٢٣ مارس ٢٠١٥
يبدو أن لا مناص أمام الثوار في سوريا سوى الانصياع والإقرار بأنهم جميعا عبارة عن "متطرفين"، ويلبسون لباس المنفذين لأجندات وتعليمات وبرامج خارجية بحته، وأن لا هدف أمامهم إلا أن يكونوا عبارة عن أدوات بيد هذا أو ذاك.
فالوسم دائم الحضور والمسيطر على المجريات والتحليلات، ويظهر سريعاً مع أي حركة أو انجاز ليتم تفريغه من محتواه وإلباسه "التطرف".
انضمام صقور الشام لحركة أحرار الشام ، تم التعبير عنه في وسائل الاعلام العالمية أنها عملية اندماج بين طرفين إسلاميين من النوع المتطرف، رغم تأكد الجميع وعلى رأسهم السوريين أن الأحرار والصقور هم من نواة الثوار السوريين قيادة وإدارة وعناصر، تضع هدف واحد هو اسقاط نظام الظلم والاستبداد والقتل، تمهيداً لقيام سوريا العدالة ، التي لم ولن يتدخلوا بطبيعتها إذا ما كانت ذات صبغة إسلامية أم غياب هذه الصيغة أم سيطرة للعلمانية أو أي شيء من هذا القبيل أو ذاك.
ليس دفاعاً عن الأحرار أو الصقور ولكن تاريخ الفصيلين واضح للعيان أنهما فصيلان ثوريان عملا ويعملا وفق رؤية موحدة تتفق مع الرغبات الشعبية السورية بمختلف أطيافها.
ولعل الربط بين هذين الفصيلين وغيرهما من أعمدة الثوار يأتي في إطار الاستراتيجية العامة التي باتت تنتهج بحنكة إعلامية خبيثة ، بغية تعميق "الإسلامفوبيا" وجعل كل ما يقترب من الإسلام هو إرهاب وتطرف، هو تطبيق للعنف والشر، ولا نقصد كل الإسلام بأي حال، وهناك إسلام مرغوب ومطلوب، مما يجعل التعبير الأدق "السنة فوبيا".
مرة بعد أخرى لا يكتفي المجتمع الدولي بعرقلة أي نهاية كما يشتهي و يسعى إليها الشعب ، بل و يمارس الألاعيب لوضع السوريين أمام خيارات في غاية الصعوبة على أمل يتم اختيار الطرق الذي يدعمه و يصر عليه ، فتارة "داعش أو الأسد " و تارة أخرى " ثورة أم الآمن " و الآن "تطرف أو التراجع" ، و يبدو أن لا مناصي القذرة ، فإن كان الاختيار ضرورياً لنختار ما يعاكس اتجاه الضغط ، و إن كان المطلوب أن نخير بين التطرف و الاستكانة و الرضي بالأسد أو بما يشابهه فليكن الخيار "التطرف" ، ففي كل الأحوال الحرب قائمة قائمة و لانهاية يمكن أن يفعلها أي لاعب خارجي طالما الثورة مازالت تنبض في الداخل .
٢٣ مارس ٢٠١٥
منذ قيامه، قبل نصف قرن، تغطّى النظام السوري بالأيديولوجيا البعثية، وبشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، التي يتشربها تلاميذ المدارس في المرحلة الابتدائية، والتي تملأ الفضاء السوري على الحيطان وأثير موجات الراديو ومحطات التلفاز. فضلا عن ذلك فقد غطى هذا النظام سياساته التسلطية والقمعية بدعوى الانشغال بالأمن القومي والقضية المركزية، أي قضية فلسطين والصراع ضد إسرائيل والمقاومة، وفي غضون كل ذلك لم ينس هذا النظام ادعاء “العلمانية” والتقدم.
وكان تم الترويج إلى كل ذلك بواسطة الدولة، واحتكار أو احتلال، المجال العام، وعبر التلفزيون والإذاعة والصحف، والمدارس والجامعات، وجهاز الموظفين، ومؤسّسة الجيش، والاتحادات الشعبية، ومنظمات الطلائع والشبيبة، وبوسائل التخويف، أيضا، عبر أجهزة المخابرات المنتشرة في المجال المجتمعي، هذا دون التقليل من الدور الذي لعبه العامل الاقتصادي، فمن جهة ثمة الإفقار وتعزيز الاعتمادية على الدولة وفق وصفة القطاع العام، ومن جهة أخرى ثمة طبقة رجال الأعمال التي تدين بوجودها وامتيازاتها للنظام.
بيد أن كل هذه الشعارات والادعاءات كانت لمجرد الاستهلاك والابتزاز وترسيخ الشرعية، وتبرير مصادرة الدولة والهيمنة على المجتمع وتعويق التنمية، إذ تم اختزال الاشتراكية، مثلا، بمصادرة الأراضي، وتأميم الشركات الصناعية الخاصة، وإضعاف البرجوازية الوطنية، وهي إجراءات أدت إلى هيــــمنة الدولة – السلطة على قطاعات الإنتاج، وتعزيز سيطرتها على المجتمع وعلى المجال العمومي، ما نجم عنه تعميم علاقـــات الفساد وتفريخ حيتان جدد، لاسيما من المقربين للعائلة الحاكمة التي باتت تتحكّم بقرابة ثلثي الاقتصاد، بما في ذلك ملكية مساحات واسعة من الأراضي.
أما ادعاء “القومية” فتمثلت في سياساته التدخّلية والإلحاقية التي اتخذت في غالبية الأحيان طابعا عسكريا أو عنفيا في محيطه، لاسيما في لبنان وإزاء الفلسطينيين، وفي العراق الذي عاش على العداء معه، على رغم التقارب الأيديولوجي سابقا بين نظامي هذين البلدين. ويأتي في ذلك اشتغاله في خدمة سياسة إيران في المنطقة، مع الشبهات التي تحيط بها، لاسيما في سياساتها العراقية واللبنانية، وإثارتها النعرة المذهبية في المشرق العربي، إلى حد تمكنها من سوريا ذاتها، كما بتنا نشهد الآن.
وبالنسبة إلى أسطورة كونه نظاما مقاوما، فهي تثير السخرية والمرارة في آن، فهذا النظام مسؤول عن ضياع جزء من سوريا واحتلاله (هضبة الجولان)، وكان بدأ عهده بإدارة الظهر للمقاومة الفلسطينية في الأردن (1970)، ثم أوقف المقاومة نهائيا من جبهة الجولان بعد حرب 1973، وتوّج كل ذلك بشنّه الحرب على المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية 1976، وهي “مقاومة” لم ينجم عنها إطلاق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل طوال أربعة عقود، ناهيك عن أنه دعم كل الحروب التدميرية ضد مخيمات لبنان، والتي قام بها حلفاؤه.
بقيت أسطورة “العلمانية”، التي تكشفت عن مجرد غطاء يحاول من خلالها النظام التلاعب بما يسميه “أقليات”، وبالتالي حراسة الواقع الطائفي والمذهبي في سوريا، بادعائه حمايتها، في حين أنه يغطي في كل ذلك سياساته القائمة على الحؤول دون تحول المجتمع إلى مجتمع حقا، مع وجود مواطنين متساوين حقا أمام القانون وأمام الدولة، دون أي تمييز ديني أو مذهبي أو إثني أو جنسي، وأيضا الحؤول دون قيام الدولة باعتبارها دولة حقا، أي دولة مؤسسات وقانون، مع فصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية.
والحقيقة فإن نهج “فرّق تسد” هي السياسة التي استخدمها النظام لتكريس شرعيته وترسيخ سلطته، وإظهار أي محاولة للخروج على هذا الوضع بمثابة تمرد طائفي أو حرب أهلية، او صراع أقليات وأكثريات، على نحو ما يفعل اليوم.
المشكلة أن كذبة علمانية النظام انطلت على كثيرين، وساهمت في ترويجها، أيضا، تيارات إسلامية، ربما بعضها عن سذاجة وضيق أفق، وبعضها الآخر عمدا لتبرير ذاته في المشهد السوري، وفي الصراع على سوريا. ومعلوم أن نظام الأسد، رغم اضطهاده جماعات الإخوان لأغراض سياسية، فإنه سهّل ورعى نشوء مؤسسات وجماعات وشخصيات إسلامية كثيرة، بما يخدم تكريس مكانته، وإضفاء الشرعية على وجوده. ولا ينبغي أن ننسى دور الأجهزة الاستخباراتية السورية في تفريخ أو رعاية جماعات إسلامية متطرفة مثل “فتح الإسلام”، وجماعات “النصرة” وغيرها في لبنان والعراق ثم في سوريا.
هكذا، نمّى نظام الأسد بديماغوجيته نوعا من الجماعات الإسلامية والإسلاميين، مثلما نمّى جماعات من رجال الأعمال والمثقفين والفنانين والأكاديميين، ومن كل التيارات اليسارية والقومية والعلمانية والليبرالية، من المتصالحين أو المتسامحين مع نظامه، ومعظم هؤلاء لعب دورا كبيرا في عمليات التضليل والتدجين التي انتهجها النظام.
هذا كله يفسّر رواج تلك الأساطير، وصمود صورته المتخيّلة عند كثيرين، لاسيما عند بعض اليساريين والعلمانيين والقوميين والمقاومين، داخل أو خارج سوريا، ممن لم يكابدوا سطوته ولا بطشه، ومن الذين يفتقدون الحد الأدنى من الحساسية الأخلاقية، بحيث لم يعودوا يرون أو يحسون بالفظائع التي يرتكبها هذا النظام، ولا الأهوال التي يكابدها السوريون، منذ أربعة أعوام.
٢٣ مارس ٢٠١٥
شعر اللاجئون الفلسطينيون في سورية بالاطمئنان، منسوباً إلى أوضاع أشقائهم في لبنان، الذين عانوا الأمرّين، قبل الحرب الأهلية اللبنانية وفي أثنائها وبعدها. فقد كانت حالهم من حال المواطن السوري، صعوداً وهبوطاً، كانوا مندمجين بشكل كامل على المستوى الاقتصادي. ولم تكن أعداد كبيرة منهم تتقاضى رواتب من الفصائل الفلسطينية، حتى في الأوقات التي كان وجود الفصائل في سورية قويّاً بعد خروجها من لبنان عام 1982، وتحولت سورية إلى موقع رئيسي لوجودها، خصوصاً فصائل اليسار، كان عدد المتفرغين في الفصائل محدوداً.
