور العروبة! وخط الجبهة الأول! بقيادة حافظ وكم من جندي وضابط إغتيل في الحرب من الخلف بعد أن شرب من مياه طبرية ولم يستمع لأوامر التوقف والإنسحاب من القائد العربي الخالد الفذ، ناهيك عن تدخل القوى العربية وخيانة جيش الأسد للجيش العراقي….فما كان حافظ الأسد إلا إسمً على مُسمى حافظاً للحدود الشمالية لإسرائيل وأمِنَ أمنها.

لقد تلا اسطورة التشرينين مايعده السوريين جرحاً عميقاً لا يندمل ولن ينسوه ولا يمكن للخوف المتراكم لعقود أن يصمت عته، فدخل الأسد بمرحلة قمع كل من يعلو صوته أو يلفظ ببنت شفا، فرتكب مجازر فبراير 82 وأشهرها وأبشعها على الإطلاق مجرزة حماه الغنية عن التعريف.

كانت البداية بإنقلاب حزب البعث وترشيح وزير الدفاع "حافظ الأسد" نفسه لرئاسة الجمهورية دونما أي منافس طبعا، بعد أن زج بقادته و رفاقه ومنافسيه بمعتقلاته المظلمة فكانت القبر لهم، يومها لم يكن الشعب بالمُستكين ولا بالصَامت فـعلى سبيل المثال، هذه ادلب المحررة اليوم الطاهرة الشريفة تَستذكر جماهيرها في ساحة السبع بحرات جنوب شرق المدينة عندما وقف حافظ السفاح على ليلقي خطاب الإنقلاب وبدأ بشعارت الكذب التي طالما إمتلأت خطباته عبر عقود ثلاث من حكمه لسوريا بها من سبيل الوطنية والتصحيحية والثورة واصفاً إنقلابه بها، وهي كانت على العكس تماما كانت بداية النكبة لسورية خاصة وليس بثورة ونهج تصحيح أبداً، فما إن بدءَ بتلك الكلمات الرنانة حتى انهالت على وجه القائد الخالد حبات البندورة والأحذية والبراطيش لينسحب تحت حماية مرافقيه مزلولاً…..كما يتكرر المشهد نفسه على صوره وتماثيله  في ساحات الوطن السوري بدءً بآذار درعا2011  وليس أخرها ما حصل لتمثال آذار إدلب 2015

أدرك السفاح ان هذا الشعب لم ينجح معه انقلب سياسي وعسكري ولا قانون الطوارئ المعمول به منذ الأنتداب الفرنسي فعدل بدستور البلاد كما يشاء و وسع عمليته بما هو أقسى على سورية بلد التجار والعلماء فأقدم على تفريغها من تراثها الفكري قبل إرثها الثقافي والحضاري فهجرت ممارسته القصودة العقول والتجار وإعتقل النخب و دفن المتفوقين وصرفهم إلى منازلهم كما فعل مع رائد الفضاء محمد فارس بعد أن إنصدم بحجم الترحيب الشعبي الذي ناله عند عودته من القمر، فلم يرضى الدكتتور عن هذه الصورة الجماهرية، كيف لا وهو من نزلت الجماهير العفوية للشوارع لتطلب مه الترشح للرئاسة! تلك الأكذوبة التي دسها نظامه حتى في مناهج الدراسة والتاريخ، كيف لا وحافظ الأسد قد شغل منصب " الأمين القطري العام" منذ عام 1971م وحتى وفاته عام 2000م" ولم يخلفه أحد بهذه الرتبة الحزبية للتنظيم الحزبي صاحب العدة فروع الوطن العربي فلا وريث خلف الأمين القطري للحزب كوراثة إبنه لسوريا المكبوتة لعقود ليقوم الخليفة! القاصر بإتباع نهج والده بألاعيب وشعارات غوغائية مزيفة كان أخرها محور المقاومة والممايعة، فعند توليه السلطة "بالوراثة" أطلق العنان لمن تبقى من معارضي الحكم الموروث فكان ربيع وإعلان دمشق محاولاً من خلاله إظهار ما أفشته مخابراته في صفوف الشعب أنه بشار الأمل، لكن سرعان ما هجرهم وإعتقلهم تماما كنهج الأب، وليس كما أفشت مخابراته وشُعب حزبه - التي تحولت بأخر سنينها إلى مكان للثرثرة وشرب القهوة - أنه قائد مسيرة التطوير فهو كما روج له أنه مربى أوربي! فأدخل ما سماه برنامج نشر المعلوماتية "الكمبيوتر" والشبكة العنكبوتية "الإنترنيت" ويالا الهول من إنجاز شابه إنجازات الحركة التصحيحية فإسرائيل "الكيان العدو" و دول العالم وصلت المريخ وآل الأسد بوريثهم القاصر يدخلون خدمة الإنترنيت بعام الـ2000 إلى الشعب المقهور والباحث عن لقمة عيشه جراء بطش وسرقة نظام الأسد بثرواته وخيراته.

