٥ أبريل ٢٠١٥
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين واﻷقربين. صدق الله العظيم
من الصعب على المرء أن يظل صامتا وهو يرى شهادات تقال هنا وهناك تجانب الصواب وتخالف الحق والحقيقة ولقد تعودت أن أوازن اﻷمور وأنظر إلى المصلحة العامة وأؤثر الصمت في أحايين كثيرة تغليبا لمصلحة الدين واﻷمة وحرصاً على وحدة الصف إلا في حالة إراقة الدماء وسفكها والمصيبة اﻷكبر حين يكون ذلك استحلالا بوصم أصحابها بالردة ابتداءً لرفع سوار العصمة عنهم ثم استباحتهم استباحة كاملة بعدها كنا قد آثرنا الصمت عن إخواننا في جبهة النصرة الذين لا ينكر فهل الكثير منهم على الجهاد إلا جاحد ولا ينقص من قدرهم أو يغمطعم حقهم إلا حاقد فتضحياتهم وبذلهم وعطاؤهم وسبقهم معروف مشهود ومنصفوهم وعقلاؤهم ومتدينوهم كثر والمسلم مأمور بنصرة أخيه ظالما كان أو مظلوما دون أن ينتقص منه أو يحط من قدره أو ينكر فضله ولقد آثرت الصمت والسكوت فيما يتعلق بأحداث مخيم اليرموك على أمل أن يقوم إخواننا في جبهة النصرة الذين نحسن الظن بهم بمعالجة اﻷمر واتخاذ موقف من الفئة التي آزرت دولة اﻹجرام باغية وكان أملي بالله أن يكون البيان بهذا الصدد ولكن مع اﻷسف الشديد جاء البيان عكس ما كنا نأمل ونرجو وﻷن البيان احتوى على مغالطات كثيرة أرى أن أخطرها التمسك بالعناصر والقادة الذين انحازوا انحيازا كاملا لدولة اﻹجرام في بغيها وعدوانها.
السؤال اﻷول الذي أود طرحه ترى هل هبط جنود دولة اﻹجرام من السماء؟
أم أنهم دخلوا المخيم من النقاط المتاخمة للحجر اﻷسود والعسالي؟
ومن كان يرابط على تلك النقاط؟
ومن الذي كان ينادي بمكبرات الصوت الدولة والنصرة واحد؟
ومن الذي نادى بمكبرات الصوت يطالب اﻷكناف بتسليم أنفسهم لجبهة النصرة؟
وهلا أجابنا اﻹخوة في جبهة النصرة عن العناصر الذين جلسوا في مقرات حركة أحرار الشام من شباب النصرة لما فعلوا ذلك لماذا ترك هؤلاء المجاهدون من جبهة النصرة مقارهم والتحقوا بمقرات حركة أحرار الشام؟
وكنت قد قلت في تغريداتي أول من أمس وإن كان الحياد غير مقبول شرعا فإنني أقبل منك الحياد إن كنت صادقا والتزمته لكن أن تسمح لمجرمي الدولة بالعبور إلى المخيم لقتال اﻷكناف ثم حين يطلب إليك اﻷكناف أن يعبروا نقاطك لقطع خطوط إمداد مجرمي الدولة تمنعهم وتقول أنا على الحياد؟
وحين يأتي من يود مؤازرة اﻷكناف تمنعه وتقول أنا على الحياد؟
أي حياد هذا الذي تزعم وأي تجنب للقتال هذا الذي تدعي؟
ولم تكتف بذلك بل خضت مع الخائضين...
خضت معهم في رمي المبغي عليه بالتهم الباطلة الملفقة زورا وبهتانا بأنهم يريدون التصالح مع النظام؟
ستكتب شهاداتكم كلها وتسألون فلإن صدقكم الناس اليوم فبم ستجيبون ربكم غداً؟
أعدوا لربكم جوابا فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكم أجيبوا وكنت قد سكت فيما مضى عن تهمة لفقت لشام الرسول في أحداث بيت سحم وببيلا ولكن بيان إخواننا في جبهة النصرة أبى إلا أن يكرر ادعاءه الذي سبق ورمى به شام الرسول ومشكلة شام الرسول أن الناس لا يعرفونها فسيصدقون كل ما سينسب إليها ولولا أن بيان إخواننا في جبهة النصرة كرر الاتهام ﻵثرت الصمت لكنهم أتوا على ذكر التهمة وسأجيب وباﻷدلة إن شاء الله.
شام الرسول فصيل مجاهد يقوده طبيب أسنان هو أخونا الدكتور أبو عمار وهو من حفظة كتاب الله ولديه عيادته الخاصة في حي الميدان بدمشق وهو من اﻷثرياء نفر منذ بداية الثورة وأنفق كل ما يملك في سبيل الله وهو قائد اللواء ونائبه أبو عبدو الهندي خريج معهد الفتح وكان من أثرياء دمشق قبل الثورة وبذل كل ماله في سبيل الله وقد اتهم بيان النصرة السابق كما بيانها الحالي شام الرسول بأنهم ألوية المصالحات وفي الوقت الذي كان فيه بيان النصرة السابق يتهم شام الرسول بذلك غاب عن بالهم أن الرجل
كان يخطب على المنابر يهدد أرباب المصالحات ويصرح بأن هذه اﻷرض ويقصد بيت سحم وببيلا طهرت بالدماء ولن يستردها النظام أو يعود إليها إلا على جثثهم كما فات إخواننا في جبهة النصرة أن هذه الخطب مسجلة ومنشورة وإليهم وإليكم الرابط
https://www.youtube.com/watch?v=d806ttKCQhY
نسي هؤلاء أن شام الرسول اعتقلت فصيلا سيئا وإن كان تعداده قليلا بأكمله ﻷنها علمت أنه يريد تسليم نفسه للنظام وكان يتحين الفرصة لذلك وأكتفي بخطبة الدكتور أبي عمار المتهم وفصيله بأنه من دعاة المصالحات وانطلى الزور مع اﻷسف الشديد على كثير من الناس فرددوا ما سمعوا دون تثبت
وأعود لمخيم اليرموك فقد كان المرجو من إخواننا في جبهة النصرة محاسبة هؤلاء الغلاة ومحاكمتهم واﻷخذ على أيديهم وبيان الحق والحقيقة للناس، ولم أك أتوقع أن يأتي البيان مخالفا لجميع الحقائق المتواترة واﻷحداث التي كانت تدور على اﻷرض ومغفلا لجميع الشهادات التي وردت من هناك وليت اﻷمر وقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى إعادة الدندنة حول موضوع المصالحة وكأنهم يبررون لمجرمي الدولة اعتداءاتهم أخيراً فإن إخواننا في جبهة النصرة داخل المخيم انقسموا قسمين قسم اعتزل ووقف حقيقة على الحياد وهم قلة وقسم انحاز وأدخل المجرمين وقاتل جنبا إلى جنب ومنع المؤازرات من الوصول ومنع اﻷكناف من عبور نقاطه للالتفاف وقطع خطوط إمداد مجرمي الدولة وكنت أتمنى من إخواننا في جبهة النصرة أن يلزموا الحياد حقيقة وأن يلتزموا الصمت على اﻷقل إن لم يرغبوا بالصدع لكن فاجأنا إخواننا بخلاف ذلك ولم أطق أن أظل صامتا وأنا من أقسم على الصدع مراراً من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ومن أسخط الناس برضا الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس صدق رسول الله اللهم إن كنت تعلم أنني قلت ما قلت رياء وسمعة وتعصبا لطرف على طرف اللهم فانتقم مني وخذني أخذ عزيز مقتدر وإن كنت تعلم أنني قلته ابتغاء مرضاتك وإحقاقا للحق فأجرني بقولي وأثبني عليه وردني إليك ردا جميلا ودافع عني فقد وكلت أمري إليك وفوضت أمري إليك فاقض ما أنت قاض فإني بحكمك راض.
٥ أبريل ٢٠١٥
... والسؤال أثارته آراء ومطالبات بعض أطراف المعارضة السورية فور انطلاق «عاصفة الحزم» في اليمن، بأن يتشكل تحالف عسكري مماثل، يتصدى للنظام ولداعش وللدور الإيراني، ويمكّن السوريين من وقف دوامة العنف وتقرير مصيرهم.
وفي التفاصيل يضع أصحاب هذا الرأي الحكومة التركية في مركز المسؤولية لبناء هذا التحالف وقيادته تشبهاً بالدور السعودي، والغرض توجيه ضربات جوية تحطم قدرات النظام وتمهد لفرض منطقة حظر جوي يساعد جماعات المعارضة المسلحة على تعزيز سيطرتها وقلب توازنات القوى.
لكن في الوقائع، ثمة فوارق نوعية بين الحالتين اليمنية والسورية، وإذ وفرت للأولى فرصة تقدم دور عسكري رادع للتمدد الحوثي المدعوم إيرانياً، فإنها تعيق في الحالة الثانية إمكانية تبلور هذه الفرصة.
أولاً، يختلف موقع سورية في الحسابات الإستراتيجية الإيرانية عن الموقع اليمني، وإذ يرجح أن يستمر تعاطي طهران الهادئ، أو دون المستوى العسكري، مع مجريات «عاصفة الحزم» والتعويض بممارسة ضغوط سياسية لدفع مختلف الأطراف إلى طريق الحوار والتفاوض، فإنها لن تتخلى عن الحلقة السورية في سلسلة نفوذها المشرقي، ولو أكرهت على خوض حرب إقليمية من أجل ذلك، لأنها تدرك أن خسارتها هناك ستفضي إلى انهيار ما راكمته طيلة عقود، وهو تحذير تكرر على لسان غير مسؤول إيراني بأن سقوط دمشق يعني سقوط طهران!.
ثانياً، يبدو اليمن محاطاً بالدول العربية التي شكلت تحالف «عاصفة الحزم»، وتبدو الجماعات الحوثية شبه معزولة عن حليفها الإيراني، بينما يطوق تركيا حليفان للنظام السوري، هما روسيا وإيران، يضعفان قدرتها على المبادرة، ويجعلانها تتحسب وربما تخشى خوض مغامرة عسكرية يرجح أن تتسع وتكبدها خسائر مادية وبشرية كبيرة، قد لا تخففها عضويتها في حلف الشمال الأطلسي.
ثالثاً، إن الوزن المتنامي لتنظيم داعش في الصراع السوري وحضور تحالف دولي من أجل دحره، يضعف تلقائياً مطلب توجيه كل البنادق إلى صدر النظام، بدليل تبدل موقف بعض الدول الأوروبية وأميركا من دعوتها لإسقاطه! بينما لا تحظى القاعدة في اليمن بوزن مقلق وخطير، وقد تعرضت خلال سنوات لضربات طاولت أهم قادتها وكوادرها، والمعنى أن تبلور قوة عسكرية مناهضة لداعش في العراق وسورية سيمنع حكومة أنقرة من التفرد بأي دور عسكري ناجع، إلا عبر قوات مشتركة إن استدعت الغارات الجوية اجتياحاً برياً.
