مقالات
٢٧ مارس ٢٠١٥
«عاصفة الحزم» رد على تطاول إيران على الحدود السعودية

سجّلت عملية «عاصفة الحزم» في اليمن موقفاً خليجياً، بمبارَكة أميركية، من التطاول الإيراني على الحدود السعودية عبر انقلاب الحوثيين على الحكومة الشرعية في اليمن. والسؤال هو: هل أتت هذه الغارات العسكرية لدول خليجية بقيادة سعودية، وبمشاركة مصر وباكستان بسفن حربية، كجزء من استراتيجية مكبّلة لوقف الزحف الإيراني في الدول العربية، أم أنها محطة يمنية فقط فرضها الاضطرار؟ أتى القرار بالرد العسكري استجابة لنداء الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي طوّقه الحوثيون لاستكمال انقلابهم في عدن وإيصال إيران إلى باب المندب الاستراتيجي. الأمن القومي السعودي كان أيضاً عنواناً بارزاً وراء القرار العسكري الخليجي والعربي لأن تطورات الساحة اليمنية وضعت الميليشيات الحوثية والإيرانية في موقع صنع القرار وتهديد الحدود السعودية – اليمنية. والسؤال هو هل «عاصفة الحزم» عازمة على المثابرة العسكرية إلى حين إلغاء الانقلاب الحوثي الذي مكّنه الرئيس السابق علي عبدالله صالح وابنه أحمد مع «الحرس الثوري» الإيراني – حتى وان تطلب ذلك تدخلاً عسكرياً ميدانياً برياً لا يقتصر على الغارات الجوية والعمليات البحرية؟ وهل اليقظة المفاجئة إلى استدراك حدث اليمن والتحرك عسكرياً هي جزء من الانجرار إلى الرد اضطراراً، أم أنها نواة لنقلة استراتيجية نوعية لإعادة فرز التوازنات الإقليمية وإبلاغ كل من واشنطن وطهران أن الاستفاقة العربية جدية لا سيما على عتبة الصفقة الأميركية – الإيرانية المنتظرة؟

عملية «عاصفة الحزم» سترفع المعنويات لدى الموالين للشرعية في اليمن ولدى كثيرين من الخليجيين الذين شعروا بالإهانة تلو الأخرى من المغامرات الحوثية داخل اليمن وعلى أيدي «الحرس الثوري» الإيراني في العراق وسورية واليمن.

إلا أن الغارات الجوية بمفردها لا تحسم حرباً ميدانية على رغم أهمية عنصر السيطرة على الأجواء. الولايات المتحدة اعتمدت سياسة محاربة «القاعدة» في اليمن عبر الطائرات بلا طيار – والـ «درونز» – ولم تنجح في القضاء على «القاعدة» ولا في التأثير ميدانياً في الساحة اليمنية. هذا لا ينفي أهمية تدمير القواعد العسكرية ومخازن الأسلحة والمطارات المهمة للحوثيين كما لقوات علي عبدالله صالح كما للإيرانيين في اليمن. ثم أن التمكّن من التخلص من القيادات المهمة، الحوثية بالذات، تطور له وطأته على المعنويات في ساحة القتال. فبالتأكيد هناك جدوى ونتيجة ملموسة للغارات الجوية والعمليات البحرية. لكن السيطرة البرية لها حساباتها الخاصة والمميزة.

برز كلام في اليومين الماضيين عن استعداد للتدخل البري في اليمن من قبل مصر والأردن والسودان. ورافقت هذا الكلام أنباء عن مشاركة 6 طائرات مغربية وأردنية و3 سودانية في «عاصفة الحزم» التي شاركت فيها السعودية بـ 100 طائرة ووحدات بحرية و150 ألف مقاتل، والإمارات بـ 30 طائرة، وكذلك شاركت فيها قطر والكويت والبحرين.

مشاركة 10 دول عربية في العملية العسكرية في اليمن أمر مهم دلالاته بعيدة المدى لا سيما إذا دخل الكلام عن التدخل البري خانة التنفيذ الفعلي. عندئذ، تدخل المسألة اليمنية منحى جديداً داخلياً وتسجّل تطوراً إقليمياً من نوع آخر.

يطيب للبعض الإسراع إلى القول إن مصر ستتدخل برياً في اليمن، ويؤكد البعض الآخر أن مصر ستنجرّ إلى التدخل ميدانياً في ليبيا. الأمران واردان، إنما مستبعدان. فمصر اليوم تدرك أنها غير جاهزة للتدخل العسكري في ليبيا ميدانياً لأن فيه توريط لها. ومصر اليوم تتذكر تجربتها السابقة في اليمن والتي لها طعم المرارة في حلقها.

بالطبع هناك اليوم جديد لجهة العلاقة الاستراتيجية الفائقة الأهمية بين مصر والسعودية والإمارات. هذه العلاقة تدخل في خانة الالتزام بالدفاع عن الآخر لا سيما عندما يتطرق الأمر إلى الأمن القومي لإحدى هذه الدول. وتطورات اليمن دقّت باب الأمن القومي السعودي مما استدعى العلمية العسكرية.

أهم حلقة في مستقبل وإفرازات وتداعيات «عاصفة الحزم» هي ما إذا كانت ذات بعد إقليمي استراتيجي ينحصر في اليمن أو يتعداه. بكلام آخر، لا بد أن أصحاب هذا القرار المهم تدارسوا كيفية الرد على الرد الإيراني داخل اليمن في إطار استراتيجية عسكرية وسياسية على السواء. لا بد أن البحث تطرق إلى الناحية الزمنية لـ «عاصفة الحزم» وإلى متطلبات ما بعد العاصفة إزاء إيران والحوثيين وعلي عبدالله صالح. هذا أضعف الإيمان. إنما المهم أيضاً أن يكون لدى قيادات «عاصفة الحزم» تصور يتعدى اليمن من ناحية الإفرازات والتداعيات الإقليمية في وجه الردود الإيرانية في العراق وسورية ولبنان وليس فقط اليمن.

العملية العسكرية العربية في اليمن ليس لها بعد دولي أو شراكة دولية على نسق «التحالف ضد داعش» الذي يضم معظم الدول العربية التي تشارك في التحالف تحت قيادة الولايات المتحدة. فواشنطن لا تشارك في «عاصفة الحزم» وهي باركتها مضطرة بعدما كاد الحوثيون يستولون على السلطة في عدن بعد صنعاء.

واشنطن انساقت إلى عدم الاعتراض على «عاصفة الحزم» بعدما غضت النظر عمداً عن أحداث اليمن وكأنها ترى في الحوثيين وحليفهم الإيراني وسيلة للقضاء على «القاعدة» وقطع الطريق على محاولة «داعش» دخول اليمن. وللتأكيد، ليست الولايات المتحدة وحدها من غاب وتغيب عن أحداث اليمن في سياسة بائسة قوامها الاستنزاف. فدول خليجية أيضاً رأت في سياسة الاستنزاف فائدة لها من هلاك متبادل بين الحوثيين وعلي عبدالله صالح من جهة وبين «القاعدة» وقبائل غاضبة من جهة أخرى. هذا الخطأ الاستراتيجي ضاعفه الاعتقاد أن فشل الحوثيين في الحكم بمفردهم في اليمن يشكل سياسة، أو أن شراء القبائل والعشائر بين الحين والآخر سياسة.

طهران أوضحت في أول رد فعل لها على «عاصفة الحزم» أنها لن تتقوقع. انتقدت العملية العسكرية وقالت إن الضربات العسكرية السعودية ستعرقل الحل السلمي في اليمن – أي أن طهران لن تريح الرياض ولن تسهّل لها الانتصار في اليمن، بل ستسعى وراء توريطها وتوريط مصر معها لو تدخلت ميدانياً.

إذا كان لـ «عاصفة الحزم» استراتيجية خروج – كما لكل عملية عسكرية مدروسة – لا مناص من سكة سياسية موازية للسكة العسكرية تتناول المعالجة السياسية للأزمة اليمنية على أسس جديدة. أما إذا كان الهدف عسكرياً حصراً لتحقيق توازنات جديدة على الأرض، فإن للعنصر الزمني لـ «عاصفة الحزم» استراتيجية بقاء لأن المعالجة العسكرية وحدها ستستغرق وقتاً وقد تقود إلى مستنقع.

المشكلة اليوم هي أن المعالجة السياسية تتطلب تنازلات باتت أصعب بعد العملية العسكرية. المعالجة السياسية تتطلب تفاهمات مرفوضة مع الرئيس الناقم المنتقم علي عبدالله صالح الذي ساهم جذرياً في قيادة اليمن إلى شفير الحرب الأهلية هذه. فتجاهله يؤدي إلى المزيد من الانجرار إلى الحرب الدموية، والتفاهم معه يتطلب تنازلاً يبدو صعباً إن لم يكن مستحيلاً على صنّاع القرار العسكري. أما مع الحوثيين، فمن المستحيل إلغاؤهم حتى وان كانت الرغبة عارمة للانتقام منهم بعد أن تحدّوا دولاً كبرى في الخليج. ثم هناك عنصر «القاعدة» الذي يجب التنبه جداً إلى عدم تشجيعه، حكومياً أو انفرادياً، لأن في ذلك إنماء آخر لوحش آخر سيرتد على السعودية والمنطقة. وبالتالي، مهما بدت «القاعدة» عنصراً ضرورياً لإلحاق الهزيمة بالحوثيين أو بالإيرانيين وراءهم، إن هذا انتحار آخر.

هناك إذن حاجة إلى استراتيجية متكاملة تتعدى نمط شراء الولاءات التقليدي وتتعدى الإنجازات العسكرية لـ «عاصفة الحزم» مهما كانت كبيرة أو ضرورية. لهذه الاستراتيجية شق أميركي وشق يتعلق بالزحف الإيراني والتوازنات العربية.

حدث اليمن شكّل أهم تحدّ لدول مجلس التعاون الخليجي التي سعت وراء إيجاد حل سياسي لليمن في مطلع التغيير فيه قبل 5 سنوات. فساعدت علي عبدالله صالح على مغادرة صنعاء وساهمت في الحوار الذي أوشك أن يدفع اليمن إلى فيديرالية تلبي الجميع. إيران دخلت على الخط في اليمن بعدما سجّلت طهران انتصاراتها في سورية والعراق. ازدادت طهران ثقة بالنفس نتيجة غزلها مع الإدارة الأميركية واستقتال الرئيس باراك أوباما على إبرام اتفاق نووي وصفقة ثنائية معها، فاستعجلت إلى توطيد سيطرتها في اليمن بجوار السعودية – متحدية بصورة جدية الأمن القومي السعودي.

«عاصفة الحزم» استدعاها الرئيس اليمني مستنجداً الإغاثة لكن الذي جعل منها حاجة استراتيجية هو التقارب الأميركي – الإيراني لدرجة الاستهتار بالأمن القومي العربي برمته. فواشنطن بقيت صامتة إزاء التجاوزات الإيرانية في سورية، وباتت شريكة «جوية» للميليشيات التي تديرها إيران في العراق بحجة انهما معاً ضد «داعش»، وتعمدت غض النظر عن التوغل الإيراني عبر الحوثيين ومباشرة في اليمن في الجوار السعودي.