أما عن الإنفتاح والمربى في البلاد المزدهرة فحدث ولا حرج فالطَبع يَغلب التطبع فقبل وبعد كونه شاباً منفتحاً درس طب العيون في بريطانيا كان إبن السفاح وإبن العائلة المالكة التي مكنت وضحكت على طائفتها لتثبيت حكمها للسلطة المسروقة من الشعب، فحول الوريث القاصر سوريا لمافيات إقتصادية إزدهرت وعُلفت بها جيوب السلطة والعائلة الحاكمة والمقربة وأصحاب المصالح المرتبطة من ألي المناصب والمكاسب كمخلوف وشاليش وحمشو والقائمة تطول، فخـتـنـقت سوريا أكثر فأكثر وبات الموظف يسعى لوظيفة ثانية فالأستاذ أصبح يسوق بطالبه سيارة الأجرة بعد أن كان يلقنه الدرس في الصباح وصاحب العمل يسعى لعمل ثاني، وما ذلك إلا لسد غلاء الأسعار ومتطالبات إذدهار جيوب المافيات الأسدية الإقتصادية و رغم ذلك لم يلتفت الشعب للسياسة وحريات التعبير فهو ذاق ما ذاق وعهد الأسد الأب وبطشه فصَبر على وضع إقتصاده وإذدادت هجرة أبنائه وإغترابهم حتى باتوا اليوم للأسف أكثر من مجرد غريب ومهاجر، لقد أصبحوا لاجئين في حقيقة مررة وقاسية على السوريين أبناء العز والتاريخ، وقد بلغوا اليوم حدود الـ12 مليون نازح ولاجئ ناهيك عن أرقام المعتقلين قسراً والجرحى والشهداء، كلهم أرقامهم متزايدة في كل دقيقة منذ إختار الوريث القاصر صب الجحيم من رصاصته إلى صواريخه البعيدة المدى وقذائفه الكيماوية فبراميله المتفجرة  لـتـصب على الىشعب الذي إنتفض ولم يتوقع معظمه هذه الانتفاضة في آذار 2011 من جراء شرارة نخوة حورانية وصفها البعض بأنها ثورة ربانية أرادها الله لهذا الشعب الذي رضي بها لينفض غبار الذل المتراكم لأربعين عاماً ولأنها على حق ضد عصابة فاسدة مارقة مجرمة بحق الشعب، لتكون إذاناً ببدء صرخات الحرية وشعارات" هي هي بدنا نشيل البعثية … وطقوا موتوا بعثية ونحنا بدنا الحرية وما بدنا حكم الأسدية…. فلا وألف لا  لحزب النكبة والعصابة الحاكمة بعد اليوم….. والأمهات السوريات بعد اليوم لن يُنجبنَ إلا ثوراً، والثورة مازالت مازال هناك حجر لم يهدم .