رابعاً، هناك نقطة إشكالية تثير خلافات حادة بين المعارضين، تتعلق بالشرعية السياسية للنظام السوري، والقصد أن الهدف المعلن لتحالف «عاصفة الحزم» هو إعادة الشرعية إلى اليمن ودحر المتمردين الذين كشفوا عن وجه انقلابي واستولوا بالقوة على مؤسسات الدولة بدعم إيراني مستتر وغير معلن، في حين سيتشكل التحالف سورياً ضد نظام كان يحظى، إلى ما قبل اندلاع الثورة، باعتراف سياسي، عربي ودولي، ولا يزال حتى اليوم، وعلى رغم ارتكاباته وتهتك شرعيته والحصار المفروض عليه، يعتبر جزءاً من المنظومة الأممية، ويلقى الدعم من دول كبرى كروسيا والصين، كما يحتفظ بقنوات تواصل غير رسمية مع دول غربية، بدليل الإشارات التي تتوالى من بعض العواصم الأوروبية عن رغبتها في إعادة العلاقات الديبلوماسية معه. ونضيف أن إيران موجودة علناً ومباشرة في الصراع السوري عبر قادة من حرسها الثوري، وعبر التشكيلات المسلحة المتعددة الموالية لها.
خامساً، ثمة عوامل تتعلق بالوضع التركي ذاته وحسابات الربح والخسارة وقدرته على قيادة تحالف يشابه «عاصفة الحزم»، منها أن سلطة أردوغان المنتخبة تخشى أن تنزلق إلى سلوك طائش يفقدها شعبيتها أمام خصوم يتحينون الفرصة للنيل منها، خصوصاً أن أحد عناصر استمرار قاعدتها الانتخابية هو سياسة «صفر مشاكل» التي نجحت في تحييد الداخل التركي وحمايته من التأثيرات الإقليمية، ومنها أن الضرر الناجم عن استمرار الصراع السوري ليس بذي أهمية كبيرة على الدولة التركية، مقارنة بما قد تتعرض له الدول الخليجية من أضرار عميقة نتيجة التطورات في اليمن. ومنها أيضاً أن دخول أنقرة حرباً في سورية سوف يسعّر الصراع المذهبي والعرقي ويفتح الباب أمام تنامي القلاقل والاضطرابات، ويزيد الأمر تعقيداً تخوف تركيا من رد فعل إسرائيلي في حال انفلاش الصراع السوري وتهديده أمنها. والأهم من كل ذلك، أن لدى تركيا فرصة كبيرة كي تخوض في الغمار السوري عبر وكلاء ليسوا ضعفاء ويمكنهم عند الضرورة، التأثير في توازنات القوى، ولنتذكر ما حصل في مدينة كسب عندما مكنت حكومة أنقرة المعارضة هناك، وما يحصل اليوم في مدينة إدلب من خلال الدعم العاجل الذي قدمته للجماعات المسلحة، هذا ناهيك عن تحكم تركيا بممرات الدعم اللوجستي للجماعات الجهادية في الشمال والشمال الشرقي من سورية بما فيهم تنظيم داعش وجبهة النصرة، والمعنى أنها معادلة رابحة في السياسة أن ينأى طرف ما بنفسه ويتجنب الدخول المباشر في صراع مفتوح طالما هناك وكلاء موثوقون وقادرون على تحقيق مراميه بأدنى تكلفة وبأقل المخاطر.
أخيراً، يبدو أن مخيلة بعض أطراف المعارضة السورية لا تزال محكومة بالأوهام عن أدوار يمكن أن يقوم بها الآخرون عوضاً عنها، وبدلاً من تقدير خصوصية الوضع السوري وتعقيداته، والانطلاق من أولوية العمل الميداني المثابر لتثقيل قوى التغيير المدني والسياسي، تلجأ إلى القياس على تجارب الآخرين والتشبه بهم. فبداية راهنت على دور مستقل للجيش ينصر الحراك الشعبي مثلما حصل في تونس ومصر، ثم على تدخل غربي مباشر كما حصل في ليبيا، ثم على فرض حل سياسي أممي كما التجربة اليمنية، تلاه الرهان على ضربات جوية تنال من داعش والنظام على حد سواء، واليوم يبدأ رهانها الجديد على قيام تحالف شبيه بتحالف «عاصفة الحزم»، وتظن أنه طريق الخلاص من هذه المحنة المريرة.
٤ أبريل ٢٠١٥
بعثت عملية "عاصفة الحزم" اليمنية الأمل في نفوس السوريين بأن ثورتهم ستنتصر، ليس فقط لأنهم صمدوا، أربعة أعوام ونيف، في وجه نظام هو الأكثر وحشية وعنفاً في تاريخ العرب القديم والحديث، وتخطوا أقسى ظروف بأكبر قدر من التضحيات يمكن تصوره، بل كذلك لأن العرب رموا، أخيراً، قفاز التحدي في وجه عدوهم: إيران، وأقدموا على فتح معركة معلنة لطردها من وطنهم، وردوا بالقوة على مرتزقة يغزون أوطانهم من الداخل، ويخضعونها بالقوة لإرادة طهران، فجاء ردّهم ضمن لحظة حاسمةٍ، بدا الطرف الإيراني عاجزاً معها عن الرد على التحدي الصارخ، وعن نجدة أتباعه الذين يواجهون خسارة تلوح معالمها في الأفق، وستغدو مؤكدة إن استخدمت القوات البرية ضدهم، بعد أسابيع من التمهيد الجوي والبحري المؤثر.
أربك الردّ العربي إيران من زوايا متنوعة، فالبلدان الإسلامية الكبرى المجاورة لها، كباكستان وتركيا، أعلنت وقوفها إلى جانب المملكة العربية السعودية ضد أي عدوان يستهدفها، وكذلك فعلت أوروبا وأميركا التي حذرت من استخدام قوتها ضد أي طرف يهاجم المملكة، بينما أعلن قادة العملية العسكريون أنهم لن يسمحوا بوصول إمدادات برية أو بحرية أو جوية إلى الحوثيين، وسيضربون أي هدف يقترب من سواحل اليمن وأجوائه، في حين أقامت الدول العربية تحالفاً ألقى بثقلها العسكري والسياسي في التصدي للاختراق الفارسي للجزيرة العربية، بدءاً بالأردن الذي وصل الحرس الثوري فجأة إلى حدوده الشمالية، مروراً بالكويت والبحرين، المهددتين بالاختراق والغزو بدورهما، وصولاً إلى السودان والمغرب، حيث يلعب التضامن المذهبي دوراً وازناً في الخيارات السياسية، ويعاني البلدان، منذ قرابة عقد، من تغلغل مذهبي في أوساطهما الريفية والفقيرة، ويجدان نفسيهما أمام ضرورة كبح جماح من يستهدفون عقيدتهما، بعد تحول نشاط دعاته إلى خطر داهم، يهدد هوية مجتمعيهما، وبقاء دولتيهما، هو أعظم خطر واجه العرب، بعد نيفٍ وستين عاماً، من بروز الخطر الصهيوني في بلادهم، الذي يخشون أن يتكامل تهديد إيران معه، فيكون في ذلك هلاكهم.
تعتبر "عاصفة الحزم" بداية فعل سيكون له تأثير حاسم، إن هو استمر ولم يعرف التهاون أو التراجع، سيكون له مفعول الهزيمة بأسوأ معانيها، وستترتب عليه نتائج وخيمة على التحالف العربي والموقف الإسلامي، ليس فقط لأنه سيشجع إيران على استئناف مشروعها، بل لأنه سيقوض كذلك علاقات النظم العربية بمجتمعاتها، وثقة المواطنين بقادتهم، وسيؤجج غضبهم على عجزهم وقبولهم المهانة، بينما يشعر عشرات الملايين منهم، اليوم، بالاعتزاز، بسبب ما أظهرته "عاصفة الحزم" من قوة وتصميم على إحراز انتصارٍ يعيد إلى اليمن أوضاعه الطبيعية، ويردع إيران هناك اليوم، لا بد أن يردعها غداً في سورية: المكان الذي تحضر فيه غزوات المرتزقة الإرهابية، ولولاه لما كانت لطهران القدرة على التمدد شمالاً وجنوباً، والتوسع شرقاً وغرباً في ديار العرب.
لا شك في أن "عاصفة الحزم" يمكن أن تكون بداية معركة استنهاض عربي شامل، لا شيء يؤكد أن العرب غير قادرين سياسياً على خوضها، وأن ظروفهم لم تنضج بعد لها، وشعوبهم لا تلح في طلبها، ونجاحها ليس سبيلهم إلى تقدمهم المنشود: المتوازن والآمن، وإلى طرد إيران من مجالهم السيادي، الوطني والقومي، وكبح جماح إسرائيل في فلسطين، وتحقيق قدر من التوافق بين دولهم وشعوبها، يجعلها قادرة على تحصين نفسها وبعضها ضد أي عدو.
يقف العرب أمام لحظة مفصلية حاسمة، فهل يرتبون أوضاع دولهم وعلاقاتها مع شعوبهم بطرق تحظى برضاهم، تبدأ معها مرحلة نوعية من تاريخهم، تفيد من خبرات ماضيهم القريب ودروسه، فيتعاونون كأعضاء في جسد واحد ومهدد، ما يوحدهم أكثر بكثير مما يفرقهم، بعد أن استنزفتهم انقساماتهم السابقة إلى تقدميين ورجعيين، وحدويين وانفصاليين، وعطلت قدراتهم وأفشلت تقدمهم، وكانت خيار زمن مضى، حتّمه اندماجهم في عالم انقسم، وقسمهم إلى معسكرين متصارعين/ متنافيين، نقلوا صراعاته إلى مجالهم القومي والداخلي، فكانت الكارثة التي لم يوجد، اليوم، ما يبرر استمرارها والانخراط في الصراعات التي أنتجتها، بينما وطننا العربي عرضة لتفكك داخلي عام، ولأطماع قوى إقليمية ودولية تواطأت عليه، إلى حد يلزمه برؤية نفسه بعين وحدته وكيانه القومي التكاملي، ويفرض عليه التحول إلى كتلة صلبة، متماسكة وعصية على الاختراق، على غير ما هو عليه اليوم.