لم يغترب الفلسطينيون في عيشهم في سورية، ولم يشعروا، أيضاً، بأنهم سوريون، كانوا حالة من الاندماج والانفصال معاً، الاندماج إلى حد كبير على المستويين الاجتماعي ـ الاقتصادي، والانفصال على مستوى الحياة السياسية. فلم يتوقف اللاجئون الفلسطينيون عن المساهمة الفعالة في الحياة السياسية الفلسطينية، منذ ولادة العمل السياسي الفلسطيني في منتصف الستينيات.
وشكلت الحياة في سورية نموذجاً إيجابيّاً لحياة المنفى الفلسطيني، ووصلت حالة الاحتضان العالية التضامن، في حالاتٍ كثيرة إلى حالة الاندماج في الحياة السياسية الفلسطينية، فهناك سوريون كثيرون اختاروا الانضمام إلى الفصائل الفلسطينية، وقدموا حياتهم من أجل فلسطين. كذلك هناك فلسطينيون اختاروا الانخراط في الحياة السياسية السورية، وانضموا إلى حزب البعث، وحصلوا على امتيازات في هذا الإطار، وهناك من انتمى لأحزاب المعارضة، ودفع ثمن ذلك سنوات طويلة من عمره في السجن. وفي الحالتين، لم يكن الانتماء الفلسطيني إلى قوى سورية ظاهرة تهدد العمل السياسي الفلسطيني وفعاليته في الأوساط الفلسطينية، ولا كان الانتماء السوري إلى الفصائل الفلسطينية يدفع هذه القوى للتدخل في الشأن السوري، على الرغم من التدخل السوري المستمر في الشأن الفلسطيني.
عانى الفلسطينيون في سورية ما عانى المواطن السوري، على مستوى الحياة والمتاعب الاقتصادية، وعلى مستوى القبضة الأمنية التي حكمت المجتمع السوري، والتي شملت المخيمات بشكل طبيعي. فالمخيمات في سورية لم تكن معازل أمنية، كما المخيمات الفلسطينية في الجنوب اللبناني التي لا تخضع للأمن اللبناني. في سورية الموضوع مختلف، كل شيء تحت القبضة الأمنية، وما يخضع السوريون له من تدقيقات أمنية، يخضع الفلسطينيون له بالقدر نفسه. كان عيش الفلسطيني بشروط السوري يريح الفلسطيني، فلم يكن هناك تمييز ضد الفلسطينيين، لأنهم فلسطينيون، كان القمع يشمل الجميع.
كان الشعور بعدم التهديد السمة البارزة لحياة الفلسطينيين في سورية، وكانوا يعتقدون أن مساراً واحداً يمكن أن يجعلهم يغادرون سورية، وهو مسار العودة إلى فلسطين. فجأة، تبين أن الثابت يمكن أن يهتز، فلا يمكن لوضع اللاجئ أن يبقى ثابتاً، في الوقت الذي يهتز البلد التي يقيم فيه، لم يكن ممكناً أن يبقى الوجود الفلسطيني على حاله، في الوقت الذي تشهد سورية صداماً داميّاً في كل المناطق السورية، بفعل الاحتجاجات التي اجتاحت سورية، والتصدي لها بوحشية من النظام. امتد هذا الصدام من محيط المخيمات والتجمعات الفلسطينية إلى قلبها، في تلك اللحظة التي توحدت فيها التجمعات الفلسطينية مع المحيط السوري، بالتعرض إلى القمع والقصف العنيف من المدافع والطائرات.
في حالة التهديد المباشر والداهم، يكتشف اللاجئ أنه لا ينتمي إلى المكان، أو هناك من يُفهمه ذلك. عند ذلك، يكتشف، مرة أخرى، هشاشة وجوده في المنفى. وهذا ما وصل إليه المسار الفلسطيني في محطته الأخيرة في سورية. فجأة، يتغير كل شيء، المكان العامر بالناس والحركة يتحول إلى مكان مهجور، شيء ما ينكسر بعد ثبات عقود. لاجئون فلسطينيون جاءوا إلى أماكن متعددة في سورية، أغلبهم سكن دمشق وضواحيها، ليبنوا ما تيسر من الأبنية، لتأويهم في مكان ناءٍ، بعيداً عن المدينة.
في مكان بين أشجار الغوطة، بأبنيته المتفرقة والبائسة، أشاد اللاجئون الفلسطينيون مخيماً كان اسمه اليرموك. بنوا حياتهم فيه بجهد وتعب كثيريْن، وحالفهم الحظ، وتمددت مدينة دمشق، ليجدوا أنفسهم يقيمون في وسطها، بعد عقود من العيش على هامشها، ما زاد في ازدهار المخيم، وجعله واحداً من أحياء دمشق المعروفة. لذلك، لم يكن مصادفة أن يطلق بعضهم على مخيم اليرموك وصف عاصمة الشتات الفلسطيني.
لم يكن المخيم ليلقَى هذا الازدهار، لولا التعامل السوري مع الفلسطيني، بإعطائه حقوق العمل، ومن المفارقة أن هذه الحقوق التي منحتها سورية للاجئين الفلسطينيين، وقد تم إقرارها في ظل البرلمان الديمقراطي السوري الذي نتج عن انتخابات عام 1954 الأكثر تمثيلاً في تاريخ سورية الحديث. على الرغم من ذلك، القصة ليست قصة قانون، كلنا نعرف إمكانية التلاعب بالقوانين في العالم العربي. الأهم تجربة احتضان الشارع السوري الفلسطينيين الذين لجأوا إلى سورية، وقد خفف هذا الاحتضان كثيراً من مرارة اللجوء وقسوته.
كل العقود التي عاشها الفلسطيني في سورية لم تشفع له، فجأة يُقصف المخيم بالطائرات، كما تقصف مئات المواقع السورية، وبعد أن تعرض مرات للقصف المدفعي.
فجأة، يشعر اللاجئ الفلسطيني بهشاشة وضعه، حتى في بلد وجد فيه من الاحتضان الكثير، لا يعرف أين يذهب، وترتبك هويته، كما ترتبك حياته. يستعيد كل المآسي التي مرّ بها إخوته من اللاجئين الفلسطينيين، ويحفظها عن ظهر قلب. يعود شريط الذكريات، لينكأ الجراح التي عاشتها التجمعات الفلسطينية في الشتات، التجربة القاسية في الأردن، والأقسى منها التي وصلت إلى المذابح في لبنان، وما زال الإذلال مستمراً، التهجير القسري من الكويت بعد الاحتلال العراقي، الذبح الانتقامي في عراق ما بعد الاحتلال الأميركي.. كل مخزون الذاكرة من الظلم الذي وقع على الفلسطينيين استحضره لاجئو سورية، في لجوئهم الثاني، الصعب والقاسي. لجوء هز بقوة هوية الفلسطينيين في سورية الذين كانوا يعتقدون أنها أقوى من أن تهتز.
"اللاجئون الفلسطينيون الذين حملوا قليل متاعهم، وغادروا المخيم تحت القصف، تغيروا إلى الأبد، ثمة شيء ما انكسر داخلهم، وفي هويتهم، في رحلة اللجوء الأخيرة"
كان مخيم اليرموك النموذج، شكل جزءاً من تاريخ فلسطين، لأن الوطنية الفلسطينية الحديثة ولدت في مخيمات اللجوء داخل فلسطين وخارجها، وكان لهذا المخيم دوره. كان، بهويته الوطنية الفلسطينية المنفتحة على الجميع والحاضن لمن احتضنه، نوعاً من المزيج الوطني الفلسطيني العروبي، وعلى الرغم من أنه أكبر تجمع فلسطيني في سورية، ويبلغ عدد سكانه الفلسطينيين، حسب تقديرات "أونروا"، حوالي 150 ألف نسمة، فإنه يعيش في وسطٍ أغلبه سوري، حيث قدر عدد سكان مخيم اليرموك، قبل نكبته الراهنة، بحوالي 700 ألف نسمة. لم يشهد هذا التعايش الفلسطيني ـ السوري أي صدام، وكان من الصعب التمييز بين أبناء المخيم من الفلسطينيين أو السوريين. كان المخيم يفخر بحفاظه على الصلة القوية مع فلسطين، ويفخر بمئات الشهداء الذين زفهم على طريق النضال في معركة الوجود الفلسطيني. وبعد أن وجد الشعب الفلسطيني عنوانه السياسي، أخذت التجمعات الفلسطينية تدفع أثماناً غالية، كان نموذجها الأكثر قسوة تجربة اللجوء في لبنان، حيث مورس، وما زال يمارس، عليه التمييز، وتقر ضدهم قوانين عنصرية، نجحت في خفض أعدادهم في لبنان بشكل كبير، واختفوا من العراق، واليوم مهددون في سورية.
وقع الانهيار في مخيم اليرموك، كما في المخيمات الأخرى، وكشف هشاشة وضع اللاجئين، وكشف أيضاً، هشاشة الوطنية الفلسطينية. انهار مخيم اليرموك، وبانهياره ينهار مكان آخر، كان عنواناً لفلسطين، وينهار مكوّن من مكوّنات الوطنية الفلسطينية. اللاجئون الفلسطينيون الذين حملوا قليل متاعهم، وغادروا المخيم تحت القصف، تغيروا إلى الأبد، ثمة شيء ما انكسر داخلهم، وفي هويتهم، في رحلة اللجوء الأخيرة.
٢٣ مارس ٢٠١٥
من أفسد نيروز الأكراد
باسل العودات
عشية احتفالات أكراد سوريا بعيد (النيروز) وتجمّعهم في إحدى ساحات مدينة الحسكة (الهادئة بالمقاييس السورية)، دوّى انفجار إرهابي مزدوج مزّق أجساد العشرات من الأبرياء وجرح أكثر من مئة شخص، ولاقى العمل استنكارا من السوريين على اختلاف توجهاتهم.
بالنسبة إلى البعض، الحادثة عابرة ولا تستحق الوقوف عندها كثيرا، سوى الترحّم على الضحايا والأسف عليهم وشجب القتل، على اعتبار أن مثل هذا العمل الدموي ليس إلا جزءا بسيطا ممّا يجري في سوريا، من قصف وتدمير وقتل يومي للمئات بالصواريخ والمدافع وحتى بالكيميائي، ولهذا فإن مفخختين إضافيتين ستزيدان من عدد الضحايا الأبرياء ولن تزيدا من سوء الوضع الأمني السوري.