إذن، ما من شأنه أن يعطي «عاصفة الحزم» جدّية سياسية وعسكرية وقيادية هو إيضاح نسيجها الاستراتيجي ببعده الإقليمي وليس فقط ببعده اليمني. هذا يتطلب حديثاً بلغة جديدة بين الدول العربية لا سيما الخليجية ومصر لجهة واقعية الأدوار الميدانية عسكرياً لهذه الدول وكيفية الرد على الردود الإيرانية الممتدة من اليمن إلى العراق إلى سورية. وهذا يتطلب بالتأكيد الجلوس إلى طاولة رسم السياسات البعيدة المدى المتعددة المواقع وليس الاكتفاء بإصدار بيانات عن قمم عربية. هوذا الجديد المترتب على «عاصفة الحزم» لتكون هذه العملية نوعية ضمن استراتيجية مكبّلة وليس مجرد عاصفة غضب ضمن تكتيك الردود العابرة التي تعزز الاعتقاد بأن السياسة السعودية مبعثرة تفتقد التهيؤ وتكتفي بالانسياق إلى الرد.

ما تحتاجه «عاصفة الحزم» أيضاً هو البعد السياسي الضروري والعاقل لأن مصلحة الشرق الأوسط والخليج ليست في مواجهة عسكرية واسعة النطاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على رغم أنها مستبعدة. فإذا كان الحزم جدياً، لعله يفتح الباب أمام التفاهمات بعدما فشلت الحروب بالنيابة في سورية واليمن ولبنان والعراق ودمرتها. فمن قُتِلوا هم أبناء سورية واليمن والعراق ولبنان وليس أبناء الدول التي ترعى الحروب بالنيابة.

أما على صعيد الحديث العربي – الأميركي، إن «عاصفة الحزم» تشكل نقطة جديدة لكنها لن تتحول إلى نواة علاقة أميركية – عربية أو أميركية – خليجية من نوع آخر ما لم يكن الحزم حقاً لإيقاف الزحف الإيراني على الدول العربية ولإيقاف الاستهتار الأميركي بالمصالح والمواقف العربية.

اقرأ المزيد
٢٦ مارس ٢٠١٥
"عاصفة الحزم".. بين ثقافة الموت الإيرانية وإرادة الحياة العربية

كان يمكن للملكة العربية السعودية إعلان أن هدف عملية "عاصفة الحزم" التي تقودها في اليمن هو حماية مقامات الصحابة هناك أو مرقد سيدنا صالح أو سيدنا هود عليهما السلام، وهو ما يتطابق مع ما استخدمته إيران وميليشياتها الشيعية من ذرائع بحماية "مقامات شيعية وهمية" قتلت من خلالها الشعب السوري ومنعته من حقه في الوصول لحريته المنشودة عبر إسقاط الحكم الديكتاتوري متمثلاً بالمجرم بشار الأسد..

كان يمكن للسعودية فعل ذلك، لكنها كانت لتسقط في ثقافة الموت التي أرادت إيران إشاعتها في المنطقة، فآلت – السعودية – على نفسها إلا أن تعلن بوضوح عبر بيان مشترك مع الدول الخليجية المشاركة بالعملية أن "عاصفة الحزم" جاءت لـ"حماية اليمن وشعبه العزيز من عدوان الميليشيات الحوثية التي كانت ولا تزال أداة في يد قوى خارجية لم تكف عن العبث بأمن واستقرار اليمن الشقيق".. وفي هذا الإعلان بالتحديد يكمن الفرق بين ثقافة الموت الإيرانية في المنطقة وإرادة الحياة العربية التي يبدو أنها لن تتوقف قبل وضع حدٍّ للتمدد الإيراني الذي أوشك أن يسيطر على البوابات الاستراتيجية في المنطقة وفي مقدمها "باب المندب".

المواجهة اليوم المتمثلة بـ"عاصفة الحزم" تتجاوز "جماعة الحوثي" الخارجة عن الشرعية في اليمن، وتمتد لتشمل مواجهةً مفتوحة بين مشروع الموت الإيراني الرامي إلى ابتلاع المنطقة العربية بالاستناد إلى أحلام إمبراطورية عفنة تتوكأ على عكازٍ طائفي بغيض وبين مشروع عربي طال انتظاره يرمي إلى الحفاظ على حق العرب - بكامل طوائفهم – بالحياة على أرضهم دون تدخلاتٍ خارجية تثير الشقاق بين أبناء الشعب والعرق الواحد.. إنها المواجهة بين الحق والباطل.

وبكل تأكيد فإن صراخ إيران واستنكارها للعملية يعتبر أمراً مفهوماً إلى حد بعيد، فطهران التي تخوض مفاوضات نووية مع مجموعة (5 + 1) كانت تأمل أن تخرج منها دولةً إمبراطورية مسيطرة على مفاصل المنطقة، والعملية بهذا السياق تأتي "ضربةً قاسمة" سواء للمفاوضات النووية أو للأحلام الإمبراطورية.

فهي إن جاءت بتنسيق وموافقة أمريكية فهذا يشي بوضوح إلى تعثر المفاوضات النووية مع إيران، وبالتالي فطهران لا بد وأن تُقدم على تنازلات في ملفها التفاوضي لا سيما في الشق السوري.

أما إن لم تكن بضوء أخضر ورضا أمريكي، وهذا ما نتمناه، فإن عملية "عاصفة الحزم" تحمل في طياتها رسائل هامة أولها لواشنطن فحواها أن أي اتفاق نووي يمس بأمن واستقرار الخليج والمنطقة لن يمر بالسهولة التي تظنها الولايات المتحدة، وثانيها لطهران بأن التمدد الإيراني له حدود، وأن الدول العربية قادرة على وضع حد له بالوقت الذي تختاره.

قد يكون من المبكر وضع معالم إستراتيجية واضحة لعملية "عاصفة الحزم" التي لم يمض على انطلاقتها سوى ساعات قليلة، لكن الواضح من حجم المشاركة والزخم العسكري الذي رصد لها أنها معركة مفتوحة على كل الاحتمالات والتطورات، وأنها لن تتوقف قبل كسر الناب الإيراني في المنطقة العربية.

اقرأ المزيد
٢٦ مارس ٢٠١٥
عن ضابط سوري حكم لبنان!

في تاريخ الشعوب التي تعرضت لاحتلال او اجتياح او "ردع" من قبل جيش اجنبي صفحات سوداء مشينة تحرص على محوها من ذاكرتها، او اخفائها من وثائقها، وشخصيات فظة ومحرجة يشطب اسمها حتى من المدونات والمرويات.

في التاريخ اللبناني الحديث نقيض تام لهذه النظرية، ومثال معيب يختزله الاهتمام الشديد بضابط سوري تحول في الاونة الاخيرة الى خبر رئيسي في وسائل الاعلام وفي الصالونات السياسية، وبات مصيره، موته او نجاته من الضرب المبرح على يد احد زملائه، الشغل الشاغل للبنانيين جميعا، مع ان دوره السابق في لبنان كان بمثابة إهانة موصوفة، ومتعمدة طبعا، لخصوم سوريا كما لحلفائها من مختلف الطوائف اللبنانية.

والغريب ان ذلك الضابط الذي تحول الى رمز فعلي للحقبة الاخيرة من الهيمنة السورية على لبنان وكان شاهداً على نهايتها، العسكرية على الاقل، ينظر اليه في سوريا نفسها وفي مراكز صنع القرار في دمشق بتواضع شديد، إن لم يكن باستخفاف بدوره، وحتى إستهزاء بدوره، الذي ارتقى بالصدفة ونتيجة عناد القيادة وضيق أفقها، اكثر مما تطور بفعل ثقافته او خبرته او نجاحاته وإنجازاته.. وهو في المستشفى الان نتيجة فشل ذريع في منع انهيار الجبهة الجنوبية للنظام امام تقدم قوات المعارضة الاخير، وإنشقاق أحد ضباطه الكبار الذي صار اسمه معروفاً.

مع ذلك فان أسطورته ما زالت تكبر في بيروت، اكثر من دمشق طبعا، وما زالت أدواره الاستخباراتية والمالية والسياسية تتردد على كل لسان لبناني، من الخصم الى الصديق، حيث يجري التباهي إما بنهاية الحاكم الاخير للبنان، وقرب نهاية النظام الذي كلفه بتلك المهمة القذرة، او بالحضور الفريد الذي كان يمثله في الغرف المغلقة للسياستين اللبنانية والسورية..او حتى بالفضائح التي تورط بها، وكانت ذروة سلوك سوري ثابت في استباحة لبنان ومؤسساته ومرافقه ومقدراته ونسائه أمتد منذ العام 1976 وحتى العام 2005.

لم يكن حاكما فعليا. كان مجرد نموذج أخير على انحطاط الادارة السورية للبنان التي بدأت قبل نحو اربعين عاما باشكال وادوات سياسية مناسبة للظرف اللبناني في ذلك الحين، لكنها تراجعت تدريجيا لتصبح في عهدة كبار ضباط الجيش والامن، قبل ان تستقر عند ذلك الضابط الفضيحة، الذي تعامل مع لبنان مثلما يتعامل اي مسؤول أمني مع اي من المحافظات السورية ال14 الباقية، اي بمزيج من الترغيب والترهيب والفساد والافساد، وبما يعبر بصدق عن تحلل النظام ويفسر قيام الثورة..

لكن المحير هو ان المسؤولين والسياسيين اللبنانيين الذين خاصموه او حالفوه، كانوا على دراية مسبقة بموقعه ومكانته وكفاءته، لكنهم لم يترددوا في نسج اوثق العلاقات معه، بدلا من ان يتوصلوا الى الاستنتاج ان الادارة السورية هزلت، وآن الاوان للتخلي عن الخصومة او عن التحالف مع دمشق او حتى للهجرة من لبنان كله.. طالما ان قرار النظام هو الاصرار على إبقاء ذلك الضابط في مهمته اللبنانية الجليلة، برغم الاساءات التي يمثلها لذلك النظام بالذات.

ما زال الجمهور اللبناني يتسقط اخبار ذلك الضابط، اكثر من اي خبر آخر، اما بدافع الحنين او الحقد، مع ان الشعورين لا يجوزان فيه، ولا يعبران سوى عن خلل نفسي في تكوين ذلك الجمهور وفي توصيف علاقته مع "حاكمه" السابق،الذي لم يكن ذلك الضابط بالتحديد، وفي الشفاء من متلازمة استوكهولم الشهيرة عن الصلة المرضية التي تقوم في بعض الاحيان بين السجان والسجين.. والتي تصح في تحديد طبيعة العلاقة بين اللبنانيين وبين جميع من حكمهم من الخارج.

الصحة العقلية للبنانيين جميعا، الحلفاء قبل الاعداء لنظام دمشق تستدعي شعورهم بالعار- لا بالاثارة- من مجرد سماع إسم: رستم غزالة. 