"ستكون سورية الديمقراطية لكل أمتها، ولن ترى في أي نظام عربي غير جزء من الجسد العربي المهدد"
ولعله ليس سراً أن مأساة سورية أنتجتها مخلفات عقلية الانقسام والصراع السابقة، وأن نظام الإجرام الأسدي يقاتل باسم تقدمية ووحدوية مزعومتين، لم تعد لهما وظيفة، غير ذبح مجتمعه وفتح أبواب العالم العربي أمام غزو إيران ومرتزقتها، بينما ستكون سورية الديمقراطية لكل أمتها، ولن ترى في أي نظام عربي غير جزء من الجسد العربي المهدد الذي وقع تهميشه في مصر، ويدمر اليوم في المشرق، ولا شيء يحميه في الخليج غير تضامنه وتكامله الوثيق والفاعل الذي يرى في أية معركة تنشب في أي مكان معركة ضد العرب في كل مكان، يرد عليها انطلاقاً من وحدة الجسد العربي وبدلالته، فلا انقسامات ولا صراعات، مهما كانت مسوغاتها براقة، بل وحدة في المواقف والمصالح، في السراء كما في الضراء.
لا مفر من هبوب "عواصف حزم" متعددة تمنع انتقال التدمير إلى الخليج، بإطفاء بؤرته في سورية التي إن هزمت ثورتها لن يحمي بقية العرب أو يحميه شيء من الدمار. إن سؤال الأسئلة الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل تمت "عاصفة الحزم" انطلاقاً من هذا الوعي، واستجابة لهذه الضرورة التي دفعت عشرات آلاف السوريين إلى إبداء رغبتهم في الانخراط ضمن أية قوات برية تدافع عن الخليج، عرفاناً بجميل الخليج عامة والمملكة خاصة، وانتظاراً لموقف خليجي يمكّن شعب سورية من رد الأذى عن نفسه وإخوانه، ما دام قتاله ضد إيران ومرتزقتها، وخصوصاً منهم نظام الأسد، هو الذي سيقرر ما إذا كان العرب سينجحون في مواجهة الخطر، أم سيهلكون في أقرب الآجال.
٤ أبريل ٢٠١٥
لا شك أن المعارك في مخيم اليرموك سيطرة على الساحة الاعلامية و المشهد السياسي المتعلق في سوريا ، و باتت مركز الحديث من قبل الجميع ، بمصطحات متنفاوتة بين الشجب و القلق ، بين التخوف و التشجيع ، تعكس واقع التحالفات و التسهيلات التي يقابلها غرف عمليات و استنفار.
في النهاية كل طرف يحاول أن يكون على صواب و يؤكد و يُحتم على الجميع أن يقف معه ، و "الجميع" تتراوح حالتهم بين الذهول و الغضب .
الذهول نابع من أين خُلق هذا الكم من السلاح و العتاد و المقاتلين ، و ما سر هذا التوقيت الخبيث ، و تحديدا بعد سلسلة النجاحات التي خاضها الثوار مع الذكرى الخامسة لإنطلاقة الثورة في الشمال و الجنوب ، و تقهقر عدة خطط وعلى رأسها ما يدعى " مثلث الموت" الذي التف على اصحابه و خنقهم أكثر.
أما الغضب فهو نابع عن الاستخدام المفرط للقوة و السلاح في مكان شهد أشنع ماعرفته البشرية من موت ألا وهو "الموت جوعاً" ، و ما السر وراء هذا الإقتحام من قبل منطقة محاصرة بالأصل ، و الذي يزيد الحنق أن الغاية هي فك الحصار و ايصال امدادات الغذاء و الدواء ، مما يدفعنا للسؤال من أين هذه الإمدادات و كيف ستصل ، و إن كانت موجودة بالإصل فلماذا لم تمنح للناس الذين ماتوا و يموتون كل يوم.
عشرات الأسئلة تطرح هنا و هناك ، دون أن نلقى جواب شاف و مُنهي للجدل ، مما يدفعنا للتفكير أن مخيم اليرموك هو البوابة لقصر الأسد أو هو الطريق نحو "القدس" ، فهو بات مقصد الجميع حالياً ، رغم اهماله لعامين ، بشكل يندى له الجبين من كل الأطراف .
لابأس من مواجهة الواقع و التأكيد أن التصرفات التي تتخذ من هذا الطرف أو ذاك ، لا تؤتي أي فائدة على الأرض إلا من جهة تسهيل انهاء الحياة ، فبدل الموت التدريجي جوعاً و قهراً و مرضاً ، يكون الموت السريع .
لا نعرف ماهي السياسة التي تدور في رأسهم و أي الحكمة و أين الغاية أو المبرر من كل هذا ، و إن كان فك الحصار فمن باب أولى فك الحصار عن أنفسهم و من ثم التفكير بمد يد العون لمن يحيط بهم ، من باب أولى أن يضمنوا التمكين الحقيقي و من ثم ينطلقوا للتطهير ، كما يدعو.
الثقة الوحيدة التي نملكها هي فهم الكلام السابق في غير سياقه ، كما جرت العادة كون لا إسم لأي كان ، فهذا هو الحال للعبثية في واقعنا ، دائماً الجميع متهم و بريء ، و الجميع متعدٍ و معتدى عليه ، و فقط هو الشعب المدان الوحيد و متلقي الفاتورة و دافعها من دمه و فلذة كبده و كرامته.
فلا سياسة شرعية تبيح هذا ، و لا رؤية مستقبلية تتقبل ما يحصل ، و ليش هناك أي خطة قابلة للنجاح بعد هذا ، فكل هذا يعني أن المخيم سيسقط بيد الأسد ، و يكون الممحاة التي ستمحي انتصارات الثوار ، و سيستخدم كصك غفران للأسد مما فعل .
و نمني أنفسنا بمقولة " اليرموك بوابة قصر الأسد " عسى أن تكون كذلك ... و هي ليست أبداً..
٤ أبريل ٢٠١٥
تغيرت الأوضاع في سوريا كثيرا منذ خرجت قوات النظام الأسدي من الرقة. زادت الأمور تعقيدا إلى درجة بات معها الوضع السوري لا يجلب للناشطين الذين نجوا من التنكيل الأسدي والداعشي إلا الإحباط. ورغم ذلك كانت الأمور تسير عكس ما يشتهيه نظام سوريا ومن معه.
لم تنفعه حملات الجنوب ولا حملات الشمال. فقد تلقى الهزيمة تلو الهزيمة. ورغم الحملات الإعلامية الواسعة التي مهد بها إعلام النظام، وبالأخص إعلام حزب الله والنظام الإيراني، لحملات الجنوب في القنيطرة ودرعا، والشمال في حلب، ورغم تواجد الحرس الثوري وقائد فيلق القدس وارتفاع منسوب الدعم البشري الذي استجلبه قاسم سليماني، من لبنان وصولا حتى أفغانستان، إلى سوريا للانخراط في مواجهة الجيش الحر، فقد خسر النظام مدينتين هامتين: بصرى الشام في الجنوب، وإدلب في الشمال.
غير أن كثيرا من معارضي النظام وبالأخص من ناشطي الثورة لم يهللوا لتحرير مدينة إدلب ولم يحتفلوا بالانتصار كما يفترض ويتوقع، بل ساد الحذر والترقب وحفلت المواقع الاجتماعية بالتخوف من أن تتحول مدينة إدلب إلى “رقة” ثانية، في ظل سيطرة جبهة النصرة وجيش الفتح عليها، وبالأخص بعد أن عمدت مجموعة من الـ“مجاهدين” إلى تدمير نصب القائد السوري الرمز إبراهيم هنانو، ما يذكّر بصنائع تنظيم الدولة الإسلامية داعش في ما يخص التماثيل والآثار والرموز، ما أثار لغطا مدويا بين ناشطي الثورة السورية.
وقد أطلقت دعوات كثيفة لحث الناشطين السوريين إلى القدوم إلى إدلب، وحث الائتلاف السوري للمعارضة وحكومته المؤقتة إلى أن يجعلا من مدينة إدلب مقرا لهما حتى لو استمر النظام باستهدافها بالقصف.
تلى ذلك إعلان الحكومة السورية المؤقتة عن توجيه مديرياتها للعمل داخل مدينة إدلب، لكن، وبعد ساعات قليلة أعلن عبدالله محمد المحيسني رئيس مركز دعاة الجهاد في سوريا، في تغريدة له على تويتر، أنه “لا صحة لدخول الائتلاف، لمدينة إدلب وإدارة مناطقها”.
وأضاف محمد المحيسني الذي يحمل الجنسية السعودية، وكان قد انضم مؤخرا إلى جبهة النصرة “دخل إدلب رجال سالت دماؤهم على ثراها، وسيحكمونها بشرع الله ويديرون أمورها. هكذا عاهدوا الله، ولن ينفرد أحدهم بذلك دون إخوانه بإذن الله، ذاك ظننا بهم”.
وكانت الحكومة المؤقتة، قد أعلنت أن العمل في إدلب، سيكون بالتنسيق مع “الشركاء والفصائل المقاتلة والقوى الفاعلة، لتكون المدينة مقرا لها، لإدارة المناطق المحررة”.
ودعت الحكومة المؤقتة، جميع الفصائل المقاتلة في مدينة إدلب إلى “الحفاظ على المؤسسات الحكومية والمرافق الخدمية وضمان استمرار عملها، إضافة إلى عدم تشتيت جهودها، والتركيز على حسن إدارة المدينة”.
وحذرت الحكومة المؤقتة “أصدقاء الشعب السوري وداعميه من إعادة الكرَّة بإهمال هذا الانتصار الكبير، والتواني في إيصال السوريين إلى مبتغاهم بتأسيس الدولة المدنية الديمقراطية التعددية” في تذكير لهم بما حدث في الرقة.
غير أن شيئا مما أعلنته الحكومة المؤقتة لم يحدث حتى الآن، خاصة في ظل استمرار قصف طيران النظام لمناطق عديدة في المدينة وتسببه بمجازر بين السكان. ولم تتأكد بعد المعلومات التي قالت إن جيش الفتح طلب من المقاتلين إخلاء المدينة ورفع علم الثورة على سارية المحافظة، وتركها للإدارة المدنية لتسير شؤونها، في حين لم يرشح شيء من هذا القبيل عن جبهة النصرة.
في مقابل كل ذلك يستمر الناشطون السوريون في نشر تخوفاتهم من وقوع مدينة إدلب بين مطرقة القصف العشوائي لطيران الأسد ومدفعيته وصواريخه من جهة، وسندان الاستبداد الجهادي من جهة ثانية.
ولكن هذا التخوف لن يقدم شيئا ما لم يقترن بالمبادرة إلى العمل. ويكون العمل في عودة كل من يستطيع من الناشطين السوريين، وبالأخص المتواجدين منهم في تركيا، وهم كثر، إلى إدلب ونواحيها، وتفعيل نشـاطهم فيها وتنظيمه وتكثيفه، رغم الأهوال التي يعانيها أهالي تلك المدينة وجوارها.
فإذا كان لكل من القوى الإقليمية أجندتها التي تعمل على تنفيذها أو التمهيد لها، وإذا كانت قوى عديدة في الداخل وفي المعارضة الخارجية تعمل على إيقاع تلك الأجندات، فلن يؤدي أحد الدور الذي يطلبه هؤلاء الناشطون ما لم يبادروا بأنفسهم إلى القيام به، إن كانوا يبتغون لهم من دور فعلا.