لكن، ولاعتبارات عديدة، من أهمها أن المستهدف هذه المرة هم الأكراد، وبمنطقة آمنة، لا بد من التوقّف عند هذه الحادثة بجدّية، فهي تحمل رسائل غير مباشرة ونصائح يجب إدراكها، قبل أن تصبح هذه العملية حدثا يوميا يتكرر ضد الأكراد.
قبل أن نبحث عن الفاعل، لا بد من الإشارة إلى محطات مرّ بها الأكراد (الضحية هذه المرة) خلال السنة الأخيرة، ستقودنا غالبا للفاعل أو لـ(ابن عمه)، محطات قلبت تاريخ أكراد سوريا وعلاقتهم بمحيطهم، وغيّرت مواقف وأحلام الكثيرين منهم.
قبل نحو عام ونصف، أصيبت علاقة الأكراد مع غالبية أطراف المعارضة السورية ـ السياسية والمسلّحةـ بانتكاسة، سببها القوة الكردية السياسية الأساسية متمثلة في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، الذي فرض بشكل سريع تواجده في شمال سوريا. واستلم بـ(سلاسة) مواقع كان النظام السوري يسيطر عليها، دون أن تراق قطرة دم. وأسس بشكل عاجل قوة عسكرية كردية (وحدات حماية الشعب) وأخرى لحفظ الأمن (الأسايش)، وهيمن على شمال شرق سوريا. واستمرت علاقة ملتبسة وغامضة تربطه مع النظام السوري. واعتبره الكثير من المعارضين حليفا للنظام. كما اتّهمته معظم الأحزاب الكردية السورية الأخرى (11 حزبا كرديا عضوا في الائتلاف) بأنه أقصى كل الأكراد واستفرد بالقرار الكردي السوري ووجهه بشكل لا يتعارض كثيرا مع مصالح النظام.
سرعان ما أقام الحزب إدارة ذاتية للمناطق الكردية شمال سوريا، لها حكومتها وبرلمانها، ورفض إشراك المعارضة السورية فيها إلا بشروطه (القراقوشية)، كما رفض ربطها باتفاق سوري شامل حول شكل الحكم المستقبلي لسوريا والوضع النهائي للأقليات، ورفض التنسيق مع الجيش السوري الحر.
أكّد كثير من المعارضين السوريين أن الحزب استمر بالتعاون مع قوات النظام ومع حزب الله اللبناني، وسهّل لهم مهمات عديدة. ولم يُنكر الحزب هذه الاتهامات إلا بشكل خجول وغير مباشر. كما اتهمه أهالي المنطقة بأنه بدأ بتغيير الديموغرافية السكانية، وأيضا تجاهل هذه الاتهامات على خطورتها وكأنها شيء عابر لا يستحق الوقوف عنده.
هذا الاستفراد بالقرار والحكم، والسيطرة العسكرية على المنطقة، قاطعه تدخّل تنظيم الدولة الإسلامية، الذي كان لفترة هادئا تجاه الأكراد ثم انقلب فجأة ضدهم. ووضع في استراتيجيته احتلال أهم المدن التي يكثر فيها الأكراد، فاحتل عين العرب (كوباني) كـ(عربون)، فأوقع هذا الحزب بأزمة عميقة مصيرية، كما وضعه أمام خيار وحيد بعد أن فشل النظام السوري في ضمان أمنه، فاضطر للتنازل وقَبِل التعاون مع الولايات المتحدة دون موافقة النظام.
اشترطت الولايات المتحدة أن يقبل زعيم الحزب قطع علاقته بالنظام السوري نهائيا كشرط أوّلي ليتلقى دعما أميركيا وموافقة على دخول بعض قوات البيشمركة الكردية العراقية لمساعدته في استرجاع المدينة، فتعهّد الرجل، وأوقف تصريحاته المعادية لأميركا. وأوقف تعاونه العسكري والاستخباراتي مع النظام. وتم بعد ذلك مدّه بالدعم الأميركي الهام لاسترجاع المدينة. وعادت كوباني للأكراد مدمّرة، لكنّه أصبح شريكا للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. وحقق مكاسب على الأرض لها قيمة في الأسابيع الماضية.
تمدّد الأكراد في منطقتهم من جديد، ولكن هذه المرة ليس بدعم أو غض نظر من قوات النظام، وإنما بدعم أميركي، وهذا أغاظ النظام، الذي ينظر الآن للحزب الكردي على أنه الابن الضال، الطرف الذي يُنكر الجميل من وجهة نظر النظام. والدليل على حجم غيظه أن رأس النظام أشار في آخر مقابلة تلفزيونية إلى السلاح الذي كان النظام يعطيه لهذا الحزب والدّعم الكبير الذي قدّمه له خلال السنتين الأخيرتين.
خلاصة سريعة تعرض نحو سنتين من تجربة كردية غير واضحة الملامح بالنسبة إلى السوريين، لكنها تكشف خيطا قد يؤدي للفاعل، كما يفعل كل المحققين في الجرائم حين يلتقطون طرف خيط ويستنتجون، وعلى الرغم من تعدد الأطراف التي تتربص بالأكراد، إلا أننا هنا لا نجد صعوبة في توجيه أصابع الاتهام لطرفين، هما الأكثر تضررا وغيظا، الأكثر رغبة بالانتقام، ولا رادع عندهما لقتل أبرياء لتصفية الحسابات.
تنظيم الدولة الإسلامية والنظام السوري، طرفان متهمان ومدانان، وعلى عكس ما تفرضه مبادئ القانون، هما متّهمان حتى تثبت براءتهما، فكلاهما صاحب سجل غير مشرّف من العمليات السوداء.
لا شك بأن تنظيم الدولة الإسلامية يريد أن ينتقم من الأكراد نتيجة الضربات الموجعة التي تلقاها من التحالف الدولي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جزءا من هذا التنظيم ـ وفق المعارضةـ هو ذراع من أذرع الاستخبارات الإيرانية والسورية.
أما النظام السوري، فهذه فرصته للانتقام، وتوجيه رسالة غاية في الجدّية للأكراد، بأن خروجهم من بيت طاعته بالضرورة سيتبعه عقاب، والابتعاد عن النظام يليه درس تأديبي، سيفهمه قادة الحزب وحدهم، والأكراد الأصليون، الذين شهدوا ما قام به الحزب ولم يقبلوا لكنهم صمتوا خوفا من النظام ومنه.
ثم هناك أمران ثانويان، يزيدان من الشكوك بالطرف الأخير، الأول أنه بينما كان النظام السوري يمنع الأكراد طوال خمسة عقود من الاحتفال بالنيروز، هذه المرة، وبنفس الساعة التي تم فيها التفجيران، كان التلفزيون الرسمي يحتفي بعيد الأكراد، وتلبس مذيعاته زيا كرديا تقليديا (كاد المريب أن يقول خذوني). والثاني أن أول من نشر تبنّي تنظيم الدولة الإسلامية للعملية هو وسائل الإعلام المقربة من النظام، قبل أن تصل المعلومة لأيّ وسيلة إعلام أخرى، محلية أو دولية.
بكل الأحوال، هي مجرد احتمالات، أو اتهامات، وسيبقى الطرفان متهمان حتى تثبت البراءة، بعكس الدارج، لكن على الأكراد، وخاصة الحزب صاحب الإدارة الذاتية الإشكالية، أن يأخذ هذه الاتهامات محمل الجد، وأن يعي أنه آن الأوان لوقفة جدّية صارمة تجاه النظام وتهديداته، وتجاه قوى المعارضة (الوطنية) السورية الأخرى، وأن يضع نصب عينيه أن مصير الأكراد سيكون نفس مصير كل السوريين، إن نجوا نجا، وإن سقطوا سقط، فليس صعبا أن يصبح نيروز الأكراد نيروزا لكل السوريين.
٢٣ مارس ٢٠١٥
في فيلم «العراب» الشهير، الذي يصور حياة رجال المافيا، يقول الممثل الشهير آل باتشينو لشقيقته في الفيلم: «والدنا لا يختلف عن أي رجل قوي، ومسؤول عن أناس، وأتباع، مثله مثل الرؤساء، ورجال الكونغرس». فترد عليه: «هل تعرف كم أنت ساذج؟ الرؤساء ورجال الكونغرس لا يقتلون رجالهم». فيرد عليها: «أوه.. من الساذج الآن؟!».
هذا الاقتباس الدرامي يلخص حقيقة ما حدث، ويحدث، في سوريا، وتحديدا ما حدث لأحد أهم رجال المجرم بشار الأسد، وهو اللواء رستم غزالة، رئيس المخابرات السياسية، الذي تلقى ضربا مبرحا من قبل رجال اللواء رفيق شحادة، رئيس فرع المخابرات الحربية، ونقل على أثرها غزالة للمستشفى، وبعد ذلك قام الأسد بعزل الاثنين! وبالطبع ترددت قصص كثيرة حول أسباب الشجار الذي نشب بين الرجلين، وأدى إلى تلقي رجل الأسد الشرير غزالة ضربا مبرحا على يد رجال شحادة، ومنها أن غزالة يرفض التوسع الإيراني بمحاربة الثورة، وقصص أخرى تتحدث عن اختلاف حول النفوذ الشخصي للرجلين، غزالة وشحادة، وأيا كانت الأسباب فإنها تظهر سلوك النظام الأسدي، ورجاله، وهو سلوك عصابات المافيا، وأسوأ من ذلك.
فإذا كان رجال الأسد يتشاجرون الآن لهذا الحد على النفوذ، أو بسبب التوغل الإيراني، فهذا يعني أن النظام يتأكل من الداخل، واستمراره قائم فقط على الدعم الإيراني، من خلال حزب الله، والميليشيات الشيعية، وأن لا هيبة للأسد مطلقا، حتى بين رجاله المقربين، خصوصا أن غزالة، الحاكم الفعلي للبنان من عام 2002 إلى 2005، والمتهم بالمشاركة باغتيال الراحل رفيق الحريري، كان رجل الأسد القوي، ومنذ عام 2000. لكن نظام الأسد الإجرامي لا يعدو أن يكون نظاما بعثيا، قمعيا، وعلى غرار جماعات المافيا، ولا يتردد بتصفية رجاله، وكما حدث بحق محمود الزعبي، رئيس الوزراء السابق، الذي قيل حينها إنه انتحر بعدة رصاصات، وهذا عبث لا ينطلي على عاقل! وبعدها اغتيال غازي كنعان الذي قيل أيضا إنه انتحر، وذلك بعد اغتيال الحريري!