اقرأ المزيد
٢٦ مارس ٢٠١٥
القمة العربية والأزمة السورية

حاولت جامعة الدول العربية احتواء الأزمة السورية، منذ بدايتها، بدفعها النظام إلى القيام بخطوات سياسية جادة، تلبي المطالب الشعبية، وتمنع البلاد من الانجرار نحو الهاوية، وتكرار النموذج الليبي، بشكل أو بآخر، في بلد له تأثير كبير على محيطه العربي والإقليمي، لكن إصرار النظام على خياره الأمني، دفع الجامعة إلى ممارسة ضغوط على دمشق، على أمل حصر الأزمة داخل المنظومة العربية، والحيلولة دون انتقالها إلى المستوى الدولي، متبعة في ذلك أسلوب الترغيب والترهيب معاً، فلم تغلق الباب العربي نهائيا بوجه النظام، ولم تتركه مفتوحا.
وكان من أبرز الخطوات التي بادرت إليها جامعة الدول العربية دعوة الأمانة العامة بداية أغسطس/آب 2011 النظام السوري إلى البدء بمرحلة الإصلاحات السياسية، وإيقاف القتل للحيلولة دون تدويل الأزمة، وفي الشهر التالي، في منتصف سبتمبر/أيلول، جاءت المبادرة العربية الأولى التي دعت إلى سحب الجيش من المدن ووقف العنف وإجراء حوار مع المعارضة، ثم جاء قرار الجامعة في 12 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، ليقضي بتعليق عضوية سورية في الجامعة، وسحب السفراء العرب من دمشق، وفرض عقوبات اقتصادية على النظام. ثم خطت المنظومة العربية خطوة إلى الأمام، حين أصدر وزراء الخارجية العرب في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، قرارا بإرسال بعثة مراقبين عربية، من أجل تقصي الحقائق، لكن البعثة فشلت فشلاً ذريعاً، نتيجة أساليب النظام، وإثر ذلك، اقترحت الجامعة مبادرة ثانية، للحل في سورية، تدعو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتفويض الرئيس بشار الأسد نائبه فاروق الشرع صلاحيات كاملة.
غير أن دور جامعة الدول العربية وتأثيرها في الأزمة السورية بدأ بالتراجع، منذ منتصف 2012، لحظة تحول الأزمة من مسارها المحلي إلى مساريها، الإقليمي والدولي. ومنذ ذلك الوقت، تحولت مقررات الجامعة إلى مجرد بيانات تعكس حالة الضعف والخلافات البينية داخل المنظومة العربية، في وقت تُرك فيه مصير الأزمة السورية إلى قدرة الفاعلين العرب والإقليميين، وبلغ الأمر أن شدة الموقف العربي من الأزمة السورية، أو ليونته، لم تعد مرتبطة بإجماع عربي، بقدر ما أصبحت متعلقة بالبلد المضيف للقمة العربية، وسياسة المحاور داخل البنيان العربي.
هكذا كانت قمة الدوحة عام 2013 التي شكلت خطوة جديدة، بمنح المقعد السوري الشاغر للائتلاف الوطني المعارض، أما الكويت التي احتضنت القمة السابقة فآثرت ترك المقعد السوري شاغرا، فيما تتجه مصر في قمة شرم الشيخ السادسة والعشرين المقبلة إلى تبني
"دور جامعة الدول العربية وتأثيرها في الأزمة السورية بدأ بالتراجع، منذ منتصف 2012، لحظة تحول الأزمة من مسارها المحلي إلى مساريها، الإقليمي والدولي"
 الموقف الكويتي، لكي لا تكون القمة منحازة لهذا الطرف أو ذاك، وتوصل رسائل سياسية، لا تعكس طبيعة الموقف العربي الذي يتبنى الحل السياسي، حسب ما أعلنت السلطات المصرية، فضلا عن أن انقسام المعارضة أعطى فرصة قوية لهذا التيار للتمسك بموقفه الرافض. ولكن حقيقة الموقف المصري تتعدى ذلك، فالقاهرة، منذ تسلم عبد الفتاح السيسي الحكم، تجد نفسها أقرب إلى النظام السوري من المعارضة، لكنها لا تستطيع الخروج عن الإجماع العربي، لا سيما الخليجي. ولذلك، تسعى إلى تعويم وجهة نظر هيئة التنسيق بدلاً من "الائتلاف" المدعوم من أنقرة والدوحة، الخصمين اللدودين للسيسي، وكانت الهيئة قد أعلنت على لسان منسقها العام، حسن عبد العظيم، رفضها إعطاء المقعد السوري إلا للدولة، وممثلي الشعب السوري المنتخبين.
تحاول القاهرة استعادة دورها العربي، وهذا مطلوب ومرغوب عربياً، بيد أنها، اليوم، غير القاهرة الأمس، إنها اليوم تسعى إلى نقل الثورة المضادة في الداخل المصري إلى الإطار المحلي، فهي تفضل بقاء الحكم في سورية بأيدي النظام، على أن تراه بأيدي الائتلاف والإخوان المسلمين المدعومين من الدوحة وأنقرة، لكنها بحكم علاقاتها مع الرياض من جهة، ولإدراكها أن دعم النظام صراحة مستحيل من جهة ثانية، تعمل على تبني خيار سياسي وسطي، يرضى بقبول عربي ويعتمد على: أولوية محاربة الإرهاب، وهذا هو السبب الذي دفع القاهرة إلى اقتراح إنشاء قوة عربية مشتركة. اعتماد الحل السياسي في سورية خياراً وحيداً لإنهاء الأزمة، عبر عملية يشارك فيها طرفا الأزمة معا. دعم القوى المعارضة السورية التي تتبنى مواقف معتدلة، مثل هيئة التنسيق الوطنية، وقد بلغ التعاون بين الطرفين مبلغاً كبيراً، وانعكس ذلك في النقاط العشر الصادرة عن اجتماع للمعارضة السورية في القاهرة في يناير/كانون الثاني الماضي. العمل على إبعاد "الإخوان المسلمين" من الساحات السياسية العربية، خصوصاً السورية.

اقرأ المزيد
٢٦ مارس ٢٠١٥
أخيرا… أميركي يعرف إيران

هناك أخيرا شخصية أميركية تعرف شيئا عن الشرق الأوسط وتفضّل عدم اختزال مشاكل المنطقة بالملفّ النووي الإيراني. افتقدت واشنطن إلى مثل هذه الشخصية التي تجمع بين الجانبين العسكري والسياسي منذ ما يزيد على عشرين عاما، حين لمع نجم الجنرال نورمان شوارزكوف الذي قاد التحالف الدولي في عملية تحرير الكويت في شباط – فبراير من العام 1991.

هناك الآن الجنرال المتقاعد ديفيد بتريوس الذي يمتلك في الوقت ذاته وعيا سياسيا ومعرفة بالشرق الأوسط قلّ مثيلهما. إنّه يحمل، إضافة إلى خبرته العسكرية على الأرض، شهادة دكتوراه في العلاقات الدولية، حصل عليها بامتياز، من جامعة برنستون، إحدى أرقى الجامعات في الولايات المتحدة.

جاء انتهاء دور بتريوس، الذي أمضى سنوات عدّة قائدا للقوات الأميركية في العراق، ثم قائدا للقيادة المركزية، قبل أن يصبح مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. إي) إثر فضيحة ذات طابع نسائي مع امرأة من أصل لبناني. حدث ذلك، في وقت تبدو إدارة باراك أوباما في حاجة أكثر من أي وقت إلى معرفة، ولو قليلة، في إيران والعراق والمنطقة عموما.

عاد بتريوس إلى الواجهة أخيرا عبر الحديث الذي أدلى به إلى صحيفة “واشنطن بوست”. كشف الحديث أن كل كلام عن غياب الخبراء الأميركيين في الشأن الشرق أوسطي ليس صحيحا. هناك شخصيات أميركية لا تزال تعرف، تماما، ما يدور في المنطقة وما على المحكّ فيها. تعرف هذه الشخصيات، من بينها بتريوس، أنّ هناك رغبة متعمّدة، لدى إدارة أوباما في الظهور في مظهر العاجز أمام السياسة الإيرانية على وجه التحديد.

كانت كلّ كلمة في الحديث مدروسة بدقة. كشف الحديث كم يعرف بتريوس إيران. إنّه يعرف، تماما، اللعبة الإيرانية في المنطقة والأساليب التي تمارسها طهران، بما في ذلك استخدام التطرّف السنّي والاستثمار فيه لتبرير التطرّف الشيعي والممارسات الميليشيوية.

كان الحديث عبارة عن أجوبة خطية على خمسة أسئلة وجّهتها الصحيفة إلى بتريوس في أثناء وجوده في كردستان العراق لحضور ندوة موسعة تستضيفها، سنويا، الجامعة الأميركية في السليمانية، التي يرأسها سياسي عراقي كردي مميّز بالفعل هو الدكتور برهم صالح.

ما لفت الإعلام العربي في الحديث كان تركيز المدير السابق لـ“السي. آي. إي” على خطر الميليشيات الإيرانية العاملة في العراق واعتباره “التهديد”، الذي تشكلّه الميليشيات الشيعية، “أكبر بكثير” من ذلك الذي يشكّله “داعش”.
    
    

هذا دليل على أن بتريوس يعرف في العمق الموضوع الذي يتحدث عنه، خصوصا أنّه يدرك أن “داعش” ظاهرة عابرة لا يمكن للتحالف الدولي إلا أن ينتصر عليها. يدرك، أيضا، أن الميليشيات المذهبية المحلية العاملة في العراق، أو تلك التي تدور في فلك إيران هي الخطر الحقيقي على الاستقرار الإقليمي في المدى الطويل.

لفتت الإعلام العربي أيضا طريقة تعاطي بتريوس مع وجود قاسم سليماني قائد لواء القدس في “الحرس الثوري” الإيراني في العراق، والصور التي تنشر والتي يظهر فيها سليماني. قال مدير الـ“سي. آي. إي” إنّه لا يريد أن يقول عن صور الضابط الإيراني كلاما لا يليق بصحيفة مثل “واشنطن بوست” تدخل منازل فيها عائلات.

كذلك، لفت الإعلام العربي استخفاف بتريوس بتهديد مبطّن وجّهه إليه في الماضي سليماني عندما كان على رأس القوّات الأميركية في العراق. وقتذاك نقل إليه ضابط عراقي رسالة من الضابط الإيراني يصف فيها نفسه بأنّه “المسؤول عن العراق وسوريا ولبنان وغزّة وأفغانستان”، كان ردّ بتريوس، عبر الوسيط الذي نقل الرسالة، ما معناه أن كلام سليماني لا ينطلي علي وأنّ عليه الانصراف إلى الاهتمام بشؤونه، أي “اذهب إلى الجحيم”.

يبدو بتريوس من خلال نص الحديث، أنّه ما زال يحتفظ بذهن صاف على الرغم من كلّ ما مرّ عليه من صعوبات، ومن احتمال مثوله أمام المحكمة في قضية مرتبطة باتهامه بكشف ملفات، يُفترض أن تكون سرّية، أمام الامرأة المكلّفة بكتابة مذكراته.

كذلك، يظهر الصفاء الذهني للرجل عندما يتحدّث عن شؤون المنطقة ككل، خصوصا عن “إشعاعات تشرنوبيل السوري”. بالنسبة إليه، ما يجري في سوريا حدث في غاية الأهمّية على الصعيد الإقليمي، خلافا لما تعتقده الإدارة الأميركية التي تقف موقف المتفرّج من الحدث السوري. يرى بتريوس أنّه لا تجوز مقارنة الحدث السوري سوى بخطورة حادث المفاعل النووي السوفياتي في تشرنوبيل في العام 1986. ساهم حادث تسرّب إشعاعات من المفاعل في انهيار الاتحاد السوفياتي. كان ذلك من أول المؤشرات إلى الانهيار الذي طاول أوروبا الشرقية. لذلك، يبدي بتريوس تخوّفه من تأثير “انتشار إشعاعات تشرنوبيل السوري” على المنطقة كلّها.

هناك فوق ذلك كلّه كلام عميق صدر عن بتريوس من نوع أنّ الانسحاب الأميركي من العراق في العام 2011، ولّد انطباعا لدى حلفائنا بأننا ننسحب من الشرق الأوسط، وقد أثّر ذلك في قدرتنا على التأثير في الأحداث، وفي نظرة الحلفاء إلى الدور الأميركي في المنطقة.

ليست لدى المدير السابق لـ“السي. آي . إي” أي أوهام في شـأن إيـران التي هـي “جزء من المشكلة (في الشرق الأوسط وسوريا والعراق) بدل أن تكون جزءا من الحل”.