اقرأ المزيد
٨ أبريل ٢٠١٥
" موسكو2".. مضحك حتى شفا الموت

بدأت الجولات الفعلية على حلبة موسكو2  و لنقل الحوار المسمى "نظام الأسد مع نفسه" عفواً "السوري- السوري" كما يحب الروس تسميته و تتغنى فعاليات الأسد به ، و يرى هؤلاء أنه المنقذ من أتون الحرب التي تدور رحاها في أصقاع سورية.

لا يمكن لعاقل أن يتفهم أو يقتنع أن ما يحدث في موسكو في النسخة الثانية من مؤتمرها يهدف لايجاد رؤية موحدة للحل بين النظام و المعارضة ، فاستعراض الاسماء وحده كافي لأن تعرف أن ما يحدث هو مجرد "ثغاء مجموعة من الأغنام تسعى وراء الكبش الروسي" في مرعى الاجرام .

مضحك حتى شفا الموت هو التصريحات التي تخرج من خلف الأبواب الذي يصفونها بأنها مغلقة بوجه الإعلام ، إلا من رحم النظام و أراد له الحضور وفق رؤيته ، و قيل بالأمس أن المعارضة أعدت ورقة موحدة ستقدمها خلال مباحثاتها مع وفد الأسد ، و لكن المعارضين المذكورين آنفاً اختلفوا على المصطلحات ، بين ما اذا كان ما نواجهه مؤامرة أم أزمة ، و هل القتل يتم بيد داعش وحدها أم جبهة النصرة تساعدها ، و ما تعريف الجيش هل هو جيش سوري أم جيش خليط من مكونات الشيعة من ايرانيين و لبنانيين و أفغان و باقي الجنسيات المساندة للقضية الأم يعتبرون وطنيين أكثر من السوريين أنفسهم.

بالفعل شيء مقزز ما يدور في ذلك المكان ، لماذا يجتمعون هناك ، و لم عناء السفر ، فالجميع متاح لهم التواجد في دمشق و بجانب و رفقة الأصدقاء الأمنيين ، و تحت نظر و رعاية الأب القانوني للجميع بشار الأسد ، لكن بلا روسيا يبدو الأمر مستهجن و غير محبب ، فـ روسيا الأب الفعلي لكل ما يحدث ، فكيف تحرم من جمعت الابناء.

بالعودة إلى المسودة التي خرج به السادة المعارضون فهي تتضمن طبعاً جنيف 1 و الانتقال الديمقراطي و الايقاف الفوري لاطلاق النار و اطلاق سراح معتقلي الرأي الذي كانت بادرته باطلاق لؤي حسين ، و هنا تفوقت المعارضة السلمية على نفسها و طالبت بعدم استهداف المدنيين بالبراميل المتفجرة و كذلك بتلك المسماة بـ "مدفع جهنم" ، و قبل أن ننسى دعوة الأطراف الدولية للكف عن مد الارهابيين بالدعم .

هذه ابرز البنود التي خرج بها من يطلق عليهم عدة تسمية كـ "معارضة الداخل ، ياسمين الدمشق ، لا للطائفية ، و سورية بخير .......) .

في المقابل جاء الرد من الأسد عبر وفده الذي يرأسه بشار الجعفري الذي عاد و كرر كلامه الذي قاله في موسكو1 من مؤامرة و اسرائيل و المقاومة و الممانعة ، و الارهاب الذي يغزو الأرض و الجيش الذي يعمر و يدافع ، و طبعا الدول العربية و الاقليمية و مطامعها الاستعمارية ، و لاننسى اشارته للحل السياسي بتسليم الجميع أنفسهم للسلطات المختص أو انسحابهم الى ما وراء البحار ليعيد النظام استرجاع ما سرق منه من قوى الاستكبار( المصلح الايراني الذي يغزوا الاسواق في هذه المرحلة الفريدة من الزمن ).