اليوم، يُضرب رجل الأسد الشرير، أي غزالة، ومن قبل رجل مقرب أيضا من الأسد، ويقال إنه بسبب خلاف على النفوذ الإيراني، وهذا لا يمكن تفسيره إلا بأن وجه المافيا القمعي لنظام الأسد بات يطل مجددا لتصفية رجال النظام، خصوصا أن هذا هو سلوك البعث دائما، وعلينا أن نتذكر كيف أعدم صدام حسين زوج ابنته. وعليه، فالواضح اليوم أن نظام الأسد في صراع داخلي، ولا يضمن وجوده إلا الدعم الإيراني، ومهما قيل ويقال، خصوصا أن أطرف تبرير للاعتداء بالضرب على الشرير غزالة مجرم الأسد، وسبب دخوله المستشفى، هو قول أحد المنتسبين لحزب «البعث العربي الاشتراكي» إن غزالة «دعس دعسة ناقصة، وسقط عن الدرج، ودخل المستشفى».
فعلا نظام لا يستحي، مثله مثل أتباعه!
٢٢ مارس ٢٠١٥
تزداد القضية السورية تشعباً بعد كل مبادرة تطرح بين الأطراف المعارضة بكل تعداداتها، والنظام بكل مايمثله، إذ تفقد الواحدة ما أمكن العمل عليه في السابقة ، وتحفر عميقا في منافذ الخلاف بين قوى المعارضة، حتى لتكاد أن تكون المعارضة أكثر إقصاء لبعضها من النظام المفترض أنهم يقفون في ضفة واحدة بمواجهته .
موسكو والقاهرة، المبادرتان المتناقضتان والمتكاملتان إلى حد ما في ثنائية غريبة، تتقاطعان في هدف واحد حتى الآن وهو: إزاحة ثقل "جنيف واحد" عن كاهل المجتمع الدولي الذي ناء بتحمل مسؤولياته تجاه تنفيذه، واحلال مصطلحات ووثائق قابلة للتأويل والاجتهاد والنقض والنقد، وإحداث مزيد من الجلبة بين المعارضة ومسمياتها، واختلافات سقوفها التي تنخفض وتعلو وفقاً لاجندات مختلفة أيضاً.
موسكو ليست غافلة عن نتائج حوارها العدمي وهي أصلا لم تعقده لينتج حلاً سلميا تعود به سوريا لتداول السلطة واقصاء النظام الحاكم الموغل في قتل شعبه حتى آخر ما يملكه من سلاح بكل أنواعه من السكاكين الى الرصاص والقنابل والمدافع والقذائف والكيماوي الممنوع منه والمسموح لا أخلاقياً .
و"موسكو ٢" بتحضيراتها الجارية التي لم تختلف عن "موسكو ١" الا بما يتم تداوله من أسماء جديدة، لن تدخل كثيراً من التغيير على المشهد العام للحوار غير المنتج، والذي سيخرج ببيان يكتبه الخبير الروسي ويتنصل من الموافقة عليه بعض الحضور لاعتبارات يتفهما الروس أنفسهم .
روسيا ليست طبعاً بالغباء السياسي الذي يجعلها تعقد مؤتمرين وتستضيف من تدعي أنهم معارضة لانتاج لاشيء على الاطلاق . فـ"موسكو١ و٢" يمثلان دخول من باب آخر لتفادي انزياحها من المشهد السوري بعد اعلان ايران وجودها الامبراطوري في دمشق، ولعله ليس أكثر من رسالة رومنسية للطرفين الايراني والأميركي اللذين اقتربا فعليا من توقيع اتفاق حول السلاح الايراني النووي ، وما تبع ذلك من تصريحات كيري بضرورة الحوار مع الأسد ، وروسيا طبعاً لن تسمح بتقاسم الغنيمة اميركيا وايرانياً بعيداً عنها.
أما "القاهرة ١" وبيانه بالنقاط العشر التي اعتمدت واقعية المقدرات الحركية للمجتمعين وتفهمت عودة بعض حضوره إلى دمشق دون مساءلة النظام لهم ، ووعت بذات الوقت رغباتهم بدفع عجلة الحوار من نقاط لا تستثير غضب النظام الذي تراه طرفاً محايداً في أزمة السوريين وطول أمد مأساتهم ، بل و أوعزتها إلى تنازع حاصل بين الأطراف المعارضة والمتشرزمة.
"القاهرة ١" حنكة اعلامية بصياغة مبررات تسوية تاريخية بين النظام السوري والمعارضة المجتمعة بمعظم مكوناتها بما فيها "الائتلاف" الذي يرفض الاعتراف بها اعلامياً، وكان قد تهرب من مسؤولية نقاشها في اجتماع لهيئته العامة سبق انعقاد "القاهرة ١"، ومن ثم في اجتماع تلا اجتماع "القاهرة ١" واعلان بيانه وأسماء لجنته التحضيرية "القاهرة ٢" ومن بينهم أعضاء في "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" .
اليوم يعقد الائتلاف جلسته باسطنبول لمناقشة الملف الذي يهدد وحدانية تمثيله للمعارضة ويجعله طرفاً مساوياً لأي مكونات أخرى كهيئة التنسيق والشخصيات " المستقلة " ولعل بيان جامعة الدول العربية الذي انعقد على المستوى الوزاري في العاشر من هذا الشهر ورحب "بنتائج كل من اجتماعات القاهرة وموسكو ومساعيهما لاحياء مسار الحل السياسي التفاوضي للأزمة السورية" كان بمثابة رسالة انذار تهدد كيان الائتلاف وتلزمه على التطلع إلى المشاركة مع الفعاليات المعارضة التي تجنح للتفاوض والتهادن والتسويات، هذه المشاركة التي يصرح بعض أطياف مكونات الائتلاف برفضها لأنها تمس بمبادئ تأسيس الائتلاف التي اعتمدت في ٢٠١٢، وهي في الوقت عينه مخالفة لأهداف الثورة التي نادت باسقاط النظام وزمرته الأمنية .
ولا ننسى أن "جنيف ٢" كان أيضاً بداية الضرب بالحائط بمبادئ الائتلاف التي تم تعديلها توافقاً مع رغبة المتطلعين إلى التفاوض، وأدت إلى انقسامات حادة داخله، وانسحابات كان من بينالأسماء المنسحبة اعتراضاً على "جنيف ٢" رئيس الائتلاف الحالي خالد خوجة .
الائتلاف وفي جلسة لاتبدو رسمية وفق المعتاد يناقش "القاهرة ١" متأخراً و"القاهرة ٢" على الأبواب وبين التمسك بأهداف الثورة أو الالتحاق بمركب التسويات التاريخية التي ينادي بها مريدو القاهرة ربما يكمن السر العميق في حجب المعونات المالية عن الائتلاف وحكومته ولاحقا عن بقائه على رأس التمثيل للمعارضة السورية .
٢٢ مارس ٢٠١٥
يبدو الائتلاف الوطني السوري في أسوأ أوضاعه اليوم، والأمر في هذا لا يتعلق بالبيئة العامة التي تحيط بالقضية السورية فقط، وإنما بسبب الأوضاع الخاصة المحيطة بالائتلاف، وبداخل الائتلاف أيضا، وجميعها أوضاع تتصف بالسلبية الشديدة.
القضية السورية عموما في أدنى درجات الاهتمام الإقليمي والدولي، وكأن الجميع من حول سوريا، اعتادوا على ما يحدث من أعمال قتل وتدمير وتهجير يرتكبها نظام الأسد وحلفاؤه ضد السوريين، ولم تعد تلك الأعمال تثير عندهم أي ردود فعل، حتى الهجمة الكيماوية الأخيرة التي قام بها النظام في سرمين القريبة من إدلب، مرت دون أي انعكاسات وردات فعل من جانب الدول أو المنظمات على إجرام نظام الأسد المتكرر.
وإن كان ثمة اهتمام بالقضية السورية، فإن هذا الاهتمام لا يتجاوز إلا في النادر جانبا من أحد جوانبها مثل موضوع جماعات التطرف والإرهاب الحاضرة في سوريا مع تركيز شديد على «داعش»، وفي هذا الجانب، يتم توزيع الاهتمام بين سوريا والعراق، لأن التنظيم حاضر في العراق، كما هو حاضر في سوريا، وأهميته في الأول أكثر، إذا نظرنا إليه من العين الأميركية.
وإذا كانت القضية السورية بعيدة في سلم الاهتمام الدولي، فإن المعارضة والائتلاف الوطني الموصوف في المستوى الدولي بأنه «ممثل الشعب السوري»، هما تقريبا خارج الاهتمام الدولي، وأغلب الدول التي ساهمت في تأسيس الائتلاف أواخر عام 2012، تكاد لا تتواصل مع الائتلاف إلا في أضيق المستويات ومن باب معرفة ماذا يجري على الأغلب، وهذا يعني أنها غير مهتمة بوضع الائتلاف ولا بوضع المؤسسات التابعة له سواء الحكومة السورية المؤقتة التي سجلت انهيارا مدويا في الأيام القليلة الماضية، وكذلك وحدة تنسيق الدعم التي تنتظر إطلاق رصاصة الرحمة، أو المجلس العسكري الأعلى وهيئة الأركان، حيث لا يتجاوز وجودهما الحاصل الصفري.
كل الائتلاف ومؤسساته كانت خارج الاهتمام الدولي والإقليمي سواء من جانب الدول أو المنظمات في الأشهر الثمانية الماضية. لا دعما سياسيا ولا عسكريا، ولا دعما إغاثيا ولا ماليا. ما جاء من مساعدات محدودة للحكومة ووحدة تنسيق الدعم، يبدو أرقاما مخجلة إذا ذكرنا من أين جاءت وحجمها، وليس في الأفق أية أرقام، يمكن أن تقدم للائتلاف أو للحكومة ولا لغيرهما.