هناك ملاحظات في غاية الدقة في الحديث. من بينها أنّ “تصرفات إيران وراء صعود التطرّف السنّي” و“خلق أرضية خصبة نمت فيها داعش”. كذلك، لديه وصف حقيقي وموضوعي، إلى حدّ كبير، لممارسات حكومة نوري المالكي في العراق. يشير هنا إلى “الفساد والتسلط والتصرّفات ذات الطابع المذهبي” التي أدت إلى “المأساة” العراقية.

هل فات أوان إنقاذ العراق؟ هل فات أوان إنقاذ الشرق الأوسط؟ ما لم يقله بتريوس أن الإدارة الأميركية أسيرة الملف النووي الإيـراني لا أكثر. ما لـم يقله، أيضا، أن العـرب، الـذين يمتلكـون وعيا، كـانوا على حقّ عندما اتخذوا باكرا قرارا بدعم مصر بغـض النظـر عن كـلّ ما تفكّر فيه إدارة أوباما المستعدة للاستسلام للإخوان المسلمين.

شكرا لديفيد بتريوس على حديثه الذي وضّح فيه ما لم يكن في حاجة إلى توضيح، خصوصا في ما يخصّ تخلي الولايات المتحدة عن دورها في الشرق الأوسط لمصلحة إيران…

اقرأ المزيد
٢٥ مارس ٢٠١٥
فاتورة الاحتفاظ بالأرض أعلى بكثير من فاتورة الحصول عليها

ضجيج رقصة النار التي يقوم بها المسؤولون الإيرانيون احتفالا بالاستحواذ على العواصم العربية الأربع: بيروت، ودمشق، وبغداد، وصنعاء.. ضجيج قد لا يستمر طويلا ففاتورة الاحتفاظ بالموقع أكبر بمرات من فاتورة الحصول عليه.
الفخ الذي وقعت فيه الجماعات التي تعتمد على إيران اعتمادا كليا في حراكها، سواء ميليشيات الحشد الشيعي في العراق، أو «حزب الله» في سوريا ولبنان، أو الحوثيين في اليمن، هو فخ كبير استدرجت فيه مجموعات شيعية لخدمة مشروع إيراني توسعي يعتمد اعتمادا كليا في بقائه على الدعم الخارجي، لا على حاضنة طبيعية اجتماعية موجودة على الأرض، فنسبة الشيعة في العالم الإسلامي كله لا تتجاوز في أفضل الأحوال 12 في المائة من مجموع المسلمين، ضخ الدماء في عروق تلك الميليشيات الشيعية العربية يعتمد اعتمادا كليا على الدعم الإيراني بالمال والسلاح والأفراد، وفي بعض الأحيان يعتمد على القيادة الإيرانية بشكل مباشر، فذلك هو السبيل الوحيد للاحتفاظ ببعض المواقع التي سيطرت تلك الميليشيات عليها، فكم جبهة تستطيع إيران أن تبقي على صنبورها المغذي مفتوحا لها؟ وإلى متى؟
قتلى الميليشيات العربية الشيعية المسلحة من اللبنانيين والعراقيين واليمنيين في معارك الاحتفاظ بتلك المواقع التي وصلوا إليها، في تصاعد، مما اضطر إيران إلى أن تمدهم بالأفغان والباكستانيين المرتزقة، كما فعلت في سوريا، فهل تستطيع أن تواصل هذه التغذية؟
ففي 8 يونيو (حزيران) 2014 عرضت قناة «فرانس 24»، تقريرا أكدت فيه مسؤولية إيران عن إرسال مقاتلين أفغان لسوريا، ففي التقرير المصور يقول أحمد، وهو واحد من الذين رفضوا الإغراءات المادية، إنه تم إرسال فردين من عائلته إلى سوريا، وهم على تواصل معهما بشكل متقطع. يقول أحمد: «هاجر قريباي إلى إيران منذ سنوات بسبب الفقر والبطالة المتفشية في بلادهما. ومنذ 11 شهرا وبعد أن عرضت عليهما أموال، سافرا إلى سوريا من أجل الدفاع عن (مقام السيدة زينب) (قرب دمشق). الحرس الثوري عرض عليهما مبلغ 1.5 مليون تومان (ما يعادل 430 يورو شهريا) ورخصة إقامة لمدة ستة أشهر لكل أفراد عائلتهما، الذين يريدون الذهاب للعيش في إيران. وهذا يمكنهم من الحصول على وثائق إقامة طويلة الأجل. أما إذا قتلا في سوريا، فسوف يتحصلان على مبلغ 15 مليون تومان (ما يعادل 4300 يورو) ويمكن لعائلاتهما البقاء للإقامة بشكل دائم في إيران.
هذه التصاريح بالإقامة كانت سببا أساسيا في اتخاذهما هذا القرار. وعندما حاولت ردعهما عن الذهاب، أجابا بأن هدفهما نبيل، وأنني لست مؤمنا». انتهى.
أما النشرة الأميركية للدراسات للشؤون الاستراتيجية والحربية «strategy page» الصادرة في 16 يناير (كانون الثاني) الماضي، فقد أكدت أن «الساحة السورية باتت ساحة كبيرة للنفقات الإيرانية، حيث تنفق الحكومة الإيرانية أكثر من مليار دولار شهريا من أجل الإبقاء على الأسد المؤيد لإيران في السلطة، وكان أحد العوامل المحورية في قدرة الحكومة على استعادة مكاسب الثوار خلال العام الماضي، هو ظهور الآلاف من مسلحي (حزب الله) اللبنانيين، وفي الثمانينات، ساعدت إيران في خلق (حزب الله)، كما قامت بتمويل بقاء ونمو (حزب الله) منذ تلك اللحظة، وعلاوة على المال والأسلحة، وفرت إيران التدريب العسكري أيضا، ومعظم التدريبات كانت متعلقة بأساسيات العمل العسكري، إلا أنه كان هناك الكثير من التكوينات المتخصصة، ولذلك فإنه على الرغم من أن (جيش حزب الله) يتشكل فقط من نحو 2000 جندي بدوام كامل و10 آلاف بدوام جزئي، هناك قوة كبيرة أكبر بكثير من الاحتياطيين المدربين (وهم جنود مدربون لم يعودوا ضمن قائمة المأجورين). وقد تم استدعاء الكثير من هؤلاء الاحتياطيين لـ(التطوع) لقضاء 3 إلى 6 أشهر في القتال في سوريا، وشكل ذلك خطرا كبيرا، إذ إن 2000 من رجال (حزب الله) الذين عملوا في سوريا خلال الشهور الـ18 الماضية، إما قُتلوا أو جرحوا في القتال، وظلت التمويلات الإيرانية وغيرها من الموارد تأتي بكميات كافية إلى هنا، بالنظر إلى أن (حزب الله) استطاع منح تعويضات وفاة للذين قتلوا في سوريا ورعاية صحية (مكثفة) للجرحى». انتهى.
أما الجبهة العراقية، فقد فتحت على مصراعيها الآن والوعود بنصر إلهي وقريب تبخرت، حتى بعد أن دخلت إيران بشكل مباشر للقتال على الأراضي العراقية، ولم يعد خافيا في الحرب على تنظيم داعش أن لإيران دورا أساسيا، بعد أن اتضح أن ما يسمى «الحشد الشعبي» أو حتى الجيش النظامي العراقي غير قادر على صد تمدد «داعش» في الأراضي العراقية من دون مساعدة إيرانية، الذي دفع بإيران أن تدخل بقواتها وتتوغل حتى وصلت إلى حدود تكريت والموصل والمناطق الكردية، وها هي تحاول منذ أكثر من 10 أيام إحداث اختراق في مدينة صغيرة كتكريت، وتفشل، مما يوحي بأن الاحتفاظ بالأرض ليس كالوصول إليها عسكريا وكذلك ماديا، ويؤكد بأن القوات الإيرانية تبدو وكأنها استدرجت لفخ أكبر ممن حسبت حسابه. كما تكشف صعوبة اختراق تكريت أن الموصل قصة أخرى تحتاج من قاسم سليماني غطاء جويا وربما للواء من المدرعات تمكنه من استعادتها، فكيف إذن بالاحتفاظ بها وهي تقع وسط كتلة بشرية معادية لم تنجح 10 سنوات في ترويضها.
أما في اليمن، فنشوة النصر السريع تحطمت على أثر تمكن الرئيس هادي من الهروب من حصاره في صنعاء ليجد الحوثيون أنفسهم، بعد أن دانت لهم اليمن بجبالها ووديانها، أنهم مجموعة مسلحة محاصرة في صنعاء، ويقف المجتمع الدولي ضد ممارساتها، لا اليمنيون فحسب، لتتكرر القصة ذاتها: الاحتفاظ بالأرض ليس كالحصول عليها، وبدأ الحوثيون يطالبون بالدعم الإيراني المباشر (عسكريا وماليا) للاحتفاظ بما حصلوا عليه أو بما تبقى منه.
التكلفة عالية في كل هذه الجبهات والميليشيات الشيعية بدأت تعاني من شحّ الدعم نتيجة العقوبات الاقتصادية، وتطالب بالمزيد، فقد كشف تقرير لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» أن لـ«حزب الله» عدوا جديدا، وهو «سياسة التقشف» المالي. فقد تأثر الحزب بالأزمة التي يعاني منها راعيه الإيراني، جراء تراجع في أسعار النفط العالمي، ومن آثار العقوبات المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه إيران بسياسة شدّ الأحزمة، يقوم «حزب الله» بخفض رواتب منتسبيه، وتأجيل دفع الفواتير للموردين، وتخفيض المعاشات الممنوحة للحلفاء السياسيين، وذلك نقلا عن مصادر سياسية ودبلوماسية في بيروت، منهم أعداء وأصدقاء للحزب.
وترى إيران في دعمها للأسد حماية لمصالحها في المنطقة، ويقدر دبلوماسي في بيروت ما ترسله طهران شهريا إلى سوريا، ما بين مليار أو ملياري دولار منها 500 مليون تنفق على الجيش، وخصوصا قوات الدفاع الشعبي التي تضم 70 ألف مسلح.
ويُنقل عن كريم سجادبور، من مشروع الشرق الأوسط في مركز كارنيجي، قوله: «قدموا (الإيرانيون) نحو 5 مليارات دينا، وعندما تأخذ بعين الاعتبار الدعم المالي العسكري والنفط بأسعار مخفضة ووقت الحرس الثوري الإيراني، فالرقم يصل إلى 10 مليارات، ومن دون الدعم الإيراني ما كان للأسد سيولة مالية». انتهى.
إنما السؤال: إلى متى؟ إذ حتى لو كانت إيران تمني النفس بعودة قدراتها التصديرية النفطية بعد إزالة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، إلا أن ذلك لا يغير من كون تكلفة الاحتفاظ بالمواقع التي تبجحت إيران في خضوعها لنفوذها ستكون أضعاف تكلفة الحصول عليها.

اقرأ المزيد
٢٤ مارس ٢٠١٥
إعادة جدولة النظام

هل سنشهد يوماً يضع فيه قاسم سليماني، أو أحد رجالاته المخلصين، المسدس على صدغ رأس النظام في سوريا ويطلق النار؟ ربما يكون هذا قد حدث بالمعنى المجازي، وما يعيق احتمال حدوثه نظرياً الفكرةُ التي يوحي بها النظام الإيراني عن وفائه لحلفائه. لكن ما يجعل الفكرة هذه واردة هو السلوك النموذجي للقوى الاستعمارية التي تستبدل وكلاءها المحليين عند الضرورة، وتعمد إلى تصفية من تنتهي صلاحيته لتدفن معه مرحلة وإرثاً وأسراراً.