اذا في موسكو2 هناك تفوق كبير حققته الأطراف على ذاتها ، تفوق في البغي و الغوص في الاجرام السياسي بشكل يندى له من يملك جبين ، فأما المجتمعون فهم سعداء حالياً و لكن لهم القصاص عندما يحين موعد القطاف .

اقرأ المزيد
٧ أبريل ٢٠١٥
حكاية النووي وزفة لوزان وانتصارها المجيد!!

 منذ الإعلان عن الاتفاق الأولي في لوزان، بدأ أبواق إيران في الترويج له بوصفه الفتح المبين، ولو رفضته إيران لكان فتحا مبينا أيضا، «ومن يدفع للزمار يطلب اللحن الذي يريد»، كما في المثل الإنجليزي. ويذكّرنا ذلك باحتفال ذات القوم بتسليم بشار للسلاح الكيماوي من أجل تجنب الضربة العسكرية، والذي صنفوه بوصفه دهاءً وحنكة، وإنجازا أيضا!!
لكن أية بلاغة مهما كان مستواها لن تخفي حقيقة الاستسلام الذي تم في لوزان، والذي سيكون أكثر وضوحا بعد أسابيع نهاية يونيو، وبالطبع في الاتفاق النهائي، ولا قيمة هنا لكل الحديث عن الاحتفاظ بالحق في التخصيب، أو بعدد من أجهزة الطرد المركزي، ولو كان المقال يحتمل لوضعنا كافة البنود، لكن المؤكد أن شروط التخصيب والعدد المسموح به من أجهزة الطرد، ومعها شروط التفتيش لمدة 25 عاما، وهي في مجملها لن تسمح أبداً لإيران بالتفكير في إنتاج سلاح نووي، وبالطبع في ظل نص صريح بأن العقوبات ستعود في حال حدوث إخلال بالاتفاق، مع نص آخر يشير إلى أن العقوبات الخاصة بقضايا الإرهاب والصواريخ بعيدة المدى لن ترفع، وأن ما سيرفع هو العقوبات المتعلقة فقط بالبرنامج النووي.
من زاوية إيرانية داخلية يمكن القول: إن حكاية النووي من ألفها إلى يائها تمثل معركة طويلة خاسرة، لو خاضها أي زعيم في العالم لاستقال بعد هذه النتيجة (ينطبق ذلك على خوضها من قبل تيار سياسي أو فكري، وهو التيار المحافظ هنا)، ولو كنا في بلد يتمتع بقدر مقبول من الحرية لنزل الناس إلى الشوارع؛ ليس للاحتفال بتوقيع الاتفاق كما حصل ليلة الجمعة في شوارع طهران (من نزلوا كانوا قلة)، ولكن للإطاحة بهذا التيار الذي أهدر عشرات المليارات في تأسيس مشروع، كما دفع أضعافها بسبب العقوبات التي ترتبت عليه، وها هو في النهاية يتنازل عنه من أجل رفع تلك العقوبات.
وإذا قيل إن إيران قد احتفظت بحق الاستخدام السلمي للطاقة النووية، فإن ذلك رد لا يبتعد كثيرا عن الهراء، لأن الجميع يعلم الهدف الأصلي للمشروع ممثلا في السلاح النووي، وليس الاستخدام المدني للطاقة النووية، لأننا نتحدث عن بلد غني جدا بالنفط والغاز، ولا يحتاج تبعا لذلك إلى طاقة نووية لأغراض مدنية. أما فتوى خامنئي بعدم جواز استخدام الأسلحة النووية، والتي ذكّر بها أوباما في سياق الإعلان عن الاتفاق فليست ذات قيمة، ليس لأنها سياسية وحسب، بل أيضا لأن أحدا في الأصل لا يتحدث عن سلاح نووي من أجل الاستخدام، بل من أجل الردع، لاسيَّما أن لدى الكيان الصهيوني، فضلا عن أميركا من القدرات النووية ما يجعلها مؤهلة لإعادة إيران إلى العصر الحجري خلال ساعات، لكن الكيان كان وسيبقى حريصا على عدم كسر ميزان القوى الاستراتيجي الذي يعمل لصالحه.