وسط ذلك السوء من تردي البيئة المحيطة بالقضية السورية وبالائتلاف، لا يبدو الوضع الداخلي للأخير أحسن حالا. ففي الداخل ثمة انقسام عمودي بين تجاذبين؛ أولهما تجاذب هو الأصلب حول نواته الإخوانية، والثاني قوى متنوعة، فشلت في أن تشكل تجاذبا متجانسا، رغم أنها ربحت معركة الانتخابات الأخيرة في قيادة الائتلاف، وهذا يدفع نحو إعادة خلط الأوراق، وهو في إحدى النتائج سيجدد الصراعات داخل الائتلاف، وهذا ما يحصل بالفعل، بحيث لم يعد من الواضح من هي القوة المؤثرة في قرارات وفي إدارة الائتلاف الوطني من الناحيتين السياسية والتنظيمية، إنها مرحلة ضياع بكل معنى الكلمة.
الأسوأ من الضياع السياسي والتنظيمي القائم في الائتلاف، هو ابتعاد الائتلاف عن الموضوعات الأساسية التي ينبغي أن يتابعها ويعالجها وعلى رأسها الصراع مع نظام الأسد وموضوعاته وعلاقاته وأوضاع السوريين اليوم وكيف يمكن أن تصير في المستقبل. وبخلاف ذلك يغرق الائتلاف في موضوعات تفصيلية وهامشية، وما أكثر التفاصيل السورية اليوم، هذا إذا لم نتوقف عند تفاصيل الائتلاف، وعلى سبيل المثال، فإن جدول أعمال الهيئة العامة للائتلاف التي تعقد هذا الأسبوع، يتضمن بندا لتعديل رؤية الحل السياسي التي أقرها الائتلاف في اجتماع الهيئة العامة الأخير، وبعد نقاشات موسعة، استمرت نحو شهر في الهيئة السياسية «الموسعة»، كما ستكون الهيئة العامة مشغولة في اجتماعها المقبل بتشكيل لجان الائتلاف التي كانت على جدول أعمال الائتلاف منذ عدة أشهر.
الائتلاف اليوم سواء من حيث بيئته العامة أو أوضاعه الخاصة، خارج الحياة. لكن ليس من أحد يمكن أن يعلن وفاته. السبب في ذلك بسيط جدًا وفيه نقطتان؛ النقطة الأولى، أن المجتمع الدولي لا يريد الإعلان أن لا أحد يمثل الشعب السوري، وأن على أحد ما أن يقوم بهذه المهمة، إذا أعلن موت الائتلاف. والنقطة الثانية، أن بعض الائتلافيين من جماعات وأشخاص بمواقفهم وبنظراتهم التفصيلية، يراهنون على كسب الائتلاف حتى لو كان جثة هامدة، طالما كان معترفا به «ممثلا للشعب السوري» ولو شكليًّا.
الوضع في الائتلاف، كما هو الوضع السوري بمجمله في أسوأ أوضاعه من حيث التعامل معه. لم يعد أحد ينظر إلى سوريا باعتبارها قضية ثورة شعب من أجل الحرية والمستقبل، بل يتم النظر إلى بعض التفاصيل هنا وهناك: كسبنا حاجزا هنا، وقتلنا جنديا هناك، وقدمنا سلالا غذائية، إلى آخر القائمة من تفاصيل لا معنى لها في إطار قضية كبرى، تتعلق بمصير شعب وبلد ما زالا يعانيان الأمرين منذ أربع سنوات مضت.
٢٢ مارس ٢٠١٥
بترتيب ناجح نسبياً لأولوياته، أقنع النظام السوري العالم بأن الإرهاب ينتمي، تكوينياً، إلى المعارضة، وأنه جزء رئيس منها، بل هو طليعتها وقوة الصدام الرئيسة فيها، وأنه يحاربها كي يقضي على تنظيماته التي تضم معظم مقاتليها، وترتكب الجرائم التي تنسب خطأ إليه، كما قال بشار الأسد، أخيراً في لقاء صحافي، زعم فيه أن من كانوا يطلقون النار على المواطنين العزّل من ضباط وجنود جيشه انشقوا عنه، وشكلوا الجيش الحر والتنظيمات الأصولية والجهادية: أي الإرهابية.
هل صدّق العالم أكذوبة الأسد المضحكة؟ أعتقد أن قسماً كبيراً منه صدقها من دون أن يحفل كثيراً بجديتها وقابليتها للتصديق، لأسباب تتصل بأوهامه التاريخية عن الشرق والشرقيين عامة، والإسلام والمسلمين بصورة خاصة، من جهة، وبما حفلت به ذاكرته من أحكام مسبقة ووساوس وهلوسات، تجعل أعداداً كبيرة من مواطني البلدان الغربية يصدقون ما ينسب إلى المسلمين من ميل إلى العنف والتعصب. وبالتالي، إلى ما يسميه قادتهم بلغة مرعبة "الإرهاب"، الذي يعينهم التلويح بمحاربته على التحكم برأيهم العام، ويتيح لهم التعامل من موقع تدخلي في شؤون بلدان كثيرة خارج عالمهم المتقدم، من جهة أخرى.
واليوم، تقف المعارضة السورية أمام معضلة حقيقية، تتصل بعلاقتها مع رأي عام مؤثر، تريد كسبه، يدير ظهره للحقيقة، ويصدق ما لا يمكن تصديقه، وهو أن شعب سورية المسالم، والمطالب بالحرية، إرهابي، ونظامه الذي لطالما أكد قادة البلدان الغربية أنفسهم أنه لم يقلع يوماً عن إنتاج الإرهاب وتصديره إلى مختلف مناطق العالم يحارب الإرهابيين، ويحمي الأمن والنظام الدوليين منهم! وللأسف، ما أن تقول عن أحد ما إنه إسلامي، حتى يرتبط، في مخيلة أغلبية مواطني بلدان متقدمة عديدة، بالعنف والنزعات العدوانية، وبالاستعداد لفعل أي شيء يمكن أن يرغم غيره على قبول ما يؤمن به أو يريده.
إلى هذا، يعتقد عديد من قادة الرأي في هذه البلدان أن مجتمعنا ليس غير طوائف وأقليات متناحرة، تنعدم بينها المشتركات وأسس التعايش السلمي، تبقيها تناقضاتها في حال حرب كامنة قابلة للانفجار في أي وقت، فلا مجال لإبقائها "مسالمة"، وللحؤول دون ما تحمله علاقاتها من تهديد دائم لأمن العالم وسلامه، بغير يد سلطة حديدية، قد تكون مفرطة في عنفها داخل بلدانها، لكنها تحمي العالم خارجها، فمن الضروري تفهّم دورها، وتجاوز طابعها الاستبدادي والقمعي، ما دام إمساكها بخناق مجتمعها ضروري، لمنع مكوناته من الاقتتال، ولحماية الآخرين من شرورها وإرهابها.
بأحكام أغلبية الرأي العام، ومواقف معظم الساسة وصنّاع القرار ووسائل الإعلام، تنقلب الوقائع رأساً على عقب، وتضيع الحقائق، ويصير الشعب المظلوم قاتلاً، والقاتل الذي يدمر مجتمعه، ويمزّق شعبه، عدواً للحرب، ومحافظاً على أمن مواطنيه وسلامهم، بمن في ذلك الذين اقتلعهم من جذورهم وشتتهم في أربع أقطار الأرض، وقوّض وجودهم التاريخي، وطردهم من وطنهم، وقضى على لحمتهم كشعب واحد.
ويبقى السؤال: كيف سمحنا بوصول قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى الاقتناع بأن شعبنا إرهابي، وأن نظامنا المجرم معاد للإرهاب، مع أنه هو الذي فبرك تنظيماته، لكي يضعف معارضيه والجيش الحر، ويفجر المعارك بين مواطنيه، ويشوه واحدة من أعظم ثورات الحرية في التاريخ، ويحرمها من ما تستحقه من دعم دولي وإنساني؟
يتكوّن نظام الأسد من طرفين: جيش السلطة وأمنها وتنظيمات الإرهاب التي تكمل عملهما. هل تقوم، مَن تعي هذه الحقيقة من قوى المعارضة، بما هو ضروري إعلامياً ضدهما، أم تكتفي بتجاهلهما، بينما يحرضان العالم ضد الشعب ويشوهان ثورته؟
٢٢ مارس ٢٠١٥
يمر الخبر عابراً على وكالات الأنباء وشاشات التلفزة: النظام السوري يقصف المنطقة الفلانية بغاز الكلور، وسقوط عشرات الضحايا. المنطقة، هذه المرة، سرمين، لكنها لم تكن الأولى. هي محطة من محطات الإجرام التي لا يتوقف عندها نظام بشار الأسد، بل يمضي إلى المزيد. كيف لا؟ وهو يرى الأضواء الخضراء تلمع في وجهه من كل جانب. أضواء لمحها منذ الجريمة الكبرى في الغوطة في 2013، يوم أطلق غازاته السامة على الأطفال والناس والشيوخ، ولم يحرك أحد ساكناً. كانت مجرد بعض عبارات التهديد والوعيد، وقرع قليل لطبول الحرب، كان يدرك الجميع أنها لم تقع، قبل أن تعود الأمور إلى طبيعتها، ويواصل النظام السوري مجازره.
سرمين ليست الأخيرة، ولا الغوطة هي الأولى، ما بينهما وقبلهما عشرات المجازر التي ارتكبت بحق المواطنين السوريين، بغاز الكلور وغيره. مع بداية الثورة التي بدأت، قبل أيام، عامها الخامس، كان الجميع يترقب رد الفعل الدولي على قتل عشرات السوريين، وكان الأمل يحدو كثيرين بأن ضغطاً دولياً وإقليمياً، سياسياً أو عسكرياً، سيكون كفيلاً بإزاحة نظام الأسد، أسوة بأنظمة سقطت في المنطقة. مرت الأيام وغرق السوريون في دمائهم، وبقي الموقف الدولي على حاله، بل تطور إلى الأسوأ.