واقعياً، منذ أشهر والبعض يقول منذ سنوات، بدأ الإيراني بإطلاق النار على قيادات في النظام. فهناك روايات تشير إلى أن ما عُرف بتفجير خلية الأزمة في تاريخ 18/7/2012، وأودى حينها بالعديد من قيادات الصف الأمني الأول، كان من تدبير الحرس الثوري الإيراني. ثمة روايات أيضاً لا تستبعد أن تكون الأصابع الإيرانية غير بعيدة عن مقتل هلال الأسد ابن عم رأس النظام قبل سنة من الآن، وعن إقالة حافظ مخلوف ابن خال الأخير من منصبه الأمني، وصولاً إلى إقالة اللواء رفيق شحادة (رئيس جهاز المخابرات العسكرية في سوريا) على خلفية اعتداء رجالاته بالضرب المبرح على اللواء رستم غزالة (نظيره في رئاسة فرع الأمن السياسي). في التطور الأخير، على الأقل، هناك تأكيدات على أن معاقبة اللواء شحادة أتت على خلفية اعتدائه على الإبن المدلل لإيران وحزب الله اللواء غزالة، على رغم أن ضربه حتى مشارف الموت لا يُتوقع حدوثه إلا بإيعازات من القصر.

وأن تُعزى التغييرات والإقالات إلى أوامر إيرانية فذلك ناجم عن فهم طبيعة النظام نفسه، النظام الذي لم يُقِلْ رستم غزالة وجامع جامع وغيرهما عندما تسببا في تشويه صورته في لبنان، بل تمسك بهما مؤكداً أن تلك هي صورته الحقيقية. النظام الذي يقوم على "فلسفة" أرساها الأسد الأب، تنص على إغراق المسؤولين في المفاسد والجرائم، وكلما أوغلوا فيها صاروا أشد إخلاصاً له. الخط الأحمر الوحيد هو تطاول أحد المسؤولين على الدائرة العائلية الضيقة، أو تطلّعه إلى مشاركة أكبر من حصته في كعكة المنافع. مع ذلك، سمح الأسد الأب لقادته الأمنيين بتجاوز الخط الأحمر قليلاً أثناء مواجهته الإخوان المسلمين في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ولم يعمد إلى إقصائهم إلا بعد انتفاء الحاجة إليهم بسنوات، أو بالأحرى إيذاناً بوضع مشروع التوريث قيد التنفيذ. بالمقارنة، الأسد الابن ليس الآن في وضع يمكّنه من إجراء تغييرات في الأجهزة الاستخباراتية، بخاصة لأن تغيير الرؤوس الكبيرة فيها قد يؤثر سلباً على أدائها غير الممأسس أصلاً، وربما يمنح إشارات سلبية للرجالات الجدد تخفض من منسوب وحشيتهم.

باستعارة المفردات الاقتصادية، كل الدلائل تشير في الأشهر الأخيرة إلى عملية إعادة جدولة للنظام يشرف عليها الإيراني مباشرة. للتذكير، طالما كانت إعادة جدولة الديون العامة مقرونة بإجراءات اقتصادية "مؤلمة"، وفي أغلب الحالات كان صندوق النقد الدولي يشترط إشرافه المباشر على عملية إعادة الجدولة، فيما كان اليسار يراه مساساً بالسيادة الوطنية. لقد قدّمت إيران للنظام حجماً كبيراً من الأموال ومن الميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية والأفغانية وأخيراً الطاجيكية، وقد حان فعلاً وقت تدخلها لتضمن استعادة ديونها، ولتشرف مباشرة على اقتصاد الحرب التي لم يحسن النظام إدارتها، بل الحرب التي أهدر فيها النظام الكثير من الأموال والرجال بسبب فساده.

للتذكير أيضاً، كان قادةٌ من حزب الله هم أول من أعلن التذمر من فساد النظام في إدارة المعارك وحمّلوه مسؤولية الفشل فيها، وهم من بين الحلفاء أوّل من أكّد عفّة عناصره عن السرقات التي تعمد إليها قوات النظام. ذلك التذمر في الدرجة الأولى كان موجهاً إلى القيادة الإيرانية المشتركة التي التقطت الرسالة، ومن حينها تسارعت عملية إنشاء "حزب الله" السوري ليكون بديلاً عقائدياً عن جيش النظام الذي ثبت خلوه تماماً من أي بعد عقائدي سبق الترويج له. في إعادة الجدولة الإيرانية الحالية تبدلت التراتبيات السابقة، مع احتفاظ القوات النظامية بموقعها المتدني السابق. أما ميليشيا الدفاع الوطني (الشبيحة) فقد تدنت مرتبتها لتقترب من القوات النظامية، وليُزجّ بها في مواقع متقدمة من الجبهات وتدفع ثمناً أعلى من هجمات المعارضة، بعد أن كانت تأتي متأخرة لتنال نصيب الأسد من سرقة الأحياء التي تقتحمها القوات النظامية.

رغم كل مساوئه وقيامه على مافيا اقتصادية، لا تحتمل تركيبة الحرس الثوري فساداً بحجم فساد النظام السوري، وأهم ما تفتقده المعركة الإيرانية في سوريا هو البعد العقائدي الذي عوّضته منذ بدء الثورة بالبعد الطائفي. ففي سوريا لا يتواجد الشيعة بحجم يمكن التعويل عليه، ولا يُنتظر من الأقليات عموماً تحالف عضوي طويل الأمد. وإذا أضفنا فساد النظام المستشري إلى حد يصعب احتماله تتطلب الورطة الإيرانية إشرافاً مباشراً لا يشبه الوضع في لبنان أو اليمن، ولا يمكن التساهل معه بسبب فائض الثروة الهائل على شاكلة العراق. لذا بدأت إعادة الهيكلة بحيث تكون القيادة من اختصاص فيلق القدس، تحتها مباشرة ميليشيات أجنبية شيعية عقائدية مخلصة، ثم حزب الله السوري مع من يثبت ولاءه الإيراني التام من أجهزة المخابرات، وأخيراً أولئك الشبيحة وتلك القوات التي باتت تُستخدم أحياناً بمثابة كاسحة ألغام لا أكثر أمام "قوات النخبة" العقائدية.

في إعادة جدولة النظام، بدأ الإيراني العمل من المستويات الدنيا والمتوسطة، في الوقت الذي يصرّ فيه أمام العالم على منع التغيير في رأس الهرم. غير أن ذلك الإصرار تنبغي قراءته كرسالة سياسية موجهة إلى الخارج ليس إلا، أما في داخل "الحلم الإمبراطوري" فلا أحد يعلم متى يشهر قادة الحرس الثوري مسدساتهم وإلى  أي رأس يوجّهونها.

اقرأ المزيد
٢٤ مارس ٢٠١٥
اختلاف قوة العقيد وأسباب الانتساب لتنظيم داعش

تتفاوت أسباب الانضمام إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، وتختلف تبعاً للزمان والمكان والجنسية التي ينحدر منها المنتسب، ولا يمكن حصرها غالباً بسبب واحد. ومن الظلم وصف كل منتسبي التنظيم بقاطعي الرؤوس، فقد انخرط سوريون كثر بداية في صفوف تنظيم الدولة باعتباره فصيلاً ثورياً مقاتلاً ضد النظام السوري، حاملاً خلفية إسلامية.

يقول الشرعي السابق في "أحرار الشام" أبو عمرو: "لم يكن التنظيم بالنسبة للسوريين، في بداية عمله على الأرض، مختلفاً عن الفصائل الأخرى إلا بالتنظيم والانضباط الجيدين وتأمين رواتب جيدة للعناصر. التأثير في عقليتهم حصل بعد انخراطهم به". أمّا المهاجرون فمعظمهم جاء بهدف رفع الظلم عن أهل السنة والجماعة في أرض الشام، قبل أن تنحرف البوصلة، وينقلب معظم المهاجرين من مناصرين لأهل الشام إلى جنود في دولة الخلافة، يقاتلون الثوار قبل قوات النظام. يقول القيادي في الجيش الحر أبو حسين: "من خلال احتكاكنا مع المهاجرين وجدنا أغلبهم، ولاسيما في البداية، كان بعيداً عن الأطماع السياسية، لكن تنظيم الدولة لعب على وتر الخلافة الإسلامية، واستقطب معظمهم لصفوفه".

ومع إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام، ثمّ دولة الخلافة الإسلامية، اختلفت أسباب الانتساب، وبدا الفارق شاسعاً وكبيراً بين المهاجرين والأنصار؛ فجل المهاجرين انخرط في صفوف التنظيم عن إيمان وعقيدة بأهداف تنظيم الدولة ببناء الدولة الإسلامية القادرة على إعادة أمجاد المسلمين، والانتصار على الكفرة والمرتدين، وتشبعوا بالفكر المتشدد المتطرف.

الأنصار السوريون، فيمكن وضعهم ضمن ثلاثة أصناف رئيسة؛ صنفُ المؤمنين بالتنظيم عقائدياً وفكرياً، ممن يتبنون مشروعه، وعلى استعداد للتضحية، ويشكلون الأقلية. يقول المحامي عدنان من ريف حلب الشرقي: "فكر التنظيم غريب عن المجتمع السوري، ولولا عمر الاستبداد الطويل، وإبعاد نظام البعث الناس عن دينهم الحق، لما وجد التنظيم أرضية خصبة عند بعض الشباب"، فالمجتمع ما زال رافضاً للتنظيم، ويظهر ذلك بفشل التنظيم في تجييش الشارع.

ويُعد الصنف الثاني الركيزة التي يستند عليها التنظيم مجتمعياً، إذ منحته نوعاً من الشرعية الجهادية باعتبارهم مقاتلين معتدلين أبلوا بلاء حسناً ضد قوات النظام، ودعم هذا الصنف قوات التنظيم العسكرية لاحقاً. ويتمثل هذا الصنف بالثوار الذين ضاقت بهم السبل، وانحصرت خياراتهم بين الانضمام للتنظيم، أو قتاله، أو ترك السلاح، فاختاروا التنظيم ما دام يحارب النظام، ويوفر السلاح. وقد تشرب كثر منهم فكر التنظيم نتيجة الدورات الشرعية، وآلية غسل الأدمغة التي يقوم بها التنظيم، لكنّ إيمانهم بالتنظيم لم يصل درجة الفريق الأول. يقول المقاتل السابق في الجيش الحر أبو يوسف: "الظروف الاستثنائية التي مرّ بها الثوار لا تسمح لأحد بلومهم، ومنها تخلي العالم عنهم، وتغول الأسد بإجرامه، ففضلوا المرابطة على مطار دير الزور وكويرس وبقية الجبهات، والرضا بمبايعة التنظيم على ترك السلاح".

ويشكل الصنف الثالث، حالياً، الشريحة الأكبر في صفوف التنظيم، وسيكونون سبباً رئيساً لفشل التنظيم وانهياره. وانخرط هؤلاء في صفوف التنظيم عقب تمدده السريع، وسيطرته على أجزاء واسعة، وتحكمه بموارد مالية واقتصادية مهمة، فانضموا للتنظيم إمّا بحثاً عن مورد رزق حيث الرواتب الحيدة، وإما عن زعامة في القوة الجديدة، وإما لتأمين الحماية بحكم الأمر الواقع. يقول المحامي أبو عدنان: "هؤلاء لا يملكون الاستعداد للتضحية، ومن هنا فسوف يصاب التنظيم بنكسة عندما يبني خططه العسكرية معتمداً عليهم".