لا شك أن الشارع الإيراني ليس غبيا، وهو تساءل طوال الوقت، وسيتساءل الآن أكثر عن جدوى هذا المسلسل الطويل من المعاناة إذا كان سينتهي على هذا النحو، وهذا البعد هو الذي يفسِّر أصلا تردد التيار المحافظ بزعامة الحرس الثوري والمرشد طويلا في إنجاز الاتفاق، هم الذين يعلمون تماما أنه سيمنح دفعة قوة معتبرة للتيار الإصلاحي، لكنهم وجدوا أنفسهم في حاجة ماسة لدفع كلفة نزيف كبير في سوريا واليمن والعراق، وهو نزيف يحتاج إلى رفع العقوبات لتحسين وضع الاقتصاد، فضلا عن حاجتهم إلى مصالحة الغرب، وهم يعادون غالبية المسلمين. ولعل الأكثر بؤسا في الاتفاق هو أنه لم ينص على الحصول على الأموال المجمدة في الولايات المتحدة لأنها ترتبط بقضية الإرهاب، وليس بالملف النووي، وهذا ما سيجعلها محطة ابتزاز أخرى مستقبلا، وبالطبع من أجل تغيير الموقف من الكيان الصهيوني، وهو ما سيكون مقبولا بالطبع، لأن عين إيران اليوم تركز على التحول لدولة المذهب ذات النفوذ الإقليمي الواسع، مع نسخ حكاية المقاومة والممانعة من الأجندة.
هذه هي النتيجة البائسة لمغامرة المحافظين المتعلقة بالاتفاق النووي، لكن النتيجة الأخرى التي ستطيح بهم في المستقبل هي تلك المتعلقة بمشروع التمدد المجنون الراهن، فبينما يعوّل الشارع الإيراني على أن يؤدي رفع العقوبات إلى تحسين وضعه، يركز المحافظون على الاستفادة من ذلك في دفع كلة الاستنزاف الراهن في سوريا واليمن والعراق، ما يطرح سؤالا كبيرا حول موقف الشارع من ذلك، لاسيَّما أن كل ما دفع وسيدفع لن يؤدي إلى نتيجة، فلا بشار سيحسم المعركة عسكريا، ولا الحوثي سيستقر وضعه على الأرض، ولا العراق سيأمن من دون حل معضلة التمييز الطائفي ضد العرب السنّة، ولا حتى حزب الله سيواصل حكم لبنان بسطوة السلاح.
هكذا تعانق إيران بقيادة المحافظين «الاستكبار»، وذلك بدل أن تذهب نحو تسوية مع جيرانها العرب والمسلمين، لكن هذا العناق لن ينفعها، فالنزيف هنا، والصفقة ينبغي أن تكون هنا، فعالم اليوم لم يعد كما كان، وأميركا والغرب اليوم ليسوا آلهة الكون، ولن يفرضوا على هذه الأمة أن تخضع لإيران أو تقبل بجنون تمددها، وهي ستواصل مقاومتها حتى تدرك إيران حقيقة أن عليها أن تجلس على الطاولة من أجل التوصل إلى صفقة ترضي الجميع.
متى سيحدث ذلك؟ لا ندري، والمؤسف أنه لم تتوفر إلى الآن أية مؤشرات على الرشد المأمول، ونأمل أن تتوفر في القريب، لأن المعاناة تطال الجميع من دون استثناء، فيما يستمتع أعداء الأمة، وفي مقدمتهم الكيان الصهوني بهذا الحريق المدمر لجميع أعدائهم.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >