٢ أبريل ٢٠١٥
تأتي دعوة بشار الاسد لروسيا من أجل توسيع دائرة إنتشارها العسكري إلى السواحل السورية، ضمن سياق التغيرات التي بدأ يتلمسها الأسد في المنطقة؛ وخاصة على وقع (عاصفة الحزم) التي أطلقتها عشر دول عربية وإقليمية ضد واحدة من حلقات نفوذ إيران وأذرعها.
ومن مكر التاريخ أن تتزامن هذه العاصفة مع تطورات ميدانية في سورية على أكثر من جبهة، بعضها انتهى بحصائل دامية في جسد الأسد الممزق، كما في بصرى وإدلب، وبعضها الأخر ينذر بتطورات دراماتيكية خطيرة، كما في القلمون وريف حمص الشرقي وحلب، في مؤشر واضح على مدى انهيار بنية الأسد وحلفائه العسكرية، ونفاذ قدرتها على المواجهة جراء اهتراء مفاصلها واستنزافها المديد.
لكن دعوة الأسد لروسيا تنطوي على تقديرات بخصوص الدور الإيراني والتوجهات الجديدة في المنطقة، إذ ليس بخافيا نشوء توجه إقليمي لتعديل ميزان القوى في المنطقة، وهذا التوجه تقوده بعض المراكز الإقليمية الوازنة في مواجهة صريحة للنفوذ الإيراني، ومن المقدر ان تكون له ترجمات على الأرض، في محاولة استباقية من هذه القوى لتجريد التفاهم الإيراني الأمريكي من أية مضامين سياسية قد تنعكس على المنطقة، وهو ما فسره المراقبون على أنه مسعى لفرض معطيات إستراتيجية جديدة تعيد صياغة المشهد الإقليمي من جديد وتخلط الأوراق بشكل لا يمكن لإيران وأميركا توظيفه لصالحهما والاستفادة منه.
لقد أظهر هذا الحراك الإقليمي هشاشة النفوذ الإقليمي لإيران في المنطقة عبر محاصرة أحد أذرعها وقطع أي إمكانية لتواصل لوجستي معه وعزل كل تأثير إيراني محتمل في اليمن، غير أنه أظهر بشكل أكبر أن إيران نفسها تنطوي على ضعف إستراتيجي خطير يتمثل بجغرافيتها الهشة والقابلة للحصار من ثلاثة إتجاهات، االشرق الباكستاني والغرب التركي والجنوب الخليجي، بما يلغي كل أوراق قوتها ويقيدها من الوصول إلى الميادين والبحار التي طالما ادعت وصول نفوذها اليها، حيث بلحظة تبخّر وجودها في (باب المندب) ولم تعد تملك غير مضيق هرمز الذي يقع بين كماشتي (عربستان) و(بلوشستان) اللتان بدأتا تشهدان نذر إنتفاضات أهلية.
لا شك أن الأسد الذي راقب كل هذه الوقائع، وكان قبلها يلمس حرارة النيران الأتية من جبهات الثوار وعجز قوة إيران عن وقف إندفاعة الثوار، لا شك أنه أيقن أن القوة الإيرانية لم تعد مضمونة وأن الإعتماد عليها وحدها في ظل هذه المتغيرات المتسارعة هو نوع من المقامرة، وعليه فقد سارع الاسد إلى دعوة الإعلام الروسي ليفجر هذه المفاجأة.
اعتمد الأسد في طرح دعوته تلك على تكنيك يقوم على تحميس الرأي العام الروسي عبر إغراء روسيا والتأكيد على حقها بأن يكون لها نفوذ على البحر المتوسط، وطرح نفسه كقائد له توجهات إستقلالية في محاكاة واضحة للبروبوغندا الرسمية الروسية عن توجهات قيادة الكرملين وشخصية فلاديمير بوتين، بل ذهب أبعد من ذلك عبر تصوير نفسه على أنه جزء من الثقافة الروسية والنزعة الوطنية التي تدعو لمواجهة الغرب والتعامل معه بشكل ندي، وفي كل ذلك كان يرمي الأسد إلى تحويل أزمته إلى جزء من المشكلة الروسية مع العالم والإندماج تاليا ضمن منظومة الأمن الروسية، وتحديدا في دائرة الأمن الحيوي منها، غير أن الهدف الأبعد كان إحراج الكرملين وتلزيمه أمن النظام فيما يبدو أنه إستشعار لمخاطر صفقة ربما تفكر روسيا في إنجازها على حسابه.
ليست خافية أهداف الأسد من وراء هذا الجهد، إذ بحساباته، فإن النفوذ الروسي واستدعاء حضوره العسكري، من شأنه أن يؤمن له مظلة حماية تقيه من أي تحالف إقليمي، ذلك أن الوجود الروسي سيزيد تعقيدات الحرب في سورية ويهدد بتحويلها الى أزمة عالمية كبرى ما يشكل رادعا أمام القوى الإقليمية من أي تحرك ضد نظام الأسد.
هل ستنجر روسيا إلى هذا الإغراء التكتيكي؟
الوقائع تشير إلى أن روسيا تركز بدرجة كبيرة على بعض المصالح الاقتصادية، مثل توقيعها على عقود للتنقيب عن النفط والغاز في الساحل السوري، مع ملاحظة أن هذه العقود لم يجرِ تفعيلها والعمل بها بعد، ربما أن روسيا تريد فقط تسجيل الاستثمار باسمها، بصرف النظر عن التحولات التي قد تطرأ على المشهد السوري، وربما لأن روسيا تواجه مشاكل إقتصادية، في ظل إنخفاض أسعار النفط والغاز، تجبرها على تأجيل العمل بمشاريع جديدة، لكن الأكيد أن روسيا الغارقة بمشاكل عديدة في غلاقها الجغرافي لن تكون متحمسة للحضور العسكري في سورية بالشكل الذي يريده الأسد، وهي لو أرادت ذلك لما انتظرت دعوتها من الأسد، أن تورّد روسيا سلاح تدفع ثمنه إيران من خزائن العراق شيئ وأن تتورط مباشرة بالحرب شيئ أخر، لكلا الامرين حساباتهما المختلفة، وصرخة الأسد ستضيع في بحر الإنشغال الروسي العميق وبالكاد يسمع صداها أحد خارج نطاق البعثة الإعلامية التي زارته في مخبأه.
١ أبريل ٢٠١٥
مرة أخرى يبدو الملف السوري متعلقاً بالملف اليمني. في المرة الأولى كان الحل اليمني هو ما يُروّج له ضمناً عند الحديث عن حل سياسي في سوريا، وقد تنقّلَ تبني النموذج اليمني بين طرفي الصراع الإقليمي والدولي. ففي البداية كان مرفوضاً تماماً من قبل حلفاء النظام السوري، ثم عندما تبينت هشاشته وتقدّمَ الحوثيون لاحتلال اليمن أضحى الأخير نموذجهم المفضّل. بهذا المعنى، صار النموذج الحوثي أداة إيرانية في سوريا، ولغماً يوضع تحت الحل الذي تسوّق له بعض القوى الكبرى.
الآن، بينما يخوض التحالف العربي عملياته ضد الحوثيين، يتراجع الملف السوري إلى الوراء في انتظار ما ستسفر عنه المواجهة الخليجية الإيرانية في اليمن. الانتصار الإيراني في المواجهة غير مسموح به إقليمياً أو غربياً. الاحتمالات تتراوح بين انتصار التحالف أو التوصل إلى تسوية تُبقي بعض النفوذ الإيراني، أي تُضعف الحوثيين من دون القضاء عليهم نهائياً. الاحتمال الأخير قد يكون الأكثر انسجاماً مع سياسة إدارة أوباما، لجهة انعكاسه على مجمل الصراع الإقليمي، حيث تعمل الإدارة طوال مفاوضاتها النووية مع إيران على مستوى معين من إدارة الصراع، من دون العمل على إنهائه أو إرضاء أي طرف من أطرافه.
أيضاً، ليس محسوماً أن يؤدي الانتصار الخليجي في اليمن إلى قطف ثمار سوريّة له، لجهة إضعاف إيران في مجمل مناطق نفوذها الإقليمي. فاليمن لم يكن أصلاً من ضمن حسابات موازين القوى التقليدية في المنطقة، وكان هامشياً مع اعتباره منطقة حيوية لأمن الخليج. وربما في اليمن تحديداً، بعد العراق، برزت أهم أخطاء مجلس التعاون الخليجي الذي لم يقبل بعضوية اليمن فيه، فتُرك كبلد فقير هامشي يسهل اختراقه. على هذا الصعيد، لا يخلو من دلالة أن يتمدد النفوذ الإيراني في خاصرتي الخليج المتروكتين، حيث كان مخططاً لليمن أن يلتحق بالعراق. ومع أن دول الخليج انخرطت في الشأن العراقي منذ حرب تحرير الكويت وصولاً إلى إسقاط صدام حسين إلا أنها لم تحصد ثمار مجهودها ذاك، ولم تعمل على تثميره.
الاستفاقة الخليجية الحالية قد تكون فألاً حسناً على الصراع السوري، فقط إذا كانت بداية لإعادة التوازن إلى المنطقة بعد الترويج لوقوعها ضمن الدائرة الإيرانية. ومن المستحسن نزع الطابع المذهبي عن هذا الصراع، الطابع الذي فرضته إيران من جنوب لبنان وصولاً إلى اليمن. العبرة الأساسية ليست في الوصول إلى توازن بين مختلفين مذهبياً، بل هي في إقامة توازن إقليمي يلجم التطلعات وأوهام التوسع لدى مختلف الأطراف. فقط إذا تشكلت قناعة من هذا القبيل لدى القيادة الإيرانية فسيكون التحالف العربي ضد الحوثيين أدى خدمة للسوريين، أما إذا حاولت إيران التعويض في سوريا، وإذا سُمح لها بذلك أميركياً وإقليمياً فسيكون السوريون في موقع من يدفع الثمن مرة أخرى. ولا ننسى أن بعض الدول العربية المشاركة في الحلف له مواقف غير مشجعة إطلاقاً تجاه الموضوع السوري. فمصر السيسي مثلاً تكاد تجهر بتفضيلها بقاء النظام السوري، ومشاركتها في التحالف "كنوع من رد الجميل" لا يُبنى عليها توقعات أكبر فيما يخص ملفات أخرى، ولا يُبنى عليها توقعات تخصّ الانفراج تجاه المعارضة المصرية نفسها لينتظر السوريون منها دوراً إيجابياً.
هناك من يربط، طامحاً، بين خسارات النظام في درعا وإدلب وعمليات التحالف في اليمن، بخاصة مع الدعم التركي المعلن للتحالف. غير أن هذا الربط المتفائل بتنسيق إقليمي ودولي عالي المستوى لا يستند إلى معطيات جدية، باستثناء تراجع حدة الخلافات العربية التركية، وربما الأمل بأن تسمح إدارة أوباما للاعبين الإقليمين بالتدخل في سوريا على المنوال اليمني. الأقرب إلى الواقعية من تلك التمنيات أن موسم الغرور الإيراني أخذ بالتراجع منذ الفشل على جبهتي الشمال والجنوب في سوريا، ولا شك أنه يتلقى ضربة قاصمة في اليمن. لكن المعنويات المرتفعة وحدها لا تجلب النصر، وتجربة السوريين مُرّة مع خطوط الإمداد التي تنقطع فجأة، وهي لا تقل مرارة عندما تُفتح على الوجه الذي لا يتمنونه أو لفصائل لا تنسجم مع تطلعاتهم أصلاً.
في كل الأحوال، هناك صراع سوري داخلي أجّل حسمه منذ أربع سنوات الصراع على سوريا الذي يعلنه في كل يوم رعاة النظام، لكن لا يُنتظر من أي تطور إقليمي حسمُ هذا الصراع، إلا إذا أذِن بسقوط النظام أخيراً. بعبارة أخرى، إذا لم تكن عمليات التحالف في اليمن مفيدة فلن تكون مضرة بالسوريين. وحتى احتمال انضواء العمليات ضمن رؤية دولية لاقتسام مناطق النفوذ لا يعني أبداً النجاح في فرضها، مع ترجيح عدم وجود تلك الرؤية الصارمة فيما يخص الملف السوري. أما أن يتراجع الملف السوري لصالح الاهتمام بالملف اليمني فقد بات من المعتاد تراجعه لحساب الملفات الأخرى، ربما لأن العديد من القوى يودّ حسم المواضيع الإقليمية الأخرى قبل التقدم في الموضوع السوري، فحينها لن تكون هناك ملفات عالقة تحتذي به.
١ أبريل ٢٠١٥
مع عاصفة الحزم في اليمن، بلغ النفاق الإيراني ذروته، وصار واضحاً أكثر من ذي قبل أن ملالي طهران يكيلون بمكيالين مع قضايا الشعوب والأمم، وأنهم ينطلقون في مواقفهم من طائفية واضحة، رغم أنهم يحاولون توزيع التهم على غيرهم.
الليبراليون والعلمانيون من العرب والفرس والغرب يتّهمون الدول السنّية وعلى رأسها السعودية بالطائفية، وأن ما يسمّونها بـ"الوهابية" هي سبب الحروب النجسة التي تشتعل بالمنطقة العربية، وأن العلماء الوهابيين -على حدّ تسميتهم- هم من ينشرون الإرهاب ويهدّدون استقرار الشعوب والأمم على وجه الأرض.
هذا يصبّ بامتياز في أقداح رجال الدين الصفويين المتخرّجين من حوزات قم والنجف المتطرّفة، وعلى غرار تهمة "معاداة السامية" التي يستغلها الصهاينة لحماية أنفسهم من الملاحقات الدولية على جرائمهم، يوزع الصفويون تهمة الطائفية، ومن خلالها يحصنون أنفسهم ويحاولون من خلالها منع العالم من معرفة حقيقة المعتقدات الشيعية التي يستغلونها، فيما يهدّد الإنسانية جمعاء، فهذه المعتقدات متطرّفة وتدعو لمحو الآخر وهو السنّي طبعاً من الوجود، وإنهاء العالم العربي وتمزيقه وفق منظور عرقي يستمد معانيه وغاياته من إمبراطورية فارسية بائدة.
عندما نكشف عن طائفية إيران ومخاطرها على الإنسان والإنسانية، نُتّهم بالطائفية من طرف أتباعها أو ممّن يحلبون في أوانيها أو حتى المخدوعين الذين لا يميزون بين التمر والجمر، رغم أن هذه الدولة العنصرية كل مكوناتها وغاياتها وحراكها السياسي ومشروعها القومي ينبني على معايير طائفية بحتة يجرّمها ويرفضها القانون الدولي وكل القيم الدينية.
ثورات كشفت عورات إيران
مع اندلاع ثورات "الربيع العربي"، تخلّت عن تقيتها لحد ما وبدأت تكشف إيران عن وجهها الحقيقي لكل المخدوعين بها، وطبعا لسنا منهم، فقد كنّا على مدار سنوات طويلة نؤكد على حقيقة الدولة الصفوية ومشروعها الهدام الذي يستعمل التشيّع لتحقيق مآربه التدميرية للعالم العربي والإسلامي.
بدأ تواجد إيران يتقوّى بالمغرب العربي الكبير مطلع التسعينات في الجزائر مع ثورة الجزائريين ضد النظام الفاسد والمستبد، وهو ما تحدثنا عنه في مقالنا الأسبق "هكذا ولغت إيران في دماء الجزائريين"، غير أن حضورها كان محدوداً في ثورة تونس رغم نشاطات التشيّع القائمة، أما في المغرب فهي تتحرك لتشييع المغاربة رغم بعض مواقف النظام الحاكم الإيجابية والمناوئة للدولة الإيرانية.
بالنسبة لمصر فقد ظلت إيران تتحرّك لما تمثّله هذه الدولة من ثقل استراتيجي سواء في العالم العربي أو بالنسبة لوجودها على حدود الكيان العبري المسمى "إسرائيل"، وهو الصراع الذي تستغلّه إيران في إطار صناعة نفوذها في الشرق الأوسط.
دعمت إيران ثورة المصريين ضد نظام حسني مبارك، الذي ظلت علاقته مع طهران سيئة للغاية، وآخر ما حدث بينه وبين حزبها في لبنان المسمّى "حزب الله"، توقيف خلية "سامي شهاب" الجاسوسية في مصر، والذي اتهمته السلطات المصرية بإجراء هجمات وأعمال تخريبية وحكم عليه بـ 15 عاماً ثم فرّ بعد أيام من سقوط نظام مبارك إلى بلده لبنان، وقدمه حسن نصرالله في احتفالية ما يسمى "قادة الأسير".
في ليبيا ساندت إيران ثورة الليبيين على نظام معمر القذافي، من أجل إشغال المجتمع الدولي بتلك الحرب وأيضاً بسبب ثأر قديم ومشبوه يتعلق باختفاء موسى الصدر الذي يتهم القذافي بتصفيته، ولذلك رأينا "حزب الله" وزعيمه يشيد كثيراً بثورة الليبيين. كما أن القذافي حاول إحياء مشروع الدولة الفاطمية في المغرب العربي والتي اعتبرت محاولة لضرب وصاية الدولة الفارسية على الشيعة العرب خاصة.
في البحرين لما تحرك شيعتها ضد النظام الحاكم، وجاء ذلك بإيعاز إيراني من أجل استغلال "الربيع العربي"، وقفت إيران بكل قوتها مع ما تسمّيها "ثورة الشعب البحريني" أو "ثورة البحرين"، ورافعت لصالح كل الشعارات التي رفعت عن الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والقوانين الدولية.
أما في اليمن فقد قدمت السلاح والعتاد والمال لمليشيات الحوثيين الشيعية التي تسمى "أنصار الله"، لأسباب طائفية طبعاً، حتى تمكّنت من السيطرة على العاصمة صنعاء بعد تحالفها مع قوات الثورة المضادة التي قادها الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، بعد سقوطه عبر ثورة شعبية عارمة، ومن خلال مبادرة خليجية أنقذت هذا الرئيس الذي رمّمت وجهه المملكة العربية السعودية بعد محاولة اغتياله، ولكنه للأسف غدر بها وتحالف مع ألدّ أعدائها.
لما اندلعت ثورة سورية اصطفّت إيران مع نظام بشار الأسد النصيري إعلامياً وسياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وسرعان ما تحوّل الأمر إلى عسكري، حيث أدخلت مليشيات "حزب الله" وتنظيمات أخرى شيعية متطرفة من العراق وغيره، كما أنه يتواجد الحرس الثوري أيضاً وفيلق القدس بقيادة الجنرال الإيراني قاسم سليماني.
النفاق الإيراني العابر للقارات
قتل الكثير من السوريين في حرب طاحنة شنّها نظام الأسد وبدعم مليشيات إيرانية شيعية، وظل الخطاب الرسمي الإيراني يتحدّث عن مؤامرة دولية على محور "الممانعة والمقاومة" الذي هو في الأصل "مماتعة ومقاولة".
تتّهم إيران "إسرائيل" والولايات المتحدة وكل قوى الغرب بالوقوف خلف الأزمة السورية، وذلك لإسقاط نظام ممانع ومقاوم على حدّ زعمها، بالرغم أن هذه القوى الدولية المتّهمة لم تفعل شيئاً لإسقاط النظام، ولو قدمت بعض الأسلحة الخفيفة للمعارضة لانتهى الأسد في الأشهر الأولى من الثورة.
لم نسمع إيران تتحدث عن حقوق الإنسان ولا القانون الدولي ولا الجرائم ضد الإنسانية رغم كل ما حدث في سوريا، بل شاركت بكل قوتها في تنفيذ الكثير من المجازر الطائفية عبر مختلف المدن السورية.
كما لم نسمع إيران تتحدّث عن الديمقراطية وحكم الأغلبية، وهي التي طالما صدّعت رؤوسنا بالحديث عنها في العراق والبحرين لأنها ترى أن الأغلبية شيعية ومن حقها السلطة وفق اللعبة الديمقراطية المدعومة من الغرب. وهكذا حيث ترى إيران أن شيعتها أغلبية تتحدث عن الديمقراطية وحيثما يكونوا أقلية ترافع لصالح القوانين الدولية لحماية الأقليات.
لقد ظهر النفاق الإيراني وبلغ ذروته مع عاصفة الحزم التي قادتها السعودية بالتحالف مع عدة دول عربية وإسلامية من بينها قطر والإمارات والمغرب وباكستان وغيرهم.
تابعت الإعلام الصفوي الإيراني وسمعت العجب من الحديث عن جرائم ضد المدنيين والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان وسيادة اليمن وما إلى ذلك من الشعارات التي تحدث عنها السوريون أنفسهم على مدار أربع سنوات وهم تحت جحيم نظام الأسد الذي تدعمه طهران وتدافع عنه بكل ما أوتيت من قوة.
تزعم إيران أن السعودية تقصف المدنيين وتبيدهم جماعياً، وهذا محرّم ومجرّم في القوانين الدولية، رغم أن ذلك لم يثبت والثابت لحد اللحظة أن الحوثيين يقصفون المدنيين ويستعملونهم كدروع بشرية من أجل تشويه عاصفة الحزم فقط. طبعاً تتجاهل ذلك إيران، والأدهى أن ما تنسبه زرواً للسعودية في اليمن هو ما يفعله نظام الأسد بطيرانه الحربي وصواريخه الباليستية وأسلحته الكيمياوية، حيث دمر المدن وقتل مئات الآلاف وهجّر الملايين من المدنيين السوريين على مدار أربع سنوات، وها هو يستقبل عامه الخامس بهجوم بالبراميل المتفجرة والغازات السامة على إدلب المحررة.
أما التعذيب الذي يحدث في سوريا فهو لا يخطر على ذهن بشر، فما سرّبت من صور لجثث المعتقلين الذين قضوا بسبب تعذيبهم البشع فلا يمكن وصف ما يجري سوى أنه محرقة القرن بامتياز.
تقول إيران: إن السعودية تعتدي على سيادة اليمن وإرادة الشعب اليمني، وهي قامت بالأمر نفسه في سوريا والعراق، حيث إن حرسها الثوري يصول ويجول ويقترف ما يندى له الجبين من قتل للسوريين، ولم تتحدث عن السيادة إلا عندما تلوح في الأفق معالم تدخل لصالح المعارضة.
أما في العراق، فقد دخل شيعتها على ظهر الدبابات الأمريكية التي دكت أشلاء المواطنين، وأفتى مرجعياتها بتحريم مواجهة الاحتلال الأمريكي، وطبعاً لم تتحدّث عن سيادة العراق ولا كرامة شعبه.
تدّعي إيران أن قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية تستهدف ثورة اليمنيين على نظام الرئيس هادي، ولم تتحدث عن تحالف الحوثيين مع الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح الذي أسقطه الشعب اليمني في ثورة شعبية سلمية اعترف بها كل العالم.
لم تتحدث أيضاً عن ثورة الشعب السوري ضد نظام الأسد الذي تدافع عنه بمليشياتها الطائفية المسلّحة، ولا اهتمّت بثورة الشعب العراقي ضد المحتل الأمريكي من قبل، ولا من بعد لما ثار العراقيون ضد نظام الملالي بقيادة أزلامها من المالكي ومشتقاته.
تتوهّم إيران وتقول إن تدخل الدول العربية بقيادة السعودية في اليمن هو اعتداء سافر على دولة اليمن المستقلة وذات السيادة، رغم أن هذا التدخل جاء بطلب من رئيس شرعي منتخب.
كما أنها ظلت تصف تدخل قوات درع الجزيرة في البحرين بطلب من قيادتها هو "احتلال" سعودي، لأنه أنقذ البلاد من التحوّل من دولة مستقلة إلى محافظة إيرانية كما صرح في 2009 علي أكبر ناطق نوري، رئيس التفتيش العام بمكتب خامنئي، في كلمة له خلال الذكرى السنوية الثلاثين لانتصار ثورة الخميني، حيث قال إن البحرين كانت في الأساس المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة، وكان يمثلها نائب في مجلس الشورى الوطني".
في المقابل تغضّ طرفها عن غزوها العسكري لسوريا بل ترى أن تدخل مليشيات "حزب الله" هو شرعي، لأنه جاء بطلب من بشار الأسد الذي ثار ضده أغلب الشعب السوري وفقد شرعيته حتى صار يغادر غرفة نومه نحو حمام سردابه تحت حماية من الحرس الثوري الإيراني.
أيضاً تتجاهل تدخّلها في العراق، حيث نرى قاسم سليمان بقواته يعتدي على العراقيين ويدمّر مدنهم وقراهم ويبيد المدنيين من أهل السنّة بحقد طائفي قلّ نظيره عبر التاريخ، وطبعاً تبرّر ذلك بأن هذا التدخل جاء بطلب من حكومة العراق الصفوية الموالية لخامنئي.
تزعم إيران أن التدخّل العربي في البحرين ثم اليمن هو "احتلال سعودي" ويتبجح أبواقها أن ثورة الخميني ترسي دعائم الحرية وتقرير مصير الشعوب في أي مكان، في حين تدخلها السافر في العراق ولبنان وسوريا ليس احتلالاً ولا هو يتنافى مع قيم خمينيتها.
قبل هذا نذكر أن إيران تحتل دولة الأحواز العربية منذ عام 1925، أي قبل احتلال فلسطين عام 1948، وكل الأدلة التاريخية والوثائق تثبت أن الأحواز أو عربستان كانت دولة مستقلة وتمّ احتلالها إيرانياً بدعم بريطاني، وهو الدعم نفسه الذي جاء لاحقاً لصالح الصهاينة في احتلال فلسطين.
منطق شيطاني مفضوح
المنطق الإيراني الطائفي صار مفضوحاً للعيان، فعندما يثور الشيعة في أيّ بلد لصالح خامنئي هم ثوّار وهم الشعب ومن حقّهم تقرير مصير وطنهم، أما عندما يثور السنّة فهم متآمرون وخونة وإرهابيون وتكفيريون ومتشدّدون يجب إبادتهم!
المنطق الإيراني العنصري صار واضحاً كالشمس في رابعة النهار، إن قتال المليشيات الشيعية جريمة ضد الإنسانية، في حين لما تبيد هذه المليشيات المدنيين من أهل السنّة فهي حرب على الإرهاب وحماية للأوطان من العملاء والصهاينة!
المنطق الإيراني الاستعماري يرى أنه لما تدخل مليشيات شيعية لحماية نظام يوالي طهران فإنه عمل مشروع ولا يتنافى مع القيم الأخلاقية والوطنية ولا القوانين الدولية، في حين لما تتدخّل دولة عربية في بلد عربي بطلب من حاكمها الشرعي فإن ذلك يعتبر اعتداء على سيادة دولة.
للأسف الشديد يوجد من بني جلدتنا من لا يزالون يخدعون بشعارات إيران التي تدعي فيها أنها ضد الطائفية وتناهض الغرب كما أنها مع ثورات الشعوب، ولكن في الواقع هي دولة طائفية وعنصرية للعرق الفارسي وحليفة استراتيجية للغرب عموماً والصهيونية بصفة أخص، وتناهض ثورات الشعوب لما تكون في غير صالحها ولا تؤمن إلا بثورات شيعتها التي تخدم مشروعها الصفوي الذي يريد الهيمنة ومحو الخريطة العربية من الوجود.
بلا شك أن عاصفة الحزم فضحت النفاق الإيراني الذي كان مفضوحاً إلى حدّ معين مع ثورة سورية، وأثبتت بالدليل القاطع أن هذه الدولة الفارسية تكيل بمكيالين ولا تهمّها قيم إنسانية ولا دينية ولا أخلاقية ولا قوانين دولية ولا أعراف ولا تقاليد، كل ما يشغل بالها هو مشروعها العنصري الطائفي الاحتلالي الإحلالي على حساب المنطقة العربية والأمة الإسلامية، وأتحدى من يثبت عكس ما قلته في هذا المقال.
١ أبريل ٢٠١٥
ليس الأمر مفاجئاً عندما نقول إن مؤتمر المانحين 3 التي عقد في الكويت وجمع عدد من المليارات باسم إغاثة الشعب السوري، لن يكون مردوده للشعب السوري الذي يستحق كل قرش تم جمعه.
الشعب الذي ينتشر في عدة بلدان وفي عدد لا حصر له من المخيمات في الداخل، إضافة إلى المناطق المحررة وتلك المحاصرة، ذلك الشعب الذي تم إذاقته كل صنوف الحرمان والموت، لكن لن يحظى إلا بالجزء اليسير مما جُمع، ومما تم استغلاله باسمه.
فالثورة لم تستطع أن تنتج معارضة سياسية قادرة على الظهور بمظهر يمكن للدول والمنظمات الدولية أن تنظر إليه كممثل حقيقي وفاعل وحازم للشعب السوري، فكل ما تم الحصول عليه اعتراف سياسي، دون أي وجود قانوني له على الأرض، السفارات التي تم فتحها عبارة عن دكاكين سياسية أو إرضائية أو كنوع من زيادة التحدي لهذه الدولة أو تلك.
المبالغ التي جمعت في المؤتمر الذي استضافته الكويت سيتم تحويلها إلى الأمم المتحدة لكي تقوم بتوزيعه على منظماتها وهيئاتها بغية كما يقال "إغاثة الشعب" السوري، فهنا يبدأ التركيز الفعلي على الهيئة أو الجهة المتعمدة لدى الأمم المتحدة، وهي نظام الأسد فهو الوحيد المعترف به والممثل المتواجد في الأمم المتحدة، أي أن شيء سيتم من خلاله و بموافقته شئنا أم أبينا، و ستخضع عملية التوزيع لمزاجيته سيما في المناطق الداخلية المحررة و تلك المحاصرة، فلن يدخل ما قيمته دولار واحد، دون أن يقابله عشرات الدولارات لموالي الأسد.
القضية ليست قضية أمم متحدة أم دول عربية وإسلامية وأوربية وكل دول العالم، كما أنها ليست قضية معارضة ميؤوس منها، بل هي قضية الجميع مجتمعين، ولا نستثني منهم أحداً، وإن نركز على المعارضة التي لازالت وستبقى عاجزة فاشلة ومحبطة لحد الغثيان، كونها لم تستطع حتى اللحظة من إيجاد حتى جهة لتوزيع المواد الإغاثية ذات مصداقية واحترام دولي، ولازالت تجربة "وحدة تنسيق الدعم" شاخصة أمامنا، فلا هي تبعت للحكومة المؤقتة ولا انفردت بالعمل بشكل حظيت به باحترام حتى العاملين بها.
و يبقى أن نشير أن ما تم جمعه من مبالغ في مؤتمر الكويت لا يعتبر رقم ثابت، فالوعود شيء و المنح الفعلي شيء آخر، و حتى المبلغ النهائي المجموع سيكون هناك أعباء تثقله من مصاريف و رواتب موظفين و إجراءات و ما إلى ذلك، ولزيادة الإحباط هناك مبالغ كبيرة ستعود على الدول المستضيفة للاجئين السوريين كالأردن و لبنان، تحت مسمى " خطط الاستجابة لمواجهة اللجوء السوري" ستخصص لبنى تحتية و مساعدة المجتمعات المستضيفة و المتأثرة من تواجد اللاجئين، اقتصادياً و تعليمياً و اجتماعياً و ثقافياً و....و.... .
و لا يسعنا إلا القول: مانحين باسم الشعب السوري .. وليس له !!؟
١ أبريل ٢٠١٥
يتساءل مراقبون كثرٌ هذه الأيّام عن هويّة الفئات التي يُخاطبها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في إطلالاته الإعلامية، وعن فريق العمل الذي يحضّر له كلماته أو ملفّاته في هذه الإطلالات.
ولعلّ كلمته الأخيرة التي خصّصها لتطوّرات الوضع اليمني كانت مناسبةً لتعاظم ترداد التساؤل المذكور، خاصة أنه في مقاربته "للقضية اليمنية" استند الى مبدأين، هو الأقلّ مناعةً ومشروعيةً لإثارتهما.
المبدأ الأول هو مبدأ "رفض التدخّل الخارجي والغزو العسكري". فأن يُكرّس السيّد نصرالله جزءاً من حديثه للتعقيب على هذا الأمر وتجريمه، ودعوة اليمنيّين الى التصدّي له ومقاومته، وهو الذي توجَز سيرةُ حزبه العسكرية منذ صيف العام 2012 ولغاية اليوم بكونها تدخّلاً خارجياً في الشأن السوري وغزواً حربياً للأراضي السورية، ففي الأمر مفارقة عجيبة، لا أصَحّ تجاهها من قول السيّد نفسه "إن الغُزاة سيُهزَمون".
المبدأ الثاني هو مبدأ "رفض العدوان لقمع الثورات". ونصرالله يعني بالطبع أن الحوثيّين في اليمن يمثّلون الثورة التي يُسعى الى قمعها. وهذا على تهافُتِه، إذ أن الحوثيّين تحالفوا مع الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح في ثورة مضادة وفي سعي للاستيلاء على السلطة وعلى كامل البلاد ومرافئها بعد الثورة، مستغرَبٌ ذِكرُه ممّن أرسل قواتِه بطلب إيراني لمحاولة قمع الثورة في سوريا والعدوان على أهلها، من القصير الى يبرود فالغوطة الشرقية ودرعا.
وإذا أضفنا الى المبدأين المذكورَين ما ردّده السيد نصرالله حول إيران وأدوارها الإقليمية وحول حزب الله واستقلالية قراراته، أدركنا أن الزعيم الشيعي اللبناني يخاطب فئاتٍ لا تعرف شيئاً عن كلّ ما ذَكر (أو لا تريد أن تعرف ويكفيها ولاؤها للخطيب)، وأنه وفريق عمله مضطرّون للتعليق السريع على التطوّرات بسبب خطورتها، ولَو من دون قدرة تأثيرٍ هذه المرّة على مجرياتها، لا شحذاً للهِمم الحوثية ولا وقفاً للغارات الجوية ولا تعديلاً في خريطة تحالفاتٍ قد يكون لِلغرور السياسي والعسكري الإيراني الفضل الأوّل في تركيبها.
يبقى أنّ كل تدخّل عسكري خارجي في أي مكان في العالم، وبمعزل عمّا قاله أمين عام حزب الله، يستحقّ أن يُشرّح ويُناقش في خلفيّاته ومبرّراته وتبعاته.
والأمر بالطبع يسري على العملّيات العسكرية السعودية في اليمن. فالأخيرة هي أوّلاً مواجهةٌ تخوضها الرياض مباشرةً مع طهران، الحاضرة من جهتها بالواسطة. وهي ثانياً استعراض قدرةٍ على حشد تأييد الدول الكبرى في العالم الإسلامي السنّي، من باكستان الى تركيا ومصر، لتذكير إدارة أوباما أن العديد من حلفاء واشنطن في المنطقة غير راضين عن الأولوية المعطاة في سياسته الشرق أوسطية للاتفاق مع الإيرانيين. وهي بهذا المعنى، غير معنيّة بمصلحة اليمن المتحوّل ساحةً تشهد بدء طورٍ جديد من الصراع في المنطقة دشّنه أول ردّ هجومي سعودي على إيران، المهاجِمة لوحدِها منذ سنوات، في العراق وسوريا ولبنان، واليمن.
وحزب الله في الصراع هذا طرف، لأسباب إيرانية ومذهبية. وكل حديث لأمينه العام حول الغزو والعدوان "لا يُصرف" جدّياً، لا في اليمن ولا في لبنان، ولا في القلمون وجوبر وبُصرى الشام.
٣١ مارس ٢٠١٥
ربما من المبكر أن نكتب ونتحدث عن النتائج، التي يمكن أن تحققها عاصفة الحزم التي بدأتها المملكة العربية السعودية، ومعها دول خليجية وعربية، بالإضافة إلى باكستان، لردع التغوّل الإيراني في المنطقة، وتحديداً في اليمن، عبر وكيلها الجديد، عبد الملك الحوثي وأتباعه، مدعومين بالرئيس اليمني المخلوع، علي عبد الله صالح، إلا أن ذلك لا يمنع، هنا، من الحديث عن نتائج سريعة، ربما تكون قد أفرزتها هذه العملية العسكرية، والتحالف النادر الذي يبدو أنه بُني وفقاً لرؤية ودراية واعية، ولم يكن تحالفاً مستعجلا.
وبعيداً عن مجريات الوقائع اليومية، وما تقوم به الضربات الجوية من تحجيم لقدرات الحوثيين، ومعهم القوات الموالية لصالح، فإن ما تحقق، حتى الآن، من هذه العاصفة الحازمة كثير وكثير جداً، ولعل من أهم هذه النتائج، التي ربما تعتبر مفاجأة لمراقبين كثيرين، أن عاصفة الحزم أظهرت اليد الإيرانية مشلولة، وغير قادرة على الحركة في المنطقة، التي كانت سابقاً تعتبر مستباحة لها ولمخططاتها.
"لم يشهد الخطاب السياسي الإيراني ترديداً لكلمة الدبلوماسية كما شهدته الأيام القليلة الماضية"
كان الدافع الأساسي لعملية عاصفة الحزم هو التمدد الإيراني الذي وصل إلى مناطق وجغرافيا لا يمكن احتمالها، فبعد العراق، ومن قبله لبنان، ومن بعدهما سورية، كانت حشود الحوثيين تقترب من عدن في جنوب اليمن، بعد أن أنهت مهمتها في شمال البلاد، وكانت تقترب أكثر من موانئ بحر العرب، تراقبها بوارج إيرانية حربية، كانت راسية على مقربة منها، للدفع بها في ساعة الحسم، التي ربما كان توقيتها فجر الجمعة، بحسب مصادر.
جاءت عاصفة الحزم حاسمة في التوقيت وفي الأهداف، فهي لم تمنع تقدم الحوثيين وحسب إلى عدن، وإنما أيضاً دفعت البوارج الإيرانية إلى الفرار من المنطقة، فالرد لم يكن متوقعاً، وكان مفاجئاً لسياسات طهران، التي اعتادت أن تضع الخطط وتنفذها، من دون وجود ما يعترضها.
وجدت إيران نفسها في لحظة فارقة من عمر المنطقة الأكثر توتراً في العالم، غير قادرة على الحركة والرد، فأين يمكن لها أن ترد؟ في العراق، حيث قواتها وجنرالها قاسم سليماني مرابطون منذ قرابة شهر عند تخوم مدينة تكريت، وعلى الرغم من كل نيرانهم وتسليحهم وعتادهم وبشرهم، فشلوا في اقتحام المدينة، فعادت حكومة بغداد إلى طلب المدد من أميركا، التي اشترطت انسحاب سليماني ومليشياته للمشاركة، وتم لها ذلك.
أين سترد إيران، إذن .. في سورية؟ كان متوقعا ذلك، غير أن عاصفة الحزم لم تكن مجرد ضربات جوية ضد تحالف حوثي إيراني في اليمن وحسب، وإنما كانت عاصفة عزيمة لم يسبق أن مرت بها الأمة العربية من قبل، فكان أن استأسدت الفصائل المسلحة السورية، وبدلاً من أن ترتد عليها غضبة إيران، ارتدت هي عليها، فحررت إدلب، وعيونها ترنو صوب مدن سورية أخرى، خصوصاً وأن عاصفة الحزم أعادت شيئاً من الثقة بالنظام العربي الذي ظل يتلقى الضربات تلو الضربات، طوال عقود خلت، ولم يمتلك زمام الفعل والمبادرة إلا عبر عاصفة الحزم التي قد يقول قائل إنها ما كان لها أن تكون لولا ضوء أخضر أميركي، ونقول، وليكن ذلك، المهم أن يكون هناك فعل يوازي حجم التدخل الإيراني في المنطقة، ولو كان بهذا الضوء الأخضر.
لسنا بعيدين عن الواقع، ولا نجمل الحقائق أو نغيرها، وإنما نقول إن أميركا ما كان لها أن تعطي مثل هذا الضوء الأخضر، لو لم تجد رغبة وعزيمة سعودية خليجية في تقزيم الدور الإيراني، رغبة ما كان لأميركا أن تقف ضدّها، فهي موجودة في منطقة تعاني من مشكلات كثيرة، ولا تريد أن تفتح على نفسها جبهة مشكلات أخرى، وهذه المرة مع حلفائها في الخليج.
انطلقت أبواق إيران محذرة من ردة فعل طهران حيال عاصفة الحزم، وقال بعضهم إن المنطقة الخليجية تحديداً ستدفع الثمن، وإن إيران ستحرك خلاياها النائمة التي ظلت طهران تخوف بها المنطقة، وها هي العملية، عاصفة الحزم، أكملت أيامها الستة، ولم نشهد أي فعل إيراني عبر تلك الخلايا النائمة، والتي إن فعلت شيئاً، فإنه حتماً لن يؤثر على أمن الخليج العربي واستقراره. الأكثر من ذلك، لم يشهد الخطاب السياسي الإيراني ترديداً لكلمة الدبلوماسية كما شهدته الأيام القليلة الماضية، في خضم حديث مسؤولي إيران عن معالجات لأزمة اليمن.
تدرك، وأنت تشاهد ما جرى للنمر الإيراني، أنه كان نمراً من ورق، لا يجيد سوى التهريج والتهويل لقوته، وحقيقة الأمر أنه أضعف من أن يكون نداً لأمة المليار، خصوصاً وأن ما لدى إيران من مشكلات، قابل أن يفككها إلى عدة بلدان متصارعة.
عاصفة الحزم درس لمن يريد أن يواصل مسيرة استعادة كرامة أمة ذبحتها، طوال عقود، سياسات حكومات خائرة خائفة، لا تفكر سوى بحماية كراسيها.
ليست المشكلة في إيران ومشاريعها التوسعية، وإنما فينا، نحن العرب، يوم أن ركنّا إلى الحالة الانهزامية، التي رسختها فينا أنظمة وإعلام طوال عقود، وأقنعَتْنا بأننا أمة مهزومة، ولا مجال للتململ.
٣١ مارس ٢٠١٥
لا يمكن الاستهانة بالتأييد الشعبي الذي حازه الفعل العسكري العربي الأخير في اليمن، فلقد انتظرنا طويلا كي يتحرك العقل السياسي العربي، وينظر إلى مصالح الامة، من نفس الزاوية التي ينظر فيها الآخرون إلى مصالح شعوبهم.
كثيرة هي القوى الدولية والإقليمية التي تتحرك في ساحات بعيدة كل البعد عن حدود أمنها القومي، كي تصنع أوراق ضغط لها، بينما بقي النظام الرسمي العربي، خاصة خلال العقدين الأخيرين مجرد متفرج كسول على ما يحدث حتى في عقر داره، بل شارك مرات عدة في صنع خيباته بأموال الامة وثرواتها وجهدها السياسي والعسكري. وإذا كان الفعل العربي قد تأخر كثيرا، فإن يأتي متأخرا أفضل من أن لا يأتي مطلقا، شرط أن يكون في صيغة استراتيجية عربية شاملة مدروسة وممنهجه، تبغي تثوير الطاقات العربية واستخدامها في إطارها الصحيح، وليس رد فعل مؤقتا قائما على حسابات قطرية ضيقة، لأن حجم الاختراقات الاجنبية في أمننا القومي، جعلت عمليات التجميل والترقيع على الجسد العربي غير ذات قيمة. وحده الفعل الجمعي للامة هو من ينهض بها، ويعيد اليها كرامتها.
وإذا كانت القضايا الفلسطينية واللبنانية والسورية والليبية والعراقية، كل منها تحتاج إلى عاصفة حزم تعيد الامور فيها إلى نصابها، فإن عاصفة اليمن قادرة على إعادة صياغة مسارات الأمور في الاقطار المذكورة، لأن السهم الذي يبتر ذراع الطرف المضاد ويبعد خنجره عن خاصرة الامة، سوف يدميه ويجعله يعيد حساباته في الساحات الاخرى، خاصة أن اليمن نقطة استراتيجية بالغة الاهمية في شبه الجزيرة العربية، حيث تتقاطع مصالح شتى الدول الاقليمية والدولية فيها، وسقف الرهان فيها عال جدا، إلى درجة تجعل من السيطرة الاستراتيجية على هذه المنطقة ورقة رابحة في استراتيجية الاخرين.
لذلك أوعزت إيران إلى الحوثيين وحليفهم علي عبدالله صالح بالسيطرة على كل اليمن، عندها ستكون المقايضة متوازنة تماما بين إيران من جهة والحوثيين وحلفائهم من جهة أخرى. فالحوثيون في أمّس الحاجة إلى إيران كحاضن وداعم إقليمي لاستكمال إخضاع اليمن، والإيرانيون في حاجة إلى مضيق باب المندب، كي يكون هو ومضيق هرمز في رحلهم، وبهما يحكمون السيطرة التامة على الملاحة الدولية، ويلوون عنق الدول الخليجية ومصر كذلك، لأن قناة السويس تعتمد اعتمادا مباشرا على الحركة البحرية في مضيق باب المندب، لذلك كانت الاندفاعة الحوثية كبيرة وسريعة نتيجة عامل الدعم الإيراني اللامحدود، كي يشكل تحركهم عامل ضغط فاعلا في مفاوضات الملف النووي، وقد تبين ذلك من الأجندة الانتقامية للحوثيين لكل الأطراف اليمنية، ومن شكل الخريطة السياسية والعسكرية والامنية والاقتصادية التي تحركوا فيها، حتى الرئيس هادي الذي حاول أن يستجيب لكل مطالبهم، ووصل إلى الحد الذي يكون مجرد دمية بيدهم، باءت كل محاولاته بالفشل أمام أجندتهم التي كانت أكبر من كل تنازلاته، والتي كانت الصفحة الأخيرة فيها هو محاولة التخلص منه بقصف مقره، كي ينتهوا من غطاء شرعيته، الذي بات يضغط عليهم، دوليا وعربيا ومحليا. فقد كانوا يخططون لفعل سياسي في الساحة اليمنية يستنسخ تجربة حزب الله في الساحة اللبنانية تماما، ويعيدون تكرار ما يجري في البرلمان اللبناني، من انعقاد متكرر بدون القدرة على انتخاب رئيس للجمهورية بفعل حزب الله. وإذا كانت عملية الحزم قد شكلت ضربة كبرى لهذا المشروع وللحاضنة الاقليمية له، فإنه لا يمكن القول بأن النفوذ الإيراني في المنطقة قد بات في حالة تراجع، لأن أجندتهم قائمة على أسس عقائدية، والعقيدة تتراجع وقد تختفي آنيا، لكنها تبقى حية في العقول التي استحكمت بها، عليه قد نشهد تغولا لهذه العقيدة في أقطار عربية أخرى فيها سيطرة إيرانية مُعلنة، للتعويض عن الخسارة ورفع المعنويات نتيجة الضربة المفاجئة، لذلك لا أحد يستطيع القول بأن العملية سوف تبقى محصورة في شبه جزيرة العرب، خاصة أن الانفلات الميليشياوي هو الذي يتحكم اليوم في ساحات كبيرة ومهمة في الوطن العربي. فمن يضمن ألا تنطلق صواريخ الميليشيات على هذا القطر أو ذاك ردا على العملية؟ ومن يضمن ألا يجري تسويقها إلى العامة على أنها حرب طائفية، في ضوء تصريحات رد الفعل لمحور إيران عليها، شبه المستنسخة من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت؟ لقد تفاجأ الحلف الإيراني بالعملية، لأنها حوت عناصر المفاجأة والاسلحة النوعية والقرار الجماعي، ولانه يعاني من مشاكل داخلية في العراق وسورية، وعينه على مفاوضات الملف النووي، والاهتمام منصب على تحقيق نصر عسكري فيهما وسياسي في الملف النووي، كما أن عدم الرد العربي على اختراقات إيرانية كبرى في المنطقة، أعطى انطباعا لصانع القرار في هذه الدولة أن يخلد إلى السكينة والاطمئنان إلى أن العواصم العربية سيتوالى سقوطها في أحضانه، لذلك لا بد للعملية العسكرية العربية أن تكون إعادة شرعية لرسم خريطة جيوسياسية للمنطقة، كانت متوقفة ومعطلة لفترة طويلة من الزمن، وأن اليمن يقع في قلب هذه الخريطة بريا وبحريا وجويا. المصالح المشتركة في هذه الخريطة يجب ألا تبقى هي نفسها ما قبل العملية، والحروب بالوكالة لم تعد مجدية مع الطرف الآخر، بل أنها تضر كثيرا بالساحات التي تتم فيها المنازلة، كما أن التوازن السياسي في اليمن لابد أن يعاد رسمه في ضوء هذه العملية، فليس من المعقول أن يستأثر الحوثيون بكل اليمن، إلى الحد الذي يفرضون فيه من يريدون في كل المؤسسات اليمنية مدنية وعسكرية، وينصبون أتباعهم من المدارس الابتدائية إلى قمة السلطات السيادية، فهم يمنيون لهم ما لغيرهم وعليهم ما على الاخرين ضمن حدود المواطنة، وليس لهم من ميزة على الاخرين، كما أن الاهم في هذا الموضوع هو الاعتماد على أهل اليمن في إعادة الاوضاع إلى سياقها الطبيعي، ومساعدتهم في تحقيق تنمية بشرية تنهض بالبلاد اقتصاديا، والابتعاد عن سياسة شراء الذمم والولاءات القبلية والطائفية والعسكرية التي اتبعت في هذا البلد، ولقد اثبت علي عبدالله صالح وغيره ممن باعوا ذممهم، على أن هذه السياسة لا تجدي نفعا، وأن من لديه الاستعداد لذلك على استعداد تام لبيعها مرة أخرى إلى من يدفع أكثر، حتى لو كانت إيران. لقد قطعت «عاصفة الحزم» ذراعا ممتدة على الأمة، وحان وقت قطع كل الاذرع الأجنبية الممتدة في بلادنا.
٣٠ مارس ٢٠١٥
بعيد تحرير مدينة إدلب، تقف جبهة "النُصرة" أمام اختبار مهم لمدى صدقية دعوى رموزها، بأنها قامت لـ "نُصرة أهل الشام" بما
يخدم مصلحة أهل هذا البلد، حتى لو على حساب التنظيم الذي تنتمي إليه، تنظيم "القاعدة"، كما صرح أبو ماريا القحطاني، أحد أبرز قادة "النُصرة"، وذلك في تغريدات له على "تويتر"، مطلع الشهر الجاري.
هذا الاختبار لا يعني فريقاً من السوريين، سبق أن وضع "النُصرة" في سلّة "داعش"، معتبراً أن المَعين الآيديولوجي المشترك الذي يرتوي منه رموز التنظيمين كفيل بجعل "النُصرة" وجهاً آخر لـ "داعش"، ينتظر اللحظة التاريخية المناسبة ليكشف عن وجهه الحقيقي، كما فعل "داعش" سابقاً في الرقة.
ويستعين هذا الفريق من السوريين بتجربة الرقة المريرة، إذ تبدو معركة تحرير إدلب، للوهلة الأولى، تكراراً نوعياً لتجربة تحرير مدينة الرقة، في آذار من العام 2013، لتكون الرقة أول مركز محافظة يتم تحريره بالكامل من سيطرة النظام. وخلال سنة شهدت الكثير من الفوضى والتنافس بين الفصائل التي سيطرت على المدينة، تحولت حياة "الرقاويين" إلى جحيم زاد قصف طائرات النظام من ويلاته.
لكن، قبل أن تُنهي السنة الأولى من "تحرير الرقة" فصولها، تغيّر المشهد بصورة درامية، واستطاع تنظيم "الدولة الإسلامية" إحكام السيطرة على المدينة بعد حرب شرسة مع حلفاء الأمس، "النُصرة" و"أحرار الشام" و"الجبهة الإسلامية".
اليوم، يدخل جيش "الفتح" إدلب، والعارفون يعلمون أنه مكون من قوتين رئيسيتين، "النُصرة" و"أحرار الشام"، فيما يبدو أن الفصائل الأخرى أقل وزناً وقوة، الأمر الذي أعاد لأذهان البعض كابوس تجربة الرقة، وسط توقعات بتكرار المشهد في إدلب قريباً.
وربما كانت خيبة بعض السوريين جراء رفض "النُصرة" التخلي عن تبعيتها لتنظيم "القاعدة"، منذ أسابيع، أحد العوامل الذي عزز قوة أصحاب الرأي الذي يجزم بأن "النُصرة" هي الوجه الآخر لـ "داعش"، وأنه يجب عدم الركون إليها، والتحالف معها.
لكن في مقابل ما سبق، لا يبدو أن أحداً من الفاعلين على الأرض السورية، في ضفة المناوئين للأسد و"داعش"، في وارد الصدام مع "النُصرة"، بل على العكس. ولا يبدو أن هناك أية مبررات موضوعية تدفع باتجاه الصدام مع الجبهة بعد، نظراً لكون الأخيرة لم تعلن، حتى الآن، إمارتها الإسلامية التي ترقبها الكثيرون. والأهم، أنها ضبطت نفسها وتجنبت الصدام مع باقي الفصائل الجهادية الكبرى في شمال سوريا، "أحرار الشام"، و"الجبهة الشامية"، حتى بعد دور الفصيلين الأخيرين في حماية "حركة حزم"، التي كانت "النُصرة" بصدد الإجهاز عليها منذ أسابيع.
وهكذا يبدو أن الفريق الأكبر من السوريين ما يزال يراهن على إمكانية استيعاب "النُصرة" في مشروع وطني يؤسس لسوريا جديدة تكون بديلة عن "سوريا الأسد". يضم هذا الفريق الكثير من المتعاطفين مع نهج "النُصرة" الذي أظهر مرونة كبيرة في التعامل مع السكان المحليين، ومع الفصائل المناطقية، في مساحات سيطرته. كما يضم هذا الفريق فصائل "السلفية الوطنية السورية"، بما فيها "أحرار الشام" و"جيش الإسلام"، ناهيك عن الفصائل المحسوبة على الأخوان المسلمين. بل ويضم هذا الفريق الكثير من المنظّرين، سواء من الإسلاميين المعتدلين، أو حتى من العلمانيين، ممن ينشطون في الخارج.
لا داعي، في نظر هذا الفريق الكبير من السوريين، للصدام مع "النُصرة"، حتى الآن. وكما كان موقف معظم السوريين من تنظيم "الدولة الإسلامية" في بدايات تأسيسه، مرتبكاً ومنقسماً وميالاً أكثر للمصالحة والصبر، حتى عِيل الصبر مع التنظيم، لا يبدو أن موقف معظم السوريين، سواء من الفاعلين على الأرض، أو من المؤثرين إعلامياً وسياسياً ومالياً، سيكون مختلفاً تجاه "النُصرة".
وفيما يرى البعض أن رمي الكرة في ملعب التنظيمات الجهادية، خاصة ذات البعد غير الوطني، كان من نتاجها أن نرى "داعش" تسرح وتمرح اليوم في ثلث سوريا، يرى آخرون أن ما يعتبره البعض سلبية، ما هو إلا نتاج الحالة الاستثنائية التي تعيشها الثورة السورية، والتي لا تملك حاضنتها الاجتماعية رفاهية تصفية التنظيمات التي لا تأتي على هوى مشروعها المثالي المُتخيل عن سوريا الجديدة في بدايات الحراك الثوري.
وهكذا، يرمي السوريون الكرة في ملعب "النُصرة"، على أمل أن تزيل الجبهة مخاوف الكثير منهم حيال تأسيس مشروع إقصائي خاص بها من قبيل "إمارة إسلامية". ويبدو أن "النُصرة" حتى الآن واعية لذلك، لكن اختبار إدلب سيؤكد أكثر ما إذا كانت "النُصرة" ستبقى على خريطة القوى المقبولة من غالبية السوريين، كفصيل مناصر للثورة السورية ضد بشار الأسد، أم ستنضم إلى خانة داعش تماماً، كفصيل إقصائي سلطوي لا يقل خطورة عن نظام الأسد نفسه.
لماذا تعد إدلب اختباراً؟، ربما لأن تجارب "التحرير" السابقة أثبتت أنه كلما سيطرت الفصائل المناوئة لنظام الأسد على مساحات جغرافية جديدة، كلما ازداد إغراء الإقصاء والتفرد لدى قياداتها، على حساب المشروع الجامع لها، وهو قتال الأسد وحلفائه في سوريا.
فهل تنجح "النُصرة" في هذا الاختبار؟، أم ستنقلب فرحة تحرير إدلب إلى نكبة على السوريين تكرر تجربة الرقة المريرة؟...
يبدو أن الكرة ما تزال في ملعب "النُصرة"، ويصعب حتى الساعة، الجزم، في أي اتجاه سترمي "النُصرة" كرتها للسوريين. لكن مؤشرات عديدة، بعضها نابع عن حسن الظن بالجبهة، تُوحي بأن قياداتها التي يغلب عليهم العنصر السوري، أكثر حكمة من تكرار تجربة داعش، وأكثر قدرة على استيعاب عقلية السوريين ومتطلبات المرحلة الراهنة في مواجهة نظام الأسد والظهير الإيراني الداعم له.
٣٠ مارس ٢٠١٥
لم يعد يفصلنا عن إطلاق المؤتمر الثالث للمانحين الدوليين للشعب السوري سوى ساعات قليلة، ليعلن الانطلاق في الكويت، الانطلاقة التي تستوجب أن يكون هناك عدد لابأس من المليارات لكي تسد جزء من الكارثة الكبيرة التي تشهدها سوريا منذ أن أعلن الأسد حملة القتل و التدمير و التشريد بحق الشعب.
فيكفي أن تقوم بجولة بسيطة على التصريحات الأخيرة حول سوريا ، لتجد البروز و التنافس الحاصل بين الجميع ليحصل على جزء من هذه الأموال التي من المقرر جمعها لإغاثة الشعب السوري.
الأرقام كبيرة وتحت مسميات عديدة، منها خطط الاستجابة لـ لبنان والأردن لمواجهة اللجوء السوري وتصل لقرابة الـ5 مليارات دولار، ومليارات أخرى تطالب بها منظمات الأغذية و الصحة و التعليم و الطفولة و .... و .... العالميون طبعاً، و سيل الأرقام التي تعبر عن حجم الكارثة ، 18 مليون محتاج ، تتنوع الاحتياجات و تتلون لتشمل كل شيء ابتداءً من الماء و حتى تأمين قطعة أرض للدفن.
ولا شك أن المساعي لتلبية المطلوب و لو بجزء منه، شيء يُشكر عليه الجميع ابتداءً من الدعوة للمؤتمر و انتهاءً بتنفيذ الوعود بالتبرع، التي تصب في اطار السعي لرأب الصدع الحاصل نتيجة الحرب التي يخوضها الأسد و ميلشياته طوال السنوات الأربع الماضية ، والتي أحدثت من الأضرار ما يفوق حجم العقل البشري بكامل هيئاته و منظماته و مؤسساته التي بقيت عاجزة حتى الآن عن اصدار إحصائية لأي جزء من جبال الخسائر التي تعرضت لها سوريا و شعبها ، فالأرقام كتوقعات دوماً ، في أحسن الأحوال تقريبية.
و لكن هل ما تحتاجه سوريا و شعبها هو المعونات و التبرعات..!؟
مع يقيننا بأن الحاجة للإغاثة شيء لا مفر منه و لكن الإغاثة وحدها لا تكفي و لاتسمن و لا تغني عن جوع ، وإنما سوريا بحاجة لحل و حل حاسم و نهائي لمعضلة أربكت العالم بأسره، عالمٌ قرر جعلها ساحة تستقبل مفاوضاته و تكسير عظام بعضه البعض ، و يبدو أن لا يرغب بتسكيرها.
فسوريا التي لازالت و ستبقى معتمدة على ذاتها في كل المجالات ، مادياً و بشرياً ، تحتاج إلى الحرية فقط ، تحتاج لإزالة الدكتاتور ، تحتاج لتحريرها من الاحتلال الإيراني، تحتاج لأن تكف يد المتدخلين و العابثين، تحتاج لأن يترك الشعب يحكم نفسه، تحتاج لأن تُنهى الحرب، و أن نبدأ بالعودة من جديد، تحتاج لكل المخلصين، تحتاج لأن تعيش.
الإغاثة مهمة و لكن دون الحرية ، تكون بمثابة إطالة أمد الألم ، و تجديد التشرد و القتل و التدمير فترة إضافية.
سوريا بحاجة لإنهاء حاسم و حازم و سريع .. نفس المصطلحات التي يستخدمها الباحثون عن الدعم في مؤتمر المانحين3 .... والإنهاء المطلوب أن يكون حقيقي و ليس مجرد تصريحات و قرارات مكتوبة .. وإن كان الرغبة بأن يكون الدعم حالياً للإغاثة فنأمل أن يكون حقيقياً و ليس مجرد وعود كما حدث في المؤتمرات السابقة التي جمعت ورقياً المليارات و لم يتم دفعها على أرض الواقع.
٣٠ مارس ٢٠١٥
في السابق لم يكن العربي مضطراً إلى متابعة سير القمة العربية. كان يعتقد أن الغرض منها لا يتجاوز إظهار القدرة على الاجتماع تحت سقف واحد. وأن المقررات هي في النهاية عبارات عمومية ستبقى حبراً على ورق. وأن القمة المقبلة ستعيد إنتاج قرارات القمة المنصرمة وتمنياتها. وكان مرد هذا الشعور لدى العربي إحساسه بأن الأمة سلمت بعجزها وتنازلت عن حقها في التأثير في مصيرها ومصير المنطقة التي تنتمي إليها.
أعطت قمة شرم الشيخ انطباعاً مختلفاً. أوحت أن الأمة التي شعرت بحجم التهديدات المحدقة بها وخطورة الحرائق المندلعة بين ضلوعها قررت استجماع إرادتها لتفادي إكمال رحلتها نحو الهاوية. والحقيقة أن لا مفاجأة في التئام شمل القمة. ولا في القرارات التي صدرت عنها. كان متوقعاً أن تعطي القمة شرعية عربية كاملة لـ «عاصفة الحزم» وأن تظهر العزلة العربية الكاملة لمنفذي «الانقلاب» في اليمن وداعميهم. وكان متوقعاً أيضاً أن تقر مبدأ تشكيل «قوة عربية مشتركة».
المتابع لأعمال قمة شرم الشيخ استوقفته ثلاث محطات وبضع جمل. إعراب الملك سلمان بن عبدالعزيز عن الأمل في «أن يعود مَنْ تمرد على الشرعية لصوت العقل، والكف عن الاستقواء بالقوى الخارجية والعبث بأمن الشعب اليمني العزيز، والتوقف عن الترويج للطائفية وزرع بذور الإرهاب». المحطة الثانية تمثلت في الهجوم العنيف الذي شنه الرئيس عبدالفتاح السيسي على إيران وإن من دون تسميتها. قال أن «الظروف أغرت أطرافاً في الإقليم وفي ما وراءه ، وأثارت مطامعها إزاء دول عربية بعينها، فاستباحت سيادتها واستحلت مواردها واستهدفت شعوبها...». ولم يسبق لمصر السيسي أن وجهت مثل هذه الانتقادات إلى ايران. والمحطة الثالثة كانت مداخلة الأمير سعود الفيصل رداً على رسالة الرئيس فلاديمير بوتين والانتقادات الصارمة التي وجهها إلى سياسة روسيا في سورية.
يمكن تفسير مناخات قمة شرم الشيخ بالالتفات إلى ثلاثة أخطاء كبرى ارتكبت في اليمن. الأول ارتكبته مجموعة «أنصار الله» حين اعتبرت أن من حقها قلب الطاولة اليمنية على شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي ومخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية. وأي قراءة هادئة للتركيبة اليمنية وتعقيداتها ولموقع اليمن وحساسيته تظهر أن الحوثيين ارتكبوا مجازفة بالغة الخطورة.
الخطأ الثاني ارتكبه يمني طالما اشتهر بالبراعة واستعذب ممارسة السلطة على قاعدة «الرقص على رؤوس الثعابين». مشاعر الثأر تغتال التحفظ والكيدية تعطل البراعة. قد يكون علي عبدالله صالح استمتع برؤية غريمه هادي محاصراً في منزله يرسل كتاب استقالته. وقد يكون سخر من اضطراره إلى الفرار إلى عدن. لكن البراعة جانبته حين سهّل للحوثيين الاستيلاء على صنعاء وأسلحة الجيش وحين زايد عليهم في الرغبة في طرد الرئيس من عدن. ارتكب علي صالح مجازفة كبرى.
يمكن القول أيضاً أن إيران التي كانت منخرطة في المفاوضات النووية ارتكبت في اليمن خطأ يمكن اعتباره مجازفة خطرة. وقد تكون استندت إلى نجاحها سابقاً في انتهاك الخطوط الحمر في أكثر من مكان من دون التعرض لهجوم مضاد. لا إسقاط صنعاء بسيط ولا مهاجمة عدن ولا وضع اليد على باب المندب. وتناقض الغلطة الإيرانية في اليمن تاريخاً من البراعة أظهرته السياسات الإيرانية في التقدم والتمكن في أنحاء أخرى من الإقليم.
القاسم المشترك بين مرتكبي الأخطاء الثلاثة هو سوء تقديرهم لرد فعل السعودية المجاورة. أغلب الظن أنهم اعتقدوا أن السعودية لا تملك غير سياسات الصبر، وأن الحكمة ستدفعها إلى قبول الأمر الواقع المفروض حتى ولو كان يشكل أخطاراً على أمنها واستقرارها. لم يتخيل مرتكبو الأخطاء الثلاثة أن السعودية وفي ضوء محاولة تطويقها وتحجيم ثقلها ودورها ستتخذ قراراً استراتيجياً مخالفاً لتحفظها التقليدي. والقرار هو توظيف قدراتها العسكرية وثقلها العربي والإسلامي وترسانتها من العلاقات الدولية في خدمة سياسة رادعة في الإقليم المضطرب. ولعل مرتكبي الأخطاء الثلاثة اعتقدوا أن مصر الحالية المنشغلة بأمنها وجوارها واقتصادها لن تتخلى عن سياسة مهادنة إيران أملاً في لعب دور الوسيط في الأزمة السورية. إنه سوء تقدير مكلف.
أدت الأخطاء الثلاثة، إضافة إلى الأوضاع السورية والعراقية والليبية، إلى تغيير في المقاربة السعودية وكذلك في مقاربة الدول المشاركة في «عاصفة الحزم» وبينها مصر. تساعد الأخطاء الثلاثة في فهم مناخات قمة شرم الشيخ وأبرز المواقف التي أطلقت خلالها. الأكيد أنه لولا الحدث اليمني وما شهده من أخطاء لما كانت قمة شرم الشيخ مختلفة.
٣٠ مارس ٢٠١٥
كان خطابه الأخير المخصّص في معظمه لليمن محاولة لتحسين صورة إيران أمام العرب في حين لا وجود، بين معظم المسؤولين الإيرانيين، من يسعى إلى ذلك. لذلك، يبدو أفضل ردّ على نصرالله ما يقوله المسؤولون الإيرانيون أنفسهم. ما لا يقلّ عن عشرة من هؤلاء يتبجّحون منذ ما يزيد على سنة بسيطرة إيران على أربع عواصم عربية، هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
مشكلة الأمين العام للحزب الذي يعترف بأنّه تابع لإيران، بصفة كونه على رأس حزب يؤمن بولاية الفقيه، تتلخص بأنّه يقول الشيء وعكسه في الوقت ذاته من دون أن يرفّ له جفن.
إنّه يعتبـر العرب عموما، واللبنانيين خصوصا، مـن السذج الذين تمرّ عليهم طـروحاته، بمـا في ذلـك تلـك المتـعلّقة باليمن أو لبنـان أو سوريـا أو العـراق… أو بالسيـاسة التي تتبعها المملكة العربية السعـودية التي تقود حاليا “عملية الحزم” التي تستهدف منع إيران من الاستيلاء على اليمن لا أكثر، وتحويله مستعمرة أو قاعدة انطلاق لتهديد المملكة ودول الخليج العربي والبحر الأحمر الذي يعني الكثير لمصر.
من أبرز المغالطات في خطاب الأمين العام لـ“حزب الله” اعتباره أن “أنصار الله” في اليمن على رأس “ثورة شعبية”. أخطر من ذلك، رفضه الاعتراف بأنّ الحوثيين في اليمن تابعون لإيران. يقول إن العلاقة بينهم وبين إيران لم تبدأ إلا بعد الحرب السادسة التي خاضوها مع الجيش اليمني في العامين 2009 و2010. هذا الكلام ينفيه الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي كان أدلى بحديث في خريف العام 2004 أشار فيه إلى العلاقة العميقة بين الحوثيين وإيران (يمكن العودة إلى عدد جريدة “المستقبل” الذي نُشر فيه الحديث وقتذاك).
كان ذلك بعد الحرب الأولى التي خاضتها السلطات اليمنية مع الحوثيين. فبعض زعماء الحوثيين كان يمضي منذ السنة 2000 وقتا طويلا في إيران وفي قم تحديدا. كذلك، كان هناك في بيروت من يطبع كتبا ومناشير للحوثيين!
لا حاجة إلى إعادة التذكير بدور علي عبدالله صالح في تشجيع الحوثيين على تشكيل تيّار سياسي، سُمّي “الشباب المؤمن” في وقت كانت لديه دائما حساسية زائدة تجاه العائلات الزيدية الكبيرة، المعروفة بالعائلات الهاشمية. تنتمي هذه العائلات إلى محافظة حجّة. من بين أبرزها آل حميد الدين الذين كان منهم الإمام، أو آل المتوكّل الذين كانت المملكة تُكنّى بهم. كان اليمن في عهد الإمامة معروفا بتسمية “المملكة اليمنية المتوكّلية”.
من الضروري العودة إلى الخلف قليلا ولو من أجل التذكير بأنّ الحوثيين ارتبطوا بإيران باكرا، وبأنّ المواجهة الأولى بينهم وبين الدولة كانت عائدة إلى “الصرخة” التي أطلقها أحدهم في وجه علي عبدالله صالح أثناء وجوده في العام 2003 في أحد المساجد المعروفة في صعدة.
كان علي عبدالله صالح في طريقه برّا إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج. فوجئ الرئيس اليمني، وقتذاك، بمن يطلق “الصرخة” وهي شعار الحوثيين، وذلك بعد صلاة الجمعة. أدرك متأخرا مدى عمق التحوّل الذي طرأ على الظاهرة الحوثية التي استطاعت إيران استيعابها من منطلق مذهبي قبل أي شيء آخر. ارتدّت الظاهرة على من حاول الاستثمار فيها بكلّ الوسائل، بما في ذلك إيصال الحوثيين إلى مجلس النواب وتوفير موازنة لهم…
“الصرخة” التي باتت شعار الحوثيين الذين أصبحوا يُعرفون لاحقا بتسمية “أنصار الله” هي “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”. بدا من تلك “الصرخة” مدى ارتباط الحوثيين بإيران، وذلك منذ إثني عشر عاما!
كان حادث صعدة أوّل تنبيه للرئيس السابق الذي ما لبث أن خاض مع الحوثيين ست حروب آخرها في العامين 2009 و2010، وذلك قبل أن ينزل شبان يمنيون ابتداء من بداية السنة 2011 إلى شوارع تعز وصنعاء ويطالبون باستقالته. وقد استغلّ الإخوان المسلمون تلك التظاهرات لإجبار الرئيس اليمني على الاستقالة، خصوصا بعد تعرّضه لمحاولة اغتيال في مسجد النهدين المقام في دار الرئاسة في صنعاء. استغلّ “أنصار الله”، إلى أبعد حدود، الفراغ الذي نشأ في صنعاء جراء الحملة التي شنّها الإخوان المسلمون على علي عبدالله صالح، وذلك في وقت كان هناك خلاف في العمق بين الحوثيين والإخوان المسلمين والسلفيين الذين أقاموا مراكز دينية في مناطقهم.
لعب خروج علي عبدالله صالح من الرئاسة، إثر توقيعه المبادرة الخليجية في الرياض، دورا في جعل المواجهة تتحوّل، شيئا فشيئا، إلى مواجهة مباشرة بين الحوثيين والإخوان المسلمين.
جاء انهيار تركيبة السلطة القائمة لينطلق الحوثيون من صعدة في اتجاه صنعاء، مرورا بعمران التي كانت معقل آل الأحمر زعماء حاشد. تُوّج تمدّد الحوثيين بوضع يدهم على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول ـ سبتمبر الماضي واستيلائهم على مؤسسات الدولة وفرضهم “اتفاق السلم والشراكة” بقوة السلاح. نسفوا بذلك المبادرة الخليجية من أساسها معتمدين على لغة السلاح بدل لغة الحوار. إنّهم تلامذة نجباء لـ”حزب الله” في لبنان الذي يحاول، كلّ يوم، وضع يده على كلّ مفاصل الدولة اللبنانية، كما يمنع مجلس النوّاب من انتخاب رئيس للجمهورية، خلفا للرئيس ميشال سليمان الذي انتهت ولايته في الخامس والعشرين من أيار ـ مايو الماضي.
تمدّد “أنصار الله” في كلّ الاتجاهات. لا شكّ، أن علي عبدالله صالح سهّل لهم الوصول إلى عدن بعد التفافهم على تعز. لم يكن ممكنا قبول الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تسليم اليمن لإيران. لم يكن ممكنا اعترافهم بالانقلاب الحوثي الذي يكرّس واقعا جديدا في منطقة الخليج، وعلى صعيد التوازن الإقليمي.
فاليمن جزء لا يتجزّأ من الأمن الخليجي. وإذا كان حسن نصرالله تذرّع بأنّ الحوثيين كانوا يسعون إلى علاقات طيبة مع المملكة العربية السعودية، فإنّ سيرة “أنصار الله” تشير إلى أنّه لم يتسّع لهم بعد الوقت الكافي لتهديد السعودية. كان عليهم السيطرة على اليمن كلّه قبل الانطلاق في اتجاه الخليج وتهديد أمنه.
يعرف كلّ يمني مدى شهية الحوثيين إلى السلطة، ومدى رغبتهم في التمدّد داخل اليمن وخارجه. إنّهم جزء من المنظومة الإيرانية في المنطقة التي تقاتل العرب بعرب آخرين.
هذه المنظومة أنتجت “داعش” السنّية لتبرير الدواعش الشيعية في سوريا والعراق ولبنان. كلّ ما تبقّى تفاصيل ومحاولة لتسويق سياسة إيرانية غير قابلة للتسويق، عن طريق الخطب الرنّانة. أخطر ما في هذه الخطب، لبنانيا، أنّها لا تأخذ في الاعتبار مصالح عشرات الآلاف من العائلات التي تبحث عن لقمة العيش في دول الخليج العربي، بعدما سدّ “حزب الله” كل أبواب الرزق أمام اللبنانيين في لبنان!
٢٩ مارس ٢٠١٥
الخطاب المجنون، الذي ألقاه أمين عام حزب الله، السيد حسن نصرالله، ضد السعودية وعمليتها “عاصفة الحزم”، ليس مستغربا، فالأبواق الإيرانية الممانعة فقدت اتزانها تماما بعد التحرك السعودي المدعوم عربيا وإقليميا ودوليا من هول الصدمة، وهي بالمناسبة صدمة غير مبررة إلا بسوء التقدير وخطأ الحسابات. وغير ذلك، فإن السيد تلقّى نبأ مقتل ثلاثة عناصر من حزبه – على الأقل- في الغارات على الحوثيين.
السيد يعترض، ويقول إن عاصفة الحزم لو هبّت ضد إسرائيل لكان جنديا فيها، وأعتقد أن كلامه سليم، فالحزب الإلهي يشن حربا عاتية ضد إسرائيل، والغريب أنها حرب لم يمت فيها إسرائيلي واحد، بل آلاف السوريين ومئات العراقيين وعشرات اليمنيين.
يقول السيد إن المملكة وإسرائيل في معسكر واحد، لقد أصاب كبد الحقيقة، والدليل ما نراه في لبنان، فحلفاء المملكة المؤمنون بالاستقلال اللبناني والمناوؤون لمحور الممانعة والجمهورية الإسلامية والحزب الإلهي تغتالهم إسرائيل فورا. سبحان الله!
على ذكر الاغتيالات، السعودية متهمة من السيد بتدبير عمليات انتحارية في العراق، إنني مستعد أن أقبل هذا الاتهام كليا في حالة واحدة: أن يسلم السيد المطلوبين من حزبه إلى المحكمة الدولية، ويسلم المطلوب في محاولة اغتيال بطرس حرب إلى القضاء اللبناني، ويسلم إلى الأجهزة الأمنية قتلة الزيادين اللاجئين في أوكار حزب الله، ويكشف عن مصير المختطف جوزيف صادر المخطوف إلى الضاحية، إذا فعل حزب الله ذلك ربما تدان المملكة في تفجيرات لبنان فنتأكد قطعا بأنها خلف تفجيرات العراق. عفوا، بتصريح نوري المالكي نفسه، قال إن التكفيريين دخلوا إلى العراق من سوريا، وهذا الحديث سابق للثورة، فهل يمكن أن يشرح لنا السيد كيف نسق بندر بن سلطان مع خصمه بشار الأسد ﻹدخال الإرهابيين إلى العراق؟
يتحفنا السيد، بأن طلب الشرعية اليمنية من دول الخليج دعم الدولة اليمنية مبرر واه، لم يخطئ السيد أيضا، لذلك فنحن أمام خيارين: الأول، أن نعتبر استغاثة بشار الأسد بحزب الله وإيران ضد شعبه مبررا واهيا وبالتالي ينسحب الحزب الإلهي والحرس الثوري من سوريا فورا، ونعتبر استغاثة حيدر العبادي بالأميركيين لمحاربة الإرهاب في العراق مبررا واهيا هو الآخر ونترك الحكومة العراقية لمصيرها. الثاني، أن نطلب من بشار الأسد وحيدر العبادي أن يستغيثا بدول الخليج لنصرة الدولة في اليمن حتى لا يكون المبرر واهيا.
السيد يحب السعودية، نعم، فلم أجد عاطفة صادقة نحونا إلا منه، فقد وصف عاصفة الحزم بالعدوان الذي لا مصير له إلا الهزيمة
السيد يقول بأن سقوط اليمن في يد إيران والحوثيين لن يهدد أمن المملكة والخليج، حسنا، أعتقد أن هذه النقطة جديرة بالتأمل، وربما تعكس غياب الكوادر الخبيرة أمنيا وسياسيا في الخليج، لذلك فأنا أستسمح السيد بأن يطلب توظيفه في مجلس الشؤون الأمنية والسياسية السعودي أو مجلس الأمن الوطني الإماراتي، وأعتقد بأن معارفي في السعودية والإمارات ستسهل قبول الطلب، وإذا أحب العمل مع قطر فما عليه إلا أن يطلب وساطة صديقه القديم عزمي بشارة.
السيد يفضحنا، يتهمنا باختلاق داعش لضرب بشار الأسد ونوري المالكي، وأعتقد أن كلامه صحيح، بدليل العمليات الحدودية التي نفذتها داعش ضد المملكة، وبدليل الحملات الأمنية التي نفذتها وزارة الداخلية ضد الدواعش السعوديين، والدليل الثالث هو تصنيف المملكة -رسميا- لداعش كجماعة إرهابية، وليس هناك دليل أوضح من مشاركة المملكة في التحالف الدولي العسكري ضد الدواعش.
وبالمناسبة، هنا لدينا أسئلة، لماذا اعتبرت داعش عاصفة الحزم ضربا للمشروع الجهادي في المنطقة؟ أين هي المعارك الطاحنة التي تدور بين بشار وبين داعش؟ حزب الله أعلن دخول سوريا لقتال التكفيريين، فكيف تأسست داعش بعد دخوله؟ وإذا كان حزب الله حقا يقاتل الدواعش فما علاقة الجيش الحر بهم؟ ولماذا حين اختطف التكفيريون جنودا لبنانيين تملص حزب الله من حربه ملقيا الكرة في ملعب الدولة اللبنانية؟
السيد يعلنها مدوية، فالسعودية تعطل الحل السياسي في سوريا، يا للعار، السعودية فعلا تعطل مقررات جنيف 1 التي تتحدث عن تسليم النظام البعثي حكم سوريا إلى هيئة حكم انتقالي، لماذا يا سيد تعطل السعودية هكذا حلا مع أنه سيزيح خصمها وخصم السوريين بشار الأسد؟ وهل الميليشيات في سوريا تقيم ندوات حوارية –مثلا- بين مختلف أطياف الشعب السوري؟
لقد فاجأنا السيد، المملكة تضع فيتو على وصول ميشيل عون، مرشح حزب الله والحوثيين والحرس الثوري وكتائب أبو الفضل العباس وقوات الباسيج والمرشد الأعلى وإيران وبشار الأسد والشبيحة وفلاديمير بوتين وفنزويلا وكوبا، إلى رئاسة لبنان، والدليل ناصع جدا، قيام السعودية بمنع نواب حزب الله وحلفائه من النزول إلى البرلمان. مهلا يا سيد، لماذا لا تذهبون إلى البرلمان؟ وألا تضع إيران فيتو على أيّ مستقبل سوري من دون بشار الأسد وطغمته؟
الأبواق الإيرانية الممانعة فقدت اتزانها تماما بعد التحرك السعودي المدعوم عربيا وإقليميا ودوليا
يزعم السيد، أن السعودية دعمت جورج دبليو بوش في إسقاط نظام صدام حسين، يا لبعد نظر السيد، فالسعودية دعمت إسقاط نظام صدام حتى يخلفه نظام إيراني يستبيح عروبة العراق وسنته، وربما أرسلت السعودية مندوبا ساميا اسمه “قاسم سليمان” لينفذ المهمة ويهيئ الأجواء لقاسم سليماني الإيراني، لكنك يا سيد لم تبلغنا، إذا كانت المملكة سلّمت العراق ﻹيران، فلماذا وقفت مع صدام في حربه ضد الإيرانيين كما قلت أنت بنفسك؟ ولماذا حين تحدثت عن مساندة الخليج لصدام ضد الخميني نسيت مبدأ “تصدير الثورة الإيرانية”؟
السيد يحب السعودية، نعم، فلم أجد عاطفة صادقة نحونا إلا منه، فقد وصف عاصفة الحزم بالعدوان الذي لا مصير له إلا الهزيمة، وخوفا علينا دعا إلى الحوار السياسي في اليمن حتى يجنبنا الخسارة. شكرا يا سيد، لكنك جئت متأخرا جدا، فبعد أن فشل الحوار بسبب محاولات عصاباتكم فرض أمر واقع، وبعد أن تعالى الحوثيون على المواثيق والحوار بقرار من إيران وبقوة السلاح، كان لا بد من الحزم.
السيد يعتبر كل من يؤيد العدوان على اليمن آثما، إن الحوثيين ليسوا شعب اليمن بل أقلية فيه، وعاصفة الحزم هي لنصرة الشعب اليمني والدولة ضد المارقين. السيد يتحدث عن الإثم؟ لن أذكّره بإثم الدماء التي في رقبته من السوريين والعراقيين وخصومه اللبنانيين، بل عليه أن لا ينسى إثم عناصره الذين أزهق أرواحهم حين أرسلهم غزاة في أوطان الآخرين أو قتلة ﻷشقاء الوطن.
الحوثيون أقلية مسلحة مدعومة من إيران، وبالتالي، أمام هذه الحقيقة يسقط اتهام السيد للمملكة بأنها تسعى للعبث بالتركيبة المذهبية في اليمن، ونلفت نظر السيد إلى أن المملكة لا صلة لها بحملات التبشير الشيعي في مصر والأردن ولبنان وسوريا والمغرب العربي.
السيد يقول إن إيران تقدم المال والسلاح له من دون أن تملي عليه الأوامر والقرارات كما تفعل السعودية مع حلفائها وأصدقائها. لقد شعرت بالحزن حين سمعت السيد يردد هذا الكلام، فقد خشيت أن تكون هذه من أعراض الزهايمر، فالسيد قال في خطاب تلفزيوني عام 2008 متوفر في اليوتيوب “أنا أنتمي إلى حزب ولاية الفقيه”، ونائبه نعيم قاسم في كتابه (حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل) قال نصا “حزب الله هو وكيل الثورة الإسلامية في لبنان”، ومساعده إبراهيم الأمين السيد قال في صحيفة النهار بتاريخ 5 مارس 1987 “نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران”. أي تبعية بعد هذه يا سيد؟ لقد فهمتك، أنت لا تعتبر نفسك حليفا أو صديقا ﻹيران، أنت تعتبر نفسك إيرانيا تماما، وفي هذا السياق أنت على حق.
يشكر حسن نصرالله إيران، ﻷنها وقفت مع فلسطين بعد تخلي العرب عنها، وأنا أيضا أشكر إيران معه، فمنذ تطفلت الجمهورية الإسلامية على القضية الفلسطينية انصرف الفلسطينيون إلى الاقتتال الأهلي والتهام السلطة بدلا من محاربة المحتل أو التفاوض من أجل الدولة. إنني أشكر إيران حقا، فقد تخلى العرب عن الفلسطينيين بالفعل، حاولت السعودية المصالحة بين إخوة الدم في اتفاق مكة لكن عملاء إيران أجهضوه، ومصر لا تيأس ومحاولاتها من أجل توحيد الفلسطينيين بلا جدوى، والغريب أن إيران لم تسع ولو لمرة واحدة للمصالحة بين فتح وحماس، ومع ذلك نشكرها أيضا.
شاهدت خطاب السيد حسن، وأنا فعلا أشعر بالشفقة عليه، فمن كان يسمى بـ “صاحب الوعد الصادق” أصبح يلقب بـ “حسن زميرة”، و”سماحة السيد” انتهت إلى: “سماحة القاتل”، “سماحة الكاذب”، “سماحة الخائن”.
إن التعريف العلمي لجنون العظمة، هو حالة من الهذيان المستمر المرتبط بمعتقدات ثابتة فيدّعي الإنسان امتلاك قابليات استثنائية لا صلة لها بالواقع. تذكرت هذا التعريف وأنا أشاهد السيد يهاجم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ويتوعد المملكة ودول الخليج وحلفاءها، كان بودّي لو نبهه أحد إلى حجمه الطبيعي والحقيقي، فتلك دول راسخة أو زعامات محترمة بينما حسن نصرالله مجرد قناع لميليشيا إرهابية مجرمة وحزب عنصري شمولي، وهو وأتباعه من دون أموال إيران وسلاحها، لا حجم لهم ولا وزن، وبالتالي فإن قيمتهم الصافية لا شيء تماما.