مقالات مقالات رأي بحوث ودراسات كتاب الثورة
٥ أكتوبر ٢٠١٨
حل سياسي سوري مع تعزيز عسكري؟

 تشذ الأزمة في سورية عن قواعد السعي نحو الحلول كافة. حديث كل القوى والدول المتورطة في حربها عن أن لا حل عسكرياً فيها وأن الحل السياسي هو الأساس، إلى درجة بات معها ممجوجاً تكرار هذه العبارة من قادة دوليين وإقليميين، يرتكبون ما استطاعت أسلحتهم من قتل وتدمير في الوقت نفسه.

حتى البديهية القائلة بأن الحل العسكري يرمي إلى تمهيد الطريق للحل السياسي بمعنى تعديل ميزان القوى لمصلحة التفاوض، لا يجد طريقه إلى الترجمة العملية في الميدان السوري. وإذا كانت كل جولة عسكرية تنتهي بتفاوض فإن السنتين الأخيرتين شهدتا على أن القتال كان ينتهي في منطقة ما من أجل فرض استسلام على أحد الطرفين، تحت عنوان «المصالحة».

القاعدة في بلاد الشام باتت قول الشيء والتصرف بنقيضه.

ومع تسجيل صدق بعض الفرقاء، لا سيما سوريي المعارضة المعتدلة في تطلعهم إلى الحل السياسي، فإن الموجة الجديدة من الكلام عن هذا الطموح، تترافق مع تناقضات يصعب معها تبدل الأحوال.

فلاديمير بوتين يعلن ضرورة الانتقال إلى الحل السياسي، والعمل على انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية، بما فيها الروسية، في الوقت نفسه الذي يرسل إليها بطاريتي صواريخ أس 300 مع ما تتطلبه من خبراء وضباط روس لتدريب جيش النظام عليها، وللإشراف على استعمالها. فمن المؤكد أن الوحدات السورية التي ستوضع في عهدتها ستكون تحت قيادة روسية وأنظمة تحكم لاستخدامها يقودها ضباط روس، حتى بعد تأهيل الضباط السوريين. قرار استعمالها المفترض روسي قبل أن يكون سورياً. ولم يكتف الكرملين بتعزيز وجوده الصاروخي، بل أدخل إلى سورية أيضاً أنظمة إلكترونية للرصد والتتبع والتعطيل، لم يسبق أن استخدمت خارج الاتحاد الروسي، ما يدل على أن الميدان السوري ما زال ميدان اختبار للأسلحة المختلفة في مواجهة الترسانة الأميركية المتطورة، في سياق المبارزة بين القوتين الكبريين على استعراض القوة على المسرح الدولي والإقليمي.

يقود ذلك إلى زيادة عديد القوات الروسية لسنوات مقبلة، لا انسحابها.

وبينما يعلن القيصر أن الوضع في إدلب لن يحتاج إلى عمليات عسكرية كبرى، تدخل أرتال جديدة من الدبابات التركية إلى المحافظة بناء للاتفاق بين موسكو وأنقرة.

بالموازاة، يصدر ممثل وزير الخارجية الأميركي الخاص للتواصل حول سورية السفير جيم جيفري ونائب مساعد وزير الخارجية المبعوث الخاص إلى سورية جول رايبورن بياناً الثلثاء الماضي بأن «لا بديل للحل السياسي فيها وأن أولئك الذين يسعون للحل العسكري لن ينجحوا إلا في زيادة احتمال التصعيد الخطير واتساع نطاق الأزمة داخل المنطقة وخارجها»، وفي اليوم التالي يعلن وزير الدفاع جيمس ماتيس من باريس عن زيادة «عدد الخبراء الأميركيين» في سورية بعد قرار البقاء فيها إلى حين القضاء على «داعش» وانسحاب إيران منها. فالسفيران الأميركيان يريدان حلاً «لسورية الجديدة بلا ارتباطات مع النظام الإيراني وميليشياته»...

ترافقت كل هذه المواقف مع تأكيد إسرائيل أنها لن تتوقف عن ضرب الوجود الإيراني في الميدان السوري على رغم تسلم الجيش السوري بطاريات أس 300.

على رغم التهيؤ لعقد اجتماع للجنة صوغ الدستور السوري، وعلى رغم الحديث عن انطلاقة جديدة للوساطة الأممية من أجل الحل السياسي في سورية عبر تعيين موفد جديد بدلاً من ستيفان دي ميستورا، يصعب الاقتناع بأن الدول الكبرى تتهيأ لإنهاء مأساة السوريين، وسط هذه التناقضات بين ترويجها للحل السياسي وبين تصرفاتها العسكرية على الأرض. وهي ليست المرة الأولى التي تفعل ذلك على مدى السنوات السبع الماضية.

ومع أنه لاحت في الأفق إمكانية لإطلاق عملية سياسية مع المبادرة الروسية لإعادة النازحين، لأنها تفتح الباب على تفاوض بين الدول الكبرى للتفاهم على سلة إجراءات بالتوازي بين العودة وبين البدء بسحب القوات الأجنبية، وبين الحل الانتقالي الذي ينص عليه القرار الدولي الرقم 2254، إلا أن موسكو بنت مبادرتها على قصر من الرمل، لأنها لم تستطع تقديم ضمانات يركن إليها لضمان هذه العودة خارج المظلة القمعية والوحشية للنظام الذي يلاحق العائدين لإخضاعهم وإذلالهم، ولأنها لم تتمكن من ضمان الانكفاء الإيراني من أجزاء مهمة، بناء لاتفاق هلسنكي بين بوتين ودونالد ترامب، اللذين يحتاجان لاجتماع جديد.

ينتظر أن تستهلك الأزمة السورية موفداً دولياً جديداً بعد دي ميستورا وكوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، كي يتناغم مع تقاسم البلد مناطق نفوذ بين الدول المنغمسة فيه. وإذا كان من أمل بالحل السياسي فإن مؤشره الأول بدء انسحاب القوى الأجنبية، بانكفاء إحداها تمهيداً لانكفاء غيرها. العكس يحصل الآن.

اقرأ المزيد
٤ أكتوبر ٢٠١٨
منع عسكرة إدلب... الفرص والأخطار

 في خضم الجدل حول الاتفاق الذي وقعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين أخيراً في منتجع سوتشي، في شأن حلحلة الأزمة في إدلب بما يمنع عسكرتها، يثور التساؤل حول فرص تنفيذ الاتفاق الذي حدد برنامجاً زمنياً لإقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 - 20 كيلومتراً شمال سورية، وسحب السلاح الثقيل من هذه المنطقة بحلول 10 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، إضافة إلى التخلص من الجماعات الراديكالية داخل المنطقة المنزوعة السلاح بحلول الخامس عشر من الشهر نفسه. وإذا كانت إدلب تحمل أولوية خاصة لدى القوى الموجودة في سورية، باعتبارها المعقل الأخير للمعارضة المسلحة، فإنها تمثل أولوية قصوى لتركيا باعتبار أن حسم مصيرها يمهد لمرحلة جديدة من التفاهمات في شأن رسم خريطة نهاية الصراع في سورية؛ ناهيك بمخاوف أنقرة من موجات نزوح لاجئين جدد على أراضيها حال عسكرة الأزمة في المدينة التي يقطنها حوالى ثلاثة ملايين نسمة. لذلك، تنظر تركيا إلى الأزمة في إدلب باعتبارها خطراً يهدد وحدتها واستقرارها في ظل تنامي التهديدات الأمنية الناتجة من استمرار الصراع، إذ إنها تخوض حرباً مزدوجة ضد تنظيم «داعش» وحزب العمال الكردستاني في آن. خلف ما سبق، فإن أنقرة تخشى مشاركة كردية مع النظام السوري لدخول إدلب، خصوصاً في ظل مفاوضات علنية ومباشرة بين الأسد و «قوات سورية الديموقراطية» المحسوبة على أكراد البلاد في شأن تسلم مساحات واسعة من مناطق نفوذها في الشمال والشرق مقابل الحصول على امتيازات في إدارة المناطق الكردية، وهذا مرهون بإخراج القوات غير الشرعية ورفع العلم السوري فوق الأراضي السورية كافة. ويزيد التفاهم الإيجابي الحادث بين نظام الأسد والقوى الكردية السورية مخاوف أنقرة من احتمال إنشاء دولة قومية كردية في الشمال السوري، أو في الأقل الحصول على حكم ذاتي في إطار فيديرالية سورية، وهو ما قد يلهب طموحات الأكراد الأتراك.

فى هذا السياق، يمكن فهم التعاطى التركي مع طبيعة الأزمة في إدلب، والسعي إلى منع مواجهات عسكرية، قد تكون أضرارها المباشرة أكثر إيلاماً على تركيا التي تعاني أزمة اقتصادية غير مسبوقة، إضافة إلى توتر لا تخطئه عين مع واشنطن الداعم الأكبر للعناصر الكردية السورية التي تجد بيئة خصبة لتعضيد وزنها في الداخل السوري، إضافة إلى مد جسور الثقة مع القوى الدولية، بعد دور معتبر لها في مكافحة تنظيم «داعش»، وكان بارزاً، هنا، نجاحها في قضم نفوذ «داعش» في شرق سورية.

غير أن ثمة تحديات تقف حجر عثرة أمام تنفيذ الاتفاق التركي - الروسي، أولها رفض قطاع معتبر من الفصائل المتشددة هذا الاتفاق، منها «حراس الدين، و «أنصار التوحيد»، و «أنصار الدين»، و «جند القوقاز»، إضافة إلى فصائل أخرى عاملة ضمن هيئة تحرير الشام، وترفض الانسحاب من خطوط التماس مع قوات نظام الأسد الممتدة من جسر الشغور إلى ريف إدلب الشرقي مروراً بريف حماة الشمالى، وريف إدلب الجنوبي الشرقي.

ويرتبط التحدي الثاني بقدرة تركيا على الإيفاء بمسؤوليتها في شأن تفكيك جبهة النصرة الموالية لتنظيم «القاعدة»، ولاحقاً العمل على تفكيك باقي التنظيمات الإرهابية. كما يثور التساؤل في شأن قدرة تركيا على مواجهة السلفيين المتشددين، والمقاتلين الأجانب. فإذا كانت أنقرة لديها هيمنة على عناصر «الجبهة الوطنية للتحرير»، والتي تأسست من 11 فصيلاً من فصائل «الجيش الحر»، ففي المقابل ثمة نفوذ تركي محدود على التيارات الراديكالية في إدلب، وهو ما يعني أن أنقرة قد تكون أمام احتمالين، أولهما إمكان حدوث صدام عسكري بين القوات التركية و «هيئة تحرير الشام»، إذا رفضت الأخيرة البحث عن ملاذات بديلة لإدلب أو تفكيك نفسها، وربما يكون هذا السيناريو في مصلحة القوى الداخلية والخارجية التي تتربص بالاتفاق.

أو قد تلجأ تركيا إلى احتواء هؤلاء المتشددين وإعادة تأهيلهم داخل تركيا، وتكشف تصريحات مسؤولين أتراك عن إمكان السماح لبعض قيادات «هيئة تحرير الشام» و «تنظيم حراس الدين» بدخول الأراضي التركية على أن تقوم في مرحلة لاحقة بتسليمهم إلى دولهم.