وما تزال بنية التنظيم الداخلية قوية، وتحقق نوعاً من التماسك رغم اختلاف الإيمان العقائدي، والأسباب الدافعة للانتساب، لأن الإجابة عن هذه الأسئلة داخلياً مؤجلة، فالخطر الذي يتعرضون له يجمعهم، ويدفعهم للتكاتف. ولا ينفي هذا أنّ بذور الانشقاقات والصراعات الداخلية خصبة، ويُعتقد أنها ستظهر في حالتين: حالة استقرار التنظيم عسكرياً، وفتح الملفات، وهذا مستبعد، والحالة الثانية زيادة الضغط العسكري، وخسارة التنظيم بشرياً، وخسارته الأرض، إذ سيصطدم التنظيم بوجود مقاتلين غير مستعدين للتضحية على خلاف أولئك الأوائل، وهذا المرجح.

ويلاحظ هنا أنَّ امتداد الحرب ضد التنظيم طويلاً دون هزيمته يصب في صالح التنظيم، إذ يعكف التنظيم على خلق أجيال كاملة مؤمنة بفكره، وهذه الأجيال ستكون، فيما يُعتقد، أشدُّ إيماناً حتى من المهاجرين المتطرفين، والأنصار المؤمنين بالتنظيم. يقول الشيخ عبد الرحمن من ريف حلب: "الأطفال الصغار صفحة بيضاء، وعجينة لينة، يكتب فيها التنظيم ما يشاء، ويشكلها كيفما يشاء، والمجتمع القادم مقبل نحو هذا الفكر، ولا سيما عقب سيطرة التنظيم على المدارس، وفرضه مناهجه ومعلميه، وفكره". ويلاحظ أنَّ التنظيم لم يكتف بمعسكرات أشبال الخلافة، بل امتد فكره ليصل إلى أطفال المجتمعات الواقعة تحت سيطرته، عبر التعليم.

اختلاف قوة العقيد وأسباب الانتساب لتنظيم داعش

جلال زين الدين
- See more at: http://www.almodon.com/arabworld/3b3e648e-7a62-43d6-a68c-6386afead793#sthash.ckpvGcsv.Z6RhAPOW.dpuf

اختلاف قوة العقيد وأسباب الانتساب لتنظيم داعش

جلال زين الدين
- See more at: http://www.almodon.com/arabworld/3b3e648e-7a62-43d6-a68c-6386afead793#sthash.ckpvGcsv.Z6RhAPOW.dpuf

اختلاف قوة العقيد وأسباب الانتساب لتنظيم داعش

جلال زين الدين
- See more at: http://www.almodon.com/arabworld/3b3e648e-7a62-43d6-a68c-6386afead793#sthash.ckpvGcsv.Z6RhAPOW.dpuf
اقرأ المزيد
٢٤ مارس ٢٠١٥
الحلّ في سوريا على النموذج العراقي

لم يكن تصريح جون برينان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حدثاً مفاجئاً من حيث المضمون، فمن كان يتمتع بأدنى تحليل واقعي، أصبح متأكّداً من مساعي الأمريكيين لحماية نظام الأسد من السقوط.
لكن اللافت للنظر هو الجهة التي صدر عنها ذلك التصريح؛ فالملف السوري حالياً بيد دوائر الاستخبارات الأمريكية بمجمله؛ وبما أن خطط وكالة الاستخبارات المركزية ومنصب مديرها عادة ما يكونان بعيدين عن مماحكاة الحزبين الحاكم والمعارض. فلا شكّ إذن أن الموقف الأمريكي من النظام الســــوري لن يتغيّر بتغيّر الحزب، الذي يملك الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنوّاب. وعلى الأرجح لن يتغير بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، سواء أكان الرئيس جمهورياً أم ديمقراطياً.
جاء في تصريحه ذاك أنّ الولايات المتحدة لا تريد انهيار الحكومة السورية، والمؤسّسات التابعة لها، أي وبعبارة أخرى لا تريد إسقاط نظام الأسد. لكن عن أي مؤسّسات تحدّث، وأيٌ منها لا يزال قائماً ويقوم بعمله. فالجيش انهار واستبدل بميليشيات طائفية. فهل كان يقصد المؤسّسات التابعة لوزارة الزراعة التي لم تقم بعملها لا قبل الثوة ولا بعدها، أم المدارس التي إما دمرت أو تحوّلت لمراكز يقيم فيها اللاجئون. لم يتبق سوى أجهزة المخابرات، التي دائماً ما كانت تتمتع بعلاقات ممتازة مع نظرائها الأمريكيين والأوروبيين، الذين لم يقطعوا زيارات مسؤولي مخابراتهم العلنية لسوريا حتى خلال الحرب الراهنة؟ أما ما كان سرّياً منها فهو الأعظم، وهذه هي طبيعة عملهم بالأساس. كما يحمل كلام ذلك المسؤول بين سطوره شهادات براءة تعتزم حكومته استمرار منحها وتجديدها للمجرمين القائمين على تلك المسالخ البشرية.
تندلع الحروب الأهلية وتتفاقم الأوضاع الإنسانية وترتكب الجرائم، ثمّ يمرّ الكثير من الوقت قبل أن تتدخل الولايات المتحدة بطريقة ما، لكن حيثما تدخلت ظهرت دول طائفية غالباً ما تكون فاشلة.
كما حدث في يوغوسلافيا السابقة. وهذا ما يتكرّر في المنطقة العربية وكذلك في أوكرانيا، وهو ما لم تستطع حتى الدول الأوروبية نفسها وضع حد له؛ ففي حروب البلقان، رغم كلّ ما كانت تمثّله من أخطار بانتقال الجهاديين القادمين آنذاك حديثاً من أفغانستان إليها، لم تستطع تلك الدول حلّ معضلة البلقان بنفسها، وكذلك ينقسم الأوروبيون حالياً بين تسليح أوكرانيا أو عدمه. لم تعد هناك ثقة في سياسات الولايات المتحدة الخارجية، حتى لدى أقرب حلفائها.
فأوروبا تعمل على تأسيس جيش أوروبي خارج إطار حلف شمال الأطلسي، وكذلك أبرمت اتفاقية تسمح بنشر قوات من إحدى الدولتين في أراضي الأخرى؛ بين قطر التي توجد فيها اثنتين من أهم القواعد الأمريكية المتمركزة في الخليج، وتركيا العضو العريق في حلف شمال الأطلسي، وهذا ما يرشح عقد ذلك الحلف للانفراط في المستقبل.
الأمريكيون حريصون على منع سقوط نظام الأسد وبقاء دولته، لكن يبقى السؤال على أي مساحة جغرافية يريدون لها ذلك البقاء. فسلطته في انحسار مستمر ولعلّه يخبّئ بين أمانيه استعادة كامل التراب السوري، قناعة راسخة بعدم قدرته على الاحتفاظ بأكثر مما يحتلّه الآن. لكن يبقى للجنوب السوري وضع خاص، نظراً لمتاخمته للحدود الإسرائيلية، التي تمثّل بيضة القبّان في الأمر برمته. فمن ناحية تستحيل إعادة سيطرة النظام على كامل درعا والقنيطرة، ومن ثمّ عودة النظام لممارسة وظيفته الرئيسية بحراسة حدود إسرائيل. ومن ناحية أخرى لن تسمح إسرائيل والولايات المتحدة بسيطرة طرف لا تستطيع التأكد من نواياه تجاه الكيان المحتل على تلك المنطقة الحيوية.
بالانطلاق من معطيات الواقع الحالي تظهر ملامح حلّ الأزمة السورية على المدى المنظور – سواء أتت بعد ضربة عسكرية أمريكية مباشرة أو ضغط عسكري بطريقة ما – متمثّلة بالنموذج العراقي؛ يتوقف فيها الصراع أو ربما يتحول لمواجهة تنظيم «داعش»، الذي قد يعود للعمل بشكل سرّي ويبدأ بشنّ هجمات بسيارات مفخّخة ضدّ المدنيين، كما كان يفعل في العراق. في حين يسيطر أمراء الحرب – الذين يمثلون عملياً أطرافا خارجية إقليمية وغربية – على السلطة ويتقاسمون النفوذ في ما بينهم. مع تغيير بعض الوجوه الحالية، خاصة في صفوف النظام، بشرط أن تبقى حدود إسرائيل هادئة. وهذا ما يجري العمل على إيجاد صيغة مثالية له، وهذا الحل هو الأقرب للواقع والأكثر إرضاءً لأطراف الصراع الإقليميين.
فتركيا التي تمثّل بوابة إيران للالتفاف على العقوبات الغربية تعزّز علاقاتها التجارية معها، ولن تفعل أي شيء في سوريا يجعلها تخسر علاقاتها مع إيران، بل تعمل حالياً على تطويرها أكثر فأكثر، وسيزور رئيسها أردوغان طهران الشهر المقبل للتوقيع على اتفاقيات من شأنها رفع مستويات التبادل التجاري إلى ثلاثين مليار دولار سنوياً. أما دول الخليج فمشغولة بأمراض اليمن المزمنة، وهي لا تملك صوتاً يعلو على صوت الأمريكيين، وكلٌّ منهم يريد حصّة على قدره في سوريا غير عابئين بمعاناة السوريين الإنسانية أو طموحاتهم التي ثاروا من أجلها.
في لوزان السويسرية جرى عام 1923 إنهاء الصراع الأوروبي الأتاتوركي، واكتمل ترسيم حدود الدولة التركية الوليدة آنذاك مع أوروبا، وكذلك حدودها مع الدول العربية المستقلة عن الدولة العثمانية، التي تعود بذورها إلى سايكس بيكو. حدث ذلك بتخلي فرنسا عن مساحات كبيرة من سوريا لصالح تركيا، عرفت بالأقاليم السورية الشمالية، هي مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش وأرفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر، كان قد اتفق الشريف حسين في مراسلاته مع مكماهون على عروبتها. وكذلك وضع إقليم هاتاي- لواء إسكندرون ضمن وضع خاص مهّد لسلخه الذي تمّ لاحقاً.
ولعلّ التاريخ يعيد نفسه الآن فتجري هذه الأيام المفاوضات الأمريكية الإيرانية في لوزان، ولا شكّ أنّ على أجندتها بنودا لها تأثير مباشر على رسم خرائط جديدة للمنطقة، قد لا تظهر قريباً، لكن تقسيم الشعوب وتعميق الشرخ الطائفي بينها سيمهّد لتقسيم دولهم لاحقاً. وما التصريح الأخير لكيري حول حتمية التفاوض مع أطراف من نظام الأسد؛ إلا رسالة وجهها إلى إيران التي تسيطر عملياً على سوريا، والتي تمثّل لها أكثر من ورقة تفاوضية بكثير وتريد حصة لها فيها، وهذا ما يفاقم الأوضاع فيها، وهو جلّ ما ينشده الأمريكيون.
وكما كانت الحال مع فرنسا فلن يخسر الأمريكيون شيئاً، بل تنازلاتهم لإيران في سوريا هي كعطاء من لا يملك لمن لا يستحق.
لا شكّ أنّ الأمور تسير على نحو ممتاز في سبيل الوصول لاتفاق حول ملف إيران النووي. يدلّ على ذلك رفع إيران وحزب الله اللبناني – يلزم ذكر جنسيته من كثرة ما صنعت إيران أحزاباً لله في هذا العالم – من قوائم الإرهاب الأمريكية. لكن قد لا ينعكس هذا سريعاً على الأزمة السورية فتبقى قضية ضمان هدوء الحدود مع إسرائيل أهم العراقيل التي تقف في طريق حلّها، أما الدور الإيراني فهو فقط لتدمير البلاد والتعايش بين مختلف فئات المجتمع وقد تمّ ذلك . ورغم ذلك يريد الأمريكيون بقاء نفوذ لإيران في سوريا حتى يضمنوا لها مستقبلا مشابها للحالة العراقية الراهنة.

اقرأ المزيد
٢٤ مارس ٢٠١٥
سوريا: ذاكرة الحرية/ ذاكرة الألم

إلى رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي في ذكرى انطلاقة الثورة السورية، كل شيء يدعونا إلى اليأس، لكننا لن نيأس. نعيش في الإحباط، نتجرع الألم، ظلال الموتى تحتل عيوننا، لكننا لن نيأس.
ثورة أطفال درعا، ومئات الألوف الذين احتلوا الشوارع والساحات ينزفون دما وحرية، صورة غياث مطر، وشهادة باسل الخطيب خلف الكاميرا في حمص، صور التعذيب التي بثها النظام على مواقع التواصل، أسماء أيام الثورة، من صالح العلي إلى الجمعة العظيمة إلى وحدة الشعب السوري… صراخ المتظاهرين في الجنود بأن لا يطلقوا النار على شعبهم، شجاعة الشعب الذي صرخ بأن «الشعب السوري ما بينذل»، التنسيقيات التي صنعت لوحة الحلم. الوحش يدوس على الناس مؤنبا وهو يسخر منهم: «بدكم حرية»؟! والناس تموت لكنها لا تتنازل عن حريتها وكرامتها.
السوريات والسوريون الذين احتلوا الشوارع وذهبوا إلى مواجهة الموت وهم يعلمون أن الموت ينتظرهم، هؤلاء هم ذاكرة سوريا وهؤلاء هم من غرس المعاني النبيلة التي لا يستطيع أحد محوها.
«بدكم حرية»، يصرخ رجل المخابرات في أطفال سوريا ورجالها ونسائها، يقتلهم بالتعذيب وبالرصاص وبالقذائف وبالأسلحة الكيميائية وبالبراميل المتفجرة. لكنه لا يسمع منهم وهم يحتضرون وينزحون ويتشردون سوى عبارة واحدة: «الشعب السوري ما بينذل».
عبارة واحدة تلخص انفجار الحرية في حمص وحماة ودير الزور وحلب والشام، عبارة كتبها أطفال درعا وهم يلهون بحريتهم التي استعادوها على حيطان مدينتهم، فصارت كل حيطان العالم صدىً لصدى أصواتهم، وصار موت حمزة الخطيب اسما آخر لطفولة الحرية وكرامة الإنسان المهدورة.
هذه الصور هي ذاكرتنا التي لن تقدر عليها ذاكرة الجريمة والفشل والتعثر والانهيار الأخلاقي التي صنعها الصراع الإقليمي على سوريا من أجل ان يمنع سوريا من ان تستعيد صوتها. انها ذاكرتنا في مواجهة تعثر المعارضة/ المعارضات وانهياراتها تحت ضربات الأوهام من المجلس الوطني إلى الائتلاف إلى آخر ما لا آخر له. إنها سوريا المرسومة على وجه الألم والدمار الوحشي.
مع بداية العام الخامس، من الانفجار السوري الكبير، فإن التهديد الأكبر الذي يواجه الشعب السوري اليوم، هو حرب ذاكرة الانحطاط والوحشية على ذاكرة الحلم والأمل.
منذ البداية تعمّد النظام، عبر لجوئه إلى الحل العسكري الشامل، أن يمحو المظاهرات بدماء المتظاهرين، وأن يدفن الانتفاضة الشعبية تحت ركام القرى والمدن المهدمة. الموت كممحاة للذاكرة، وتراكم المآسي كممحاة للمأساة. وكان الاستبداد يخبئ مفاجأة تماسك الآلة العسكرية التي صنعها، وقدرة مافيات المخابرات التي رعاها على الصمود. ونجح في ذلك، وكان ارتماؤه غير المشروط في أحضان حليفه الروسي، وخضوعه الكامل لاستراتيجية حليفه الإيراني، أحد أسباب نجاحه.
نجاحه الأكبر كان قراره بتحويل كل سوريا إلى حماة، حيث كتب الطاغية الأب تاريخ نظامه الوحشي بالدم. الابن تعلم الأمثولة وقرر تدمير كل سوريا على رؤوس الناس، والانتقام من الشعب عبر تحويله إلى لاجئين ونازحين وشحاذين. مستعيدا سيرة المغول والتتار الذين بنوا أسوار تسلطهم من جماجم البشر.
لكن الشعب السوري الذي خرج إلى شوارع الحرية قرر أن لا يعود إلى السجن. شعب بلا قيادة سياسية، محاصر بقمع المستبد وحلفائه من الميليشيات الطائفية، ويختنق بمجموعة من «الحلفاء» الذين يسعون إلى قـــــتل روحــــه، شعب يحاصره «اصدقاؤه» كما يحاصره النظام، وجد نفسه ينزلق تدريجيا إلى موقع الضحية المطلقة.
نظام بربري من جهة وداعش وأخواته من جهة أخرى. هذا يقتل وذاك يحرق ويصلب ويبيد، وكلاهما يقتاتان من دم الشعب السوري. النظام سرق الحلم من عيون الأطفال المطفأة، وداعش وأخواته سرق الثورة من الناس وحولها إلى وجه آخر لبشاعة الاستبداد وانحطاطه.
اليوم تقف ذاكرة الثورة في مواجهة ذاكرة الجريمة.
لن نيأس لأننا رأينا.
لن ننسى لأننا لا نستطيع خيانة أصواتنا.
لن نخضع للذين يمحون الجريمة بالجريمة، ولا للذين يريدون كسر حياتنا، عبر دعوتنا إلى الاستسلام للطغاة.
الثورة انفجرت فينا ولم يفجّرها أحد، صحيح ان النخب السياسية لم تكن على مستوى الثورة، وصحيح ان الذين تلاعبوا بهذه النخب من أمراء النفط والغاز جعلوا من القيادة ممسحة تعبق برائحة الفشل، وصحيح أن «حلفاء الشعب السوري»، لم يكونوا سوى كذبة كبيرة من دول لا ترى في بلادنا إلا مستعمرات سابقة.
وصحيح أيضا أن الثورة تلاشت وحولها داعش والنصرة إلى كابوس جديد.
كل ذلك صحيح اليوم، وكل ذلك يدعو إلى اليأس.
لكن بعد ان يئسنا، وبعدما عشنا ما بعد اليأس، نكتشف أن الشعب السوري، شعب اللاجئين والمشردين، الشعب الذي ذبحوه ومثّلوا به. هذا الشعب يمتلك وحده سر البقاء.
إنه لا يمتلك ذاكرة قيم الحرية والكرامة الإنسانية فقط، بل هو تجسيد حي لهذه القيم.
وغدا عندما سينزاح هذا الكابوس، ويكتشف اللاعبون الإقليميون والدوليون ان لعبتهم الوحشية وصراعاتهم على سوريا ستقودهم إلى لا مكان بل وستنقلب عليهم، عندها لن يكون هناك سوى صوت واحد مصنوع من ملايين الحناجر التي تصرخ بالحرية.
عندها لن ينتصر سوى من كان أمينا على القيم الأخلاقية والإنسانية، لأن قيم العدالة والحــرية والمساواة وحدها تستطيع ان تبلسم الجراح، جاعلة من ذاكرة الحرية تتويجا لذاكرة الألم.

اقرأ المزيد
٢٤ مارس ٢٠١٥
وهم الحل السياسي في سورية

هل هناك حل سياسي ممكن في سورية؟ السياسة هي فن الممكن، كما يقال. لكنها لا يمكن أن تكون كذلك من دون توافر شروطها ومعطياتها. هناك سؤال آخر: هل يمكن أن يكون هناك حل في سورية من دون حل في العراق؟ هذا مستحيل. فصلُ الحالين كان ممكناً بُعيد الاحتلال الأميركي للعراق ومع بدايات الثورة السورية. أما الآن فقد تداخلت وتعقدت علاقة الارتباط الشرطي بين الحالين. إيران هي اللاعب الرئيسي في العراق وسورية. تقاتل في كلا البلدين بأموالها وأسلحتها واستخباراتها وجنرالاتها. الميليشيات التي تقاتل في العراق، خصوصاً الشيعية منها، هي نفسها التي تقاتل في سورية. هدف إيران في كليهما واحد: الإبقاء على حكومة شيعية في العراق، وعلى بشار الأسد العلوي في سورية. ما يعني أن مصلحة إيران في إيجاد حل سياسي في سورية مرتبطة عضوياً بحل سياسي في العراق، والعكس صحيح.

معطيات المشهد تقول أن العرب وأميركا يحاربون - بالنيابة عن إيران - الميليشيات السُنّية في العراق وسورية، ويلتزمون الصمت إزاء الميليشيات الشيعية المنتظمة في الحرب ذاتها بتوجيه وتمويل إيراني. والمدهش أنها حرب مجانية يخوضها العرب والأميركيون لتخليص إيران من ألد أعدائها في المنطقة، ويفعلون ذلك من دون أي مقابل! يتصرف العرب في المشهد من دون استراتيجية يهتدون بها. مثل باراك أوباما هم في حال ارتباك. ينتظمون في ما يسمونه «حرباً على الإرهاب»، لكنهم يخسرون في هذه الحرب، وحتى لو تحقق لهم تدمير هذه الميليشيا، فإيران هي من يقطف ثمار حربهم هذه.

يقترب المشهد من أن يكون سوريالياً. إيران الفارسية بأيديولوجيا شيعية تستخدم ميليشيات عربية شيعية. والدول العربية «السُنّية» تجد نفسها في حرب مع ميليشيات عربية سُنّية تقاتل إيران، من خلال اشتباكها مع الميليشيات الشيعية في كل من العراق وسورية. تُجمِع الدول العربية، خصوصاً السعودية ومصر والإمارات والأردن، على أن الميليشيات السُنّية هي الخطر المباشر عليها. لكنها تفترق في موضوع خطر إيران والميليشيات الشيعية، وهذه مساحة تستفيد منها إيران.

حكومة عراق ما بعد الاحتلال الأميركي - وهي حكومة عربية - تعتمد في بقائها على ميليشيات شيعية، وعلى التحالف مع إيران. حكومة «البعث العربي الاشتراكي» في سورية اضطرت أمام الثورة إلى كشف هويتها الطائفية، وبات بقاؤها هي الأخرى يعتمد على الميليشيات الشيعية والدعم الإيراني. وتكتمل سوريالية المشهد في أنه لا إيران تستطيع فرض خياراتها، ولا الدول العربية قادرة - لأسباب سياسية - على ملء الفراغ الإقليمي ووضع حد للدور الإيراني الذي يتسبب بكل ما تشهده المنطقة من دمار وزلازل.