مع بداية سقوط القتلى السوريين، كانت الإدانات الدولية عموماً، والأميركية خصوصاً، تتوالى، حتى تم الاعتياد على أخبار الموت اليومية. تقدمت الإدانة خطوة بعد ذلك، لتصبح التحذير من لجوء النظام إلى الأسلحة غير التقليدية، على اعتبار أن قتل السوريين بأسلحة تقليدية أمر حميد، ولا يستدعي أي رد فعل. ومع ذلك، كانت المجازر بالأسلحة الكيماوية، الأكبر كانت في الغوطة، لكن غاز الكلور لم يوفر قبلها، ولا بعدها، وصولاً إلى سرمين. لم تستدع هذه المجازر أي تحرك دولي، ما عدا الاستنكار والأسف والتهديد الفارغ، والذي ما إن سقط حتى فتح للنظام السوري الباب لمزيد من الإجرام، وصولاً إلى الحال الذي هو عليه.
اليوم، لم تعد الدماء السورية تثير أي امتعاض دولي. لم يعد الضحية السورية يثير الأسف والأسى. لم يعد الوجع السوري يؤلم أحداً غير أصحابه الذين ما عادوا ينتظرون غوثاً، ولا عوناً من أحد، خصوصاً وهم يسمعون وصلات الغزل ورغبات الوصل التي يتلوها المسؤولون الأميركيون، وفي مقدمتهم وزير الخارجية، جون كيري.
وللمفارقة، جاءت مذبحة سرمين مباشرة غداة إعلان كيري نية واشنطن مفاوضة النظام السوري، الذي خرج رئيسه، بشار الأسد، ليطالب واشنطن بأفعال وليس بالأقوال. في المقابل، كانت أفعاله تدور على الأرض السورية من شمالها إلى جنوبها، بلا حسيب ولا رقيب. أفعال ليست سرمين وأطفالها القتلى إلا جزءاً منها، في ظل حال التخلي التي يتعاطى فيها العالم مع المأساة السورية. تخلٍ يذكّر بالشعارات التي كانت ترفع في التظاهرات، حين التقط الناشطون السوريون سوء الموقف الدولي وحال الخذلان الذي يتعامل به مع الأزمة. كان الشعار "يا الله ما إلنا غيرك يا الله" يعبّر عن اليأس من الآخر، من دون أن يعني الاستسلام للواقع.
لم يعد قتل السوريين فعلاً للنظام وحده. بات الجميع مشاركاً في إهدار الدم السوري، سواء بالصمت أو الدعم أم التعتيم. النظام يقتل بترسانته الآتية من روسيا والصين وإيران، والغرب يتفرج، ويتسابق للحديث عن حوارات خرافية لنقل السلطة. وأصبح الإعلام العربي والغربي معتاداً على نزيف الدم السوري، سواء بالأسلحة التقليدية أو الكيماوية. لذا، كانت سرمين مجرد سطر انتهى مع موعد النشر.
"كم كنت وحدك"، عبارة قالها محمود درويش في قصيدته "مديح الظل العالي"، ليصف حال الفلسطينيين بعد اجتياح بيروت. عبارة يمكن إسقاطها على الوضع السوري الذي ما عاد حتى يثير الحسرة في الرأي العام العربي والدولي، الشعبي والرسمي، فالموت السوري بات عادة، والجرح النازف لا يوجع إلا أصحابه، بينما نحن نكتفي بالفرجة.
٢١ مارس ٢٠١٥
لم نجد بعد معادلة عملية تنظم علاقات داخلنا السوري مع الخارج، الدولي والإقليمي والعربي، مع أننا صرنا أداة بيد لعبة أمم مختلفة الأحجام والأدوار والمستويات، جعلت من الدم السوري وسيلتها لتصفية حساباتها، وتسوية خلافاتها وتناقضاتها.
في العلاقة بين الداخل والخارج، لا مفر من منح الأولوية للداخل ورؤية الخارج، والعلاقات معه بدلالته، وفي ضوء أحواله ورهاناته، فإن كانت أوضاعه جيدة، وخططه السياسية ضاربة ومتماسكة، وممارساته صحيحة، وترتكز على حقوق البشر، واحترام كرامتهم وتضحياتهم، وكان قادته يضعون أنفسهم في خدمة شعبهم، واستقلاله عن الخارج جدياً، وحريته في التعاطي معه واسعة نسبياً، صار محط اهتمام عالمه الخارجي، وحظي بما يريده من دعمه، وتمكّن من تسويق خياراته لديه، وتفادى بدرجة مقبولة ما قد تتصف به روابطه معه من شد وجذب مدمرين. أما إذا كانت أحواله سيئة ومتردية، وكان الخارج قادراً على التعامل معه بما تمليه عليه خياراته ومصالحه من اهتمام أو تجاهل، فإنه يحوله إلى مجرد أداة في يده، تخدم خططاً وسياسات تجافي مصالح الشعب وتطلعاته، وتضر بفرصه وخياراته، فما بالك إن وضعنا مصيرنا في يده وعولنا عليه من موقع الضعيف والمستضعف، وربطنا أعمالنا بإرادته، وأتبعنا أنفسنا له بمحض إرادتنا في كل كبيرة وصغيرة، ورأينا فيه جهة مقررة، لا مفر من التكيف معها، ترغمنا ظروفنا وأحوالنا على الرضوخ "بوطنية" لمطالبها.
منذ تشكل "تمثيل" سياسي للمعارضة السورية، ساد تنافس حقيقي بين النظام وبينها في كل ما يتصل بأولوية دور الخارج في إيجاد حل داخلي لصراعهما. وتسابق الطرفان على الاستقواء بالخارج، عله يجعلهما جزءاً من أدواته. لذلك، رفض النظام فكرة ومبدأ الحل الداخلي، لاعتقاده أنه سيسقطه، وآثر إضفاء طابع خارجي على صراعه ضد شعبه، بتحويله إلى حرب ضد أصولية مزعومة، لم يكن لها أي دور أو تمثيل في الثورة، ولم تحرك أحداثها وتوجه احتجاجاتها. بدورها، سارعت المعارضة إلى ربط نتائج الصراع الداخلي بأدوار القوى الخارجية، الدولية والإقليمية والعربية، لاعتقادها أن ما حدث في ليبيا سيتكرر في سورية، وإن تدخل الخارج سيغير موازين القوى لصالحها، على غرار ما وقع هناك، فلا حاجة لإضاعة الوقت في التركيز على تعبئة الداخل وتنظيمه، فهو ليس الساحة التي ستتعين نتائج الصراع بأوضاعها، ولا بد من وضع المسألة الداخلية تحت رعاية "أصدقاء الشعب السوري"، وترتيب أمورها بطريقةٍ، تشجع هؤلاء عامة، وأميركا منهم خاصة، على التدخل المفتوح فيها، ما دام انتصار الشعب المطالب بحريته مرتبطاً بتدخله. لا عجب أن وقع يوم تأسيس "المجلس الوطني" حديث صريح عن دبابات وطائرات التدخل التي ستدمر جيش الأسد، وتسقط نظامه، مثلما حدث في ليبيا.
لا بد، هنا، من لفت الأنظار إلى فارق مهم بين رهاني النظام والمعارضة على الخارج، ففي حين سعى النظام إلى حل خارجي، يتعين بقواه الخاصة وقدراته الذاتية والمستعارة، وصرف جل اهتمامه لتنظيم أتباعه حتى آخر فرد، وأقام تنظيمات جديدة مقاتلة وقمعية، واستمات لكسب كتل الشعب المحايدة، الكبيرة العدد، وأقام "حلف مذعورين"، ضم كل من استطاع إيهامه بأن خطر القتل والتصفية يحيق به، وإن نجاته مستحيلة من دون حماية الأجهزة الأمنية والجيش الفئوي، ومشاركته الفردية في مقاتلة بقية شعبه التي تستحق الموت، لأنها" طائفية" ومتخلفة، وتخوض معركة مذهبية، لا علاقة لها بما تدعيه من رغبة في الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. باختصار، وحد النظام داخله السلطوي وحقله السياسي، ومنع أي خروج، مهما كان بسيطاً على الحل الأمني/ العسكري الذي تبنته قيادته، وقتل بلا رحمة كل من حاد عنه، بمن في ذلك بعض كبار قادته.
في مقابل هذا النهج السلطوي، أبقت المعارضة على خلافاتها وتناقضاتها وانقساماتها وأنزلتها إلى الشارع، قبل أن تنقسم إلى فصيلين: واحد يريد الحرية وآخر معاد لها. وأهملت الداخل السوري وحراكه المجتمعي ووحدته، وأحجمت عن تعبئة قواه، على نحو يتمسك معه بمطلبه الرئيس "الحرية لشعب سورية الواحد". وبدل أن تطور خطاً سياسيّاً يقود الشعب الثائر، ويوحده وراء سياسات وبرامج تقدم أجوبة واضحة على أسئلته، سارت وراء عوام المناطق السورية الأكثر جهلاً وتأخراً، وتبنت انفعالاتهم الدينية والمذهبية، وميلهم إلى العنف، ولم تفكر في اتخاذ موقف نقدي، أو تصحيحي، من وعيهم الشقي الذي ما لبث أن ترجم، خلال وقت قصير نسبياً، إلى مواقف متضاربة، سقطت في جميع أنواع الفخاخ التي نصبها النظام لها. لم يغيّر شيئاً من هذه السياسة سقوط وهم التدخل الخارجي، ووقوف الخارج في واد والمعارضة في آخر، وما بيّنته الوقائع من تناقض بين حساباته التي تخلو أولوياتها من مصالح شعب سورية وثورته في سبيل الحرية، وتلاحق مصالح تتعارض معها، تركّز على حسم صراعات دولية وإقليمية، طمست الثورة وحجبتها، ولعبت دوراً لا يستهان به في إطالة عمر النظام، بعد أن حولت سورية إلى ساحة استقدم إليها جميع أنواع المجرمين السياسيين والأصوليين الذين أكد سلوكهم أنهم ليسوا غير أدوات تستخدم في تصفية حسابات دولية وإقليمية وعربية، بدماء ثائرين سوريين، لم يكونوا يوماً طرفاً فيها، لكنهم شرعوا يدفعون ثمنها الباهظ بعد أشهر قليلة من نشوب ثورتهم، من دون أن تقوم الجهات التي تدعي تمثيلهم بأي رد فعل على ما يجري، أو تعيد النظر بالتعويل على خياراتها الخارجية الوهمية التي ربطتها بقوى تقف وراء الموت اليومي لمن يفترض أنها تمثلهم، بدل أن تنفك عنها، وتؤسس أوضاعها الذاتية بطرق ترغمهم على أخذها بالحسبان في سياساتهم.