ويُشار في هذا الإطار إلى تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بأنه بموجب الاتفاق الذي تم بين موسكو وأنقرة حول إدلب، يوفر أرضية خصبة لموسكو في شأن اتخاذ تدابير لمنع قوات الحكومة السورية من دخول المنطقة المنزوعة السلاح بطول خط التماس بين المعارضة المسلحة والقوات الحكومية.

وراء ما سبق، ثمة امتعاض سوري من الاتفاق، وهو ما جعل موسكو تفرض جهداً مضاعفاً لإقناع الأسد بالاتفاق، ووقف الهجمات المتقطعة على إدلب. وتعارض دمشق الاتفاق، كونه أدى إلى تعقيد خطط الأسد لاسترداد شمال غربي البلاد، ويكرس النفوذ التركي حيث تنشر أنقرة 12 نقطة مراقبة في إدلب ضمن إطار اتفاق خفض التصعيد في آستانة.

في المقابل، فثمة قلق في شأن إمكان صمود ذلك الاتفاق، في ظل تحييده الواضح لكل من إيران والولايات المتحدة، اللتين لن ترضيا بتقليص نفوذهما الذي عملتا جاهدتين على بنائه على الأراضي السورية. فعلى رغم ترحيب الخارجية الأميركية، بجهود كل من روسيا وتركيا لإنهاء العنف في إدلب، واتفاقهما على إقامة المنطقة العازلة ، فالأرجح أن واشنطن لن تقبل السعي الروسي لإخراجها من المعادلة السورية، وهو سعي مستمر منذ وقت طويل يثير قلق واشنطن.

أما طهران التي وصفت الاتفاق بأنه نتيجة للديبلوماسية المسؤولة، وأعلنت مبكراً رفضها عسكرة المشهد في إدلب، في محاولة لتخفيف التصادم مع واشنطن وأوروبا، ففي المقابل ثمة قلق إيراني، من أن يسفر الاتفاق التركي - الروسي عن تعضيد دور موسكو في إدارة الأزمة السورية من جهة، ويمنحها في الوقت ذاته الأولوية للاستحواذ على مشروعات إعادة إعمار سورية وعقود الاستثمار في البلاد، خصوصاً بعد نجاح بوتين في إقصاء طهران عن مشروعات استخراج مصادر الطاقة في سورية. خلاصة القول أن التحايل على الوضع في إدلب ومنع عسكرة الأزمة يظل مرهوناً بقدرة تركيا على ترويض الفصائل الجهادية، وإخراجها من إدلب فضلاً عن دور موسكو في تقديم دعم حقيقي لأنقرة لإنجاح مهماتها التي تبدو محفوفة بالأخطار.

اقرأ المزيد
٤ أكتوبر ٢٠١٨
أميركا vs إيران: المواجهة في العراق وسورية ولبنان

 الحملة الأميركية ضد إيران هيمنت على المناخ الدولي، واستطاع دونالد ترامب تتويجها في الأمم المتحدة، سواء بخطابه أمام الجمعية العامة أو بترؤسه الجلسة الخاصة لمجلس الأمن. أصبح العنوان: أميركا في مواجهة إيران... وهذا يحقق لقادة النظام الإيراني ما ادّعوه دائماً وما قدّموا به «تجربتهم» كدولة أولى ووحيدة لا هدف لها سوى «مقاومة الاستكبار» وإلحاق هزيمة تاريخية به. كان الملالي يردّدون أن العالم معهم طالما أنه يكره أميركا ويعاديها، ولعلهم يجدون في «المواجهة» الحالية مع أميركا أكبر دعاية تتحقّق لهم ولنهجهم في مراحل سابقة، لكن ظروفهم تغيّرت ولم يعد في إمكانهم أن يواصلوا تضليل ذواتهم وأتباعهم. بالطبع، لديهم قدرة على الإيذاء والتخريب، وقد أثبتوها في العراق وسورية واليمن ولبنان، لكنهم برهنوا في العراق خصوصاً أنهم لا يقدمون في المقابل سوى إذكاء الانقسامات ومنع قيام الدولة. ثم إن خيبتهم الكبرى ظهرت جليّة في الداخل، إذ أهدوا الى شعبهم «الحرس» والصواريخ ومشروع القنبلة النووية لكنهم عجزوا عن توفير الحياة الطبيعية والعيش الكريم.

تأتي «الفرصة» لإيران كي تتحدّى أميركا في أسوأ ظرف داخلي، مع أن الظرف الدولي هو الأفضل على الإطلاق. فاستراتيجية تحجيم النفوذ الإيراني التي تبنّاها ترامب استُبقت أو أُرفِقت بسلسلة عقوبات تربك حلفاء أميركا وأصدقاءها فضلاً عن خصومها، بل ترعبهم وتهدّد بمفاقمة أزماتهم المالية والاقتصادية، كما أنها تضع السياسات الدفاعية الغربية ذاتها في اختبار صعب. لا يمكن أن يتوفّر لإيران مناخ دولي أكثر ملاءمة، فالعلاقات بين واشنطن والعالم هي الأكثر توتّراً واضطراباً منذ زمن، لكن ثمّة ثلاث ظواهر: الأولى، أن جمهور ترامب يسانده ويحول حتى دون ذهاب خصومه الجمهوريين بعيداً في معارضته طالما أنه يجيّر قراراته لـ «أميركا أولاً» و «أميركا أقوى» ولـ «استعادة» أموال يعتقدها منهوبة. والثانية، أن العطب المالي والاقتصادي الذي أصاب إيران، بسبب عقود من العقوبات، بدّد قدرتها على استغلال الوضع الدولي لتمرير مغامراتها. والثالثة، أن الخلافات المتزايدة بين الدول الكبرى، القوية والغنية، جعلت اللعبة أكبر من إيران كما جعلت أزمتها أكثر عمقاً وخطورة من أن تعالجها بالاعتماد على ميليشيات خارجية نشأت على التعصّب المذهبي وأكسبها سلاحها غير الشرعي تخلّفاً سياسياً فصارت عنواناً لعدم الاستقرار في مجتمعاتها.

هل ترى طهران «بارقة أمل» في تمايز مواقف أعضاء مجلس الأمن عن موقف ترامب، وفي حضوره، وهل تكتشف في هذا الخلاف ما يلاقي طموحاتها، وهل تستخلص أن العالم منقسم بين غالبية معها تريد الحفاظ على الاتفاق النووي و «أقليّة» تقتصر على أميركا وتريد اتفاقاً آخر؟ الجواب جاء من ترامب نفسه: «ليس مهمّاً ما يفكّر فيه قادة العالم في شأن إيران، فالإيرانيون سيعودون إليّ، وسيحصلون على اتفاق جيّد، كما أعتقد». في الواقع السياسي، ليس هناك ما يؤيّد حجّة ترامب المقتنع بأن تجربته مع كوريا الشمالية (بوساطة مباشرة من كوريا الجنوبية، ومساهمة غير مباشرة من الصين) يمكن أن تتكرّر مع إيران، وليس واضحاً أي جهة يمكن أن تتولّى التوسّط والتسهيل. لذلك، يسخر الملالي من لا واقعية ترامب في رهانه على قرار إيراني بالتفاوض مع أميركا، لكن خياراتهم الأخرى مكلفة وغير مضمونة العواقب. كان هذا التفاوض سيكون طبيعياً وسلساً مع إدارة باراك أوباما التي قدّمت الكثير (لقاء الاتفاق النووي) وافترضت أن إيران ستنتهز الفرصة لفتح صفحة جديدة معها. اختارت طهران أن تضيّع فرصة أوبامية سهلة ومواتية لتجد نفسها أمام فرصة ترامبية لا تملك سوى أن ترفضها، لكن «المواجهة» مع أميركا، طالت أم قصرت، ستكون مؤذية لإيران، وربما تضطر المرشد علي خامنئي، هو الآخر، لتجرّع «كأس السم».

كانت لهجة ترامب الاستقوائية موجّهة عملياً إلى روسيا والصين، كذلك إلى الأوروبيين، فعقدة الاتفاق النووي بملابساتها الديبلوماسية أصبحت وراءه، أما مشكلة البرنامج النووي الإيراني فأضحت جزءاً من استراتيجيته لتغيير السلوك الإيراني، وهو ما تعتبره طهران سعياً إلى تغيير النظام نفسه، أي أن نظامها وسلوكها متلازمان. وإذ دأبت روسيا والصين الموقّعتان على الاتفاق النووي دأبتا على أقصى الاستغلال للتنافر الأميركي - الإيراني، قبل الاتفاق وبعده، وتتهيّآن لتحقيق مكاسب من المواجهة المقبلة. ما لا تعترف به طهران أن الدول الأوروبية الثلاث، الموقّعة أيضاً على ذلك الاتفاق، تدافع عنه كعقد دولي يجب احترامه وليس عن إيران أو عن استغلالها الاتفاق، وتدافع عن مصالح أتاحها لها الاتفاق وليس عن السياسات الإقليمية لإيران أو عن برنامجها الصاروخي الذي تنقل منتجاته إلى الحوثيين في اليمن و «حزب الله» في لبنان وبعض «الحشد الشعبي» في العراق. كل ذلك يعني أن طهران لا تستطيع الرهان على أي دعم من «الشركاء» في الاتفاق مهما بلغ استياؤهم أو عداؤهم لأميركا ترامب.

عدا إصرار الرئيس الأميركي على العقوبات التي ستضرب القطاع النفطي الإيراني، وهو ما تعتبره طهران خطاً أحمر، فإن مستشاره للأمن القومي جون بولتون والممثل الأميركي الخاص بسورية جيمس جيفري يؤكدان الآن عدم مغادرة المنطقة «طالما أن القوات الإيرانية خارج الأراضي الإيرانية». وفي ذلك تحدٍّ واضح لروسيا وحض لها على التعاون لـ «إخراج إيران» أو تحمّل العواقب التي لا تفيد الأساليب العسكرية في التخلص منها. فللمرّة الأولى يصدر تهديدٌ أميركي للنظام السوري إذا لم يتعاون مع «إعادة كتابة الدستور تمهيداً لإجراء انتخابات»، إذ قال جيفري أن «شغلنا الشاغل سيكون (عندئذٍ) جعل الحياة أسوأ ما يمكن لهذا النظام المتداعي وسنجعل الروس والإيرانيين الذين أحدثوا هذه الفوضى يهربون منها». صحيح أن هذا مجرد كلام لكنه يعبّر عن سياسة أميركية غير مسبوقة في الأزمة السورية، وتكمن خطورته في أن التعقيدات الداخلية للأزمة لم تُحسم عسكرياً، وفي أن منظومة العقوبات تريد التحكّم في الحسم السياسي.

هذا ينطبق إلى حدٍّ كبير على العراق، فمهما بلغ الولاء لإيران فلن يجرؤ أي رئيس حكومة على مطالبة الأميركيين بالمغادرة، مع ما يستتبع ذلك من عزل وعقوبات يصعب تحمّلها وتداعيات كارثية على دولة لم تنهض بعد وعلى بلد يعاني من صعوبات في الخروج من نكبته «الداعشية». الفارق بين النفوذَين الأميركي والإيراني هو تصوّر كلٍّ منهما لمصلحته ومدى تواؤمها مع مصلحة العراق والشعب العراقي. فالأميركي ارتكب أفدح الأخطاء في المرحلة السابقة لكنه يريد الآن للدولة وجيشها ومؤسساتها أن تسود، وإذا تحقّق ذلك فإن ضمانته وحدها يمكن أن تجتذب المساهمات الدولية في إعادة الإعمار. أما الإيراني فلا يرتاح إلا بوجود ميليشياته وبتغوّلها على الدولة واختراقاتها المؤسسات وترهيبها لمكوّنات المجتمع كافةً، ولعل أحد أهم أهداف إيران إبقاء العراق في نوع من العزلة الإقليمية والدولية. والمؤكّد أن العراق سيكون البؤرة الرئيسية للمواجهة التي ربما يشكّل إغلاق القنصلية الأميركية في البصرة أول وقائعها، فإيران لا تعتبر إخراج الأميركيين ممكناً فحسب بل حتميّاً لإحراز «النصر» وإحباط حملة ترامب عليها.

لا شك في أن بقاء الأميركيين في سورية يستدعي مواصلة إسرائيل هجماتها على الوجود الإيراني، لكن اذا استمر التجميد الروسي لهذه الهجمات وإذا أصرّت موسكو عليه فإن الأميركيين والإسرائيليين سيعتبرون أن روسيا أصبحت في حال تحالف مع إيران وسيبحثون عن سبل أخرى لملاحقة نشاطات التسليح الإيرانية. ولا يستبعد الكثيى من المصادر تشكيل فرق خاصة من فلول فصائل المعارضة للقيام بعمليات تستهدف الإيرانيين وقد تشمل لاحقاً مواقع للنظام والروس. لكن تحريم الأجواء السورية على إسرائيل دفعها أكثر إلى النظر في اتجاه لبنان، مستندة إلى إعلان «حزب الله» بلسان أمينه العام أنه حصل على أسلحة متطوّرة وصواريخ دقيقة. وليس التقرير الإسرائيلي الأخير عن نشر «حزب الله» صواريخه في مناطق آهلة بالسكان، بمعزل عن مدى صدقيته أو عدمها، يشكّل خطوة أولى في بناء ملف قضية لتبرير أي عمل حربي يستهدف «الحزب» وصواريخه لكنه سيُكلف لبنان وشعبه دماً ودماراً. أما العقوبات التي أعدّها الكونغرس الأميركي ضد هذا «الحزب» فهي خطوة مساندة للخطط الإسرائيلية لكنها في الوقت ذاته ضربة قاسية للاقتصاد اللبناني.

اقرأ المزيد
٤ أكتوبر ٢٠١٨
روسيا ومأزق اللاجئين السوريين

تحدّثت وسائل الإعلام الروسية، في الآونة الأخيرة، عن عودة 1،2 مليون لاجئ سوري منذ حصول التدخل العسكري الروسي المباشر إلى جانب نظام بشار الأسد الذي كان على وشك السقوط. وأثار العدد استغراب أوساطٍ دوليةٍ على صلةٍ بمتابعة هذا الملف الذي يقدّم إحصائيات موثقة لعدد اللاجئين السوريين في دول الجوار، والذي يقدّر بحوالي 5،6 ملايين، منهم قرابة 3،5 في تركيا عاد منهم خلال العام الماضي نحو 50 ألفا نحو مناطق "درع الفرات" في صورة أساسية، وذلك لأسبابٍ تتعلق بتوفر الأمن وغياب سلطة النظام، ويأتي بعد ذلك العائدون من الأردن، وهم قرابة 15 ألفا، ولبنان أقل من ألف.

لروسيا مصلحة أساسية في عودة اللاجئين السوريين، وإذا لم يتم ذلك، لا سبيل أمامها لإقناع الدول الكبرى، وبعض دول المنطقة للمشاركة في إعادة الإعمار في سورية. ومن دون هذه الورقة، سيبقى كل في مكانه وعلى حاله، ولن تتمكّن موسكو من التقدم إلى الأمام خطوة واحدة، خصوصا أنها غير قادرة ماليا على القيام بالمهمة وحدها، بسبب الكلفة العالية التي تحتاج مئات مليارات الدولارات.

وتبحث روسيا من خلال إعادة الإعمار عن تعويض جزءٍ من خسائرها الاقتصادية في سورية، وإطلاق ورشة دولية تبث الحياة في بنية النظام الذي صار على الأرض منذ عدة سنوات، ولم تعد لديها القدرة على الحركة، وإنْ لم تتمكّن روسيا من إقناع الدول الكبرى المانحة، فإن مشروعها سوف يمضي إلى طريقٍ مسدود، وهذا ما تدركه الأطراف الغربية، الولايات المتحدة وأوروبا، وهي تساوم موسكو عليه، وتضع شرط مشاركتها في التمويل إطلاق عملية سياسية على أسسٍ تحدّد مستقبل الأسد وبقاءه في السلطة مدة محدّدة دستوريا.

ومع أن ورقة اللاجئين ذات قيمة عالية لروسيا، فإنها لا تفعل بما فيه الكفاية، من أجل توظيفها على نحو مناسب، وهي تبدو إلى اليوم كأنها تعمل وفق رؤية النظام لهذا الملف الذي يعد أحد أكثر الملفات خطورةً في المسألة السورية. وليس سرا أن النظام يريد عودة لاجئين لا يشكلون له صداعا، ويخدمون أهدافه القريبة والبعيدة، ومن دون ضماناتٍ قانونيةٍ أو سياسية، وهو بذلك لا يتحمّل أي نوع من المسؤولية عن الحرب التي شنها سبع سنوات ضد الشعب السوري، وقد تصرف النظام على هذا الأساس بخصوص اللاجئين الذين عادوا إلى المناطق التي يسيطر عليها، ومثال ذلك الذين عادوا من لبنان ضمن تسوياتٍ مسبقة، لكن النظام أعاد اعتقال الشباب، ووجّه كثيرين منهم إلى الحرب على الجبهات لقتال المعارضة المسلحة، الأمر الذي لم يشجّع أحدا على العودة، على الرغم من الضغوط التي يتعرّض لها اللاجئون في لبنان والأردن، وهم يفضلون الحياة القاسية والعنصرية على العودة إلى مناطقهم للعيش في ظل النظام.

يخاف النظام والروس وإيران من عودة كثيفة للاجئين، حيث تترتب على ذلك وقائع جديدة على الآرض، يمكن أن تهزّ المعادلات التي تم فرضها بالقوة المسلحة على الصعيد الديمغرافي، ورسم خريطة طائفية جديدة. وإذا اقترنت العودة بضمانات أمنية وسياسية، فإن النظام والروس والإيرانيين لن يكون في وسعهم التحكّم بمسار التطورات، وهنا العقدة الأساسية في ظل التصلب الغربي، وإصرار بلدان ذات ثقل مالي كبير، ومستقبلة أساسية للاجئين، مثل ألمانيا على الضمانات الأمنية والسياسية، فهي، من جهةٍ، لا تستطيع أن تضغط على اللاجئين بالعودة من دون ضمانات، ومن جهة ثانيةٍ، ليست معنيةً بتمويل مشروع روسيا في سورية، وهذا ما تبلّغه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أخيرا.

ورقة اللاجئين من أخطر الأوراق للضغط على الروس. ولذا على المجتمع الدولي توظيفها على نحو سليم، من أجل إنتاج عملية سياسية تحت إشراف دولي.

اقرأ المزيد
٣ أكتوبر ٢٠١٨
سوريا على توقيت ساعة الكرملين

بعد 3 سنوات على دخولها المباشر في الحرب السورية، نجحت موسكو في ربط الزمن السوري بتوقيت ساعة الكرملين؛ لكنها لم تنتبه إلى أن فارق الوقت بين البلدين تتحكم فيه خطوط الطول والعرض التي وحدها تحدد الزمن والموقع للسوريين. ومن الواضح أن جنرالات الحرب الروس في سوريا يواجهون جنرال الوقت، وهم يعلمون جيداً أن «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»؛ لكنهم حتى الآن يراهنون على طائراتهم وبوارجهم حتى يقطعوه. والوقت في سوريا مرتبط بالمكان، والمكان يختلف عن الأماكن التي حقق فيها الكرملين انتصاراته السابقة، فسوريا ليست كبلاد القوقاز معزولة عن جوارها، وإن تخلى عنها العرب وأدار الغرب ظهره لها، ففي الحملة الروسية عليها لم تنجح موسكو في إقناع الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة بتبني مشروعها للحل، وفي المقابل من الصعب أن تستجيب موسكو للأصوات التي تطالبها بوضع حد للنفوذ الإيراني، وهي المستفيدة من انتشاره الميداني، الذي يخفف عنها أعباء اقتصادية، ويجنبها نشر قواتها البرية.

بعد 3 سنوات، جعلت موسكو من تمسكها بالأسد الابن في السلطة عنواناً لانتصارها، وتمسكها بالأسد هو تمسكها بالحل العسكري الذي رفضته الدول الأعضاء في المجموعة المصغرة حول سوريا، التي تضم الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، والسعودية، والأردن، ومصر، والتي طالبت في آخر لقاء لها بأنه «لا يوجد حل عسكري للحرب» معتبرة أنه ليس هناك من «إمكانية أخرى سوى الحل السياسي»، والحل السياسي في أضعف الإيمان هو عملية دستورية تؤدي إلى انتخابات حرة قد تفضي نتائجها إلى خروج الأسد من السلطة، وهو قد لا يناسب موسكو أو حلفاءها الأقوياء في سوريا، التي ما زالت مصرة على حماية مصالحهم، رغم خلافاتها التكتيكية معهم.

دخلت الحملة الروسية على سوريا عامها الرابع، ومعها باتت سوريا الروسية تمثل النموذج السياسي الذي يعمل جنرالات «العقيدة البوتينية الجديدة» على ترسيخه في العلاقة بين الأنظمة وشعوبها، التي تربط بين (النظام والاستقرار) وبين (حرية الشعوب والفوضى الهدّامة)، ففي بداية السنة الرابعة على تدخلها، وتحقيقها إنجازاً عسكرياً ضخماً مكنها من إبقاء رأس النظام في قصره، وبعد تبدل موازين القوى كاملة لصالحها، تعمدت إهمال الأصوات الإقليمية والدولية التي تطالبها بتغيير سلوك النظام، أو إجراء تعديلات على طبيعة علاقتها بحلفائها، أو في دعوتها إلى القبول بتسوية تراعي تحولات ما بعد 18 مارس (آذار) 2011. فموسكو التي تمكنت من تعطيل مقررات مؤتمري جنيف 1 و2، وفرضها مسارات أخرى في سوتشي وآستانة، وتحويل قراراتهما إلى مظلة سياسية لما تعتبره انتصاراً عسكرياً تستخدمها في عملية فرض الاستسلام على السوريين، ومطالبتهم بتجاوز واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ، ودعوتهم لقبول التعايش مع النظام، باعتباره استطاع تجاوز الأزمة، وقبوله على قاعدة أنه لا بديل له، إلا أن لغة الانتصار التي تمارسها روسيا في سوريا تصطدم الآن بتحديات لا يمكن تجاوزها، وباتت أشبه بمرآة تعكس وجه موسكو العاجز عن تحقيق أهدافه، وهي تسابق الزمن لتحويل مكاسبها الميدانية إلى منافع سياسية، قبل دخول حملتها على سوريا مرحلة الشيخوخة الاستراتيجية، نتيجة فشلها في تصريف نتائج خيارها العسكري سياسياً، فقد اكتشفت موسكو متأخرة أنها تفتقر إلى أدوات تساعدها على التوصل إلى حل سلمي دائم يحقق لها مصالحة فعلية مع الأغلبية السورية، التي خاب أملها في الرهان على الضمانات الروسية في حماية تعهداتها التي قدمتها في المناطق التي تمت إعادة السيطرة عليها، أو في الأماكن التي جرت فيها المصالحات، فقد ظهرت موسكو عاجزة في منع النظام من تطبيق حلوله الأمنية، وفي توقفه عن إذلال المواطنين، وهي تدفع ثمن تجنبها الانتشار الواسع على الأرض؛ حيث من المستحيل لعدة آلاف من الشرطة العسكرية الروسية أن تقوم بفرض النظام في جمهورية الميليشيات الطائفية وأمراء الحرب، وهي ما زالت تكابر وتتجنب إعلان فشلها في إقناع اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان بالعودة الطوعية، وأصيبت بخيبة أمل جرّاء موقف الدول الأوروبية التي نأت بلاجئيها عن دعوات موسكو للعودة، كما أن الأوروبيين ومعهم واشنطن قوضوا خططها للحل السياسي، عندما وضعوا شروطهم الصعبة للحل، والتي ربطوا بين تنفيذها وبين تمويل عودة اللاجئين من الدول المجاورة، وفي إعادة الإعمار.