لقد وجد النظام التركي في جبهة النصرة وأمثالها من القوى، من يمكنه دحر عصابات النظام والإمساك بالأرض ومنع قيام سلطة وطنية حقيقية فاعلة ما يجعلها غير قادرة على الاستمرار في السيطرة حال سقوط الأسد وعصابته، فسارع، في ظل عاصفة الحزم في اليمن من جهة، ومعارك تكريت والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من جهة ثانية، والانشغالات العديدة للنظاميْن الإقليمي والعالمي، بالأخص في ما يتعلق بمفاوضات الملف النووي لإيران، بالتمهيد لأجندته الخاصة.
ففي حين يلوّح بالاستعداد للمشاركة في عملية نينوى في العراق، يقدم الدعم والإسناد للـ“مجاهدين” في جبهة النصرة وجيش الفتح لدحر قوات النظام الأسدي من إدلب، إذ لطالما كانت الأجندة التركية في سوريا مرفوضة من الأميركيين.
من هنا يمكن القول إن إمكانية عودة الناشطين السوريين وبكثافة إلى إدلب سيكون لها مردود جوهري على المديين المتوسط والبعيد في سبيل تحقيق الأهداف الأصلية والأصيلة لثورة الشعب السوري، فهل يبادر هؤلاء إلى ممارسة دورهم الريادي المطلوب؟ وهل تتحول إدلب إلى “هانوي” الثورة السورية؟
٤ أبريل ٢٠١٥
شكل تحرير إدلب، في 28 من شهر مارس/آذار الماضي، أحد أهم الإنجازات للمعارضة السورية المسلحة في الجبهة الشمالية. وجاء هذا الحدث، بعد أقل من أسبوعين على الانتصار الاستراتيجي في بصرى الشام في الجبهة الجنوبية، ليؤكد استعادة المعارضة المبادرة على الأرض، على الرغم من الهجوم الكبير الذي حشد له الإيرانيون قوات من الحرس الثوري، ومن المليشيات التابعة لهم، وطبّلوا وزمروا له في وسائل إعلامهم، باعتباره الهجوم الكاسح الذي سيغير مجرى الأحداث. لكن، كما حصل في بصرى الشام، وكما يحصل منذ أربع سنوات، في جميع المدن والأحياء المحررة، لم تمض على هذا الإنجاز أيام، حتى بدأ قصف المدينة بالبراميل المتفجرة والصواريخ البعيدة، مع التهديد المستمر باستخدام الأسلحة الكيماوية، بهدف بث الذعر وتدمير المرافق العامة، وتفكيك الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وتحويلها إلى مدينة موت، بعد تهجير آلاف من أبنائها.
ليس هناك شك في أن قسطاً كبيراً من المسؤولية في مواجهة ما يطبقه النظام من استراتيجية الأرض المحروقة لردع المعارضة، وترويع حاضنتها الشعبية، يقع على كاهل المجتمع الدولي الذي لا يزال يغمض عينيه عن الممارسات الشنيعة للمليشيات التابعة لإيران، وعن التدخل السافر لطهران في شؤون البلدان والشعوب المجاورة. لكن، بصرف النظر عما يمكن للأمم المتحدة، والدول الصديقة، أن تفعله، تضع هذه الاستراتيجية قوى الثورة والمعارضة أمام تحدّ خطير، لا تزال المعارضة غير قادرة على معالجته، وربما لم تفكر، بما فيه الكفاية، في وسائل الرد على الابتزاز المستمر لـ"النظام" بحرق المناطق التي تنجح في تحرير نفسها من سيطرته، وقتل أكثر ما يستطيع من أبنائها وتفريغها من سكانها، بالقصف أو التجويع، أو تدمير شروط الحياة الاجتماعية فيها.
من هنا، وبعد ما حل بالرقة، وما لحق بالمدن والبلدات المحررة الأخرى من خراب ودمار وموت، تشكل إدلب، وهي عاصمة محافظة كبيرة وواعدة، أكبر امتحان لقدرة المعارضة على التصدي لاستراتيجية "الأسد أو نحرق البلد"، والحفاظ على الحياة الطبيعية في المدينة، وتجنيبها التحول إلى مدينة أشباح. وفي الرد الصحيح والناجع على هذا الامتحان تكمن، في الوقت نفسه، فرصة المعارضة الوحيدة في استعادة الثقة المفقودة في الداخل والخارج. بل ربما كان ردها على هذا التحدي هو الذي يحدد في الأشهر القريبة وجودها نفسه، وليس فقط دورها وشعبيتها، والدعم الذي ستتلقاه في المرحلة المقبلة الحساسة.
يعني هذا، باختصار، أن على المعارضة أن تدرك أن مسؤولية حماية إدلب، شعباً ومدينة، والمدن المحررة عموماً، تقع منذ الآن، وبشكل أكبر، بسبب تخلي المجتمع الدولي وشلله، على المعارضة التي حررتها. وعلى هذه المعارضة أن تظهر، بهذه المناسبة، لشعبها وخصومها معاً، أن تحرير أي مدينة في سورية، وانتزاعها من بين أنياب النظام المتوحش، لا يعني حتماً الحكم عليها بالدمار، وعلى شعبها بالتهجير والتشريد. فإذا فشلت المعارضة في ذلك، وأظهرت أنها غير قادرة على حماية انتصاراتها، لم يبق للتحرير نفسه معنى.
مستويان داخلي وخارجي
يستدعي الوصول إلى هذا الهدف التحرك بسرعة على مستويين، داخلي وخارجي:
على المستوى الخارجي، آن الأوان، بعد أربع سنوات من المعاناة والمحنة، أن تكف المعارضة عن التعلق بوهم تطابق مصالح تحرير سورية من النظام الغاشم والاحتلال الإيراني مع مصالح هذه الدولة أو تلك، وأن لا تنتظر قيام بعضها بمبادراتٍ تصبّ في مصلحة المعارضة أو التحرير. عليها أن تتحرك، هي نفسها، في كل الاتجاهات، مزودةً بملفات عن حجم الموت والدمار والخراب في كل مدينة وقرية في سورية، وأن ترسل وفوداً لعرض القضية السورية في كل المحافل الدولية والمنظمات، وأن يكون موضوع حديثها الرئيسي ما يصيب سورية من القتل والدمار وتشريد الملايين على يد المليشيات الأجنبية المتحالفة، مباشرة أو موضوعياً، مع النظامين، السوري والإيراني. وأن يكون وقف القصف والدمار والانتقام هدفاً رئيسياً وفورياً، بصرف النظر عن جميع القضايا الأخرى، بما فيها الإرهاب، واستمرار النزاع. وقف الدمار والقتل المجاني والعشوائي ينبغي أن يكون موضوع حملة سياسية ودبلوماسية خاصة سريعة وشاملة، بهدف تعبئة الرأي العام العالمي الرسمي والشعبي ضد ما يحصل في سورية، والذي يهدد حياة ملايين البشر عقوداً طويلة مقبلة.
"تشكل إدلب، وهي عاصمة محافظة كبيرة وواعدة، أكبر امتحان لقدرة المعارضة على التصدي لاستراتيجية "الأسد أو نحرق البلد"، والحفاظ على الحياة الطبيعية في المدينة، وتجنيبها التحول إلى مدينة أشباح"
وبالمثل، حتى تضمن مصالح الشعب السوري، لا ينبغي للمعارضة أن تنتظر خطط الدول والأطراف الصديقة، أو تعتمد وتراهن عليها، مهما كانت درجة صداقتها، بل عليها أن تبلور، هي نفسها، خطة تحركها، ولا تقبل بأقل من أن تكون شريكاً كاملاً، بشكل واضح ومعترف به، في أي مبادرة مطروحة، سواء كانت من نوع إقامة مناطق آمنة، أو محظورة الطيران، أو تحالفات على شاكلة التحالف العربي الإقليمي في اليمن.
وعلى المستوى الداخلي، حتى تنجح المعارضة في حملتها الدولية، وتفرض وجودها، والاعتراف بها بالفعل معارضة على الدول والمنظمات، ينبغي أن تنجح في تحقيق الحد الأدنى من التنسيق والتعاون ووحدة الصف، وأن تكون لها رؤية مشتركة وخطة واضحة. وهذا يستدعي، على المستوى الداخلي، العمل على أربعة محاور أساسية:
الأول، إعلامي يهدف إلى تثبيت حضور المعارضة في هذه اللحظة المصيرية، والتزامها تجاه أهالي إدلب والسوريين عموماً، وإعلان استعدادها لتقديم كل المساعدات اللازمة للحفاظ على حياة السكان وحقوقهم، وكذلك وضع العالم والمؤسسات الدولية أمام مسؤولياتها. ومن الضروري، بهذه المناسبة، توجيه الدعوة لمنظمات حقوق الإنسان ووكالات الأنباء والصحافة الدولية لزيارة إدلب، وتشكيل شبكة حماية للمدينة من الناشطين الأجانب الموجودين فيها إذا أمكن، وتحويل هذا الحدث إلى منطلق لحملة إعلامية واسعة، تعيد الاعتبار إلى قضية الثورة والتعريف، على أوسع نطاق، بمعاناة السوريين، وفي المناسبة نفسها، إصلاح إعلام الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ودعوة إعلام الثورة الجديد إلى التعاون في إرسال الرسائل المطلوب توجيهها، في هذه المرحلة، إلى السوريين والعالم.
والثاني سياسي، يهدف إلى العمل بأسرع وقت على ردم الهوة بين قيادات المعارضة، السياسية والمسلحة، والاجتماع لمناقشة خطة سياسية وعسكرية مدروسة، للتحرك على جميع المستويات، تشترك في صوغها القيادتان العسكرية والسياسية معاً، محورها تجنيب إدلب الدمار والتهجير والتشريد. ولا يمثل النجاح في التوصل إلى مثل هذه الخطة مساهمة كبيرة في تحديد مصير إدلب، وإنما سيشكل دافعاً كبيراً لتقدم مسيرة التحرير على كل التراب الوطني، بعد أن يتحول إلى نموذج لإدارة المدن المحررة، يمكن احتذاؤه في المناطق الأخرى، وسوف يشجع السوريين جميعاً، والمترددين منهم، على الانحياز للثورة، بعدما يئسوا من قدرة نظام الأسد على إخراجهم من هول الحرب المستمرة. ولا أعتقد أن مثل هذه الخطة قد نوقشت في أي مكان بعد.
والثالث استراتيجي، يهدف إلى حل المعضلة الكبرى التي لا تزال تضعف قوى الثورة، وتأكلها من الداخل، وهي شكوك يثيرها كثيرون في الداخل والخارج حول العلاقة بين القوى الجهادية والقوى الوطنية، والتي تجعل المستقبل يبدو غامضاً أمام أي تقدم على الأرض، وفي مجال التحرير. ليس من الممكن، ولا من المطلوب، تغيير اعتقادات الناس السياسية، أو تبديلها، أو التسوية بينها. المطلوب تعريف المصالح المشتركة التي تجمع بين القوى في مرحلة معينة والبناء عليها. وكما أمكن التفاهم بين المقاتلين الذين خاضوا معركة تحرير إدلب على خطة لتحرير المدينة، وهم من اتجاهات متباينة، سيكون من الممكن التوصل، أيضاً، إلى صيغة متفق عليها، لصون هذا النصر، والتعاون على حماية المدن والقرى المحررة، وتجنب الفوضى والانقسام والاقتتال. ولا أعتقد أن القوى التي قدمت عشرات الشهداء لتحرير إدلب تفتقر إلى الحنكة والرشد اللازمين، للتوصل إلى صيغة تضمن حماية المدينة من الفوضى، إذا بذل فيها ما ينبغي من الجهد السياسي والدبلوماسي والفكري، وساهمت فيها شخصيات فاعلة، وتم التواصل مع الدول الداعمة لها.
والرابع عسكري، يهدف إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية والممكنة، العسكرية والسياسية، وربما بالتفاهم مع بعض الدول الصديقة، لردع النظام عن الشروع في عمليات تدميره البربري مؤسسات الدولة ومراكزها والمرافق العامة. وقد يكون من الضروري، منذ البداية، بقاء المقاتلين في محيط المدينة للدفاع عنها، وتسليم إدارتها إلى مجلس محافظة مدني، تحت إشراف محافظ تعيّنه القيادة، والتعجيل في نقل مقرات الحكومة المؤقتة والمعارضة الخارجية إليها، والانطلاق منها للتواصل مع الجبهة الجنوبية في حوران والقنيطرة، إلى أن يتم تحرير كامل التراب السوري.
لن يمكن مواجهة استراتيجية الأرض المحروقة التي يطبقها النظام الوحشي في المناطق فور تحررها من سيطرته، زارعاً فيها الخراب والدمار والموت من دون خطة متكاملة، عسكرية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية معاً، تخرج المعارضة من حالة تشتت القوى وضعف الرؤية وغياب المبادرة السياسية، ولا يمكن لمثل هذه الخطة أن توجد من دون توافق القيادتين، السياسية والعسكرية، وتعاونهما على مستوى الجبهات والمستوى الوطني العام. وهذا هو السبيل الوحيد لتغيير صورة الحرب نفسها ونتائجها، وتطمين الشعب على أرواح أبنائه وممتلكاته ووجوده، ودفع النظام إلى التسليم بهزيمته، وبحتمية الانتقال السياسي، بدل الرهان على حشد المليشيات الأجنبية والاحتلال.
٤ أبريل ٢٠١٥
مجنون وحقير كل من يريد أن يشعل حرباً طائفية مذهبية في المنطقة تحرق الأخضر واليابس. لا يشجع على الحروب المذهبية في بلادنا سوى الأعداء والمتربصين بها. ليس هناك شخص وطني سوّي يمكن أن يقبل بإشعال الفتن والصراعات الدينية في هذا الجزء المشتعل أصلاً من العالم. لكن بما أن إيران تعمل بشكل مفضوح على تشكيل تحالف شيعي على أساس مذهبي لا تخطئه عين، فلا بد للطرف الآخر أن يبادر فوراً إلى تجميع قواه أيضاً على أساس مذهبي، ليس للدخول في حرب مذهبية مع إيران وجماعتها، بل لمنع نشوب الصراع المذهبي. فكما نعلم، فإن امتلاك السلاح النووي لا يعني تدمير العالم أو الخصم، بل يخلق توازن الرعب الذي، في الحقيقة، يحمي العالم.
لم يعد الحديث عن الصراع المذهبي في المنطقة تحريضاً على الحروب الطائفية. لا أبداً. بل أصبح واقعاً يفقأ العيون، خاصة وأن الهلال الشيعي المنشود أصبح قمراً بعد أن راحت إيران تغلف مشروعها الامبراطوري الفارسي بغلاف مذهبي صارخ. ويذكر إعلامي عربي كبير زار طهران في عام 2009، أي قبل اندلاع الربيع العربي وظهور البوادر المذهبية بسنتين، أن مسؤولاً إيرانياً كبيراً سأله حرفياً: «لماذا لا تقدمون برامج عن الصراع المذهبي في المنطقة»، فأجاب الإعلامي: «وأين هو الصراع المذهبي في المنطقة؟ لا يوجد صراع كي نتناوله إعلاميا»، فرد المسؤول الإيراني: «هذا صحيح، لكن في المستقبل القريب أعتقد أنكم ستتناولون هذا الموضوع بكثرة». وكأنه بذلك كان يمهد لاندلاع الصراع الذي تريده، وتخطط له إيران في المنطقة.
ولو نظرنا إلى تطورات الأوضاع، سنرى كيف راحت إيران تتدخل في العراق وسوريا ولبنان واليمن على أساس مذهبي مفضوح، فدعمت الشيعة في العراق وكذلك في لبنان وسوريا والحوثيين في اليمن من منطلق طائفي واضح. صحيح أن إيران تطمح إلى قيام امبراطورية فارسية عاصمتها بغداد، كما صرح نائب الرئيس الإيراني، إلا أنها تحارب بشكل واضح بأشلاء الشيعة العرب. أي أنها تستغل العامل المذهبي لتحقيق حلمها الامبراطوري. وبما أن هذا الحلف أو الهلال أصبح واقعاً، فلا يمكن مواجهته إلا بحلف مضاد لا لخوض حرب مذهبية طاحنة، بل لخلق الردع المطلوب.
لقد أخطأت بعض الدول العربية خطأً فادحاً عندما راحت تحارب بعض الأحزاب والجماعات الإسلامية السنية، وتصنفها كحركات إرهابية، بينما كانت إيران تجمع كل الشراذم الطائفية في المنطقة تحت جناحها لتستخدمها كوقود في مشروعها الامبراطوري. وكانت النتيجة أن إيران أحرزت نقاطاً كثيرة على حساب الآخرين الذين بدوا وكأنهم يطلقون النار على أقدامهم. ألم يكن من الخطأ محاربة حركات إسلامية سنية راسخة الجذور ووضعها على قوائم الإرهاب، بينما كان من الممكن التحالف معها والاستفادة من قوتها على الأرض لمواجهة المد الإيراني؟ لقد استطاعت إيران بمخططاتها المذهبية الصارخة أن تصنع من الأقلية الشيعية قوة ضاربة غالبة، بينما صنع قادة الدول الإسلامية من الأكثرية السنية قوة هاربة. وقد آن الأوان الآن لتصحيح الأخطاء. فمهما بلغت الحركات والأحزاب والجماعات السنية من تطرف، فهي لن تكون أكثر خطراً من المشروع المذهبي الإيراني المعادي على دول المنطقة، خاصة بعد أن ترفع أمريكا العقوبات عن إيران، ويصبح لها ميزانية هائلة للإمعان في التمدد والتوسع. فإذا كانت إيران تتمدد وهي تحت العقوبات الغربية، فكيف ستكون عندما تتخلص من العقوبات الاقتصادية والعسكرية؟ لا شك أنها ستتغول أكثر، وستمعن في تعزيز حلفها المذهبي. وبالتالي، لا بد من التقارب، لا بل التحالف مع الجماعات الإسلامية التي تخشاها إيران. فكما هو معروف الآن، فإن تنظيم الدولة الإسلامية بات يشكل أكبر خطر على المشروع الإيراني في المنطقة، حسب القيادة الإيرانية نفسها، لهذا أوكلت إيران مهمة محاربة التنظيم في العراق وسوريا إلى أهم قادتها العسكريين قاسم سليماني الذي بات يعلن عن نفسه كقائد للحرب ضد تنظيم الدولة.
لا أحد يطلب من الدول العربية المعتدلة أن تتدعشن أو تتقاسم السلطة مع الدواعش، لكن لا بأس أن تستفيد من خطر الجماعات المتشددة، وتستغله كأداة ضاربة في مواجهة المشروع الإيراني. وعليها أن تتذكر أن أمريكا تحالفت، من أجل مصالحها، في الثمانينات مع تنظيم القاعدة ضد الروس في أفغانستان. وذلك على الرغم من الاختلاف الهائل في التوجهات بين أمريكا والتنظيمات الإسلامية المتشددة. وحتى رئيس التنظيم الشيخ أسامة بن لادن اعترف أن مصالح التنظيم تقاطعت في لحظة ما مع المصالح الأمريكية ضد السوفييت، فعملا على جبهة واحدة. والسؤال الآن: إذا كانت أمريكا تحالفت مع من تصفهم الآن بـ»الإرهابيين» من أجل مصالحها، فلماذا لا تتحالف الدول العربية التي تواجه الخطر الإيراني مع نفس الجماعات التي تشكل رعباً للمشروع الإيراني في المنطقة، وخاصة في العراق وسوريا؟
قد يتساءل البعض: وهل تريدون من الدول العربية أن تتحالف مع داعش والجماعات الإرهابية الأخرى لمواجهة إيران؟ فيرد البعض الآخر: ألا تتحالف إيران مع جماعات شيعية إرهابية كعصائب الباطل وفيلق غدر وحزب الله وغيره، وتستغلهم كأدوات من أجل مشروعها؟ أليست السياسة لعبة تخادم أصلاً؟ فلماذا حلال على إيران وحرام على الدول العربية؟ ثم هل الجماعات الإرهابية التي تتحالف معها إيران متخرجة من جامعة هارفارد والسوربون، بينما الجماعات السنية متخرجة من تورا بورا؟
أصلاً لا أخلاق ولا مبادئ في السياسة، والسياسة نجاسة. وإذا أردت أن تنتصر على خصمك، فلا بد أن تكون أنجس منه. وقد قال رئيس الوزراء البريطاني الشهير وينستون تشيرتشل ذات يوم: «لو ساعدني الشيطان في الهجوم على العدو النازي، فسأذكره بالخير في مجلس العموم».
تعلموا من تشيرتشل أيها العرب قبل فوات الأوان.
٣ أبريل ٢٠١٥
أن يأخذ تحالف عربي-إقليمي، بقيادة المملكة العربية السعودية، على عاتقه إعادة اليمن إلى السلطة الشرعية، دليل على أن هناك من يفكّر فعلا في المستقبل. مثل هذا التحالف يركّز على حماية النظام الأمني في الإقليم من الميليشيات المذهبية. من هنا، يبدو القرار، الذي اتخذته القمة العربية التي انعقدت في شرم الشيخ، والذي يدعو إلى قيام قوّة عربية مشتركة، خطوة أولى في هذا الاتجاه. تبيّن أن هذه الخطوة ليست حبرا على ورق بعدما تلت القمة بداية عملية “عاصفة الحزم”، التي تعتبر الأولى من نوعها في التاريخ العربي الحديث. إنّها إحدى المرات القليلة التي يسبق فيها الفعل العربي البيان الصادر عن القمة. بكلام أوضح، إنّها المرّة الأولى التي يسبق الفعل الكلام العربي، الذي كان في الماضي يبقى كلاما.
تهدّد الميليشيات المذهبية أو الدينية معظم الدول العربية. تهدّد مصر التي تتعرّض لأعمال إرهابية كما تهدّد سوريا، حيث يراهن النظام الأقلّوي على الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية والدعم الإيراني والروسي للبقاء في السلطة.
تهدّد أيضا العراق الذي فتّتته الميليشيات المذهبية التي تدّعي أنّها تمثّل الدولة، وأنّها تقوم مقامها وتستطيع الحلول مكانها. كذلك، تهدّد الميليشيات المذهبية لبنان الذي بات تحت رحمة “حزب الله” الذي أقام دولته داخل الدويلة اللبنانية ويمنع، معتمدا على ميليشيا مسلّحة، انتخاب رئيس للجمهورية بطلب من إيران. صار في إمكان إيران اعتبار بيروت مدينة متوسّطية تقع في دائرة نفوذها.
باتت معظم الكيانات العربية مهدّدة بطريقة أو بأخرى. تونس مهدّدة. ليبيا مهدّدة. من لديه بعض من ذاكرة، يستطيع العودة إلى المرحلة الأخيرة من عهد حسني مبارك في مصر. وقتذاك، بدأ الإخوان المسلمون يظهرون في الجامعات، وفي أماكن أخرى في شكل ميليشيات مدرّبة، لم يكن ينقصها سوى حمل السلاح في العلن.
هذه الميليشيات الإخوانية خطفت “ثورة الـ25 من يناير” وأوصلت محمّد مرسي إلى الرئاسة، وذلك بدل أن ينشأ في مصر نظام ديمقراطي بالفعل. أي نظام يؤمن، أوّل ما يؤمن، بالتداول السلمي للسلطة، وليس بفرض مرشّح معيّن رئيسا على المصريين.
ليس بعيدا اليوم الذي سيتبيّن فيه أن الإخوان فرضوا مرسي، بدل أحمد شفيق، بقوة السلاح قبل أن يزيحه المصريون معتمدين على الشارع الذي نزلوا إليه بالملايين أوّلا. اعتمدوا بعد ذلك على المؤسسة العسكرية التي حافظت على هيبة الدولة. أنقذ المصريون “الدولة العميقة” من ميليشيا الإخوان. من ساعد مصر في ثورتها على الإخوان، هو الدعم العربي الذي تأمّن لـ“ثورة الـ30 من يونيو”.
ليس هناك أخطر من الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة كما في لبنان، أو في إطار الدولة كما في سوريا والعراق. ولذلك، يمكن وصف ما تشهده المنطقة حاليا، انطلاقا من اليمن، بداية مرحلة جديدة. إنّها بداية العدّ العكسي لعهد الميليشيات المذهبية أو الدينية التي تؤمن بفوضى السلاح.
تكاد فوضى السلاح أن تقضي على القضية الفلسطينية بعدما طردت “حماس” السلطة الوطنية من قطاع غزّة منتصف العام 2007. بدل أن يؤدي الانسحاب الإسرائيلي من جانب واحد من القطاع إلى قيام نواة لدولة فلسطينية مسالمة تشكّل نموذجا لما يمكن أن يحقّقه الفلسطينيون في حال توافر السلام، كان إصرار حماس على فوضى السلاح بمثابة دعم للموقف الإسرائيلي الذي تختزله عبارة “إرهاب الدولة”.
سعت إسرائيل في موازاة انسحابها من كلّ غزّة، صيف العام 2005 إلى تكريس احتلالها للقدس الشرقية وقسم من الضفّة الغربية. كانت حجتها، ولا تزال، أن لا شريك فلسطينيا يمكن التفاوض معه بدليل ما يصدر عن ميليشيات حماس في غزّة.
المؤسف أن ما صدر عن حماس لم يخدم إسرائيل وسياستها التوسّعية فحسب، بل قضى على كلّ أمل في استعادة الوحدة الفلسطينية بغية العمل من أجل السير في مشروع وطني واقعي، إلى حدّ كبير، يستند إلى قرارات الشرعية الدولية.
حيث حلّت الميليشيات يحلّ الخراب. خراب دول ومجتمعات عربية. لذلك يمكن اعتبار تصدّي التحالف العربي للحوثيين في صنعاء تطورا في غاية الأهمّية، ودليلا على الحيوية التي تمتلكها قيادة سعودية شابة تعمل بإشراف الملك سلمان بن عبدالعزيز.
ما يفعله الحوثيون في اليمن يشكّل نموذجا لعملية تفكيك دولة في حاجة إلى إيجاد صيغة جديدة للبلد، تسمح بحماية الشعب اليمني من كوارث يبدو مقبلا عليها.
لا يمتلك الحوثيون، الذين باتوا يسمّون أنفسهم “أنصار الله”، أي مشروع سياسي أو اقتصادي باستثناء الشعارات التي رفعوها. لعلّ أخطر ما فعلوه، منذ بدأ زحفهم في اتجاه صنعاء في أواخر العام 2010، اعتبار أنفسهم ممثلين لشرعية ما. انقلب الحوثيون على كلّ الاتفاقات التي توصلوا إليها مع الأطراف اليمنية الأخرى. أدركوا أنّ هناك فراغا في البلد فعملوا على ملئه. أعلن زعيم أنصار الله عبدالملك الحوثي في مرحلة ما بعد السيطرة على صنعاء، أنّ نظاما جديدا قام في اليمن. يستند هذا النظام إلى “الشرعية الثورية” أي بشرعية لا علاقة لها سوى بما تفرضه قوّة السلاح غير الشرعي على الآخر.
جاءت عملية “عاصفة الحزم” لتضع حدّا لمثل هذه التصرفات التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما يطمح إليه اليمنيون، أكانوا في الشمال أو الجنوب أو الوسط. كيف يمكن لمجموعة مذهبية مسلّحة غيّرت طبيعة المجتمع الزيْدي في صعدة، وليس في كلّ اليمن، أن تجرّ اليمن إلى أن يتحوّل إلى مجرّد مستعمرة إيرانية؟
هناك أخيرا تحرّك عربي ذو طابع هجومي يؤكّد أن الشرعية هي الشرعية، حتّى لو كانت شرعية منصور هادي، الذي ليس سوى رئيس انتقالي، أجبره أنصار الله على الاستقالة ثمّ وضعوه في الإقامة الجبرية، وراحوا يوجّهون إليه كلّ نوع من التهم لمجرّد أنّه نجح في الفرار من صنعاء إلى عدن!
سيتوقف الكثير على نجاح عاصفة الحزم. في حال نجاح العملية وإسقاط الحوثيين سيتبيّن أنه لا يزال هناك وزن للعرب في المعادلة الإقليمية. سيتبيّن أنّه ليس صحيحا أن القوى التي تتحكّم بالمنطقة ومستقبلها هي قوى غير عربية لا مانع لديها في انتشار الميليشيات المذهبية. هذه القوى هي إيران وتركيا وإسرائيل، التي تتطلع إلى تقاسم النفوذ في المنطقة العربية، مستعينة بكلّ ما يمكن أن يثير الغرائز المذهبية حيث ينفع ذلك، وتشجيع التطرف الديني حيث لا مجال لاستثارة السنّة على الشيعة والشيعة على السنّة، كما الحال في ليبيا مثلا.
هل من مجال للتفاؤل، ولو قليلا، بإمكان انقضاء عهد الميليشيات في المنطقة العربية، بما في ذلك عهد الأنظمة التي تستعين بالميليشيات للبقاء في السلطة كما في سوريا؟
الميل إلى التفاؤل، خصوصا في ظل الإصرار الذي عبّر عنه العاهل السعودي على النجاح في اليمن. النجاح هناك ممكن، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار عدد الدول المشاركة في عاصفة الحزم، وقدرة هذه الدول، التي من بينها مصر، على الإحاطة بالأزمة اليمنية من كلّ جوانبها.
٣ أبريل ٢٠١٥
تؤكد التطورات، يوماً بعد يوم، أن "عاصفة الحزم" لن تكون هبّة سريعة، بل سوف تطول. وهناك من يرسم لها آفاقاً بعيدة، ويرى أنها جاءت بعد وصول الوضع العربي إلى القاع، حيث الانهيارات تعم العراق وسورية واليمن، والاستيطان يبتلع ما بقي من أرض فلسطين، في وقت باتت فيه الأطماع والتدخلات الخارجية في العالم العربي على أوجها، الأمر الذي قاد أجيالاً عربية بأكملها إلى اليأس والإحباط، وخلق بيئة خصبة للتطرف والإرهاب.
وبغض النظر عن تحفظات بعضهم على العملية، من منطلق أنها قد تؤدي إلى تدمير اليمن، فإنها تلقى صدى شعبياً واسعاً في العالم العربي. ولكي تأخذ "عاصفة الحزم" مشروعية أكثر، فإنها مطالبة بأن تراعي ضرورة إعادة ترتيب وضع المنطقة داخلياً، والأمر الذي يطرح نفسه بإلحاح هو ضرورة أن يجري إيلاء الوضع اليمني عناية خاصة، ولا يتم الوقوف عند إعادة شرعية عبد ربه منصور هادي فقط، فالمطلوب من بلدان الخليج أن تراجع حساباتها في ما يتعلق بالعلاقات الراهنة والمستقبلية مع اليمن، لكي يصبح هذا البلد جزءاً من البيت الخليجي، وشريكاً كامل الشراكة في مجلس التعاون، وهكذا يمكن تجنيبه الخضات الداخلية والتدخلات الخارجية. وكان لافتاً قول الملك سلمان بن عبد العزيز إن السعودية مفتوحة لجميع اليمنيين للحوار، لكن الأمر يحتاج إلى توسيع الدائرة وعدم الوقوف عند شرعية هادي، فهناك أطراف كثيرة يجب إشراكها في تقرير مسار الوضع الحالي، وعدم انتظار نتائج الحرب، والملاحظ أن هادي لا يزال يعمل بالأسلوب القديم، حتى أنه لم يعد تنظيم وزارة الدفاع وترتيب الأوضاع وفق متطلبات الحرب. الأمر الثاني، إدخال مصر إلى المعادلة العربية، ولا يتم ذلك إلا من خلال إغلاق النوافذ التي فتحها انقلاب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مصر، ذلك أن مصر باتت معطلة ومشلولة منذ ذلك الحين، وصارت تقيس خطواتها على إيقاع الخلافات الداخلية.
وحتى تكون "عاصفة الحزم" ذات بعد عربي، لابد أن يجري النظر بعين أخرى للأوضاع في فلسطين وسورية والعراق ولبنان، فهذه البلدان، على اختلاف مشكلاتها، فإن قاسماً مشتركاً أعظم يجمع معاناتها، يتمثل في غياب الدور العربي. والمطلوب، على نحو عاجل، تكوين موقف عربي حازم تجاه احتلال فلسطين، واستمرار القتل في سورية على يد بشار الأسد ونظامه، وانهيار العراق وسقوطه تحت الاحتلال الإيراني، وبقاء حزب الله يتحكم بمصير لبنان. وإذا جرى إهمال وضع هذه المنطقة، فإن المردود السياسي والمعنوي الذي من المقرر أن توفره "عاصفة الحزم" مهدد بالتبعثر والتلاشي، الأمر الذي سيؤدي، بالنتيجة، إلى مزيد من الإحباط والتراجع والانهيار. وغني عن القول، هنا، إن ثلاثة بلدان، هي سورية والعراق ولبنان، لا تقل فيها التدخلات الإيرانية اليوم، والتهديدات التي تواجهها، عما كان عليه الوضع في اليمن، عشية انطلاق عملية الحزم.
وهناك مسألتان مهمتان، تستحقان شجاعة استثنائية في هذه اللحظة التي تشهد فيها المنطقة انعطافة تاريخية. تتعلق الأولى بعلاقة العرب مع تركيا. والثانية بالعلاقات العربية مع الولايات المتحدة الأميركية. فتركيا، كدولة ومشروع، على نقيض مع إيران وإسرائيل، لكن هوامش تحركها وحدها ليست واسعةً إلى حد يمكنها من مواجهة المشروعين. ومن هنا، هي شريك ضروري للعرب في المرحلة المقبلة. أما الولايات المتحدة فقد آن الأوان لإعادة النظر في مسألة التعويل عليها، وقد وفرت إدارة باراك أوباما أكثر من مناسبة للعرب، لكي يبتعدوا عنها، فهي سحبت يدها من العراق وسلمته لإيران، ولم تتدخل في اللحظات الحرجة، لتضغط على الحكومة الإسرائيلية في ما يخص عملية السلام.
توفر "عاصفة الحزم" فرصة لمراجعة عربية، ومن دون هذه المراجعة، ستبقى محصورة في شرعية هادي وتأمين حدود السعودية.
٣ أبريل ٢٠١٥
من غير المعقول أن تكون تصريحات الإيرانيين حيال العرب، على ألسنة أربعة منهم خلال أيام قليلة، مجرد مناورة تحسن موقف بلادهم التفاوضي حيال أميركا. ومن غير المقبول تحويل الانتباه عن موضوع التصريحات، المتصل بالهيمنة علينا، وليس له علاقة بأميركا، الطرف الآخر في مفاوضات برنامج طهران النووي، ليس فقط لأن ذلك يقلل من خطورة ما نتعرض له، بل لأنه يتعارض كذلك مع سياسات إيران ضدنا، القائمة على أسس استراتيجية ثابتة ومعلنة، أقدم من البرنامج النووي والتفاوض حوله، تتعلق بالصراع على منطقتنا، وبهويتها السياسية والمذهبية، وبموقعنا ودورنا كعرب منها، وبنمط النظام الذي تريد زرعه فيها، بقوة ما حققته في العراق وسورية ولبنان في المشرق، واليمن في جزيرة العرب، ورغبتها في إلحاق الكويت بها، وضم البحرين، وصولا إلى هدفها الأكبر: المملكة العربية السعودية التي تعهد أحد مسؤولي برلمان طهران أن تكون هدفها المقبل، بينما قال رئيس برلمانها، علي لاريجاني، إن بلاده تريد الكويت تعويضاً عن وجودها في سورية، لأنها كانت دوماً منطقة نفوذ إيرانية، وتفاخر رئيس مكتب الأمن القومي، علي شمخاني، بأن طهران تمسك بمضيق هرمز وباب المندب، مفتاحي النفط والتجارة الدولية عبر قناة السويس، مكررا كلاما أدلى به مرجع ديني شيعي، قارن موقعي الشيعة والسنة، وقال إن الشيعة يتحكمون بالمفاتيح الاستراتيجية للشرق الأوسط، وخصوصاً منها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، وإن مكانة أهل السنة تتراجع بصورة متسارعة وحثيثة في كل مكان، داخل بلدانهم وخارجها. أخيراً، قال علي يونسي، مستشار الرئيس "المعتدل"، حسن روحاني، إن بغداد كانت دوما عاصمة الإمبراطورية الفارسية.
هذه التصريحات المفعمة بالهلوسة المذهبية والسياسية، أنتجها شعور بالبطر، أملته إنجازات إيران الاستراتيجية في عالمنا العربي، والرغبة في إعلان أهداف وخطوات إيران القادمة عندنا، وليس لها علاقة بالمفاوضات النووية مع واشنطن، إلا إذا كان التفاوض حول دور إيران، المقبول أميركياً في منطقتنا العربية، قد بدأ فعلاً. هل هناك ما يشير إلى وصول المفاوضات إلى هذا الموضوع؟ لذلك، شرع الإيرانيون يقدمون مطالبهم، ويعلنون حدودها وسقوفها؟ أعتقد أن علينا التحسب لاحتمال كهذا، قد يفسر الحديث عنه ما جاء في تصريحات طهران الاستعمارية التي تنم عن استهانة شديدة بالعرب، تشبه استهانة كسرى بهم، حين تلقى رسالة من النبي (ص) تدعوه إلى الإسلام، فرد عليها ساخراً من "أكلة الضباب" الغارقين في الفوضى، ومهدداً بغزوهم ومعاقبتهم.
هل تريد أميركا التفاهم مع إيران على العرب، بعد استيلاء طهران على المشرق وانتقالها إلى اليمن؟ بصراحة، لا أعرف، لكنني أعتقد، جازماً، أن عدم ردنا سيجعلنا شركاء في تقويض بلداننا وتدمير مجتمعاتنا ودولنا.
يواجه العرب اليوم تحديين: الأول، أن يكون الخيار الإيراني، التزام أميركا للفترة المقبلة، إقرارا بما حققته طهران من نجاحات عربية، ورغبة من أميركا في استكمال تهميش الخليج الذي ستحدد نوعية رده ما إذا كان أهلا لتخطي ما يواجهه من خطر. الثاني، أن يأتي الرد، إن كان هناك رد، جزئياً ومحدوداً، يقتصر على اليمن، ليتحاشى التعقيدات الإقليمية والدولية الخطيرة التي ستلازم الرد في المشرق على إيران ومرتزقتها.
وتبقى الحقيقة: إذا لم يكور العرب قبضتهم، ويزجوا بقدراتهم الموحدة في المعركة الهائلة من أجل حريتهم وأمنهم، لن يبقى لهم استقلال وكرامة، ولن يخشاهم أو يحترمهم أحد، لأن من لا يكشر عن أنيابه دفاعاً عن نفسه، واحتراماً لنفسه، يفقد حقه في أن يخشاه ويحترمه الآخرون.
٣ أبريل ٢٠١٥
قد يمكن القول عن معركة إدلب التي حسمها «جيش الفتح» في بضعة أيام، وانتهت بطرد قوات النظام الكيماوي وميليشياته منها، إنها توجت مساراً متصاعداً من انتصارات المجموعات المعارضة على النظام، بالنظر إلى سيطرة مجموعات معارضة أخرى على بصرى الشام في الجبهة الجنوبية، والخسائر الكبيرة التي يتكبدها حزب الله اللبناني وميليشيات شيعية أخرى متعددة الجنسيات في جبهات القلمون وحوران وجبهات أخرى.
تشير هذه المعارك، عموماً، إلى تراجعات كبيرة لقوات النظام وحلفائه على الأرض، وإلى هزال مقاومته حين يتعرض لهجمات منسقة. وقد أثبتت معركة تحرير إدلب أن هزيمة النظام ليست بالأمر الصعب حين تتوفر غرفة عمليات منسجمة كحال «جيش الفتح» وبعض السلاح الثقيل والمتوسط.
لكن المدينة الصغيرة التي ظلت، طوال السنوات الأربع الماضية، تحت سيطرة النظام بخلاف ريفها الذي كان من أولى المناطق التي خرجت عن سيطرته، لم تهنأ بالتحرير أكثر من يومين. فكما هو متوقع بدأت غارات النظام الجوية التي استهدفت قبل كل شيء مبنى المشفى الوطني، واستخدمت البراميل القاتلة المزودة بغاز الكلور لإيقاع أكبر عدد من المدنيين انتقاماً لخسارته المدينة. ذلك أن المبدأ الرائز لحرب النظام لم يتغير منذ بداية الثورة: إذا خرجت منطقة عن سيطرته، فهي لا تستحق البقاء! بل تدميرها على رؤوس من فيها، كما ينقل على لسان رفيق الحريري في لقائه الأخير مع جزار دمشق الذي هدده حرفياً بـ»تكسير لبنان فوق رأسه». وإذا كان قرار مجلس الأمن رقم 1559 القاضي بخروج جيش النظام الكيماوي من لبنان قد حمى هذا البلد من «التكسير» (لكن الحريري نفسه، وساسة ومثقفين لبنانيين آخرين، دفعوا الثمن اغتيالاً) فالفيتو المزدوج الروسي ـ الصيني من جهة، ولامبالاة المجتمع الدولي من جهة أخرى، سمحا بتحطيم سوريا تماماً.
بهذا المعنى يصبح «تحرير» إدلب خسارة محضة لأهاليها ولسوريا عموماً، ما دام غير مندرج في إطار استراتيجية وطنية عامة للإطاحة بالنظام، في إطار زمني معقول. فكل منطقة يخسرها النظام معرضة للتحول إلى ركام فوق رؤوس من يتبقى من سكانها بعد نزوح معظمهم إلى مناطق أخرى، داخل سوريا أو خارجها، بحثاً عن الأمان.
الواقع أن عمليات النزوح الجماعية هذه تشير إلى مدى الانقلاب الذي يجري في أولويات السكان. فمقابل إرادة الحرية التي أخرجتهم إلى الشوارع وواجهوا رصاص قوات النظام وشبيحته بأيديهم العزلاء، نرى اليوم مجموعات خائفة هائمة على وجوهها من مكان إلى آخر طلباً للأمان الوجودي فقط. هذه هي الأرضية الخسيسة التي تنطلق منها دعوات ما يسمى بالتيار الثالث أو مبادرات «المجتمع المدني» الممولة دولياً أو، أخيراً، مبادرات سياسية عقيمة كمبادرة دي ميستورا التي وأدها النظام قبل أن ترى النور في أحد أحياء حلب المحطمة.
هذا ما يدفعنا إلى رسم ملامح من المشهد الاقليمي ـ الدولي الذي في إطاره جاءت معركة تحرير إدلب. ففي الوقت الذي يقترب فيه الموعد النهائي للمفاوضات النووية بين إيران ومجموعة 5+1 في لوزان، من غير مؤشرات مؤكدة إلى نتيجتها، سلباً أو إيجاباً، تتضارب الأنباء حول حسم معركة تكريت بعدما دخلت طائرات التحالف الدولي على خط المعركة مقابل انسحاب قوات الحشد الشعبي الشيعية المتهمة بارتكاب أعمال انتقامية ضد سكان المدينة من السنة، فيما تمكنت السعودية وحلفاؤها في عملية «عاصفة الحزم» من الحصول على دعم القمة العربية والجامعة العربية من غير اعتراضات ظاهرة، فضلاً عن دعم الدول الغربية الرئيسية بما في ذلك الولايات المتحدة.
للمقارنة، كانت الشروط الاقليمية والدولية مختلفة تماماً حين بدأت عملية تحرير حلب، صيف العام 2012، وكان النظام في إحدى أضعف لحظاته بعد تفجير خلية الأزمة وعدد من الانشقاقات المهمة في منظومته العسكرية والدبلوماسية، ولم يكن تنظيم الدولة (داعش) موجوداً. مع ذلك تحول تحرير نصف المدينة إلى كارثة عليها، سكاناً وعمراناً، فضلاً عن انتهاكات الجيش الحر بحق السكان. أما الآن، فنحن في زمن يتحدث فيه وزير الخارجية الأمريكية جون كيري عن ضرورة التفاوض مع الأسد، ويقوم برلمانيون فرنسيون وبلجيكيون بزيارات إلى سفاح دمشق، وفي ظل حرب تقودها واشنطن ضد «دولة الخلافة» في العراق وسوريا، من غير أي احتكاك مع طائرات النظام التي تلقي ببراميل الموت على المدنيين. وفي الوقت الذي أصبحت فيه معركة اليمن ضد الحوثيين على رأس جدول أعمال دول الخليج، ليتراجع الاهتمام بالمأساة السورية إلى الخلف عربياً ودولياً.
كل هذا ولم نتحدث عن طبيعة المجموعات المسلحة التي اجتمعت في غرفة عمليات «جيش الفتح». فالعمود الفقري لهذا الجيش إنما يتشكل من جبهة النصرة التابعة لمنظمة القاعدة، وأحرار الشام التي أدمجت في بنيتها مؤخراً صقور الشام، وهما منظمتان سلفيتان جهاديتان من بيئة القاعدة نفسها، إيديولوجياً على الأقل. وعلى رغم تصريحات الناطق باسم أحرار الشام «الدبلوماسية» حول تشجيع إدارة مدنية للمدينة «تقدم نموذجاً إيجابياً» فالواقع على الأرض يشير إلى تنازع الفصائل على الحصص في الإدارة المفترض أنها مدنية. وعلى رغم تطمينات الناطق باسم جبهة النصرة بشأن مصير العائلات المسيحية في المدينة، تتحدث أنباء عن إعدام رجل مسيحي وابنه بدعوى بيعهما للخمور، فضلاً عن أن التطمينات المذكورة لا تشمل أولئك الذين تعاونوا مع «العدو النصيري» حسب تعبير عبد الله المحيسني من شرعيي جبهة النصرة.
ولا تقتصر المشكلة مع المنظمات الجهادية على موضوع انتهاكاتها الفظيعة بحق السكان، أو قتالها ضد فصائل غير إسلامية أقرب إلى تعريف الجيش الحر، بل تتجاوز ذلك إلى كونها لا تعترف بسوريا الوطن والانتماء، مستبدلةً إياهما بمشروع الدولة الإسلامية، وموقفها الاستئصالي من الأقليات المذهبية غير السنية. كل ذلك يجعل من «ثورتها» غير ثورة سائر السوريين، ومن دولتها غير الدولة التي من أجلها خرج السوريون في مبدأ ثورتهم. بالمقابل، لا يخفي كثير من السوريين فرحتهم بأي هزيمة يتلقاها النظام وحلفاؤه، بصرف النظر عن الجهة التي ألحقتها به، خاصةً وقد بلغ التدخل الإيراني المباشر وغير المباشر، عبر الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات، مبلغاً تحولت فيه الثورة ضد النظام القاتل إلى حرب تحرير وطني في نظر كثيرين.
٢ أبريل ٢٠١٥
شكلت انطلاقة “عاصفة الحزم”، رافعة هامة للعمل العربي المشترك، واستنهاض الشعور القومي بتضامن القوى الإقليمية في مواجهة التحديات المباشرة، عبر التطورات المتلاحقة، التي أرادت إيران من خلالها فرض السيطرة على المناطق الحيوية في الشرق الأوسط، المرتكزة إلى توسع نفوذها في المثلث الذي تتركز رؤوسه ما بين دمشق وطهران وعدن، بما في ذلك الهيمنة على الممرات المائية والبحار الإستراتيجية.
جاءت “عاصفة الحزم”، بمثابة بدء عملية واسعة لتقويض المشروع الإمبراطوري الساساني، عشية استحقاقات هامة، هي المفاوضات الدولية بشأن النووي الإيراني، والقمة العربية الدورية في شرم الشيخ، قمة العزم. فكانت انعكاساتها مباشرة على هذين الحدثين الهامين. فأربكت المفاوض الإيراني الذي اهتزت أوراقه، فيما رفع الاتحاد الأوروبي وواشنطن سقف الضغوطات على طهران، في الوقت الذي تراجعت فيه إمكانية عقد أي اتفاقات بشان برنامجها النووي، الذي يتصل بوقف تسارع التخصيب لعشر سنوات، مقابل إطلاق اليد الإيرانية في المنطقة، دون تهديد المصالح الغربية في حماية أمن إسرائيل. وهو مشروع الاتفاق الذي تم تسريب بعض بنوده، وإن كانت غير موضوعية، وتتعارض مع السياسة الأميركية، لكن الهدف من ذلك، هو إفشال جهود التوصل إلى اتفاق قد يكون لصالح إيران، لكنه يشرّع حقها في امتلاك القدرة النووية.
التأثير الآخر لـ”عاصفة الحزم”، انعكس بصورة دالة على قمة شرم الشيخ، وبدت علاقتها متصلة بما أطلق عليها “قمة العزم” بما يشكل دعما سياسيا عربيا لا لبس فيه لقرار السعودية، القيام بعمل عسكري مشترك، لدول مجلس التعاون الخليجي، لوقف التدهور المستمر للوضع الأمني والسياسي في اليمن، بكل المضامين والرسائل الاستراتيجية، التي ينطوي عليها “حزم” إقليميا و دوليا. وفي مقدمة ذلك إحياء التضامن العربي، وربط ذلك بالمصالح المشتركة للدول الأعضاء.
عكست نتائج القمة العربية، تطورات التنسيق المباشر لدول الخليج، مضافا إليها دولا عربية أخرى كمصر والمغرب، غير أن القوى الوازنة في الإطارين الدبلوماسي والميداني، لم تخرج عن الدول الخليجية، خاصة السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي شكلت إطارا جامعا للعمل المشترك رفع من شأن الجامعة العربية كمؤسسة فقدت الكثير من مقدرتها العربية والدولية، بسبب عجزها عن التصدي للإشكاليات الكبرى في المنطقة، داخل الدول الأعضاء، وفيما بينها. وشكلت عملية حزم، إضافة إلى مشكلة استشراء الإرهاب، وتنامي الجماعات المتطرفة وتهديدها لدول وشعوب المنطقة، الاهتمام الرئيس للقادة العرب. وفي الواقع، تمددت القوى الإرهابية بصورة تستوجب عملا جادا لوقف انتشار الجرائم الكبرى، كما حدث في متحف باردو في تونس. ولا تكفي اليوم الإدانة بقدر ما يتوجب العمل على مكافحة الإرهاب، وهو ما أشارت إليه القمة العربية.
القضية السورية، لم تحظ بالاهتمام الذي يعادل حجم المأساة الحاصلة اليوم، في الحدّ الأدنى. ولم تكتف الأمانة العامة بعدم دعوة أي طرف يمثل المعارضة السورية، وبالطبع لم يتم تسليم مقعد سوريا للائتلاف الوطني، وقد أضحت الأسباب في مجملها معروفة للجميع، لا حاجة لتكرارها. ولكن غياب القضية السورية كان مؤشرا عميق الدلالة على تراجع الاهتمام بالثورة السورية، وهو انعكاس لعدة أمور أساسية، أولاها تراجع الاهتمام الدولي بما يحدث في سوريا، وقفزت قضية الإرهاب إلى المقدمة، وأضحت محور النشاط السياسي والأمني والعسكري، على المستويات الإقليمية والدولية، مع ملاحظة تراجع مكانة التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي يكاد أن يكون مماثلا في ضعف نتائجه، لوظيفة قوى وتيارات المعارضة.
البيان الختامي، تحدث عن دورة العنف في سوريا، دون أن يدين الجرائم اليومية البشعة أو يشير إلى مرتكبيها، ودعا إلى التسوية السياسية عبر الأمم المتحدة. وقد تزامنت “عاصفة الحزم”، مع العملية الواسعة للكتائب المسلحة تحت مسمى جيش الفتح، بالهجوم على مواقع نظام الأسد في إدلب، ردا على مجازر الكيمياوي المتكررة خلال الأسابيع الأخيرة ضد المدنيين، وتم تحرير إدلب، في الوقت الذي بدأت فيه اجتماعات القمة، دون أن يصل صوت السوريين إلى شرم الشيخ.
ثمة مآخذ كثيرة، تضعها الدول العربية، في مقدمتها الدول الداعمة للثورة السورية، على أداء القوى المسلحة، وتورطها في أعمال لا تخدم مصالح الثورة الرئيسية، ولا يمكن ضبط حركة أنشطتها وتسليحها وتمويلها، مع تمدد وانتشار كل من جبهة النصرة، وتنظيم “داعش”.
هذه المآخذ هي التي قادت إلى مثل هذا التراجع الكبير للقضية السورية، بل إن قمة شرم الشيخ، أشادت بلقاءات المعارضة في القاهرة وموسكو، ودعت لإحياء جنيف 1 و2. وهو ما يعكس انشغالا بإعادة التفكير السياسي والأمني في المنطقة، على ضوء النتائج التي سوف تتمخض عنها “عاصفة الحزم”، من حيث إعادة إحياء الحوار الوطني بين كل الأطراف، للانتقال إلى المستقبل برعاية عربية، بعيدا عن التدخل الإيراني الذي لا يزال يراهن على المزيد من ارتكاب المجازر وسفك الدماء في سوريا.