"لو أخذنا الجيش الحر مثالاً لأفزعنا ما يعيشه من تدهور في مكانته ودوره، وتحوله المضطرد إلى جهة هامشية"
لم تراجع المعارضة حساباتها، بل فعلت العكس: كثفت سيرها في اتجاه رجح، بصور متنوعة ومتعاظمة، وزن الخارج ودوره على وزن ودور الداخل الذي تراجع، حتى غدا أي إجراء يتم فيه مرتبطاً بإرادة خارجية ما، وبلغ الكذب على الذات حداً جعل أتباع هذا النهج المدمر يزعمون أن أي نجاح تحرزه الثورة يعكس فاعلية علاقاتهم الخارجية وقوتها. لم ينتبه هؤلاء إلى الواقع، وهو أن الثورة كانت تتراجع أمام النظام، ومن استقدمهم من غزاة اجتاحوا وطننا، وقضوا على استقلاله، حتى ليمكن القول: إن الجهات التي تمثل الثورة، وتحمل قيمها، وتعبر عن طموحاتها، كانت تتلاشى بسرعة. ولو أخذنا الجيش الحر مثالاً لأفزعنا ما يعيشه من تدهور في مكانته ودوره، وتحوله المضطرد إلى جهة هامشية، تغرق في بحار أصولية تستنزفه بالقتل والمال، بينما يعاني "الائتلاف" من هشاشة علاقاته مع الداخل، ويفقد دوره فيه، ويجد نفسه أمام مآزق يعالجها بالمبالغة في توجهه الخارجي، كأنه يرفض رؤية حقيقته الذاتية، وهي أنه صار مجرد ورقة بين أوراق الخارج، لن تستطيع الابتعاد عنه، من دون الاستناد إلى أرضية داخلية صلبة، مستقلة ومنظمة.
سيكون من المستحيل حسم الصراع السوري بالاعتماد على الخارج. فهل تغيّر المعارضة، أخيراً، أولوياتها، وترى الخارج بدلالة الداخل السوري الذي يتوقف انتصار الثورة على إعطائه أولوية مطلقة في عملها، باعتباره المكان الذي يفضي تنظيمه وسد ثغراته إلى تحقيق هدفيها، إسقاط النظام وإجبار قوى الخارج، المتصارعة بدماء السوريين، على احترام إرادتهم وحقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
بعد أعوام ثلاثة مفعمة بالخيبة، وبعد ما بلغه الداخل من ضعف، تكثف المعارضة أخطاءها بتكثيف علاقاتها مع الخارج، والابتعاد عن موضوع يجب أن يحظى باهتمامنا هو: جعل الداخل أولويتنا المطلقة ساحة للصراع ومكاناً للحسم. هل تأخرنا؟ نعم، تأخرنا كثيراً. ولكن، يبقى السؤال مطروحاً، أليس من الأفضل لنا أن نصل متأخرين، وننقذ ما يمكن إنقاذه، من أن لا نصل أبداً، ونخسر كل شيء، اليوم قبل الغد.
٢١ مارس ٢٠١٥
يقول الزعيم البريطاني الشهير وينستون تشيرتشل: «الحقيقة ثمينة جداً، لهذا لا بد أن نحميها بسياج من الأكاذيب». ومن الواضح أن النظام السوري وأبواق ما يسمى بـ«الممانعة والمقاومة» نجحت على مدى عقود في إخفاء الحقيقة بطوفان من الأكاذيب.
ففي الوقت الذي كان يملأ فيه الدنيا ضجيجاً بمعاداة الصهيونية والامبريالية، كان النظام السوري يرتهن ارتهاناً كاملاً للإرادة الأمريكية والصهيونية. وقد سُئل مسؤول أمريكي كبير ذات يوم: «ألستم منزعجين من الدعاية المعادية جداً لأمريكا في الإعلام السوري؟»، فأجاب: «نحن لا يهمنا ما يقوله الإعلام السوري، بل ما يفعله النظام لأجلنا، فعندما نطلب منه أن ينفذ لنا أمراً ما بنسبة أربعين بالمائة، يفاجئنا في اليوم التالي وقد نفذ الأمر مائة بالمائة. أي إنه دائماً يعطينا أكثر بكثير مما نطلب».
وذات يوم كان الرئيس السوري يركب سيارته، فسأله سائقه: «هل أذهب إلى اليمن أو إلى اليسار يا سيادة الرئيس؟»، فرد الرئيس: «اذهب إلى اليمين، لكن أعط إشارة بأنك ستذهب إلى اليسار».
لقد صدّع النظام السوري رؤوسنا على مدى أربع سنوات من عمر الثورة السورية وهو يشتكي من «المؤامرة الكونية» التي تقودها الصهيونية وأمريكا ضد نظامه. وقد فعل الأفاعيل بسوريا والسوريين بحجة مواجهة «المؤامرة»، مع العلم أنه لو كانت هناك فعلاً مؤامرة على نظامه لما صمد بضعة أشهر. واليوم سقط سياج الأكاذيب الذي أقامه نظام الأسد حول الحقيقة ليصبح عارياً أمام السوريين والعرب.
فبينما سقط الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي كان البعض يعتبره «ذخراً استراتيجياً» لأمريكا وإسرائيل خلال ثمانية عشر يوماً، ها هو الرئيس السوري «الممانع والمقاوم» بين قوسين يصمد لمدة أربعة أعوام في وجه الشعب السوري والمؤامرة الكونية المزعومة. من هو الذخر الاستراتيجي للصهيونية والامبريالية إذاً: مبارك أم الأسد؟ لا عجب إذاً أن الصحافة الإسرائيلية وصفته قبل فترة بـ«ملك ملوك إسرائيل».
وكي لا يكون الكلام جزافاً، فلننظر إلى الوقائع على الأرض، فلولا اللاءات الأمريكية، لسقط النظام السوري منذ الأشهر الأولى. وقد سمعت من مسؤول روسي كبير كلاماً قوياً يقول: «لا تلوموا روسيا، فليست هي التي تحمي الأسد بالفيتو، فلو أرادت أمريكا إسقاطه لما أعارت روسيا أي انتباه».
ويقول الكاتب السوري أحمد خطاب في هذا الصدد «إن الذي حمى الأسد فعلياً اللاءات الأمريكية الثلاث، وليس الفيتوات الروسية الأربعة. «اللا» الأولى تمثلت في حرمان المعارضة من الصواريخ المضادة للطائرات التي دمرت معظم المدن، وقتلت مئات الآلاف بالبراميل المتفجرة، وشردت الملايين.
لكن اللا الأمريكية كانت بالمرصاد تحت ذرائع واهية. رفضت أمريكا أن تزود السوريين بأي سلاح من هذا النوع. والأخطر وكدت أقول الأحقر أنها منعت كل الدول المتعاطفة مع الشعب السوري من أن تقوم بهذا الأمر».
أما «اللا» الثانية والأخطر كانت رفض الإدارة الأمريكية القاطع السماح بإقامة منطقة آمنة على الحدود أو في الداخل، منطقة تسمح للقوى الوطنية والديمقراطية السورية أن تجتمع في جو آمن، وتتداول في الشؤون والشجون السورية، كما تسمح للقوى العسكرية الوطنية أن تؤطر نفسها وتتوحد، وتسمح أيضاً لملايين المدنيين الفارين من الحرب أن يعيشوا حياة طبيعية بالحد الأدنى، بعيداً عن الموت والدمار.
وهكذا ورغم النداءات الملحة من أطراف كثيرة سورية ودولية، بقيت «اللا» الأمريكية على حالها، وكانت النتيجة تزايد عدد النازحين واللاجئين ليصل إلى نحو ثلاثة عشر مليوناً. وهكذا اضطر نصف الشعب السوري تقريباً أن يهيم على وجهه داخل بلده أو في دول الجوار، ويموت الآلاف منه غرقاً في مراكب الموت، أو حرقاً تحت البراميل المتفجرة، أو قتلاً بآلات التعذيب الوحشية في المعتقلات والمراكز الأمنية.
كل ذلك مع أن أوباما هذا «الصديق الصدوق» للشعب السوري كان بإمكانه ببساطه تفعيل القوانين الدولية الخاصة بحماية المدنيين في أوقات الحرب، لخلق مناطق آمنه تحت رعاية الأمم المتحدة. كلنا يذكر المناطقِ الآمنة التي أقيمت في التسعينيات في شمال العراق وجنوبه، وتللك التي أقيمت في أكثر من منطقة في البلقان.
أما «اللا» الثالثة والأخطر بكثير، هي غير معلنة، باطنية، مضمرة، وتتمثل برفض أوباما الاعتراف بثورة الشعب في سوريا والحديث بدل ذلك عن عنف أو تطرف أو حرب أهلية، وكل ذلك من باب المراوغة والهروب من مواجهة الحقيقة والاستحقاقات السياسية والأخلاقية المترتبة عليها.
والمثال الفاقع على ذلك كان مسارعته لوضع أي فصيل معارض للنظام الأسدي على قوائم الإرهاب، في حين أنه يتغاضى تماماً عن فصائل أخرى كثيرة تمارس نفس العنف ونفس التطرف في موالاة ذلك النظام، الجناح العسكري لحزب الله اللبناني، أبو الفضل العباس، عصائب الحق، وكذلك التدخل الإيراني الفاضح عسكرياً وسياسياً ومادياً وتسليحياً، مع تلك المليشيات المتعددة الجنسيات التي ارتكبت الفظائع بحق الشعب السوري المغدور.
عندما تسمح أمريكا وإسرائيل للميليشيات الشيعية بقيادة إيران أن تدخل إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام بعشرات الألوف وعلى حدود إسرائيل، ماذا يمكن أن نفهم من ذلك إلا أن أمريكا وإسرائيل تريدان ترجيح كفة النظام في القتال ضد معارضيه؟ ألم تستنفر أمريكا نووياً عام 1970 عندما دخل الجيش السوري إلى الأردن؟ وقد ذكر الرئيس الأمريكي الراحل نيكسون في مذكراته أنه: «طوال أسبوع بعد دخول القوات السورية إلى الأردن، لم أستطع النوم كما يجب، إلى أن هاتفني ذات مساء الملك حسين ليخبرني أن القوات السورية بدأت فعلاً بالانسحاب من الأراضي الأردنية، ليلتها فقط عزفت على البيانو، ونمت بعمق لأول مرة».
فلماذا إذاً غضت أمريكا الطرف عن دخول الحرس الثوري وميليشياته الباكستانية والأفغانية واللبنانية والعراقية واليمنية إلى سوريا؟ أليس لأن هناك مباركة أمريكية لدعم قائد الممانعة والمقاومة المزعومة؟
لو كانت إسرائيل فعلاً تريد إسقاط نظام الأسد لما وجدت أفضل من وقت الثورة بعد أن أصبح في أسوأ وأضعف حالاته، هذا لو كان يشكل فعلاً خطراً عليها. لكنها تركته، وحمته في دوائر القرار الأمريكية.
وأيضاً أمريكا لو أنها تريد إسقاط النظام فعلاً، لصنعت له معارضة قوية بسرعة البرق كما فعلت مع صدام حسين عام 2003، حيث جمعت كل المعارضين العراقيين المتسكعين في شوارع لندن ودمشق وطهران في مؤتمر عاجل في لندن، على الرغم من خلافاتهم الأيديولوجية الهائلة، فتوافق العلماني مع الملحد مع السلفي مع ولي الفقيه خلال أيام ليستلموا السلطة في العراق.
وبقدرة قادر أصبح نوري المالكي بائع الملابس الداخلية في دمشق رئيساً للوزراء في العراق، بينما تذرع أوباما بأن المعارضة السورية التي تقاتل الأسد هي ثلة من المزارعين وأطباء الأسنان، «وكأن ثورة الزاباتيين في المكسيك لم ينجزها المزارعون والفلاحون الفقراء! وكأن الثورة الكوبية ضد الدكتاتور باتيستا لم يكن على رأسها أطباء»!
لم يعد خافياً على أحد أنه لولا الدعم الأمريكي لما بقي نظام الأسد حتى الآن. كيف لا وقد كانت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت أول مسؤول دولي يجتمع بالرئيس السوري قبل الإعلان رسمياً عن تنصيبه خليفة لوالده حافظ الأسد عام 2000. ولو لم يكن بشار مدعوماً دولياً إذاً، لما فعل ما فعل من فظائع بحق السوريين دون أن يحاسبه أحد. وسيذكر التاريخ أن كل ما اقترفه النظام من جرائم فاشية نيرونية لم يسبق لها مثيل، كانت بضوء أخضر امريكي، فلا يمكن لنظام في العالم أن يفعل ما فعله الأسد لو عارضته أمريكا فعلاً.
لقد كان النظام السوري وأبواقه أكثر من هاجم مشروع «الفوضى الأمريكية الخلاقة» في العلن، لكنه، حسبما نرى من فظائعه وضربه لاستقرار المنطقة بأكملها، أنه القائد الفعلي لمشروع الفوضى.
بوجود هكذا مقاومين، فهل تحتاج أمريكا إلى مقاولين؟
٢٠ مارس ٢٠١٥
للتصريحات الأميركية التي تخص سورية وضع خاص وغريب، لا يمكن أن يجاريه في خصوصيته وغرابته سوى لعبة التواريخ التي لعبها الساسة الأميركيون، منذ بدء الحراك الشعبي في سورية، سنة 2011، مروراً بالحرب والمجازر والانتهاكات التي جرت وتجري خلالها، وصولاً إلى الأحاديث والتصريحات التي تتناول آماد هذه الحرب والتوقعات باستمرارها طويلاً. ولم يأتِ تصريح وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، قبل أيام، والقائل بحتمية التفاوض مع الأسد في النهاية، ليفعل شيئاً، سوى أن يضاف إلى التصريحات التي مضى وقتها، ولم تقدم شيئاً من تخليص الشعب السوري من مأساته.
عاش سوريون كثيرون وهْمَ التدخل الأميركي، إلى جانب طرف من أطراف الصراع ضد الطرف الآخر بطريقة ما. فقد عولت أطراف في المعارضة السورية طويلاً على التدخل العسكري الأميركي المباشر ضد النظام. وبقي هذا في طور المطالب والتمني وتهديد الطرف الآخر به، ليصل إلى ذروته، بعد اقتناع واشنطن بأن الجيش السوري هو من استخدم السلاح الكيماوي ضد المدنيين في الغوطة الشرقية في 21 أغسطس/آب 2013، السلاح الذي حذر الرئيس الأميركي، باراك أوباما، قبل عام من وقوع تلك المجزرة التي راح ضحيتها مئات الأبرياء، ويعد استخدامه خطاً أحمر، وقال إنه قد يقود إلى استخدام القوة العسكرية ضد نظام الأسد. وهو ما أعلن أوباما في 1 سبتمبر/أيلول من العام نفسه أنه سينفذه بتوجيه ضربة
"تخبرنا كتب التاريخ، وما سجلته ذاكرتنا من أحداث شهدناها أن الولايات المتحدة كانت، طوال الوقت، تقف حجر عثرة في طريق طموحات الشعوب وثوراتها لتحقيق تلك الطموحات. وكانت محرك الثورات المضادة، ومشعلة الحروب الظالمة للشعوب وداعمتها"
عسكرية إلى النظام، إلا أن تلك الضربة لم توجه، و(افتُدِيَت) بتضحية النظام بسلاحه الكيماوي من خلال تسليمه، وفق اتفاق أميركي روسي، جرى في اللحظات الأخيرة في التاسع من الشهر ذاته. كما أن الولايات المتحدة التي فرضت حظراً على تزويد المعارضة بالسلاح، لم تستجب لمطالبها برفع ذلك الحظر سوى أخيراً، ولم تستجب لمطالبها بفرض منطقة حظر جوي لحماية المدنيين، ولتمكين المعارضة من الوجود فيها لتنسيق عملياتها في باقي مناطق البلاد، انطلاقاً منها.
كما أن النظام قد مَنَّى نفسه بقبوله طرفاً في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، الأمر الذي يمكن أن يعطيه شرعية من دول التحالف، وهي ما يحتاج إليه في ظل الحظر والمقاطعة الدولية المفروضتين عليه. وقد خرجت صحيفة الوطن السورية، شبه الرسمية، يوم 23 سبتمبر/أيلول 2014 بعنوانها العريض: "واشنطن وحلفاؤها في خندق واحد مع الجيش السوري لمكافحة الإرهاب"، في تدليل على تنسيق بين التحالف والجيش السوري، في ما يخص ضربات الأول في سورية. نفى الأميركيون وجود ذلك التنسيق، وبقي كل في خندقه الخاص.
وبالعودة إلى الموقف، أو بالأحرى المواقف الأميركية، وتعاطي واشنطن مع تطورات الأوضاع في سورية، نرى أنها كانت تتعاطى بخجل مع هذه الأوضاع، واقتصرت تصريحات المسؤولين الأميركيين على تكرار التحذيرات من استخدام السلاح الكيماوي، وعلى مطالبة الرئيس السوري بالتنحي في 18 أغسطس/آب 2011 بعدما أقر أوباما بـ "عجز الأسد عن إنجاز التحول الديمقراطي". وذلك بعد خطوة مبكرة في 18 مايو/أيار من العام نفسه، حين فرضت واشنطن عقوبات مالية واقتصادية، وهي عقوبات، عادة، ما تضر الشعوب أكثر مما تضر الأنظمة. وكانت الولايات المتحدة تقذف كل نشاط أو مسعى يخص الوضع في سورية، على الرغم من خطورة الموقف وموت عشرات الآلاف، شهوراً إلى الأمام. إلى أن جاء اجتماع مجموعة العمل الدولي حول سورية في 30 يونيو/حزيران 2012، وكان وجود الولايات المتحدة في هذه المجموعة بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن فحسب. الاجتماع الذي درس النقاط الست المتفق عليها لإنهاء الصراع، والتي لم تضغط الولايات المتحدة لتنفيذ أي منها، وهي لو فعلت لكانت قد نُفِّذَت بمجملها، ورأينا الصراع وقد سُوِّي منذ ذلك الحين.
لا شك أن الحرب في سورية في مصلحة أميركا وإسرائيل. والحرب المعلنة من التحالف الدولي ضد داعش ستحرك سوق السلاح في الشرق الأوسط، ليزيد الطلب على السلاح الأميركي خصوصاً. وهي سوق وصلت إلى حد التخمة بالسلاح سنة 2010، تبعاً لتقرير لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام العالمي، أفاد بأن هذه المنطقة ينظر إليها على أنها منطقة صراع وعدم استقرار دائمين، تتطلب تجديداً لسباق التسلح فيها. كما أن استمرار الحرب في سورية يقود البلاد إلى حافة الانهيار، وهو ما تريده إسرائيل التي تريد أن تصبح سورية دولة فاشلة، أو في أحسن الأحوال ضعيفة، وهو ما توفره لها هذه الحرب.
لا أدري إن كان أحد من المعارضة ممن عولوا على التدخل الأميركي لصالحه، أو لصالح الشعب السوري، قد قرأ أو اطلع على حادثة في التاريخ، وقفت فيها الولايات المتحدة إلى جانب شعب مقهور. على العكس، تخبرنا كتب التاريخ، وما سجلته ذاكرتنا من أحداث شهدناها أن الولايات المتحدة كانت، طوال الوقت، تقف حجر عثرة في طريق طموحات الشعوب وثوراتها لتحقيق تلك الطموحات. وكانت محرك الثورات المضادة، ومشعلة الحروب الظالمة للشعوب وداعمتها. علاوة على وقوفها وراء، أو سكوتها عن، حروب إبادة جماعية كانت تشن ضد شعب من الشعوب، فتحصد ملايين من أرواح أبنائه، كما حصل في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. ومؤكد أنه ليس لدى واشنطن مصلحة بإنهاء النزاع في سورية، كما أنها فاقدة أي رغبة أخلاقية بوقف الحرب وسفك الدماء فيها. وهي إذ تنتفي مصلحتها بالسلام، فإن مصلحتها بالحرب تبقى الأساس. وهنا، تأتي تصريحات كيري، أخيراً، لتزيد البلبلة لدى كل من طرفي الصراع، وفي وقت تُدَرِّب فيه واشنطن عناصر من المعارضة المعتدلة، حسب قولها، وتمدها بالسلاح، ليتعزز الاعتقاد بأنها لا تفعل ذلك سوى لإطالة زمن الصراع، واستمرار حرب الإبادة على الشعب السوري.