بعد 3 سنوات على حملتها، حافظت موسكو على مصالح حليفتها الاستراتيجية طهران، ومكنت أنقرة من بسط نفوذها في مناطق الشمال السوري؛ لكنها أخرجت العرب من درعا، آخر موطئ قدم لهم في سوريا.

اقرأ المزيد
٣ أكتوبر ٢٠١٨
في مغزى التصعيد الروسي مع إسرائيل

لم تلجأ موسكو إلى تصعيد الخلاف مع إسرائيل بسبب إسقاط الدفاعات الجوية السورية الطائرة الروسية "إيل 20"، بل لأسباب بعيدة عن ذلك كليا. لجأت إلى التصعيد ردا على المناخ الدولي المضاد لتوجهاتها السياسية والعسكرية؛ والذي عبّر عن نفسه برفض تصوّراتها للتعاطي مع ثلاث قضايا سورية: عودة اللاجئين، إعادة الإعمار، إطلاق عملية عسكرية ضد مناطق سيطرة المعارضة المسلحة في محافظة إدلب وريفي حلب وحماة، كانت اعتبرت تمريرها مؤشّرا على اعتراف القوى الإقليمية والدولية بحقها في صياغة الحل الذي تراه للملف السوري. وهذا، بالإضافة إلى وجود مؤشّراتٍ على احتمال انفجار حربٍ واسعةٍ بين الولايات المتحدة وإيران في سورية، آيته تواتر الضربات الإسرائيلية في الأسبوعين الماضيين، وضربتها أخيرا في حديقة قاعدة حميميم الأمامية، سينهي مفاعيل المكاسب العسكرية التي حققتها في حمص والغوطة الشرقية ومحيط العاصمة الجنوبي ومحافظتي درعا والقنيطرة.

أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن جملة إجراءات: تسليم النظام السوري بطاريات صواريخ إس - 300، الحديث عن أربع مجموعات، حوالي مائة صاروخ، تغطي الأرض السورية، إنشاء نظام إدارة موحّدة لقوى الدفاع الجوي ووسائله في جميع أنحاء سورية؛ بما في ذلك وسائل الحرب الإلكترونية، ووسائل إطلاق النار؛ بإنشاء نقطة قيادة مركزية موحّدة، سيتعرف جيش النظام من خلالها على الهدف. وفي الوقت نفسه، سيتأكّد الروس من هوية الطائرات المغيرة، ويؤكّدون لقوات النظام لمن تعود، لخصمٍ أو لصديق، وهذا يثير مخاوف جدية بشأن احتمال صدام مباشر روسي إسرائيلي، نشر أجهزة تشويش كهرومغناطيسية على طول الساحل السوري في شرق المتوسط، أجهزة متطوّرة قادرة على تعطيل كل أنظمة التحكّم في الطائرات والسفن الحربية والأقمار الاصطناعية؛ كما التشويش على الاتصالات بتردّدات على الموجات القصيرة والترددات العالية.

ويحدّ نشر صواريخ إس - 300 من حرية حركة الطائرات الإسرائيلية فوق الأرض السورية. ونشر أجهزة تشويش كهرومغناطيسية على طول الساحل السوري في شرق المتوسط رسالة إلى الولايات المتحدة، والدول التي شاركت سفنها وطائراتها في الغارات الصاروخية على سورية في إبريل/ نيسان الماضي، ردّا، كما قالت في حينه، على استخدام بشار الأسد الأسلحة الكيميائية ضد المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية؛ والتي عادت إلى التهديد بردٍّ أشدّ على أي هجوم كيميائي، ينفذه النظام في إدلب وريفي حلب وحماة، عكست الإجراءات توجّها روسيا لتسخين المناخ المحلي والإقليمي والدولي، في محاولةٍ لحفظ ماء وجهها، بعد الانتكاسات في القضايا الثلاث المشار إليها أعلاه، ولاستعادة الردع في مواجهة من رفض أو تحفّظ على تصوّراتها إزاء هذه القضايا، واستدراج عروض ومواقف تفاوضية، أميركية خصوصا، كان لافتا تفاعلها السريع والايجابي مع تعليق وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، على قرار تسليم النظام السوري صواريخ إس – 300، إنه في انتظار لقاء نظيره الروسي، سيرغي لافروف، على هامش مداولات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، للإعراب عن قلق الولايات المتحدة بشأن نية روسيا نقل منظومات إس - 300 إلى سورية. وردّ نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، بأن بلاده مستعدّة لبحث كل المواضيع المتعلقة بالوضع في سورية وفي أي مكان آخر مع الولايات المتحدة. واستدرك"لكن نسعى إلى مناقشةٍ مثمرة، وعلى زملائنا الأميركيين ترك محاولات تقديم مقارباتهم وآرائهم الشخصية على أنها الوحيدة الممكنة والمقبولة". ودعا المسؤولين الأميركيين إلى تقييم الخطوات الروسية، سواء تعلق الأمر بـ الـ إس – 300، أو أي مسائل أخرى، بقدرٍ أكبر من الواقعية والاتزان والحيادية، جعل هذا التفاعل مصير الأزمة الروسية - الإسرائيلية جزءا من العلاقات الروسية الأميركية، وفق قول محلل سياسي روسي. وجدّد ريابكوف دعوة موسكو إلى الولايات المتحدة لتوحيد الجهود في محاربة الإرهاب في سورية، وفي منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

لم تكتف موسكو بالإعلان عن الإجراءات العسكرية التي ستتخذها حماية لجنودها، وفق تصريحات مسؤوليها، بل مرّرت معلوماتٍ عن حجم الوجود العسكري الإيراني على الأرض السورية؛ ونوعية الأسلحة المتطوّرة التي تمتلكها القوات الإيرانية أو الموالية لإيران، قدرات صاروخية بعيدة المدى ودقيقة، وتبريرها هذا الوجود. قال وزير الخارجية، سيرغي لافروف، ردّا على المطالبة بانسحاب إيران من سورية، إن بلاده لا ترى أن إيران تشكل تهديداً إرهابياً في سورية. وقد دفع هذا محللين أميركيين إلى القول "إن تسليم الدفاع الجوي الروسي صواريخ إس - 300 لسورية يهدد بتوسيع الحرب"، وملاحظتهم "أن التسليم يشير إلى ميل الجيش الروسي إلى الوقوف مع إيران ضد إسرائيل". ودفع معلقا إسرائيليا إلى القول "إن هذا هو السبب في أن القيادة الإسرائيلية، السياسية والعسكرية، لن تتنازل قط عن التكتيك الذي اتبعته حتى الآن في المواجهة النشطة لطهران وحلفائها في سورية ولبنان". ويفسّر إلى حد بعيد لماذا تعمّدت إسرائيل قصف موقع في اللاذقية، حيث قاعدة حميميم الجوية الروسية، فقد جاء القصف للتعبير عن احتجاجها على سماح روسيا لإيران بإقامة صناعةٍ عسكريةٍ في منطقةٍ خاضعةٍ لسيطرةٍ روسيةٍ مطلقة، كانت قبلها قد عبّرت عن تحفظها على إعلانات موسكو سحب القوات الإيرانية والموالية لإيران، بعيدا عن خط وقف إطلاق النار في الجولان السوري المحتل، تعدّدت إعلاناتها، وتغيرت المسافات التي أعلنت خلوها من القوات الإيرانية والحليفة لإيران، حيث تراوحت بين 40 و140 كلم. اعتبر محللون الغارة الإسرائيلية في اللاذقية استفزازا متعمّدا من أجل كشف الأوراق، والدفع نحو مواجهةٍ أشمل مع إيران بمشاركة الولايات المتحدة، عبر مواصلة هجماتها الهادفة إلى تقليص الوجود الإيراني في سورية، حتى لو قادت إلى صدامٍ مع القوات الروسية.

تباينت تقديرات المحللين للتصعيد الروسي بين من رأى أن إسقاط الطائرة الروسية سيجعل روسيا تناور من أجل قبض ثمن جنودها القتلى من سورية وإيران وإسرائيل؛ وهذا قد يدفعها إلى التخلي تدريجياً عن إستراتيجيتها المحايدة بالنسبة للصراع بين محور النظام وإيران وحزب الله من جهة وإسرائيل من الجهة الثانية. وفي حال تخلت عن هذه الإستراتيجية، سوف يظهر ذلك عسكريا في التزامها بالكامل بتقديم جميع عناصر النجاح الفنية والتقنية لمنظومة إس – 300، بِمَا يشمل توفير الحماية أيضاً للمقرّات الإيرانية والتابعة لحزب الله في سورية، وبين من رأى أنها دخلت بهذا التحرّك في مغامرةٍ ضخمةٍ في سورية، فهي تعزّز، بشكل كبير، شكل نهاية الحرب الأهلية التي مضى عليها سبع سنوات، لكنها قد تقود إلى صراعٍ أوسع، إذا حدث صدام في المجال الجوي السوري، نتيجة مقاومة فعالة ضد الاختراقات الإسرائيلية المتكرّرة.

اقرأ المزيد
٣ أكتوبر ٢٠١٨
النظام السوري وإيران شيء واحد

ثمة بديهيات يفترض ألا تغيب عن أي عربي، أكان في موقع المسؤولية أم لا. من يعتقد أنّ إيران و”حزب الله” شيء، والنظام السوري بكلّ رموزه شيء آخر، إنّما يعيش في عالم آخر… حتّى لا نقول شيئا آخر مرتبطا بكلمة السذاجة.

لعلّ آخر دليل على ذلك إعلان إيران إطلاق صواريخ بعيدة المدى في اتجاه منطقة شرق الفرات السورية وذلك في سياق “الحرب على الإرهاب”. المضحك- المبكي في الموضوع أنّ إيران تلجأ إلى الأسلوب والمنطق نفسيهما المعتمدين من النظام السوري في تبرير حربه على شعبه. بررت إيران إطلاق الصواريخ التي يبدو أنّها حطت قرب مدينة دير الزور، أو داخل إيران نفسها أو في العراق، بأنها تردّ على عملية الأحواز يوم الثاني والعشرين من أيلول – سبتمبر الماضي. يومذاك، هاجم مسلحون العرض العسكري الذي كان يقيمه “الحرس الثوري” في الذكرى الثامنة والثلاثين لاندلاع الحرب العراقية في العام 1980.

مثله مثل النظام السوري، لا يبحث النظام الإيراني عن السبب الحقيقي الذي يجعل “الحرس الثوري”، الذي سقط منه قتلى في الهجوم على العرض العسكري، يتعرّض لمثل هذا الحادث. هناك نظام في حال هروب مستمرّة إلى أمام تفاديا للتعاطي مع الواقع. يقول الواقع إنّ الأحواز منطقة غنية بالنفط فيها أكثرية عربية، وأن النظام القائم في إيران زاد من قمعه للأحوازيين في السنوات الأخيرة. لجأ إلى القمع من منطلق عنصري، قبل أيّ شيء آخر، متجاهلا أن إمارة الأحواز كانت مستقلّة قبل العام 1925 وأن معظم أهلها عرب أقحاح من جهة أخرى.

مثله مثل النظام السوري، يدّعي النظام الإيراني أنه في حرب على “داعش”.. لو كان ذلك صحيحا، لما كانت إيران والنظام السوري لعبا دورا في قيام “داعش” الذي معظم قادته من خرّيجي السجون السورية. لم تكن من مهمّة لـ”داعش”، في يوم من الأيّام، سوى تبرير الحرب التي تشنها إيران على العراقيين، عبر ميليشياتها المنتشرة في داخل العراق، والحرب الأخرى على التي يتولى أمرها النظام السوري والتي تستهدف السوريين. لو لم يكن الأمر كذلك، لماذا لم يدافع النظام عن الدروز السوريين لدى تعرّض السويداء والقرى القريبة منها لإرهاب “داعش” أخيرا؟

بالعودة إلى الموضوع الأساسي، أي العلاقة بين النظام السوري وإيران، لا وجود لأي تمييز بينهما. الفارق الوحيد هو أنّ النظام السوري الذي كان وصيا على لبنان قبل العام 2005، تخلّى عن هذه الوصاية لإيران التي باتت تسرح وتمرح في لبنان، بعدما استطاعت ملء الفراغ الذي نتج عن انسحاب الجيش السوري والأجهزة التابعة له. حدث ذلك إثر ردّ اللبنانيين على اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط – فبراير 2005. بعد شهر تماما، نزل الشعب اللبناني إلى الشارع وأجبر الجيش السوري التابع للنظام على الانسحاب. كان ذلك في الرابع عشر من آذار – مارس من تلك السنة. سارع “حزب الله” إلى الحلول مكان الوصاية السورية باسم إيران. كانت خطوته الأولى في هذا المجال دخول حكومة نجيب ميقاتي التي تشكلت مباشرة بعد اغتيال رفيق الحريري واضطرار عمر كرامي إلى الاستقالة مع أفراد حكومته. تبين منذ تلك الأيّام أنّ “حزب الله” يحل مكان السوري في لبنان وهو يقضم البلد شيئا فشيئا بعدما نجح كلّيا في تغيير طبيعة المجتمع الشيعي، تمهيدا لتغيير طبيعة لبنان كله بكل طوائفه ومذاهبه ومناطقه.

منذ خلف بشّار الأسد والده في العام 2000، جرت المحاولة العربية بعد الأخرى لإبعاده عن إيران. قليلون فهموا منذ البداية أن ذلك مستحيل. لولا الدعم العربي، والسعودي تحديدا، في السنة 2000، لكانت انهارت الليرة السورية. تبيّن مع الوقت أنّه يوجد بالفعل فارق كبير بين حافظ الأسد وبشّار الأسد. فالأسد الأب عرف كيف يستفيد من إيران وكيف تستفيد إيران منه. كان يستخدم إيران في ابتزاز العرب الآخرين، لكنّ أهميته كانت تكمن في أنّه وضع لها حدودا معيّنة لجهة التعاطي في الشأن السوري الداخلي، مثلما وضع حدودا لكيفية التعاطي مع “حزب الله”. كلّ هذه الحدود زالت مع توريث بشّار الأسد رئاسة الجمهورية في سوريا. هناك إعجاب ليس بعده إعجاب لدى الأسد الابن بـ”حزب الله” الذي لم يتردّد في إنقاذ نظامه مباشرة بعد اندلاع الثورة الشعبية على هذا النظام الأقلوي في آذار – مارس من العام 2011.

استطاع حافظ الأسد اللعب على الورقتين العربية والإيرانية على الرغم من دوره الكبير في دعم إيران في حربها مع العراق بين العامين 1980 و1988. أقنع معمّر القذافي وقتذاك بتزويد إيران صواريخ لقصف المدن العراقية، رافضا أن تأتي الصواريخ التي ستستخدم لقصف بغداد والبصرة من مخازن سورية. كذلك، لعب الأسد الأب دورا في دخول الدفعة الأولى من “الحرس الثوري” الإيراني إلى لبنان، وإلى منطقة بعلبك تحديدا، صيف العام 1982. إضافة إلى ذلك كلّه، لعب النظام السوري في تلك المرحلة دورا كبيرا في إنهاء الوجود العراقي في لبنان، لكنّه ميز نفسه في كلّ وقت عن الإيرانيين. وعندما تجاوز “حزب الله” حدودا معينة عام 1987 أدبته القوات الخاصة السورية على طريقتها، بارتكاب مجزرة ثكنة فتح الله التي كانت مركزا عسكريا لـ”حزب الله” في حي البسطا البيروتي، السنّي أصلا.

لم يعد هذا التمييز أو التمايز عن إيران موجودا لدى النظام السوري في لبنان منذ العام 2000. تكفي قراءة معمّقة في مطالعة الادعاء في جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه للتأكد من أنّ الاغتيال كان عملية مشتركة بين النظام السوري وإيران لا أكثر ولا أقل، وأن المنفّذين معروفون، كذلك المحرّضون.

ليس لبنان حاليا سوى “ساحة” تستخدمها إيران لتصفية حسابات مع هذه الدولة العربية أو تلك. في الماضي، استُخدم لبنان في خطف الأجانب للضغط على إيران وفرنسا وبريطانيا خصوصا إبان الحرب العراقية – الإيرانية. كان حافظ الأسد يلعب دور الوسيط في عملية الإفراج عن الأجانب المخطوفين الذين كان يُفرج عليهم في دمشق، وذلك كي يظهر في مظهر اللاعب الإقليمي العاقل العامل على تهدئة الأوضاع في لبنان…

في عهد الأسد الابن لم يعد هناك من يسعى إلى حفظ المظاهر. هناك لعبة واحدة وسؤال واحد. اللعبة هي لعبة تتحكّم بها إيران في سوريا ولبنان. السؤال الوحيد هو هل يمكن للدور الروسي أن يساهم في التفريق بين إيران و”حزب الله” والنظام السوري؟ تصعب الإجابة عن هذا السؤال بكل ما فيه من تعقيدات. ما يبدو أسهل من ذلك بكثير هو العودة إلى الماضي القريب. تقول تجارب هذا الماضي القريب إنّ العلاقة بين النظام السوري وكلّ من إيران و”حزب الله” أعمق بكثير مما يعتقد. يكفي أنّ الوجود الإيراني في سوريا مرتبط إلى حدّ كبير بشخص بشّار الأسد ولا أحد آخر غيره للتأكّد من ذلك…

اقرأ المزيد
٣ أكتوبر ٢٠١٨
معركة الفن.. هل يمكن أن ننتج دراما سورية للثورة؟

طالما نسمع بمصطلح السياسة الشرعية في المناطق المحررة في شمال غرب سورية من قبل التيارات الإسلامية عموماً وهو اصطلاح شرعي يعني إدارة شؤون البلاد بما لم يرد فيه نص حسب المتغيرات ومقتضيات المرحلة وبمعنى آخر قد يكون فهم عدم الثبات والاستجابة بما يناسب متغيرات الواقع بعيداً عن النمطية والتقليدية المعتادة وبذلك تصبح القوانين والأحكام حية ومرنة وملاءمة للواقع وتحقق الحلول لتحديات الزمان المختلفة.

بناء على هذا الفهم فإن السياسة الشرعية قد تكون سياسة أدبية فيما إذا كان حقل الاحتياج هو الآداب والتغيرات التي طرأت على الزمان أو المكان أو الرجال هي تغيرات في الغاية من تطوير النص الأدبي أو الأدوات المستخدمة في بناءه. وكذلك الأمر فإن هذا المنطق يؤدي إلى نقاش السياسة الفنية أو بمعنى آخر تأقلم فن المرحلة القائمة بما يمتلك من أهلية مكنت له من البقاء على قيد الاهتمام والمتابعة من قبل الجمهور وكما هو معلوم من الفن بالضرورة فإن النتاج الفني الذي لا جمهور له يتراجع ويموت سريعاً والفن الذي لا يجيد التأقلم مع المتغيرات ويلبي الحاجات الجديدة فإنه سيفرد إفراد البعير الأجرب.

ومن المدهش بمكان رصد العديد من التجارب والمبادرات الفنية في المناطق المحررة رغم كل التغييرات الجذرية التي وقعت فيها مما يفسر قدرة هذا الفن على الاستجابة لمتطلبات تغير الواقع وبالتالي فيمكننا وصم هذه التجارب الفنية بأنها فنون مرحلة أو فنون تعي فقه المرحلة وتحدياتها. وإنك تلاحظ أن التعديلات والتغييرات التي فرضت نفسها على هذه التجارب قد أصابتها في عمقها وشكلها فأسقطت الكثير من تقاليدها وشجعت على فنون لم تكن منتشرة من ذي قبل كالرسم على الجدران والتنكر وأداء الأدوار والمقتطفات الدرامية القصيرة والاستعراضات الثورية في ساحات المظاهرات واللوحات الجماعية ولافتات الثورة والأداء الجماعي للأناشيد الثورية.

ولتصور نوع المبادرات والتجارب الفنية المميزة في شمال غرب سورية اليوم والشكل الذي وصلت إليه تحت خيمة النزوح وبين ذرات البارود لا بد لنا من دراسة مقارنة لطبيعة وأسباب نمو الفنون المختلفة بين مناطق المعارضة ومناطق النظام في المرحلة الحالية التي تميزت منذ بدايتها بتحطم القامات الفنية التقليدية في مناطق المعارضة أو على الأعم ضمن الحاضنة الشعبية للمعارضة. حيث أن أغلب الفنانين والأدباء السوريين بشكل عام نبتوا في تربة حزب البعث شأنهم بذلك شأن بقية المثقفين والفاعلين في سورية كالمعلمين والضباط والأطباء وغيرهم إلا أن معظمهم لم يأخذ فرصة التطهر والتسامح كحال البقية بسبب طبيعة تسويق منجزهم الفني المعتمد على العرض والاستعراض عبر منابر مرتبطة بشكل قطعي بأجندة النظام المغلقة إلا أمام المداهنين للسلطة الممالئين لها علناً.

مما أدى إلى تحطم كثير من هذه القامات التقليدية بعد عزوف الجمهور عنهم. ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد فقد أتاح ذلك فرصة الظهور للمبادرين الجدد أو المقصيين سابقاً الذين حضروا وأحضروا معهم ثورة فنية كاملة في المواقف والاتجاهات والمدارس اختصرت هذه القفزة الفنية مراحل افتراضية طويلة من التدرج نحو تطوير العمل الفني عبر القيادة التقليدية من قبل حراس النمطية والتكرار. فأصبحت مادة الفنان أكثر واقعية وجرأة وغير متقولبة في أشكال جاهزة معدة مسبقاً من قبل أجهزة المخابرات وبحكم حداثة التجربة فلا يوجد لدى الفنانين الجدد قصص نجاح مرتبطة بأشكال فينة تقليدية مما سهل عليهم نفسياً تخطي حاجز التكرار والبحث بكامل الحرية عما هو أكثر صدقاُ وملاءمة في حين لا تزال إلى اليوم المناطق الواقعة في قبضة النظام تعيش قيوداً فنية تحت نمذجة تقليدية مفروضة حرمتها من فرص التطور وجعلتها حبيسة أشكال مطروقة.

ولا يعتبر غياب القيود الرسمية على الفنون في المحرر سبباً وحيداً في تطورها مقارنة بالفنون في مناطق النظام بل تعدته إلى القطيعة التامة على الصعيد الشعبي بين طرفي جدار الحرب فنادراً ما تشاهد معارضاً أو ثائراً اليوم يهتم بأي عمل درامي أو فني يعرض على شاشات قنوات النظام التي شاركت بشكل مباشر في التحريض على قتل الأبرياء. وكذلك الأمر فإن الحاضنة البعثية في الضفة الأخرى مقتنعة أو تقنع نفسها أن كل من ثار ضد النظام هو عميل مستأجر أو إرهابي وبالتالي لا يقبل منه عمل ولا فن وهذه المواقف السياسية الشعبية ألقت بظلالها على الاتصال الفني بين كلا الطرفين وجعلت الفن السوري بشكل عام ينمو في تربتين مختلفتين تماماً تتغذى كل منهما على إيديولوجيا مناهضة للأخرى مما أدى إلى ظهور أنماط مختلفة كلياً أكثر انتماءً للواقع الذي تنتج فيه تستمد أدواتها من الواقع المعاشي كما في نماذج الرسم على الجدران لتكون أدواتها الطلاء البسيط ورمزيتها الصمود والاستمرار فأنطقت الحجارة وحررت الجدران.

هذه المحدودية في وفرة الأدوات الفنية الناتجة عن عزوف الداعمين لمناطق المعارضة عن رفد الفن وتشجعيه وانشغالهم فقط بالسعي لتأمين المساعدات المعيشية جعلت النتاج الفني في المناطق المحررة حبيس القلة فأصبح يقدم فنوناً توجه في أغلبها لمجتمعه المحلي وبالتالي أصبح النتاج الفني ينمو كما النبات إذا غرسته في صندوق تجد شكله يتوقف عند حدود الحيز المتاح له بين جدران ذلك الصندوق وذلك على خلاف الفن المنطلق الذي يصلح للفائدة والمتعة في كل زمان ومكان وكأنه أصبح كقطعة المكعبات التي يصعب تركيبها خارج مساحتها المخصصة في اللعبة وعلى الرغم من ذلك فقد استطاعت العديد من التجارب الاستثنائية النمو من خلال شقوق ذلك الصندوق والانطلاق نحو شمس العمومية كما رأينا في لوحات الفنان التشكيلي عمار سفلو وفيلم حياة وغيرها.

وكون الفنان الأصيل ابن بيئته يسير في ركب قضيتها فقد استطاع الفنان في المناطق المحررة أن يثبت عمق ولائه لأولويات المرحلة وضروراتها فقَصر فنه على تطهير الوطن من الاستبداد دون تطهير الفرد والمجتمع من المفاسد كما نظر أرسطو في كتابه الشعر لأغراض الفنون. فرضي الفنان أن يقدم منتجاً أقل صدامية مع المجتمع من الناحية الثقافية وأظهر احترامه تجاه عقيدة الناس فالتزم بمحظوراتها ورتع في مباحاتها واستطاع أن يطوي خلافاته التقليدية مع البيئات المحافظة فقدم مسرحاً بلا ممثلات كما في مسرحية مجنون للفنان مصطفى شحود ولوحات بلا تجسيم كما في لوحات الطبيعة الصامتة للفنان التشكيلي عدنان كدرش. وأصبح الفن يطرح بجرأة بعيداً عن مخاوف الرفض والنبذ من قبل جمهور يعيش في منطقة ترى بأن النجاة من الموت والفوز بالحرية هي غاية الغايات وكل حديث عما سواها مدعاة لتمييع القضية وخلط الأولويات وتقديم المؤجل على المعجل.

وبلا شك فإن معركة الفن هي معركة الفنانين أنفسهم وانحياز الفنانين بين الحق والباطل عمّق المعركة القائمة فلا يخلو عمل درامي تنتجه الدراما الرسمية من التصريح والتعريض بما تدعو إليه الرواية الرسمية مما دعى فن المعارضة إلى بذل المحاولات للرد عليها بما يضاهيها فنياً ويحقق متعة أكبر ويقدم رسالة أكثر عمقاً وصدقاً ما ساعد بشكل كبير في قبول انتشار الفنون بنحو أكبر في مناطق لا صوت يعلو فيها على صوت القصف ولا حديث فيها إلا حديث الموت وأصبح أكثر قبولاً لنجاحه في إقناع الناس أنه فن مرحلة بامتياز وله قدرة على فهم التغييرات في فلسفة الناس ومقارباتهم وتفاعلات المجتمع وعنده أهلية فنية تمكنه من مواجهة جانب من دعاية النظام مما ترك جمره متقد في كل الظروف حتى وإن غطته طبقات من رماد الأهوال والذهول والانشغال فالمعركة الفنية والأدبية والثقافية والإعلامية وغيرها جزء من المعركة الشاملة بين الحق والباطل في سورية وهي أدوات ناجحة في الترويج للدعايات والمواقف السياسية وستصبح المبادرات الفردية اليوم ظواهر غداً وستصبح التجارب الأولية مدارس والمبتدؤون منظرون ورموز.

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٨
الموقف الأميركي في سورية

على الرغم من مرور سبع سنوات ونصف على اندلاع الأزمة السورية، فإن صانع القرار الأميركي، لم يتمكن إلى يومنا هذا، من إقناع نفسه بضرورة أن يتبنى سياسة متكاملة تجاه سورية، والمشاركة بفعالية في رسم معالم مستقبلها، بعد أن تخمد نار الصراع القائم. واللافت أنّ قلة الاهتمام، أو اللامبالاة الأميركية، لم ترتبط بطبيعة الإدارة الممسكة بزمام الأمور في البيت الأبيض، على الرغم من الاختلاف الجزئي في لهجتها، أو بعض التفاصيل هنا وهناك، لكن جوهر السياسة الأميركية تجاه الملف السوري هو الذي لم يختلف منذ اليوم الأول.

عندما دعا الرئيس السابق، باراك أوباما، الدكتاتور بشار الأسد، للتنحي في أغسطس/ آب 2011، اعتقد الجميع أن الأمر المستفتى فيه قد قضي، أي أن تغيير النظام في سورية بات مسألة وقت لا أكثر، في سياق الحراك الكبير الذي عرفته المنطقة في تلك الفترة، غير أن التطوّر المنتظر لم يحدث في سورية، على الرغم من المحطات الكثيرة التي بدا فيها سقوط الأسد وشيكا بين عامي 2012 و2015، ليتضح جليا بأن أميركا، وببساطة، تبدو مثل فتاة غير مهتمة بالدعوات الموجهة إليها، لأنها لم تجد مصلحة استراتيجية ملموسة وجاهزة، يمكن أن تغريها للتدخل بجدية في الموضوع، لذا لا داعي للمحاولة معها، ما دام أنها لم تجد مبرّرا من جنس الحرص على أمن إسرائيل ووضع الطاقة. فمن جهة، لا يشكل الأسد خطرا على الدولة العبرية، بل يمكن أن يستغل حاجزا يمنع التهديد الذي تشكله التنظيمات المتطرفة السنية والشيعية. ومن جهة أخرى، تغني ثورة النفط الصخري في أميركا، وذكريات تجربة العراق، الساسة الأميركان عن الحماس لجعل سورية في الفلك الأميركي بأي ثمن، على الرغم من موقعها الاستراتيجي الفريد الذي دفع واشنطن يوما إلى التنافس مع البريطانيين والسوفيات حولها في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته.

لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة معجبة ببشار الأسد، أو أنها لا تتمنى قيام نظام ديموقراطي عصري موال لها في دمشق، نظام يمكّنها من حظوة الموقع الذي تتميز به سورية على صعيد الشرق الأوسط، إذ أيامل معظم الأميركيين أن يأتي يوم ويستيقظون فيه على جملة من الأخبار تتضمن إطاحة نظام الأسد وتقديم مجرمي الحرب إلى العدالة، وإجراء انتخابات تعدّدية يفوز بها التيار العلماني الديموقراطي، غير أنّ المعضلة أنهم غير مستعدين للمساهمة الفعالة في تحقيق هذا الطموح.

أكثر من ذلك، لا بد أن نعترف أيضا بأن "اللامبالاة" الاستراتيجية الأميركية لم تمنعها من وضع مقادير الخلطة المؤدية إلى التغيير في سورية، حيث قدّمت دعما محدودا للمعارضة، بشقيها السياسي والمسلح، ليس لمراعاة الالتزام الأخلاقي تجاه قضية الشعب السوري، لأنه دعم غير حاسم فشل في إيقاف المذبحة المستمرة، إنما هو الطريقة التي مكّنت الأميركيين من مراقبة الأزمة، ومنعها من الانحراف نحو مآلات تهدّد مصالحهم، حيث تحوّل الموقف إلى نوع من الترقب والاقتناص، على طريقة "ننتظر ونرى"، فأصبحت الولايات المتحدة تتحرك وفق المتغيرات، وتطوّر سياستها ببطء، بناءً على المتحولات. مثلا أتاحت أسلمة الثورة وقيام "داعش" الفرصة لإيجاد موطئ قدم على الأرض السورية، تحت غطاء مبرّر ومتوافق عليه دوليا، مثل مكافحة الإرهاب.

وفي السياق نفسه، وجدت في الكرد حليفا محليا يمكن أن تعتمد عليه مستقبلا، بعيدا عن طرفي الصراع الأساسيين، أي النظام البعثي العلوي ومعارضيه من الأغلبية العربية السنية. ورأت أميركا في التدخل الروسي فرصة للتخلص من المتطرفين، وتحقيق نوع من الاستقرار، من دون التورط في المستنقع على المدى الطويل، بينما يعطيها منع التمدد الإيراني فرصة لإدارة مخاوف حلفائها والبقاء وقتا أطول في المناطق التي سيطرت عليها ضمن تحالف محاربة داعش في شرق وشمال شرق سورية، والتي قد تتحوّل إلى قاعدة ثابتة للتحرّكات الأميركية ضمن الخطوط التي رسمتها، ومنها الخط الأحمر المتعلق باستعمال نظام الأسد الأسلحة الكيميائية المؤدي إلى رد عسكري، تجتمع حوله واشنطن مع حلفائها الغربيين والعرب، وسيلة ضغط محتملة تدفع نحو الانتقال السياسي وفق رؤيتهم التي تهدف إلى تفكيك النظام الأسدي، قطعة قطعة، بطرق غير ثورية عبر الدستور والانتخابات واللامركزية.

لا أحد يعلم كيف ستكون النهاية في سورية، فلا ضمانات لنجاح الرؤية الأميركية، ما دام أنها مستمرّة في اعتمادها على ردود الأفعال والتكيف مع الظروف. وحتى إن كانت النتيجة النهائية المرجوة واحدة، فغياب الخطة المنهجية والاستراتجية المتكاملة يجعل عدم اليقين هو المنطق السائد حتى إشعار آخر.

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٨
روسيا بين الوجود الإيراني في سوريا والحيرة مع إسرائيل

إن حادثة إسقاط الطائرة الروسية في سوريا ظهّرت مجدداً حالة الضياع والفوضى؛ بل الخواء السياسي، التي تعيشها القوى المتصارعة والمتحالفة فوق الجغرافيا السورية. فالحادثة وما تلاها من ردود فعل من الجانبين الروسي والإسرائيلي معاً، عززت وهَن ما سمي التفاهم الروسي - الأميركي - الإسرائيلي بعد معركة الجنوب السوري، لا سيما لجهة الإعلان عن إبعاد إيران وميليشياتها مسافة 80 كيلومتراً (كلم) عن الحدود مع إسرائيل، وأحيانا 140 كلم، كما أعلنت موسكو بعيد إسقاط الطائرة في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي.

على الرغم من القرار الروسي تسليم الجيش السوري منظومة صواريخ «إس 300» وأجهزة إلكترونية حديثة ومتطورة من شأنها منع أو إعاقة تحليق الطيران الإسرائيلي فوق الأراضي السورية، فإن أكثر من جهة تردد، وفي معظم وسائل الإعلام، أن التعاون الوثيق بين موسكو وتل أبيب سيستمر، وأن الخلاف بينهما لن يتجاوز حدوداً معينة في ظل سعي كل طرف لإنقاذ ماء الوجه.

وعلى عكس ذلك، يرى مراقبون عديدون أن هذا التفاهم الروسي - الإسرائيلي هو في الأساس ضد الطبيعة، لأنه يقوم على اعتبار أن روسيا تلعب دور الوسيط النزيه بينما في الواقع هي طرف رئيسي في النزاع.

المرجح أن استخدام الصواريخ سيكون محاصراً بخطوط حمر روسية وتحت إدارة روسية مباشرة، كما الأجهزة الإلكترونية الحديثة، التي تهدف أساساً إلى حماية القوات الروسية البرية والجوية. ومع ذلك، يبدو أن التطورات الأخيرة سوف تدخل العلاقات الروسية - الإسرائيلية خصوصاً، وجراءها المنطقة عموماً، في مرحلة جديدة قد لا تشبه المرحلة التي سبقت إسقاط الطائرة، وتفتح الباب أمام تحولات وأبعاد عدة.

التحول الأول هو أن إسرائيل أصبحت أكثر انزعاجاً وقلقاً من الوجود الروسي في سوريا. منذ بداية التدخل الروسي في سوريا، تعاملت إسرائيل مع هذا التدخل بمثابة أمر واقع لا طاقة لها بتغييره، وحاولت منذ اليوم الأول احتواءه والإفادة منه قدر المستطاع. بات أوضح للعيان اليوم أن الوجود الروسي في سوريا يعقد ويربك أكثر فأكثر قدرة إسرائيل على مواجهة إيران وميليشياتها في سوريا. هذا في وقت لم تمارس فيه موسكو أي ضغوط جدية لتقييد الحراك الإيراني السياسي والأمني أو العسكري في سوريا، بدليل أن الطيران الإسرائيلي كان لا يزال حتى يوم إسقاط الطائرة يغير على مواقع عسكرية إيرانية. وعليه، يجوز القول إن القدرة الإسرائيلية العسكرية في سوريا تتراجع، فيما الوجود الإيراني إذا صح أنه لم يتوسع أكثر، فإنه لم يتقلص. يضاف إلى ذلك عجز موسكو عن التموضع في دور «الوسيط النزيه» القادر على ضبط إيقاع التوتر الإيراني - الإسرائيلي في سوريا.
التحول الثاني هو سقوط الرهان الإسرائيلي، الذي يصفه بعضهم بـ«الوهم»، على قدرة النظام السوري على استمرار لعب دوره السابق في حماية الحدود الإسرائيلية، كما سقوط الرهان بعد معارك جنوب سوريا على القدرة على إبعاد إيران عن الحدود والمحافظة على الهدوء الذي تميزت به منذ عام 1974. وحتى إذا صح أن إيران وميليشياتها ابتعدت عن الحدود مسافة قصيرة أو بعيدة، فإن فعالية وتأثير إيران ومخابراتها وميليشياتها وتغلغلهم في مفاصل الجيش السوري يشكل تهديداً على الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي الأكيد في الإقليم.

التحول الثالث يتمثل بماهية الرد الإسرائيلي المقبل على محاولات إيرانية جديدة لتهريب أسلحة إلى لبنان أو تمكين ميليشياتها في سوريا. يبدو أن إيران مصممة على مواصلة عملياتها، وإسرائيل مصممة على منعها. وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً إذا كانت الضربات الإسرائيلية قريبة من قواعد روسية في شمال غربي سوريا. هل ستخاطر إسرائيل بتوتير علاقاتها أكثر مع موسكو؟ وماذا لو تم إسقاط طائرة إسرائيلية هذه المرة؟

التحول الرابع هو في إمكانية عدم سماح روسيا بعد اليوم لإسرائيل بحرّية جوية على غرار ما تمتعت به منذ العام الماضي، حيث شنّت أكثر من 200 هجوم في سوريا؛ بحسب ما أعلنه الجيش الإسرائيلي. في هذه الحال، ما البدائل المتاحة أمام تل أبيب؛ هل البديل هو الهروب إلى الأمام وقصف مواقع في لبنان على غرار ما أعلنه نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي؟

ونتساءل في هذا السياق عما إذا كانت المواقف الأميركية من حادثة الطائرة على مستوى الحدث والرد الروسي عليه، ما ينقلنا إلى البعد الخامس وهو السياسة الأميركية تجاه سوريا... هل ستستمر واشنطن في الإقرار بالهيمنة الروسية على سوريا وترضخ لتقييدها حرية إسرائيل في مواجهة الوجود الإيراني على أراضيها في وقت ترفع فيه من وتيرة الضغوط على طهران؟ منذ اندلاع الحرب السورية بقيت إسرائيل على هامش الحدث ولم تتدخل في مسارها إلا بما يؤمن مصالحها ويحمي حدودها. اليوم دخلت إسرائيل إلى قلب الحدث السوري في مواجهة مفتوحة مع إيران، التي بدورها لن تتخلى قيد أنملة عن وجودها في سوريا كما في ظهيرها لبنان. فهل سيدفع هذا الأمر بواشنطن للضغط على إيران بدءاً من سوريا؟

أكدت واشنطن موقفها المناهض لتمدد إيران ولدورها المزعزع للاستقرار في المنطقة في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي مؤخراً أمام الجمعية العامة، كما في التصريح الذي أدلى به مبعوث الخارجية الأميركية لسوريا، السفير جيمس جيفري، أمام مجلس الأمن بعد حادثة الطائرة؛ إذ قال: «لا استقرار في سوريا مع بقاء إيران وأدواتها في هذا البلد»، وحملهم مسؤولية أعمال العنف الفاضحة في الحرب، و«أصبحوا اليوم على أبواب إسرائيل، وهذا غير مقبول». تنتظر إسرائيل ترجمة عملية لهذا الموقف على الأرض، تؤمن سنداً واقعياً للتحديات التي قد تواجهها في الحرب التي تخوضها ضد الوجود الإيراني، لا سيما بعد الإجراءات الروسية الأخيرة.

ماذا بالنسبة للمستقبل، أقلّه في المديين القريب والمتوسط؟

الأكيد أنه لا روسيا ولا إسرائيل تريدان تدهور العلاقات بينهما، علماً بأن روسيا بقيادة بوتين ستقبض ثمن دماء جنودها وستعمد إلى الإفادة القصوى من الحادثة من سوريا وإيران وإسرائيل معاً. إنما مهما اتخذت من إجراءات فلن تصل إلى حد التسبب في انهيار علاقاتها مع تل أبيب، كما من غير المرجح أن تغامر بالمكاسب التي حققتها على صعيد موقعها الدولي لحماية إيران.

في المقابل، لن يتبدد القلق الإسرائيلي إذا لم تعمل واشنطن بوضوح عبر دبلوماسية جريئة مدعومة بقوة فاعلة على ترجمة السياسة التي عبر عنها الرئيس وأعوانه، بما يسمح لإسرائيل بمواصلة تقليص الوجود الإيراني في سوريا. ودون ذلك سيكون أمام إسرائيل خياران لا ثالث لهما: إما أن تكبل بالإجراءات الروسية الجديدة وتتحصن داخل حدودها وتنتظر ما سترسو عليه الأوضاع في سوريا على وقع العلاقات بين طهران وموسكو، وإما أن تستمر في سياسة المواجهة مع ما قد تحمله من مخاطر حرب استنزاف طويلة ومكلفة قابلة لأن تتطور إلى حرب واسعة في الإقليم يصعب توقع نتائجها.

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٨
حزب الله والتدرّع بالمدنيين

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن إسرائيل رصدت ثلاثة مواقع في الأوزاعي بجوار مطار بيروت تجهزها ميليشيا حزب الله لتصنيع الصواريخ دقيقة التصويب، والمنطقة مأهولة بالسكان المدنيين، ما يعني عملياً أنها تريد أن تجعل من المدنيين دروعاً بشرية، فإذا هاجمتها إسرائيل اتهمتها بقتل الأبرياء المدنيين، وإن تركتها فإنها ستكون منبعاً خطيراً يهدِّد الأمن الإسرائيلي. طبعاً إسرائيل -كما هي سياساتها دائماً- تعتبر أمنها خطاً أحمر لا تسمح لكائن من كان بتجاوزه، مهما كانت التبعات؛ بمعنى أن تصريح رئيس الوزراء هذا بمثابة تهديد ضمني ليس لحزب الله فحسب، وإنما لكل اللبنانيين. حزب الله -طبعاً- لن يكترث، فهو حركة مؤدلجة، لا يهمها الإنسان بقدر ما تهمها الإيديولوجيا، وهو يحتفل بالشهداء، ويُضخّم من شأن الموت في سبيل حركته العقدية العميلة للفرس الصفويين، فهو - كما يعرف الجميع - عميل لملالي الفرس، واستفزاز إسرائيل لضرب لبنان، وإنتاج مزيد من (الشهداء) القتلى سيخدم إيران في صراعها مع الولايات المتحدة وحلفائها، إذ سيكرس الرأي العام العربي ضد إسرائيل ويجعله مصطفاً مع الإيرانيين، وبالتالي ضد أمريكا، التي من المقرر أن تفرض على إيران عقوبات اقتصادية ليس لها مثيل في التاريخ المعاصر. ومن خلال ما لدينا من مؤشرات على الأرض فإن لبنان، وبالذات كوادر حزب الله الإرهابية الطائفية لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون مصدر تمويلهم يجف، في طريقه للتوقف التام، الأمر الذي يجعل من المتوقّع أن لبنان ستكون ساحة حرب جديدة كخط دفاع أول عن إيران، ولا يهم حزب الله ما سوف يترتب على لبنان من خسائر جسيمة، بل وغير مسبوقة، سيما وأن لبنان يئن من دين يصل إلى ما يقارب تسعين مليار دولار. كما أن رئيس لبنان نفسه هو أحد كبار الموظفين لدى حزب الله، وبالتالي موظف لدى إيران. ولبنان دولة توافق طوائف متصارعة تارة ومتحالفة تارة أخرى، ولم تكن دولة وطنية في تاريخها بأي شكل من الأشكال، وكل طائفة تبحث عن مصلحتها ومصلحة أفرادها أولاً، وتأتي مصلحة لبنان كدولة في قاع أولويات طوائفها؛ لذلك لن يجرؤ أحد الفرقاء اللبنانيين بالاعتراض على تصنيع تلك الصواريخ في منطقة آهلة بالمدنيين، إذ إن حي الأوزاعي منطقة شيعية تابعة لحزب الله، يدين قاطنوها بالولاء لذلك الحزب العميل، وهذا في أعراف السياسة في لبنان مبرر كافٍ يجعل حزب الله يتصرف في هذا الحي كما يتصرف الملَّك في أملاكهم.

إسرائيل لن تترك المواقع الثلاثة تعمل على تهديد أمنها، وأتوقّع أن يكون هناك ضربة إسرائيلية ساحقة ماحقة لهذا الحي الشيعي، إلا إن ثابت كوادر حزب الله إلى رشدها، وتوقفت عن بناء هذه المواقع. ولا أرجح ذلك، لأن القرار ليس في أيدي كوادر الحزب من اللبنانيين، وإنما في يد قاسم سليماني وأركان ميليشياته الإرهابية، والإيرانيون لا يكترثون لا بلبنان ولا بالعراق ولا بسوريا ولا باليمن، فكل تلك الدول وشعوبها هم لدى الملالي الصفويين مجرد خطوط دفاع عن جمهورية الملالي المتأسلمة، ومن خلال عملائها، هم مجرد بيادق يحركها الإيرانيون في صراعهم الوجودي مع أمريكا، لذلك فمن المتوقّع أن تحول إيران تلك الدول إلى حقول ألغام في وجه الولايات المتحدة الأمريكية، بمجرد أن يبدأ تطبيق الحصار الاقتصادي الأمريكي المنتظر ضد إيران. وفي تقديري أن عام 2019 سيكون عاماً حافلاً بالأحداث، التي إما ستلغي حكم الملالي في إيران، أو تعود مضطرة خانعة خاضعة مرغمة إلى طاولة المفاوضات من جديد ليملي عليهم الأمريكيون شروطهم..

إلى اللقاء

اقرأ المزيد
١ أكتوبر ٢٠١٨
سورية قبل إدلب وبعدها ؟

 استطاعت التهدئة إعادة الروح إلى الشارع السوري، تقلّصت فيه الحواجز الأمنية، أزيلت منه المتاريس والكتل الاسمنتية، حذفت من التداول فيه الجراح النازفة، لعلها تندمل بمرور الزمن، وربما بعلاج المصالحات الروسية والسورية!

عادت الروح إلى الشارع العام، أمّا الشارع السياسي فلم تكن فيه حياة حقيقية لتعود الروح إليها. حاول النظام في بداية الأزمة تطعيم سلطته بنكهةٍ ديموقراطية لسد الذرائع، يُسَيِّسُ فيها معارضةً له تحت عباءته الأمنية. وهذا ما حدث فعلياً، فالأحزاب الجديدة جميعها لا تقدم نفسَها إلاّ معارضة، يُسوِّقها في مؤازرة موسكو لدى المجتمع الدولي لإضعاف المعارضة الخارجية وتشتيتها. وعين هذه الأحزاب ترصد وتترقب ليس خرقاً سياسياً بتأثير الضغوط الدولية، بل استمرار التهدئة كما هي حالياً، ومن ثمّ اعتمادها حلاًّ سياسياً تقدم هذه الأحزاب نفسها لحمل راية المعارضة فيه، وكل تأخير في حسم انفراد النظام بالحل يقلقها، ويقضُّ مضاجعها.

مشكلة إدلب لا تُناقَشُ في أدبيات الأحزاب المحلية إلاّ بلغة النظام في القضاء على الإرهاب، وقلقها ليس فقط من طول الانتظار، بل من الصراع الخفي بين من يَستظِلّ بعباءة النظام ومن يستظلّ بعباءة موسكو، وكل طرف منهما يقلقه اتّساع نفوذ غريمه. فحبال الود لم تُقطع بين النظام ومنصتي موسكو والقاهرة، وفي الداخل تمتد حبال الود بين الأحزاب الجديدة المرعية أمنياً وموسكو وحميميم. هذه الحبال قد تُشوش مرحلة ما بعد التهدئة، التي يسعى المجتمع الدولي لتكون تنفيذاً لقراره «2254» ويملك من وسائل الضغط رفض المشاركة بإعادة الإعمار، والتهديد والوعيد أوروبياً وأميركياً. وما العودة إلى اللجنة الدستورية في ظلِّ التهدئة أثناء استفحال الخطر في إدلب، إلاّ محاولة لنزع فتيل الانفجار بوعود دستورية تحترم الرغبة الأممية في تخفيف هيمنة النظام على مرحلة ما بعد الحسم الميداني، استجابة للضغوط العربية والدولية. الصراع على اللجنة الدستورية تشكيلاً وهويّةً وورقةَ عملٍ، لم يُحسم خلال الأشهُر الثمانية الماضية، ويتفاءل دي ميستورا بحسم تشكيلها قبل نهاية العام الحالي، وقد أمسك بطرف الخيط، في اجتماعه بوفود الدول الضامنة، وبعده مباشرة بمجموعة الدول المصغرة (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، السعودية، الأردن، مصر، ألمانيا). وحتى لو تشكلت، يصعب التنبُّؤ بنجاحها، فالشروخ كبيرة ليس فقط بين النظام ومعارضيه، بل بين امتدادات الجهتين عربياً وإقليمياً، إضافة إلى استفحال الاستفزاز الملتبس بين واشنطن وموسكو، وانعدام تأثير المجتمع الدولي على شطحاتهما.

قمة طهران (7/9/2018) كلفت خبراء دولها في الخارجية والدفاع والقوى الأمنية، بوضع الخريطة التي وقعها وزيرا الدفاع الروسي والتركي في قمة سوتشي الأخيرة بين بوتين وأردوغان، وهي اتفاقية للفصل الميداني بين طرفي النزاع. أمّا الجانب السياسي فيها فلم يرشح عنه ما يشكل أرضية لقراءة خطوطه العريضة، والتسريبات مُختَلَفٌ عليها تفسيراً وتأويلاً بين الموالاة والمعارضات، وأغلب الظن أن الحسم السياسي تُرِك لحراك دولي أوسع، لن يُهمل طالما هناك استعراض للعضلات العسكرية بين الثنائية القطبية.

على كل حال، نجحت قمة سوتشي في فصل القوات، وإبعاد هيئة تحرير الشام من إدلب، ربما إلى مرمى النيران السورية والروسية في البادية الشامية، أو إلى الأحضان القطرية الإيرانية في مكانٍ ما، وهذا يسهّل تقبُّلَ الدول الضامنة ما يتبقى داخل إدلب معتدلاً لا متطرفاً، لكن النظام أعلن احترامه الاتفاق، وأردفه بلغة التأهب لإعادة إدلب الى أحضانه!

لا شكّ في أنّ نجاح الحسم الميداني من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، قرار عربي إقليمي دولي، نفذه النظام وموسكو ولم يُعلن عن الثمن الذي دُفع، أو يُدفع للموقّعين عليه خطياً أو شفهياً، أو بغض الطرف، أو بقطع طرق إمداد الفصائل المعارضة المتطرفة. وأغلب الظن أن الثمن بقي قيد التداول في الاستثمار السياسي والمصادرات، ولن يُدفع إلاّ بالتقسيط، فأجواء الاستنزاف الميداني ما زالت قيد التداول.

اللجنة الدستورية يحاول المبعوث الدولي تشذيبها، وتطعيمها بجرعة أممية تسد الرمق الأوروبي وتنفّس احتقانه، بينما يقرع النظام طبول الانتصار الميداني والسياسي معتبراً أو مفسِّراً أو مؤوِّلاً ما تم حتى الآن بأنه يشكّل قصفاً تمهيدياً لتعويم التهدئة. أمّا الحل السياسي، ولجنة الدستور، وشطحات دي ميستورا، فالنظام وموسكو يقفان لها بالمرصاد ومن ثَمَّ فساعةُ الصفر السياسية لن تُنيخَ رِكابَها إلاّ باستنزاف سياسي وميداني قد يكون طويل الأمد، وربما احتاج إلى جهود داعشية داعمة!

ما من خطوة في معركة الحل السياسي على الطريقة الأممية الدستورية، إلاّ وتحتاج إلى منتديات ومؤتمرات، وضغوطات سياسية وميدانية، لكن التوافق على ورقة عمل لجنة الدستور إذا تمّ، فإنه يوحي بإمكان فبركة «خطة» لحل سياسي يحترمه النظام والحلف الثلاثي الضامن، لفرملة الشطط الأممي في لعبة التغيير أو التعديل الدستوري. مشاغل النظام هذه تُلهيه عن الالتفات إلى الأفواه الحزبية المفتوحة في الداخل، تنتظر دعوته إلى المائدة، وجميع أمنائها العامّين يتنقلون اختيالاً بين المقاهي السياسية والمرجعيات الأمنية، لعل «الرتوش» السياسي ينطلق قبل أيّ تغييرات تشمل الداعمين، فتضيع جهودهم (المعارِضة) هباء منثوراً، لذلك يدأب هؤلاء على مدّ حبال الولاء إلى الجيل الصاعد بالمواقع السياسية والأمنية، في جوٍّ ملبدٍ بصراع النفوذ داخلياً بين طهران وموسكو!

المشهد الدولي حول سورية وهي تحاط بالأساطيل البرية والبحرية والجوية، وارتفاع وتائر التأهب، بما فيها إسقاط الطائرة الروسية، حوافز للحسم السياسي، وليس الميداني، وهذا مُتَوَقَّعٌ عملياً، لكن الحل السياسي طالما هو متعثّر فلن يُرفعَ الحسمُ الميدانيُّ من التداول مهما قلّت نسبة احتماله، وأغلب الظن أن حرب المصادرات لن تتخلّى عن الاستنزاف الميداني، على شاكلة حروب الاستنزاف العربية التي لا تنتهي إلاّ بانتصار الجميع، وهذه حال الحل السياسي المطروح أُمَمياً والمتعثّر واقعياً!

اقرأ المزيد
7 8 9 10 11

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
٢٦ يناير ٢٠٢٣
بين أوكرانيا وسوريا… جنرالات روس من ورق
فريق العمل
● مقالات رأي
٢٥ نوفمبر ٢٠٢٢
في اليوم الدولي  للقضاء على العنف ضد المرأة.. رحلة نساء سوريا
لين مصطفى - باحثة إجتماعية في شؤون المرأة والطفل. 
● مقالات رأي
٢٤ نوفمبر ٢٠٢٢
العنف ضد المرأة واقع مؤلم ..  الأسباب وطرق المعالجة
أميرة درويش  - مراكز حماية وتمكين المرأة السورية في المنتدى السوري 
● مقالات رأي
٢٣ نوفمبر ٢٠٢٢
المصير المُعلّق بين الإنكار والرفض
عبد الناصر حوشان
● مقالات رأي
١٤ نوفمبر ٢٠٢٢
أهمية تمديد قرار إدخال المساعدات إلى سوريا عبر الحدود
قتيبة سعد الدين - مستشار الحماية في المنتدى السوري 
● مقالات رأي
١٣ أكتوبر ٢٠٢٢
قراءة في تطورات المشهد شمالي حلب .. بداية مشروع أم تنبيه أخير
أحمد نور
● مقالات رأي
١٢ أكتوبر ٢٠٢٢
"الجـولا.ني" في خندق "أبو عمشة"... فمتى يبغي على "الأسد" ....!!
فريق العمل