هناك إذاً جمود استراتيجي مدمر، وما يزيده أن إدارة أوباما المرتبكة مع إيران ومع حلفائها، تبدو أكثر حاجة إلى اتفاق نووي من إيران التي تعاني من الحصار، لذلك تتغاضى عن سلوكها السياسي المدمر في المنطقة، وتقف موقف المتفرج على دمار سورية، وتحارب «داعش» السُنّية في العراق وسورية، وتغض الطرف عن الميليشيات الشيعية في كليهما. تعتبر الإدارة أن السُنّة هم أعداؤها ومصدر الخطر عليها. تتخذ هذا الموقف، مع أن حلفاءها في المنطقة، بعد إسرائيل، دول «سُنّية»! تفصل في شكل غبي مثير للشك بين الوضعين العراقي والسوري، وتبحث عن حل في الأول من خلال الحرب على «داعش»، وتتجاهل أنه حل غير ممكن من دون حل في الثاني. والأدهى أنها تريد هذا الحل في العراق، من دون حل في سورية. بعبارة أخرى، تتجاهل إدارة أوباما أول متطلبات الحل السياسي وأهمها هنا، وهو عامل التوازنات على الأرض؟ لا أحد يعرف كيف تجتمع هذه المتناقضات في رؤوس أقطاب إدارة أوباما؟

أخيراً بدأت هذه الملاحظة تفرض نفسها في الإعلام الأميركي، فهذا ديفيد باتريوس أبرز جنرال أميركي حالياً وكان قائد القوات الأميركية في العراق بين عامي 2007 و2008، يقول في لقاء مطول مع صحيفة «واشنطن بوست» الجمعة أن «الخطر الأول الذي يهدد استقرار العراق على المدى الطويل، ويهدد التوازنات الإقليمية، يتمثل الآن بالميليشيات الشيعية التي تدعم إيران الكثير منها، وتوجه بعضها الآخر».

أما الكاتب الأميركي توماس فريدمان فيتساءل: «لماذا للمرة الثالثة منذ 2011 نقاتل بالأصالة عن إيران؟ في 2002 دمرنا طالبان، عدو إيران الأول في أفغانستان. وفي 2003 دمرنا صدام حسين، عدو إيران الأول في العراق. الآن ما هي مصلحتنا في محاربة آخر الدفاعات (يقصد «داعش») في وجه هيمنة إيران على العراق؟». والحقيقة أن هذا السؤال يوجه أيضاً إلى الدول العربية التي تشارك أيضاً في هذه الحرب على «داعش».

السؤال الحقيقي إذاً: لماذا تريد إيران، والحال كذلك، حلاً سياسياً في العراق أو سورية؟ الحكومة العراقية تحت هيمنتها، وبشار الأسد بات ورقة تفاوضية في يدها! فما الذي يغري طهران بحل سياسي قبل أوانه؟ حتى الآن لا شيء، بل على العكس، إذ يبدو أن كل شيء يغري طهران بتجنب مثل هذا الحل في الظروف الحالية. الاتفاق النووي لا يزال قيد المفاوضات، والعرب لا يزالون خارج التوازنات الإقليمية، والحروب الأهلية العربية في تزايد. وإلى جانب ذلك، انكفاء أميركي مرتبك يتضافر مع حال انقسام وشلل عربيين غير مسبوقة. غياب أو تعذر حل سياسي في سورية هو مصدر مكتسبات إيران.

مع ذلك إيران في مأزق. مكتسباتها ستبقى موقتة، وهي غير قادرة على أن تجعلها مكتسبات نهائية. هي تمارس لعبتها في فراغ إقليمي تسبب به العجز العربي، واستطاعت بإثارة الحمية الطائفية التسلل إلى الإقليم من خلال هذا الفراغ، لكن ليس أكثر من ذلك. الميليشيات السُنّية تسللت إلى المشهد أيضاً من خلال الفراغ نفسه. هنا تبرز مسؤولية الدول العربية، خصوصاً السعودية ومصر، عن التسلل الإيراني أولاً، وتسلل ميليشيات وإرهاب لا يأتمر بإمرتها ثانياً، بل هو معادٍ لها. المحصلة أن إيران - سياسياً - في مواجهة، خصوصاً مع السعودية ودول مجلس التعاون، عدا عُمان. ومصر تتذرع بظروفها الخاصة وحرصها على وحدة سورية للابتعاد وتعميق حال الفراغ.

عند الحديث عن حل سياسي في هذا الإطار لا بد من أن نتذكر أن السلام مثل الحرب تماماً، محكوم بمبدأ التوازنات. فكما أنه لا يمكنك أن تكسب الحرب وموقفك ضعيف في هذه التوازنات، فلا يمكنك أن تكسب السلام وأنت تعاني من الضعف نفسه. الركون إلى خيار الحل السياسي من منطلق أخلاقي ينطوي على سذاجة سياسية. ومثال الصراع العربي - الإسرائيلي خير شاهد. لماذا يبدو هذا الصراع غير قابل للحل؟ لأن شروط الحل ومعطياته ليست متوافرة. أميركا، راعي الطرف الإسرائيلي وما يسمى بـ «عملية السلام»، ليست جادة في ذلك. إسرائيل لا تريد حلاً قبل أوانه وبشروطها هي. الفلسطينيون عاجزون عن فرض حل، وعجز الفلسطينيين انعكاس أمين للعجز العربي. يتجنب العرب خيار الحرب، ويخشون تبعات ومآلات سلام لا يملكون من أمره الشيء الكثير.

تقول هذه التجربة أنه قبل الحل السياسي لا بد من كسر الجمود الاستراتيجي. إذا لم يكن هذا ممكناً مع إسرائيل، وهي تتمتع بغطاء غربي قوي ومتماسك، فكيف يمكن تفسير هذا الجمود مع دولة دينية طائفية لا تحظى بمثل هذا الدعم الخارجي؟ يشير السؤال إلى أن العلّة الرئيسية وراء هذا الجمود هي علّة عربية قبل أن تكون أميركية. وإلا كيف يمكن كسر الجمود مع إيران، وحرب الإرهاب في العراق وسورية موجهة إلى الميليشيات السُنّية حصراً، وفي سورية يستسلم العرب لإصرار واشنطن على ترك المعارضة السورية مكشوفة أمام طائرات وصواريخ النظام؟ بمثل هذه المعطيات، يذكرنا الحديث عن حل سياسي في سورية بمواعظ العرب للفلسطينيين عن الحل ذاته في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وإلى ماذا انتهت هذه المواعظ بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة عليها. وقد وصل الأمر برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى أن تنكر أخيراً وعلناً لهذا الحل، وأعلن رفضه فكرة «حل الدولتين» الأميركية.

اقرأ المزيد
٢٣ مارس ٢٠١٥
ثلاث "ممانعات" في وجه الثورة السورية

النظام السوري "يمانع" إسرائيل، والمعارضات السورية "تمانع" نظام الأسد، والمجتمع الدولي "يمانع" المعارضات.

هذه هي ثلاثية ستاتيكو الثورة السورية الذي وقعت في بركة يحرسها "الأخوة الأعداء" هؤلاء، ويضخون المياه في البركة، أو يسحبونها منها، لتبقى الثورة تتخبط في الأوحال.

لم يعكس تداول السلطة في كل من المجلس الوطني السوري، وائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، حالة ديموقراطية، وإن كان الشكل يشير إلى تداول السلطة كل ستة أشهر، أو سنة على الأكثر.

ولم يعكس ذلك أي نوع من الفعالية في مخاطبة الداخل السوري البعيد كل البعد عن اهتمامات هذه الهيئات، ناهيك عن الفشل المزمن في إقناع المجتمع الدولي.

سوريا ليست العراق حتى يقتنع المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، بأحقية انتصار ثورتها على نظام اتفقت معظم دول العالم على ضرورة إسقاطه. كما لم يقتنع المجتمع الدولي بأن لدى المعارضات السورية بضاعة تقايضها مع أمريكا في سبيل تدخل فاعل يعجل في سقوط النظام السوري. بعض الساسة العراقيين استطاع أن يسوِّق بضاعة ما لأمريكا، فدخل الاثنان إلى بغداد على ظهر الدبابات.

ليس لدى المعارضات السورية نفط تهديه إلى أمريكا، وليس بمستطاع هؤلاء تقديم تنازلات في شأن الجولان، والأراضي العربية المحتلة، وليس لديهم الصلاحية العملية للقيام بذلك، حتى ترضى إسرائيل وتقتنع أن ستاتيكو الأسد في الجولان ليس هو أفضل حل لها. المعارضات، على كل حال، لم تقل كلمة ضد إسرائيل، أو معها، من باب التقية السياسية في تعاملها مع الولايات المتحدة.

الأسد الابن، وأبوه قبله، "مانعا" إسرائيل منذ عام 1974، وكان هذا مناسباً لإسرائيل وأمريكا. أما المعارضات فعاجزة اليوم حتى عن ممانعة داعش وجبهة النصرة، وكل ما في الأمر أنها تمانع نظام الأسد، وتريد إسقاطه لفظياً.

لعلهما حالتان متشابهتان، الأسد يمانع إسرائيل وغير قادر على استعادة الجولان، سلماً أو حرباً، والمعارضات تمانع الأسد وغير قادرة على إسقاطه، سلماً أو حرباً.

تكمن آفة المعارضات الأساسية، والمزمنة، في عدم قدرتها على تغيير موقف المجتمع الدولي الممانع تجاهها، وسبب ذلك عدم وجود رأس فاعل لها. وحين تغير هذا الرأس، شكلاً، لانتهاء مدة رئاسته، فإن دواعي التغيير لم تعتمد على نجاحه، أو فشله، في أداء مهامه تجاه من يُفترض أنه يمثلهم، بل على رغبات الداعمين والممولين لهذه المعارضات، في المجلس الوطني والائتلاف. وكان الرأس يأتي دائماً كحالة توافقية أنتجها تقاطع مصالح الداعمين، بالرغم من أن الشكل يشير دائماً إلى أن الحامل للرئيس الجديد هو أصوات المقترعين من أعضاء الائتلاف الـ 120.

لا أحد من السوريين يرغب في رئيس للمعارضات كحالة شعبوية، ففي الأحوال العادية قد يؤدي الرئيس الشعبوي دوره في إدارة الأزمة، لكن الحالة السورية أكثر من طارئة، وتحتاج إلى حلول عاجلة وجذرية، وليس إلى مسكنات تخفف من الألم في انتظار الطبيب المداوي. والأزمة التي وصلت إليها الثورة المستمرة بحاجة إلى رئيس يتمتع بكاريزما يدير فيها شتات الأفكار، وقلة الخبرات، التي بين يديه، فالرئيس الذي لا يستطيع إقناع مرؤوسيه بجدارته لن يقنع الداخل السورية بالحلول التي يمكن أن يقدمها، ومن لا يقنع الداخل السوري لا يستطيع التأثير على الداعمين السياسيين والممولين.

وحتى تكف المعارضات عن التشبه بممانعة النظام ينبغي لها أن تدرك أن خزان نجاحها هو الداخل، وعليها أن تتخلى عن الخطاب اللفظي العقيم الذي أوغر صدور الثوار عليها، بل جعل عدداً غير قليل منهم يرتد في حالة نكوصية وصلت إلى تفضيل ظلم النظام على العدل العاجز لهذه المعارضات.

وإذ دخلت الثورة عامها الخامس بمزيد من الدم، وبانسداد شبه تام لأفق حل سياسي، أو عسكري، فإنها لم تخسر شيئاً من قيمتها الأخلاقية، فجرحها المفتوح لايزال ينز قيحه على شكل ثوار تجار، ومنتفعين، ومتسلقين. وكي يلتئم الجرح ويبرأ لابد أن يتحسس السياسيون في الداخل والخارج آلام الشعب السوري، كل الشعب السوري، ممن انخرط في الثورة قولاً وعملاً، أو ممن دفع الثمن حتى في حياده، إلى من ناصر النظام تحت ذرائع صادقة، أو كاذبة.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >