مقالات مقالات رأي بحوث ودراسات كتاب الثورة
٢ يناير ٢٠١٩
عندما تفرد بكم آحادا... عن "الجولاني" وبغيه على الثورة

تدخل الثورة السورية في عامها الثامن في ظل انتكاسة كبيرة لم يسبق أن سجلها التاريخ، بعد كل ماقدمه الشعب السوري من تضحيات ودماء وعذابات، ليعلن الأسد "انتصاره" على ركام المدن السورية وجثث الأطفال وعذابات السوريين، وفي الطرف المقابل لايزال نزيف الدم السوري ينزف وتتوسع جراحه باقتتالات داخلية أعطت للأسد وحلفائه المزيد من الوقت لمواصلة القتل وساهمت بشكل كبير في إضعاف الفصائل الثورية وإنهاء تأثيرها على الأسد.

منذ اليوم الأول لإعلان تشكيلات الجيش السوري الحر، كان الشعب السوري متفائلاً بقدرة الثوار القلائل مع الضباط والعناصر المنشقين على قهر الأسد والدفاع عنهم في وجه طغيانه، وبنى آماله وحماهم وناصرهم رغم وجود بعض الاختراقات التي شوهت مسيرة الصادقين منهم في سنوات لاحقة، وبالفعل تمكن الجيش الحر الذي تعددت فصائله ومناطق انتشاره من تحرير جل المناطق السورية وبات الأسد محاصراً في الساحل ودمشق يناشد حلفائه للإسراع في إنقاذه.

لم يكن التدخل الإيراني والروسي وحده من قتل الثورة وساهم في تراجعها، بل إن الاقتتال الداخلي هو القاتل الأول لعزيمة الثوار والمدنيين، بعد أن تشتت كلمة أبناء الثورة وباتت الدماء المحرمة تسيل في طرقات المناطق المحررة، فسيرت الأرتال وحشدت الجيوش كل مرة بحجة لإنهاء فصيل من الجيش الحر والسيطرة على مقدراته.

ولعل أول من بدأ البغي والتعدي على الفصائل كان تنظيم داعش، تبعه "الجولاني" قائد جبهة النصرة ليكمل الطريق بالبغي وراء البغي على فصائل الثورة، فأنهى خلال أربع سنوات مضت أكثر من 30 فصيلاً عسكرياً، مقدماً للأسد وروسيا جل المناطق المحررة على طبق من ذهب بعد أن أنهى فصائلها وساهم في إضعاف جاضنتها، ابتداءاً من الجنوب السوري حتى إدلب وحلب وشرقاً حتى دير الزور والرقة، لتتوالى الانسحابات بعدها من المناطق المحررة وتحاصر المعارضة في بقعة جغرافية صغيرة في الشمال السوري اسمها "إدلب".

ورغم كل ماوصل إليه الحال من التراجع والانكسار في الثورة السورية، ورغم أن كل الشعارات التي رفعها الجولاني كانت كلاماً عابراً، ورغم أن آلاف المعتقلين في السجون لم يخرجهم أحد، ورغم أن مئات الآلاف مشردين في خيم مهترئة في البراري ومناطق اللجوء، إلا أن الجولاني لم يشبع من دماء الفصائل الأخرى، ففي كل مرة تبرم الهدن مع النظام ويهدأ القصف عن أجساد المدنيين، يحرك أرتاله لبغي جديد، ويزهق أرواحاً بريئة بفتاوى الفرغلي وأبو اليقظان والشرعيين المتسترين وراء حجاب.

ولطالما نادى الأحرار بضرورة التكاتف والتوحد بين جميع الفصائل لمواجهة مطامع الجولاني في السيطرة وإنهاء أبناء الثورة، إلا أن الشقاقات الداخلية كانت الحاجز الأكبر أمام توافق الجيش الحر والفصائل الأخرى في التوحد لمواجهة البغي، لا بل ساند بعضهم الجولاني في بغيه على الفصائل، فهذا الفصائل يهادن والآخر يصمت والثالث يساند سراً، حتى تمكن الجولاني من الاستئثار بالفصائل واحداً تل الآخر وصل الحال لأبرز المقربين منه ليس أحرار الشام وإنما رفقائه في البغي على الجيش الحر من جند الأقصى وحتى المنضوين في صفوف تحرير الشام ممكن قرروا الانشقاق عنه لينال منهم.

ورغم أنه بات واضحاً رفض التحاكم للشرع لعشرات المرات ورفض دعوات العلماء لحقن الدماء ونداءات المدنيين لعدم اقتحام المناطق المحررة بالدبابات، إلا أن الفصائل حتى اليوم تأخذ دور المتفرج وهو يواصل القتل والإنهاء، وكأن هؤلاء المدنيين في مناطق لاتخضع لسيطرتهم لايعنون لهم بشئ، فيستبيحها الجولاني وينهي فصيلاً كان يقاتل النظام ويسد ثغرات كبيرة، ليعد العدة فيما بعد لإنهاء الفصيل المتفرج وهذا ماحصل لعشرات المرات إلا أن الفصائل لم تتعلم فنال منهم آحادى والدور قادم على من بقي منهم إن لم يردعوه اليوم ويوقفوا استباحة الثورة السورية بشعارات الدين ونصرة المستضعفين.

اقرأ المزيد
١٣ ديسمبر ٢٠١٨
السُترات الفاضحة

"استبدال السترات الصفراء بالسترات الواقية من الرصاص" كان اقتراحاً قدمته زميلة إعلامية، على صفحتها في "تويتر"، الأسبوع الماضي، للمضطهدين العرب، المعجبين بالظاهرة الجديدة في فرنسا، ويتمنون تكرارها في بلادهم.

لكن هذه الفكرة، بما انطوت عليه من سخريةٍ شديدة المرارة، تظل، حتى لو جربنا أخذها على محمل الجد، أقلَّ من أن تكفي لحماية المتظاهرين، فما بالك بتحقيق طموحهم إلى تراجع الديكتاتوريات الحاكمة، أو انحنائها، على طريقة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمام غضب المحرومين من حقهم في العيش الكريم.

يلزمهم ارتداء خُوَذٍ حديديةٍ أيضاً، مع السترات الواقية من الرصاص، قال أحد الأصدقاء مُعَقِبَاً، لأن قَنَّاصِي الجيش والمخابرات يُفَضِلُّون التصويب على الرؤوس، أحياناً، لا على الصدور، كما استدرك موضحاً، وقد فاته، أو لعله نسي ما لا تنفع هذه ولا تلك في مواجهته، من وسائل القتل الوحشي التي شهدنا استخدامها على مدى السنوات السبع الفائتة، في مختلف أرجاء أرض العرب.

خذ سورية نموذجاً، وتمعّن في أساليب قتل مليون إنسان على أرضها، منذ رفع شعبها شعارات الحرية والكرامة، لتدرك حاجة المتظاهرين، كذلك، إلى كماماتٍ تقيهم غاز الأسلحة الكيميائية، ثم لتتساءل حائراً، في اللحظة ذاتها، عما إذا كانت البشرية قادرةً على اختراع سُتْرَةٍ تَكُفَّ عن الناس شظايا براميل المتفجرات التي اخترعها جلاوزة الموت في نظام بشار الأسد.

ولك أن تشطح بخيالك، إزاء ما فضحت السترات الفرنسية الصفراء من بؤسنا، لتقترح مثلاً تصميم درع تغطي كامل الجسم، من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، حين تتذكّر أن المعتصمين المصريين في ميدان رابعة العدوية تعرّضوا للحرق أحياء عام 2013، على أيدي العسكر المدافعين عن انقلاب عبد الفتاح السيسي، ولقيّ كثيرون منهم، آنذاك، مصير اليمنيين الذين كانوا قد تَفحَّمُوا في ساحة تعز عندما أحرق الـ"بلاطجة" المدافعون عن نظام علي عبد الله صالح خيام الاعتصام عام 2011.

أهمية الدرع المقترحة تتأتى من أنها قد تصلح في المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات المتوقع تعرّضها لإطلاق رصاص القناصة، وإلقاء براميل المتفجرات، وقذف غاز السارين، كما يمكن للمعارض العربي أن يتحوّط بارتدائها كلما اضطر إلى مراجعة إحدى قنصليات بلاده، شريطة أن تكون مصنوعةً من مادة لا تقطع فيها المنشار، وأن يترك مفاتيح أقفالها مع خطيبته، أو زوجته، أو أي من ذويه في الخارج.

ومرة أخرى، هذا اقتراح للعرب، لا لسواهم من شعوب الأرض التي أنجزت صناعة دروعٍ تمنع عنها تغول قادتها منذ عقود طويلة سلفت. دققوا بعض الشيء في السترات الفرنسية الصفراء التي عادة ما يستخدمها السائقون علامة تحذير حين تتعطل سياراتهم، وسترون أنها تتميز بكل ما سبقت الإشارة إليه من مواصفاتٍ ضد الرصاص والنار والغازات، لأنها ترمز ببساطة إلى امتلاك الناس حق أن يصرخوا في وجه الرئيس وحكومته، محذرين من أنهم سيوقفون عجلة المجتمع، إن تعرّضوا للظلم، وهو حق تحميه، وتحمي أصحابه درع عظيمة اخترعتها البشرية، في غفلةٍ منا، وَسَمَّتْهَا الديمقراطية، ثم حيل بيننا وبين أن نستوردها في حقبة تاريخية مظلمة، كان زعماؤنا خلالها، وما زالوا، ينفقون مليارات الدولارات على استيراد الأسلحة المُكَرَسَة لقتلنا إن حاولنا التنفس.

لم يتراجع ماكرون، والحال هذه، أمام السترات الصفراء، ويعتذر، لأنه يتميز أخلاقياً على الأسد أو السيسي أو محمد بن سلمان، وإنما لأن في فرنسا نظاماً مؤسسياً ديمقراطياً يحاسبه إن أراق نقطة دم فرنسية. أوليس هو القائل إن نظيره السوري "لا يقتل الفرنسيين" في كلماتٍ عبرت عن استهتار فاضح بالمذابح التي ارتكبها الأخير ضد شعبه، وما كنا نحتاج سماعها كي نكتشف أننا جميعاً، ومهما ارتدينا من أنواع السترات، لسنا سوى أولئك الفتية الذين خلعوا قمصانهم في مدينة بانياس السورية عام 2011 وتقدموا نحو دبابات جيشهم، عراة الصدور، ليثبتوا سلمية حراكهم، فانهال عليهم الرصاص.

اقرأ المزيد
٢٣ نوفمبر ٢٠١٨
لإسكات صوت الحق اغتالوا "رائد" ... وآخرون في المعتقلات مقيدة أقلامهم

لايخفى على أحد مايتعرض له النشطاء الإعلاميين عامة ورائد الفارس خاصة من ضغوطات كبيرة منذ سنوات عدة على يد بعض المكونات العسكرية التي أبت إلا أن تحارب كل كلمة حرة وكمل قلم لايكون في صفها، بل ينتقد تصرفاتها ويعمل لخدمة أبناء الحراك الثوري لأجل الثورة والحرية والتحرر من القيود التي أوجدها النظام طيلة العقود الماضية، لتنال هذه الأيادي الآثمة من تلك الأقلام وتقيدها بالقتل والاعتقال أو الملاحقة الأمنية.

اغتيال "رائد الفارس وحمود جنيد" اليوم في كفرنبل عروس الثورة هي رسالة واضحة لكل النشطاء الإعلاميين في المناطق المحررة، أن مصيركم إحدى ثلاث إما الرضوخ أو الاعتقال أو الاغتيال .... يحاولون إسكات صوت الحق والكلمة الحرة كما فعل النظام ولكن دماء الأحرار لن تزيد الثورة وكلمتها وأقلامها إلا توقداً واشتعالاً.

كيف يمكن لعاقل أن يصدق اليوم أن ناشطين من أبرز نشطاء الحراك الثوري يقتلان برصاص ملثمين وسط النهار وفي منطقة مدنية مكتظة بالسكان كمدينة كفرنبل وأمام الأشهاد، دون أن يكون للفصائل المسيطرة على المدينة والتي تفرض قبضتها الأمنية أي يد في مقتلهما.

وكيف يمكن لعاقل أن ينفي تورط البعض في قتلهما وهؤلاء هم من لاحقهم واعتقلهم وقيد عملهم وحاربهم لسنوات طويلة، وحاول أسكات صوتهم بوسائل عدة، حتى وصل لمرحلة اليأس بعد الترهيب والتهديد والتوعد، لينال منهما برصاص غادر وينهي مسيرتهما التي قدماها طيلة السنوات الماضية في خدمة الحراك الشعبي.

إسكات صوت الحق اليوم سمة رائجة في الشمال المحرر، فرغم كل ماعاناه العمل الإعلامي من ضغوطات وملاحقات من قبل النظام وأجهزته الأمنية، إلا أن هناك البعض يصر على مواصلة هذه السياسية وقتل الكلمة الحرة وتجريد الأحرار من كل سلاح ولو بكلمة او قلم يحارب ممارساتهم بحق شعب قدم الدماء وكل مايملك لينال الحرية والتحرر من القيود.

اغتيال رائد الفارس ومن قبله ثلة من النشطاء الإعلامية، وتغييب الناشط الأبرز الآخر من مدينة كفرنبل "ياسر السليم" في سجون الظلام، ماهو إلا قتل واستهداف واضح للثورة السورية وأبناء الحراك الشعبي، ولايمكن لأحد اليوم أن يصدق أن هذه الجهات لم تتورط بدماء رائد ورفيقه مهما حاولت المراوغة والتملص من الجريمة التي ستلاحق مرتكبيها ولو بعد حين.

اقرأ المزيد
١٢ نوفمبر ٢٠١٨
في تبني "تحرير الشام" علم للثورة ..... طمس للهوية أم انقلاب على الذات ...!!

تنتاب المتابع لتصرفات "هيئة تحرير الشام" ومؤسساتها المدنية المصطنعة حالة من الذهول للوهلة الأولى من سلسلة التغيرات التي تنتهجها تحرير الشام بشكل متتابع لتهدم كل الأفكار والشعارات التي رفعتها وتعود لتتبنى ما حاربته وسفكت لأجله الدماء وأنهت بموجبه فصائل كانت تقاتل النظام بتهم العمالة والعلمانية والتعامل مع الخارج.

التغيرات التي طرأت على مكون "جبهة النصرة" منذ عام 2012 حتى 2018 وتعدد التسميات التي أطلقتها على نفسها مع تعدد الرايات، في الوقت الذي استمرت فيه ذات التصرفات في محاربة فصائل الحر وكل من يرفض الخضوع لها، فنالت من 30 فصيلاً آخرهم أحرار الشام والتي كانت أقرب الفصائل توجها لها في مراحل عديدة من عمر الثورة، هذه التغيرات مع استمرار ذات التصرفات خلقت فجوة كبيرة بينها وبين الحاضنة الشعبية التي تراجعت عن تأييدها لفترات عديدة إبان أوج قوتها والمعارك التي أثبتت فعلياً أنها الأقوى فيها.

ولعل الشعارات التي أطلقتها تحرير الشام في كثير من الأحيان والأسباب التي روجت لها لإنهاء فصائل كثيرة كانت في تلك المرحلة محرمة ومن الكبائر، باتت هي اليوم من تمارسها وتنتهجها بعد أن ملك كل القرار العسكري في بقعة جغرافية كبيرة في إدلب وحماة وحلب واللاذقية، أيضا الجانب المدني الذي عملت على التفرد فيه وإقصاء الجميع فيه من مؤسسات مدنية تتبع للحكومة المؤقتة أو غيرها.

يبرر أنصار تحرير الشام هذا الانقلاب على الذات والشعارات التي أطلقتها سابقاً بأنها لضرورة المرحلة، مع ملاحظة تغير التوجه بشكل كبير للهيئة في الخطاب السياسي وفي الخطاب الداخلي تجاه الثورة والثوار واعتبار نفسها جزء من الثورة السورية وصل الأمر لرفع أنصارها علم الثورة السورية عبر حساباتهم وكثير من المواضع، بعد أن كان علماً علمانياً محارباً سفكت دماء لأجل رفعه.

اتجهت تحرير الشام بعد إنهاء الأحرار في تموز 2017، لخط سياسة وأسلوب جديد من الالتفاف بحسب البعض والسبب أنها أدركت نفسها باتت في مواجهة حتمية مع كل العالم وأن النهاية اقتربت، لم تنفعها كل التحولات التي قامت بها في شكلها واسمها وضم فصائل أخرى لها، كونها لم تستطع كبح جماح التصرفات والممارسات التي أوصلتها لهذا الحد من المواجهة.

هذا الاتجاه بعد إنهاء الأحرار كان كمحاولة التفاف على العالم والمجتمع السوري والثورة أيضاَ من خلال بناء كيان مدني كإدارة مدنية تطور لاحقاً لحكومة إنقاذ تحركها هي بشكل مباشر من غرف مظلمة، واختارت لنفسها شخصيات كواجهة مدنية تدير حكومة مدنية، ملكتها كل المؤسسات وكل ماهو في المحرر.

هذه التحولات الكبيرة التي تطال بنية تحرير الشام العسكرية، ترسم التحولات بداية تحول كبير لتحرير الشام بعد سلسلة تحولات سبقتها مع استمرار نفس الممارسات، فهل تكون هذه المرحلة بداية خلع البدلة العسكرية وتسلط القبضة الأمنية لتحرير الشام، تغيير كسابقه لمجرد تغيير البدلة العسكرية بالطقم المدني مع الحفاظ على ذالت القالب والتوجه والفكر .....!؟

ترسم التطورات الحالية وتبني علم معدل للثورة السورية تحدياً كبيراً في مدى نجاح هذه التجربة لتحرير الشام ومدى قدرتها على تعويمها والهدف أو الغاية منها وهل هي لطمس هوية الثورة السورية انطلاقاً من علمها ورايتها التي لم تغب عن أي مظاهرة للحراك الشعبي، ام أنها عودة للماضي وتغليب للمصلحة الذاتية وتقرب من الحراك لتبني توجهاته في محاولة التفاف جديدة تضمن لنفسها البقاء.

اقرأ المزيد
٢٠ أكتوبر ٢٠١٨
حصاد ستيفان دي ميستورا: الفشل الأممي في الملف السوري

لم يُصلح موفد منظمة الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ما أفسدته “اللعبة الكبرى” وتبعاتها، وقرر أخيرا، بعد مراوحة في المكان لمدة أربع سنوات، طيّ الصفحة والتخلي عن أداء مهمته. ولم ينجح رهانه على التحدي وتركيب التسويات في هذا الملف المعقد، حيث فشل من قبلُ مبعوثان رفيعان من طراز كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي.

يتعدى التقييم الأشخاص وكفاءاتهم وقدراتهم لأنه من دون حد أدنى من الوفاق الدولي والإقليمي لا يمكن إنجاح الجهود لإنهاء الصراعات المسلحة والتوصل إلى تسوية واقعية وعادلة تستعيد وحدة سوريا وتحفظ كيانها ودولتها. ولا يمكن اختصار الفشل بعجز الأمم المتحدة لأن الفشل الأممي ما هو إلا ترجمة لمواقف الكبار وطموحات القوى الإقليمية ولموازين قوى مختلة، ولأن الوظيفة الجيوسياسية للحروب السورية لن تُستنفد قبل إعادة تركيب الإقليم ورسم صورته المستقبلية.

يغادر دي ميستورا منصبه أواخر شهر نوفمبر القادم، ويبدو حصاد عمله هزيلا ومحدودا ودليلا إضافيا على مآزق العمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف وعدم احترام المبادئ النظرية لميثاق الأمم المتحدة حول حفظ السلام والحماية الإنسانية، خاصة وأن المرحلة الانتقالية من التخبط والفوضى في النظام الدولي تترك بصماتها على أبرز مسارح النزاع في الشرق الأوسط وسوريا في القلب منها.

بدأت الحكاية الأممية مع ملف الحرب في سوريا، في 23 فبراير 2012، مع تعيين الأمين العام السابق للأمم المتّحدة الراحل كوفي عنان “مبعوثا مشتركا للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية للأزمة في سوريا”، لكنه استقال في الثاني من أغسطس من نفس العام بعد بضعة أشهر فقط، وبعد إفشال إعلان المبادئ الذي وضعه ووثيقة جنيف (نهاية يونيو 2012) وحينها كاشف العالم بخلاصته التي لا تزال صالحة حتى يومنا هذا “لقد بذلت قصارى جهدي”، لكن “العسكرة المتزايدة على الأرض والافتقار الواضح للوحدة داخل مجلس الأمن غيّرا بشكل جذري ظروف ممارسة مهامي بشكل فعال”. وأضاف “لم أتلقَّ كل الدعم الذي تستحقه القضية، هناك انقسامات داخل المجتمع الدولي”، مشيرا، ضمنا، إلى ثلاثة قرارات بشأن سوريا منذ بداية الأزمة استخدمت فيها موسكو وبكين حق النقض لوأدها. ومن دون شك لم يكن “الغموض البناء” خير مساعد في الدفع نحو الحل، إذ أن التحدث عن ضرورة الإجماع للتوصل إلى تفاهم على الحكم الانتقالي يعد غموضا غير بنّاء جعل الدبلوماسية هدامة أي غير بناءة وخلاقة في إيجاد المخارج.

بيد أن ترابط تحولات ما بعد 2011 من ليبيا إلى المشرق والاندفاع الغربي أنتجا تشددا من الطرف الآخر حيث استخدمت موسكو 12 مرة حق النقض في الأمم المتحدة لحماية حليفها السوري، وكان ذلك أحد أسباب عدم إيجاد حل أممي.

ولم يكن حظ وزير الخارجية الجزائري الأسبق، الأخضر الإبراهيمي، أفضل من سلفه كوفي عنان، وقد صمد في مهمته من سبتمبر 2012 إلى مايو 2014. وتمكن في بداية 2014 من تنظيم أول مفاوضات مباشرة بين الحكومة والمعارضة في جنيف برعاية الولايات المتحدة وروسيا، لكن المفاوضات تعثرت بسبب رفض دمشق المطلق البحث في مصير بشار الأسد، ونتيجة الانقسام الدولي الحاد. وفضل الإبراهيمي الانسحاب بعد أقل من عامين على الجهود غير المثمرة، واصفا الوضع في سوريا بأنه “صعب جدا، ولكن ليس ميؤوسا منه”، وكانت استقالته بعد إدراكه أن إجراء انتخابات الرئاسة في يونيو 2014 في سوريا، وإعادة الانتخاب المتوقعة لبشار الأسد، يعنيان نهاية جهوده.

في سياق السيطرة الروسية على الملف السوري من خلال لعبة الثنائي جون كيري- سيرجي لافروف، جرى تعيين السويدي- الإيطالي ستيفان دي ميستورا ليواصل عمل المنظمة الدولية في هذا الملف. وكان همه الأكبر استمرار مهمته وتدوير الزوايا. وهذا الارستقراطي المثير للجدل كان يشكو بأنه لم يحظ يوما بدعم دولي حقيقي خلال السنوات الأربع الماضية، ولذا ربما حاول التأقلم مع مواقف الطرف الأقوى في الصراع السوري، خصوصا مواقف روسيا، التي باتت اللاعب الأول في الساحة السورية منذ تدخلها العسكري الواسع في سبتمبر 2015، وحدا ذلك بالكثير من المراقبين واللاعبين لاتهامه باستسهال المساومات والتخلي عن المرجعيات الدولية المنظمة للحل السياسي في سوريا كلما تعرّض لضغوط من الدول الكبرى، خلافا للمبعوثين السابقين.

يمكن القول إن عمل دي ميستورا لم يكن ضحية تضارب المسارات، مع فرض الروس لمسار أستانة منذ 2016، بل بسبب منهجية خاطئة في التعامل مع التفاوض كما يقول أحد الذين تعاملوا معه عن قرب في العامين 2016 و2017: “أخطر ما فعله دي ميستورا منذ بداية عمله أنه جعل مسائل مبدئية لا تستدعي التفاوض (البنود 12/ 13 / 14 في القرار 2254) موضع تفاوض وحيد، وكأنه في إطالة ما سماه مرحلة بناء الثقة التي تسبق التفاوض، يعمل بتوجيه أميركي وروسي لمنح النظام فرصة التفوق العسكري من مطلع 2016 حتى الوصول لمعركة حلب”. ويشهد مفاوض آخر “كانت العلاقة مع الموفد الأممي صراعا مستمرا بسبب تحيزه للنظام وقبوله بأطروحاته”. لكن الأدهى أتى مع تسليمه بالضغط الروسي وشق مسار جديد مع الروس، بذريعة فصل قضية الملف الإنساني عن الملف السياسي، وشكل غطاء لمسار أستانة الذي سهل عمليا الحسم العسكري التدريجي لصالح النظام.

ومن “مآثر” دي ميستورا اختراع أو قبول فكرة منصات المعارضة لتشتيت التمثيل وممارسة الإلهاء المنظم عبر قبول التفسير الروسي للقرار 2254 بوجود منصتي موسكو والقاهرة وغيرهما لاحقا، مما كرس حجم التلاعب الإقليمي والدولي والوصاية الممارسة على كل قرار فيه قدر من الاستقلالية ولو بقدر يسير. وتوصل كل المتابعين للرقصة الدائرة بين جنيف وأستانة وسوتشي وبالطبع لجحيم الحرب من حلب إلى الغوطة والجنوب وإدلب، إلى أن دي ميستورا كان رمز الفشل الأممي والتواطؤ الدولي.

قام دي ميتسورا حسب شهادة أخرى بـ”تمييع القضية عبر توسيع دوائرها وبعثرة شعابها، بذريعة التمثيل ولم يكن جادا أبدا في الوصول إلى حل، واخترع قضية السلال الأربع، وأمضى الفترة كلها يتهرب من مناقشة الموضوع الأساسي (هيئة الحكم الانتقالي) وكان يميل بذلك إلى وجهة نظر النظام من دون مواربة”. بيد أن أسلوب الدبلوماسي المخضرم وتقنياته وقدراته في “الحرب النفسية” لم تكن معينا له ولم ينجح في الأداء بالقياس لشخصية من طراز سيرجي لافروف التي هيمنت على مجريات الملف.

يطوي المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا صفحته بزيارة قريبة إلى دمشق لبحث تشكيل لجنة دستورية مكلفة بصياغة الدستور، غدت الخلاصة اليتيمة لسنواته الأربع والنافذة الوحيدة الممكنة اليوم للتقدم في العملية السياسية، وهي، في الأساس، لا تعني الكثير لأن المشكلة ليست في النص الدستوري، بل هي كامنة في بنية النظام الأمني القائم، الذي يطغى على القوانين والدساتير.

اقرأ المزيد
٦ أكتوبر ٢٠١٨
أولويات ما بعد إدلب

من غرائب الثورة السورية أنها حكمت بقدر من الفوضى والعشوائية استحالت إزالته، بدأ مع قضاء الأسدية وأجهزتها على القسم الحديث والمدني من حراكها الذي أطلقها، واستبداله بممثلي قطاعات شعبية تقليدية التفكير والهوية، حظّها من التسييس قليل، وتفتقر إلى خبرة ذات وزن في الشأن العام، مارست دورا رئيسا، إن كان لها ما تصح تسميته "دورا"، هو التكيّف مع الأمر القائم، وتبني ما سمح به من أفكار وممارسات. وقد أضاف مرور الوقت الارتجال إلى العشوائية، بعد تحول الصراع ضد النظام من السلمية إلى العسكرة والتمذهب، تحت ضغط العنف غير المسبوق الذي مارسته الأسدية عليه، وأجبره على حمل السلاح الذي قوّض ما كان قائما من وحدةٍ في صفوفه، وأدخل مرض الانقسام إليها، خصوصا بعد توطّد ظاهرة الفصائلية الكيفية التي خرجت عن جميع الضوابط، وظهور "داعش" وجبهة النصرة.

يتجدّد الحراك السلمي في معظم الشمال السوري، منذ تم التوصل إلى اتفاق روسي تركي بشأن إدلب، حال دون إسقاط المدينة عسكريا، واستعاد الحراكيون برنامج "سورية بدها حرية، والشعب السوري واحد"، الذي تبنّوه في بداية الثورة، ونزل مئات الآلاف منهم، صغارا وكبارا، إلى شوارع القرى والبلدات والمدن، هاتفين للحرية ولوحدة الشعب. بما أن حراك البداية الأولى افتقر إلى الاستمرارية والوحدة والقيادة، وفقد، بعد فترةٍ، قدرته على مواجهة الأسدية وروسيا وإيران، فإنه كان من الضروري وطنيا المرحلة الثانية، أي الحالية، اعتماد خطط ملزمة تجنّب الحراك الانقسامات والمعارك الجانبية، وترفع سويته من خلال توحيده وتنظيمه وتوجيه طاقاته ضد الأسدية وداعميها، وتمسّكه بكل ما طالب الشعب به على امتداد سنوات ثورته من حرّيات وحقوق وإسقاط للاستبداد والطغيان، ورفعه من شعاراتٍ موجهة إلى المجتمع الدولي، تطالب مؤسساته الشرعية ومجالسه الرسمية بتطبيق قراراته التي ليس بينها قرارٌ واحدٌ لا يلبي تطلعاته، وبتشكيل"هيئة الحكم الانتقالية"، وبدء مرحلة الانتقال الديمقراطي، وإصدار دستور وإجراء انتخابات تحت إشرافها، وإدانة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإجراء محاكمات دولية لمن ارتكبوها ضد الآمنين، وإقامة حكم غير طائفي، نص عليه قرار مجلس الأمن 2254، فضلا عن إطلاق سراح المعتقلين، وكشف مصير المغيبين والمختطفين، ومناشدة برلمانات وأحزاب وقادة الرأي في العالم دعم مطالب الثورة وقيمها السامية، وتجريم إرهاب الدولة الأسدي، وأي شكل آخر من الإرهاب، مستوردا كان أم محليا، وممارسة مختلف أنواع الضغوط، وعبر جميع أنواع الاتصالات لإجبار المحتلين، ومرتزقتهم، على الانسحاب الفوري من سورية، وتكليف لجنة وطنية مركزية منتخبة بمأسسة الحراك، ومتابعة ما يتخذ باسم الثورة من مواقف، ويمارس من سياسات، ومحاسبة مخالفي ثوابتها أينما كانت مواقعهم، ومهما كانت وظائفهم، وإلى أية جهة انتموا.

نحن في مرحلةٍ يجب أن تقتصر أولويتنا فيها على تصليب ما يمكن أن يغدو بداية ثانية للثورة، انفجرت قبل نيف وشهر، في ظل وقف القتال والحرية النسبية التي يتيحها. وعلى الرغم من ضغوط تنظيم القاعدة الذي قرّر منع الحراك السلمي، كي لا يستعيد رهان "الحرية لجميع السوريين" الذي عبر عنه بقوة في مظاهراته الأولى الحاشدة، وجعلت جبهة النصرة تبدو على حقيقتها، علقا فاسدا يمتصّ دم الثورة، التخلص منه أحد شروط انتصارها.

قبل تصليب الحراك وتنظيمه وتوحيده على أسسٍ وطنيةٍ جامعة، سيشقّ أي صراع سياسي أو عسكري صفوفه ويخدم أعداءه. هذا ما علمنا إياه الفشل في مرحلة الثورة الأولى. ومن غير الجائز أن نكرّره، ونحن على أعتاب ما نرجو أن يكون مرحلتها الثانية التي لا بديل فيها للانتصار غير هزيمتنا النهائية.

اقرأ المزيد
٦ أكتوبر ٢٠١٨
أهمية حلب الاستراتيجية في المنطقة

المقال جزء من بحث تم تقديمه بعنوان (أهمية حلب الاستراتيجية في المنطقة) في جامعة كلس للباحث د. محمد نور حمدان.

عندما نتكلم عن حلب في التاريخ فإننا لا نتكلم عن المدينة المعهودة التي نعرفها اليوم فحلب قبل مائة سنة ليست هي حلب اليوم .

فحلب التاريخ والحضارة والعراقة هي حلب ما قبل مائة سنة وقبل اتفاقية سايكس بيكو هي مدينة حلب وغازي عنتاب ومرعش وكلس واسكندرون فالشعب كان واحداًـ والآلام والآمال كانت مشتركة بين أبناء هذه المنطقة، ثم تم سلخ حلب عن هذه المناطق التي تعتبر عمقاً استراتيجياً لها فأصبحت كشخص قطع أطرافه يديه ورجليه فهو مشلول لا يستطيع الحركة.

ويحدثنا التاريخ القريب عن حدود ولاية حلب في العهد العثماني وهي: 
ولاية حلب باعتبار ما يتبعها من المدن والقرى، يحدّها من جهة الجنوب لواء حماة من ولاية سورية التي مركز واليها مدينة دمشق الشام ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط، ثم ولاية أضنة.

ومن الشمال ولاية سيواس.

ومن الشرق ولاية ديار بكر

فولاية حلب كان يحكمها من قبل الدولة العثمانية والٍ مركزه حلب، وتنفذ أوامره إلى متصرّفين اثنين وثلاثة عشر وكيلاً يعرف بالقائمقام.

أما المتصرفان فمركز أحدهما مدينة الرّها وأوامره تنفذ إلى ثلاثة وكلاء، ومراكزهم: سروج وقلعة الروم والبيرة.

ومركز المتصرف الثاني مرعش (وهي مدينة تركية اليوم) وأوامره تنفذ إلى أربعة وكلاء مركزهم: الزيتون والبستان وأندرين وبازارجق.

وأما الثلاثة عشر وكيلا فتتبع لواء حلب ومراكزهم: قصبة إدلب وبيلان (قرب اسكندرون) ومنبج ومعرّة النعمان وعينتاب (مدينة تركية) وإسكندرونة (مدينة تركية) والباب وحارم وانطاكية (مدينة تركية) وجسر الشغور، وكلّز (كلس مدينة تركية) ودارة عزة وتعرف بقضاء جبل سمعان، والمركز الثالث عشر الرقة وكانت تابعة متصرفية الزور، ثم ألحقت بلواء حلب.

لذلك عندما نتكلم عن حلب في التاريخ وأعمالها ومنجزاتها فإن حديثنا يشمل:

مدينة حلب وريفها اليوم- مدينة كلس- مدينة عنتاب- مدينة مرعش- مدينة الاسكندرون.

وكتب التاريخ مليئة بالنصوص التي تدل على وجود التلاحم والانسجام والتعايش بين هذه المناطق وأهلها والتشابه في العادات والتقاليد والأخلاق والتداخل بين الأسر والعائلات.

إن حلب كانت باباً لغزو الروم وفتح البلاد وكانت الجيوش تجتمع فيها منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم تمهيداً لفتح القسطنطينية (استانبول) لذلك نجد الكثير من الأماكن التي ذكرت خلال الفتوحات والمعارك كدابق ومرعش وطرسوس قرب مرسين حيث كانت هذه المدن ثغوراً تنطلق منها الجيوش.

وعندما يتحدث المؤرخون عن حلب فإنهم يتحدثون عن مدينة عظيمة ويقارنوها بالمدن العظيمة كاستانبول والقاهرة فهي تأتي في المرتبة الثالثة بعد هذه المدن كحاضرة من حواضر العالم الإسلامي بل بسبب موقعها الاستراتيجي كان القادة يفضلونها على هذه المدن لأنها كانت باباً لفتح أوروبا، وثغراً مهماً من ثغور الإسلام حتى إن صلاح الدين الأيوبي كان يعتبرها طريقاً لفتح القدس فهذه المدينة لم تتميز بموقعها فحسب بل تميزت بغنى ثرواتها، واشتهرت بمهارة أهلها في التجارة والصناعة قديماً وحديثاً، واشتهرت بمعامل النسيج القديمة والحديثة حتى كانت مصدرة لدول كثيرة، وصناعة صابون الغار وتميزت به، وبمحالج القطن.

 وعندما يزور السواح والمؤرخون مدينة حلب يستفيضون في مدحها حتى إن بعضهم شبهها بالمدن الإيطالية من حيث جمال بنائها وشوارعها ويعود ذلك إلى تربتها وحجارة الكلس المشهورة فيها، واشتهرت بأسواقها القديمة حتى إن أكبر الأسواق المسقوفة موجود في حلب (سوق المدينة) كسوق العطارين، وسوف النحاسين، وسوق الحدادين، واشتهرت بمسجدها الأموي وبقلعتها التي تعتبر أقدم قلعة موجودة في المدينة، واشتهرت بأبوابها كباب أنطاكية وباب الجنين وباب قنسرين وباب النصر وباب الحديد وباب المقام وباب النيرب.

وقد نالت مدينة حلب لقب عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2006م، وأصبحت من مواقع التراث العالمي في اليونسكو عام 1986م

 ومما ورد في مدح مدينة حلب:

ورد في بغية الطلب في تاريخ حلب:"فأما جودة هواء حلب وصحة مناخها فذلك أمر مستفيض اعترف به الأغراب، وأخبر عنه السواح وفضّلها كثير منهم على هواء أكثر مشاهير البلاد العثمانية. وناهيك دليلا على ذلك نضارة وجوه أهلها، واعتدال أجسامهم ولطف ألوانهم وقلة العاهات والأمراض فيهم.

وقال الدكتور فنديك في كتابه المرآة الوضية في الكرة الأرضية: إن أهل حلب أجمل من جميع سكان البلاد العربية. وترى النساء مع هذه المحاسن البديعة على غاية من العفة والأدب والصيانة والطاعة لأزواجهن، والرضاء باليسير والقناعة بمعايشهن والقيام بخدمة أزواجهن وأولادهن ومنزلهن.

ومن مزاياهم الحسنة تودّد أهل الملل الثلاث إلى بعضهم، وتبادلهم الصداقة والمحبة وحسن التعامل والمعاشرة مع التزام الحشمة والأدب، وتناصرهم في الغربة ومزيد ألفتهم وحنينهم إلى بعضهم، غير ناظرين إلى اختلاف مللهم ومذاهبهم، وهم في إنفاق المال على أهلهم في حالة متوسطة بين الإسراف والتقتير

وأما دينهم ومروءتهم فيكفيك بالاستدلال عليهما أن حلب مهما كثرت فيها أسباب الفساد أخيرا، فهي بذلك لم تزل دون بقية البلاد التي تضاهيها بالسعة والثروة. وأهل حلب لأولياء الأمور من أطوع خلق الله تعالى وألينهم عريكة وأقلهم معارضة. حتى قال دارفيو في تذكرته السابق ذكرها: لا يبعد عندي أن تكون هذه المدينة سميت بحلب أخذا من ملاءمة أخلاق أهلها.

ومن حسن شمائل أهل حلب إقبالهم على أعمالهم وقناعتهم بالارتزاق من تجارتهم وقلة تهافتهم على وظائف الحكومة. والغالب عليهم حسن الخلق وسلامة الصدر من المكر والخديعة وصفاء الألوان وجودة الأفكار ودقة الأنظار، واستعمال الروية وترك العجلة والتهور فيما يبهم أمره وتجهل عاقبته عليهم.

أما عظمة حلب واتساعها فحسبنا ما قاله في ذلك باترك روسل: إن مدينة حلب تستحق أن تعد في المملكة العثمانية بعد استانبول ومصر بعظمتهما وإن كانت فوقهما بإتقان البناء والنظافة وحسن المنظر.

ويقول ياقوت الحموي في وصف حلب وأهلها:" ولأهلها عناية بإصلاح أنفسهم وتثمير الأموال، فقلّ ما ترى من نشئها من لم يتقيل أخلاق آبائه في مثل ذلك، فلذلك فيها بيوتات قديمة معروفة بالثّروة ويتوارثونها ويحافظون على حفظ قديمهم بخلاف سائر البلدان، وقد أكثر الشعراء من ذكرها ووصفها والحنين إليها"

اقرأ المزيد
٦ أكتوبر ٢٠١٨
هل تم تسليم لبنان إلى «حزب الله»؟!

الحكايا حول لبنان بأحواله وأهواله لا تنتهي. بلد جميل، وأرض طيبة، وأناس أهل خبرة بالسياحة وقدرة على الضيافة. ولكن الدهر قُلّب، وكل من له ذكريات أثيرة بهذا البلد يرى لبنان يوماً تلو آخر تزداد أغلاله، حتى لا يكاد يقوى على الحراك. والكتابة عن لبنان هي كتابة معه وعنه بنفس اللحظة، ونقد حالِه فعل دفاع عن صورته التي أحببناه عليها، وقع الناس في فخّ فألٍ ساذج مع ما عرف بتشكيل «العهد الجديد» وفرص نزع الأزمات التي كانت عليهم، ودرَجت الصحافة والإعلام هناك بالإجمال مع تلك الموجة، ولكن المتابع يعلم مستوى عمق الأزمات الكارثية، ولعل الطرائف تشرح الكوارث، ففي مؤتمرٍ للمانحين، قدم المُقرضون على رحلاتٍ بدرجة سياحية، أما المقترضون فقد جاءت بهم أساطيل من الطائرات الخاصة، وقد شغب البعض على الرئيس ميشال عون بعد ما قيل إنه اعتساف بالتصرف حيث نسّق ركاباً من رحلاتهم بأمر الرئاسة، وهو ما نفاه القصر الجمهوري، معتبراً أن الرئيس يسير على نهج من سبقه ولا تغيير في ذلك.

والكتابة عن المآزق المتعددة لا تغفل التضعضع السياسي في الداخل، إذ خنعت القوى الليبرالية المعتدلة، والأخرى اليسارية المناوئة لسوريا وإيران، والثالثة المسيحية المنتفضة ثورة على القوى القاتلة، كل تلك المجاميع سلّمت الرايات لقوة الأمر الواقع وهي الأصولية ممثلة بـ«حزب الله». سعد الحريري المؤمل عليه بوصفه سليل رجل ليبرالي واقتصادي كبير أن يكون له تشكيله السياسي، وكينونته الذاتية بمشروعٍ يخاطب العصر ويتواءم مع الواقع، إذا به يعاند الصيرورة ويدخل في دوّامة من المجاملات، حتى اندغم تحت شعار «العهد الجديد» مع واقعيّة هيمنة «حزب الله» على لبنان، وقد تحدثتُ قبل أيامٍ مع صحافي لبناني من الحزب الشيوعي وسألته بواقعية مريرة: إذا كان الساسة في لبنان قد سلّموا جلهم حتى الصقور منهم بأن أمنهم الشخصي، وحماية طوائفهم، وحراسة مكاسبهم بالسياسة عملاً واستثماراً، إذا كانوا قد استسلموا من الناحية العملية لـ«حزب الله» فما الفرق بين هذا وأن يقوموا علناً بتسليم مفاتيح لبنان لـ«حزب الله» وتنتهي المهزلة؟! سؤال صادم ولكن مبعثه هذا الخنوع والانصياع من قبل القوى التي يفترض أنها مدنية تدافع عن قيم الحرية والفرد والمؤسسة والنظام والقانون، وليس عن مقولة «السلاح زينة الرجال» التي تذكرنا بـ«الفايكنغ» عبدة القتل الذين يعتبرون «القتال متعة».

المشكل الأكبر في طبيعة التفسير الديمقراطي، إذا أخذنا فكرة «الديمقراطية التوافقية» وهي تتداول يومياً بخطابات الزعامات السياسية اللبنانية بأوصافٍ تتعلق باستحالة إلغاء فريق للآخر، ولكن هذه الصيغة تعتبر هدنة طويلة، وقد أخطأت قوى مدنية بالرهان على «حزب الله» كقوة سياسية، يمكنه أن يتطوّر تدريجياً ليكون حزباً مدنياً، وهي ديمقراطية شكلية عديمة الإشعاع، ذلك أن النماذج الديمقراطية الحيوية تغيّر مروحتها من الثقافة القائمة وتساهم بتعزيز مناخات الحريّة. في لبنان ثمة ليبرالية، ولكنها من دون علمانية سياسية تحطّم الأنماط الطائفية، وهذه ديمقراطية عرجاء.

وعلى حد تعبير جورج طرابيشي فإن «الديمقراطية ليست حريّة سلبية، بل بحسب روبير فريس سياسة الذات الفاعلة، والنظام الديمقراطي قابل للتعريف بأنه شكل الحياة السياسية الذي يعطي أكبر حرية لأكبر عدد مع حمايته وإنتاجه في الوقت نفسه لأكبر تنوع ممكن». والعلمنة هي أخصب أرضٍ للديمقراطية، فمن دونها تخلق تشوهاً فظيعاً في الجسم السياسي يصعب برؤه.

إن الحكم الأصولي، أو «الدولة المستحيلة» كما هو عنوان البروفيسور وائل حلاق، لا يمكن الرهان عليه لخلق واقعٍ جديد، وأكبر دليل على كبر المشكلة أن لبنان وقع ضمن خياراتٍ صعبة، فالمنطق الوحيد المطروح حالياً أن هذا هو الوضع الحالي، ولا يمكننا الدخول بفتنة داخلية، و«حزب الله» هو المسيطر، وعليه فإن الوضع يكون بين أمرين؛ إما أن الساسة الخاضعين الآن لديهم مواقف مستقلة تجاه الحزب يعارضونه بينهم وبينه فقط ضمن الحوارات والنقاشات بين الكوادر، أو أنهم أصبحوا أدوات ويسيرون رغماً عنهم بقرار المرشد الأعلى في لبنان، وبالتالي فإنهم مجرد أحزاب صغيرة ابتلعها الحزب الأصفر الكبير، ثم يأتي السؤال: أليس هذا هو التسليم المطلق للزعماء بهيمنة «حزب الله» على المفاصل والمؤسسات والحكومات والمجالس؟! ولماذا لا يعتبر هذا بمثابة استسلام من قبل السياسيين الخاضعين لقوة الأمر الواقع؟!

قبل أيام كتب أستاذنا الدكتور رضوان السيد بهذه الجريدة: «منذ احتلال بيروت عام 2008 وحتى اليوم استمرت خطوات الحزب للسيطرة الكاملة على البلاد مؤسساتٍ ومطاراً ومرفأً وجيشاً، وأخيراً رئاسة الجمهورية، ومجلس النواب. وخلال أكثر من عشر سنوات كانت التهمة الرئيسية الموجَّهة إلى قوى 14 آذار أنها أميركية ومتآمرة، رغم أنها فازت في انتخابات العام 2009 بالأكثرية الشعبية. لقد فشلت القوى الاستقلالية إذن، والبلاد تتصدع الآن مالية واقتصاداً ومؤسساتٍ وأمناً وخدماتٍ. فهل يعتبر القوميون واليساريون الأشاوس لبنانيين وغير لبنانيين والذين وقف معظمهم مع سوريا الأسد، ومع (حزب الله)، أنهم فازوا؟».
تلك هي المسألة والأزمة، وهذه هي الأغلال.

اقرأ المزيد
٦ أكتوبر ٢٠١٨
الساكورا اليابانية في غوطة دمشق

لقد كتبت هذه المقالة القصيرة في الصفحة الإعلامية لإحدى المنظمات الدولية اليابانية والتي أعمل بها أثناء الكارثة الأخيرة التي مرت بها غوطة دمشق في الربيع المنصرم ونظراً لفقر المادة الإعلامية العربية في الإذاعات والأخبار والصحف اليابانية فإن أغلب الأخبار الهامة التي يمر بها مجتمعنا العربي تمضي دون أن يسمع بها أي مواطن ياباني أو يلقي لها بالاً ورغم اعتبارنا أن العالم بات (قرية صغيرة) إلا أن الحقيقة هي أن أخبارنا المحلية لا تصل إلا للآذان الباحثة عنها ويمضي أغلبها بكبيره وصغيره دون أن يعلم بها أغلب سكان العالم عكس المتصور لدينا

تشتهر اليابان إلى جانب التقدم الحضاري الهائل فيها بالطبيعة الخلابة والتي يضرب المثل بها وخاصة أشجار الكرز (الساكورا) التي تميز الربيع الياباني الساحر، فلم أجد طريقة ألفت فيها الأنظار اليابانية إلى المأساة السورية أفضل من مقارنة الساكورا اليابانية بأشجار المشمش التي تزهر في الربيع في الغوطة الدمشقية وكانت النتيجة المقالة التالية والتي كتبت أساساً باللغة اليابانية:

دخلت الحرب السورية عامها الثامن في مطلع هذا الشهر ويعتبر الكثيرون أن هذه المدة طويلة جداً في حين يراها السوريون أنفسهم كطرفة عين أو كابوس كئيب أسود فما إن اشتعلت الحرب في عام 2011 حتى بدأت ويلاتها تنسل إلى كل بيت سوري لتسرق منه أجمل ما فيه. فقد سرقت أرواح الآلاف وأخذتهم من أحضان أمهاتهم أو أعشاش زوجيتهم أو جنة أطفالهم. وسلبتهم -في أحسن الأحوال- أحلامهم وأعمالهم ومستقبلهم. حتى أكثر الناس حظاً لم يسلم من وبال الحرب التي طالت كل شبر في البلاد.

إن سبعة أعوام رقم ليس بالصغير، فاذا ما ضربنا به المثل في حياة رضيع حديث الولادة مثلاً فإن سبعة أعوام ستكون كافية له كي يتمكن من المشي والكلام والأكل بمفرده بل ودخول المدرسة وتجاوز الصف الثاني من المرحلة الابتدائية! إذاً فإن السبعة أعوام هذه والتي أنشأته وجعلت منه فرداً شبه مستقل في احتياجاته الاساسية ليست بالقصيرة وهي الفترة نفسها التي حولت آلاف الأطفال السوريين إلى أطفال أميين لا مستقبل لهم. فإذا ما نظرنا إلى أطفال سوريا اليوم نجد أن الكثير منهم قد عاش أغلب طفولته في ظل الحرب فلم يعد يعلم حياةً دون حياة الموت والقصف بل بات من المستحيل بالنسبة لهم أن يتخيلوا معنى الحياة الآمنة التي تنعم بها أنت.

 إذ أن الحرب لم تتح لهم فرصة مقارنتها بغيرها بل استحالت أكثر العابهم الطفولية عفوية وبراءة إلى تشييع موتى أوقتال في الجبهات وكأنه لا حياة دون ذلك. وبعد أن كانت سوريا من أولى الدول العربية في المستوى التعليمي وما يعرف عنها بصعوبة المناهج التعليمية وتفوق ابناءها علمياً فإن الإحصائيات تشير إلى أن نسبة ثلث الأطفال السوريين من عمر 5 إلى 17 هم خارج المدرسة في حين أن نسبة الأطفال الذين يعملون في ظل الحرب تجاوزت ال80 بالمئة من المجموع الكلي للأطفال. فهل اعتاد السوريون على الحرب؟ إذا كنت عزيزي القارئ قد اعتدت على أخبار الحرب كل يوم فهذا لا يعني أن الذين يعيشونها أنفسهم قد اعتادوا عليها. فلا أحد يستطيع الاعتياد على موت أحبته أو خسارة بيته أو بتر عضو من أعضاءه. فالموت ليس بالأمر الذي يستطيع أي منا الاعتياد عليه.

منذ أن ابتعدتُ عن سوريا وأتيتُ إلى اليابان، لم تتركني فكرة القيام بأي شيء من أجل بلدي إلا أنني أدركت صعوبة الانخراط الحقيقي في العمل الإنساني من عالم بعيد تماماً عن سوريا وهو اليابان إلى حين استطعت الانضمام إلى هذه المنظمة والتي أرشدتني إلى الضوء الذي كنت أبحث عنه. هذه المنظمة اليابانية المنشأ العالمية التوجه والتي تعنى بالكوارث الطبيعية والإنسانية في العالم. فرغم ابتعادي جغرافياً عن سوريا إلا أنني أدركت أن قلبي لن يبتعد عنها طالما أستطيع العمل هنا.

قبل اندلاع الحرب في سوريا لم يكن لدي شخصياً اهتمام حقيقي بالحروب في العالم وكانت همومي وتطلعاتي شخصية ولكن وبعد أن لمست الحرب قلبي ورأيت الموت والجثث والدمار بعيني أدركت الحقيقية وراء نشرات الأخبار التي اعتدت مشاهدتها باهتمام باهت سابقاً. ومما دفعني إلى كتابة الكلمات هذه هي الأخبار نفسها والتي تأتيني هذه المرة من بلدي. فبعد أن بدأت الحرب بالخمود تدريجياً وبدأت أنظار العالم تلتفت إلى (حروب جديدة!) بدأ الوضع الإنساني والأمني بالتدهور في غوطة دمشق المحاصرة أصلاً والتي فقدت خلال أسبوعين فقط أكثر من 600 شخص من سكانها وبعد أن كانت غوطة الربيع صارت غوطة الدم والموت.

حينما يحل الربيع في ريف دمشق فإن أشجار المشمش تزهر (كما اليابان) لتمسي أشبه ما يكون بشجر الساكورا الخلاب. وكما يتجه اليابانيون إلى الأماكن الخضراء محضرين معهم أكلهم كي يقضوا وقتاً ممتعاً في ظل أشجار الساكورا الزهرية الرائعة يقوم كذلك أهل دمشق بما هو معروف بـ(سيران يوم الجمعة) حيث يحضرون معهم أطعمتهم وألعابهم هاربين من حياتهم المدنية إلى ربوع غوطة دمشق التي تقدم لهم كل سنة أجمل الأزهار وتهديهم ألذ الفاكهة والخضار حتى ارتبط اسم الغوطة بالربيع في عيون السوريين.

فمع بدء موسم الربيع وذكرياته الجميلة أود أن أهمس في آذانكم وأطلب منكم أن تتذكروا أهلكم في سوريا أثناء مشاهدتكم لأزهار الساكورا. وأن تتذكروا أثناء تساقطها برقة ورود المشمش التي تتساقط شهيدة كل يوم بصمت بعيداً عن أنظار العالم المتغاضي عنها. فإذا كنت أنت وأهلك بخير فإن ذلك لا يعني أن العالم كله بخير وأنك تستطيع أن تعيش بسلام وراحة دون أن تؤدي دورك الحقيقي بإعمار هذه الأرض أو على الأقل بإيقاف خرابها فأثر الفراشة لن يتركك بسلام ودم المشمش لن يتوقف في غوطته بل ستحمله المياه وآلاف البحار إليك دون أن تعلم.

فما الذي يجب عليك القيام به؟ إن ما يجب عليك عملياً القيام به هو ألا تتغاضى عن مساعدة من هم حولك من أهلك وجيرانك وأبناء بلدك أولاً ثم ألا تتجاهل أخبار العالم مثلما فعلتُ أنا سابقاً. رغم أنني وعلى عكس آلاف السوريين لم أخسر غالياً في الحرب وهو مما أحمد الله عليه ليل نهار إلا أن الشعور بالأمان انعدم تماماً من قلبي ولم تعد أكثر الأوطان أماناً تشعرني بالراحة والطمأنينة وأنا أوقن قلبياً ان الله قد يحيل الامر بين ليلة وضحاها من سلام إلى حرب فأدركت أخيراً أن الأمان هو أكثر المشاعر المؤقتة في حال كنا نبحث عنها في حياتنا الدنيا. وبعدما أدركت فقدي للأمان أدركت معه أيضاً ارتباطي بكل نفس إنسانية تعاني وعلمت أن الذاكرة الجمعية التي تصنعها البشرية اليوم سيمتد أثرها إلى أجيال كثيرة بعدنا وأن كل مصيبة تمر في بلد ما لن تتركه إلا لتمر ببلد غيره حتى نقوم نحن أنفسنا بإنهائها.

إن الحرب السورية كانت بالنسبة لي هي البداية للاهتمام بحروب العالم ومشاكل اللجوء التي لم تتح لي الفرصة سابقاً الاطلاع عليها وإن وجودي في منظمة عالمية أتاح لي فرصة الاطلاع على أحوال بلدان لم يسبق لي أن أعطيتها ثوان من تفكيري وجعلني أدرك أن غوطة دمشق ماهي إلا جزء من كل الحروب الصامتة تارة والصاخبة تارة أخرى والتي يمر بها العالم اليوم وكم أتمنى منك عزيزي القارئ أن تدرك معي هذه الحقيقة وأن تعطي من وقتك وجهدك ليس من باب الفراغ بل من باب المسؤولية والواجب القليل مما تملك إلى من لا يملكون شيئاً .

إن المقال السابق قد كتب في شهر آذار (مارس) الماضي ولكن وكما ذكرت بين سطوره فإن الدم المنسكب في سوريا وفي كل الدول التي تمر بالحروب لن يتوقف في حدودها بل قد يصل يوماً ما إليك إذا لم تعر الأمر اهتماماً. والتعبير عن الاهتمام لا يكون فقط بالالتصاق وراء شاشات التلفاز وسب هذا وشتم ذاك ومن ثم مزاولة الحياة اليومية بشكل طبيعي. ولا أقصد بذلك أيضاً أنك تستطيع فتح القسطنطينية وتحرير القدس وإنقاذ الأطفال السوريين بمفردك بل أقصد أن تعي مسؤوليتك الخاصة على هذا الكوكب وألا تتمتع بما لديك وحدك وأنت تعلم ضمناً أنه يوجد هنالك من يعاني ويحتاج إلى أقل محتويات برادك أو خزانة ملابسك أو حتى أفكارك! فلا تبخل بكلمة ولا بقرش ولا بعلم ولا بفن! إن التفاتك إلى قضايا العالم وحده سيلفت انتباه غيرك إليها وإن سعيك الحثيث لنشر الوعي سينشره حتماً لا محال.

اقرأ المزيد
٥ أكتوبر ٢٠١٨
عصابة الأسد وليس نظام الأسد

درجت تسمية السلطات في بلاد معينة باسم نظام الحكم، وإذا كان من غير المعروف تاريخ هذه التسمية، فقد نشأت أجيال عربية على مصطلح أنظمة الحكم العربية، في الإعلام وفي الأدبيات السياسية، للدلالة على اختلاف طبيعة الحكم فيها ما بين ملكي ورئاسي وأميري.

لكن كلمة نظام في الغالب ما كانت تستخدم كنوع من التصغير والاحتقار، أو للدلالة على حالة غير سوية جوهرها سرقة السلطة واحتكارها ضمن فئة محدّدة، وصناعة منظومة سلطوية تابعة، من جيش وأجهزة أمنية وحزب حاكم. وتتم عملية صناعة القرار ضمن دوائر ضيقة، وتعتمد هذه الأنظمة على الدعاية والقمع كوسيلتين لضبط المجتمع المحكوم، أو بلغة أدق؛ ترويضه وتدجينه.

من هنا جاءت تسمية النظام السوري، لدرجة أن هذه التسمية باتت لصيقة باسم السلطة في سوريا، وقد عبر بشار الجعفري، مندوب الأسد في الأمم المتحدة، عن غضبه واستهجانه من استعمال دبلوماسيين من طراز مندوبي الدول في مجلس الأمن؛ لمصطلح النظام، بدل استخدام مصطلح الحكومة السورية.

لكن، ولدى معاينة سلوك منظومة الأسد الحاكمة، نجد أن مصطلح نظام يبدو غير منطقي في تسميتها، ذلك أن هذا المصطلح، على محمولاته السلبية، فإنه يرمز لبنية سياسية ذات صفات معينة غير موجودة لدى منظومة الأسد، التي تبدو أقرب للعصابة منها للنظام، وذلك للأسباب التالية:

- التعاطي مع السياسة في حدودها الدنيا ومن خلال شكليات، حيث كل شيء يدخل في الإطار العسكري والأمني، وإدارة المجتمعات وإدارة صراعاتها، والشؤون الاقتصادية وغيرها.. كل ذلك يمر عبر نافذة الأمن، أما السياسة فليست سوى واجهات شكلية وهياكل فارغة.

- المجال السياسي لا يزال متخلفا، يقتصر على الحزب الحاكم، وهذا ليس سوى ديكور، وحينما يجري تفعيله فهو أداة للبطش وجهاز استخاراتي رديف للأجهزة الأخرى، ومثله النقابات والاتحادات. فالمجتمع المدني مسيطر عليه بشكل كامل من قبل هذه الجهات.

- الحامل الاجتماعي ليس طبقة ولا فئة اجتماعية واضحة، بل مجموعة متنفعين انتهازيين، في بداية الثورة ونتيجة الفرز الذي حصل بين مؤيد للثورة ومؤيد للسلطة تكشّف بشكل كبير أن الفئات التي تعمل بقطاعات السمسرة والتهريب والفاسدين في القطاع العام والمرتشين والذين يديرون بيوت الدعارة هم الأكثر أصالة وشراسة في تأييد الأسد، وحتى رجال الدين المنحرفين الذين يتعاطون مع الدين بوصفه تجارة وربحا.

- عدم احترام القانون، من الدستور إلى القوانين الأخرى، في مرحلة السلم طالما جرى التعبير عن هذا الأمر من خلال تجاوز كل القوانيبن في اعتقال المواطنين وفي إخفائهم ومداهمة المنازل بدون مذكرات قضائية، فمثلا في عام 2004 جرى اعتقال أعداد كبيرة من الذين شاركوا في حرب العراق عن طريق اختطافهم من الشوارع أو مداهمة منازلهم عند الفجر، ولكي يعرف ذووهم أماكن وجودهم كان يتطلب الأمر دفع مبالغ ضخمة من الرشاوى لأجهزة المخابرات، ومن لا يملك المال فإن مصير ابنه الاختفاء إلى الأبد بعد تصفيته في السجون. هل ثمة نظام في الشرق والغرب لا يزال يستخدم أسلوب الإخفاء في القرن الحادي والعشرين؟

- قتل المعارضين السياسيين، والحادثة الأقرب، قتل حوالي ألفي معارض في سجن تدمر وإعدامهم ميدانيا، بل إن جرائم عصابة الأسد ظهرت بشكل واضح وفاضح في لبنان، حينما أقدم جهاز الأمن العسكري على قتل عشرات المعارضين للوجود السوري، وأغلبهم شخصيات سياسية وفكرية.

هذا وضع السلطة في سوريا قبل الثورة، قبل أن تكشف عن وجهها الأبشع، أو يمكن القول إظهار حقيقتها بدون مكياج، ذلك أنه في مرحلة قبل الثورة لم تكن مضطرة بقدر كبير لكشف نفسها، وكانت تسعى إلى تطوير وضعها إلى مستوى العصابة "الموديرن". فوضع العصابة التقليدي لم يعد يناسبها؛ نظرا لتوسع نشاطها الاقتصادي وتراكم الثروات التي تمتلكها نتيجة النهب والفساد والتهريب، وقامت بإلباس عناصرها السموكنغ وعلّمتهم اللغات الأجنبية، وصدّرت أسماء الأسد كسيدة مجتمع للاستحواذ على مشاريع جمعيات المجتمع المدني وأمواله الهائلة، وهي خبرة تعلمتها العصابة من تجربة سوزان مبارك في مصر وليلى الطرابلسي في تونس.

بعد الثورة، تكشّف وجه العصابة الحقيقي، أصبحت عمليات القتل والإخفاء بمئات الآلاف، وعمليات السرقة والنهب" التعفيش" تجري في وضح النهار، حتى إن الكثير من العناصر المقاتلة لم يكن لهم مرتبات، بل جرى الاتفاق مع المتعهدين الذين يجلبونهم على أن يكون البدل النقدي لهم مما ينهبونه من الأحياء التي جرى توزيعها كقطاعات بين المتعهدين.

يحاجج المدافعون عن عصابة الأسد بأنهم دولة ونظام حكم كونهم لديهم مؤسسات ويقدمون خدمات للمجتمع، والواقع أن العصابة لديها مؤسسات لتصريف أعمالها وإدارة مصالحها. وقد ثبت عبر دراسات محايدة أن المؤسسات في سوريا لها هدف حقيقي واحد، وهو تكريس سلطة العصابة وإدامتها. أما الخدمات، فحتى أزعر الحارة في نسخ السلطة القديمة كان يقدم خدمات معينة، وكذلك الفتوات والقبضايات، وذلك بهدف إسكات المجتمعات وضمان عدم انفجارها في وجه العصابة.

وفق هذه المقاييس، نجد أن أغلب ما يسمى أنظمة الحكم في عالمنا العربي، ليست سوى عصابات حاكمة، لديها إعلام وفضائيات وسفارات وممثلون في الأمم المتحدة.. هم زعران الحارات بمظهر موديرن، حتى إن دول العالم الخارجي تتعاطى معهم وفق هذه الصفة.

اقرأ المزيد
٥ أكتوبر ٢٠١٨
مراجعات كارثية

إِنَّ الرَّائِدَ لا يَكْذِبُ أَهْلَهُ
شهد التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر عدة مراجعات، لعدد من كبار العلماء من كتاب ومحدثين، وكاد المؤرخ الناقل عنهم أن يشك في صحة إحدى الروايتين المتناقضتين المنقولة عن الباحث نفسه قبل المراجعة وبعدها؛ لولا إعلان ذلك العالم وعلى الملأ مراجعاته الفكرية أو العلمية، فأثبت صحة رأيه الثاني وأبطل الأول في المسألة الواحدة، وهكذا أقام الحجة على نفسه، ومنهم من كان يخلع ثوبه في المسجد أو في السوق، ويقول ها أنا انسلخ مما كنت أعتقد كما انسلخ من ثوبي هذا ويرميه كناية عن التغيير والانسلاخ من المعتقد القديم. تاب ورَقِيَ كرسيّا في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإني أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وإن أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.

قال الفقيه أبو بكر الصَّيرَفي في ذلك : "كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى نشأ الأشعري فحجزهم في أقماع السَّماسم.

دفعت هؤلاء النخب الأهداف السامية والصدق مع الله والأمانة العلمية وسمو أخلاق لإتخاذ موقف تاريخي في حياتهم، انسلخوا به من معتقداتهم وما كانوا عليه وعادوا لجادة الصواب الذي وجدوا صوابه في إعلانهم الإنقلاب على تلك المعتقدات الفاسدة والتبرؤ منها على العلن، بل أمام أتباعهم مقدمين الخوف من الله على خوفهم من الرأي العام ونظرة الأتباع المقدسة لهم.

نشهد اليوم بعض الفصائل تنقلب على نفسها وتراجع أحكامها الخاطئة على استحياء أو تفاوض خصومها في الأمس ومن حرمت التعامل معهم من تحت الطاولة، تاركة أتباعها رهينة أحكام قديمة خاطئة، قد يعيش ويموت العنصر التابع لهم وهو يعتقد أنه على الحق الذي لا يجوز الحيد عنه، أو لربما يقاتل ثم يقتل من أجله، بينما القائد والشرعي لتلك الفصائل يراجع نفسه ويبيح ما كان محظوراً على غيره، بل قاتل في الأمس القريب من كان يحمل هذا المعتقد، وأكبر دليل على تلك المراجعات هي العلاقة بين الثورة والأتراك، التي بدأها الجيش الحر منذ اندلاع الثورة، حيث إهتم بتلك الروابط من منطلق التحالف الاستراتيجي الذي لا بد للثورة حتى تصل إلى أهدافها.

تتقلب بعض الفصائل تارة تحرم التعامل مع الأتراك وتصدر بيانات تدعم رأيها بالأدلة وتارة تبيحها مع التحفظ وتارة تبيحها على الإطلاق أو تنفذ أجندتها من خلف الكواليس وهي تكسوها الكسوة الدينية وتستدل بالأدلة والحجج الشرعية على صوابها.

إذاً أين كانت تلك القواعد الشرعية والنصوص عندما قاتلت تلك الفصائل منافسيها من الجيش الحر الذي سبقها بإقامة تحالفات مع الأتراك؟

أم كان ذلك القتال من أجل السيطرة والسلطة لا أكثر؟

لا شك أن خروج المناطق المحررة من مستنقع الخلافات ووصولها إلى شاطئ الأمان مرهوناً بنشر الوعي والفكر السليم المبني على استراتيجيات وتحالفات يقودها من يملك الخبرة على ضوء الشريعة، لا إلى قادة تتقن الخطاب الشعبوي والتعبئة الجماهيرية والخوض بالجماهير في رهانات تقلص الأرض تحت أرجلهم وتدفعهم للمخيمات والحصار، ثم تحولهم إلى مواد أولية بيد المشاريع الغربية البعيدة كل البعد عن الإسلام.

إن جولة سريعة في المناطق التي دخلت عليها تلك المدارس الفكرية المتشددة، بداية من أفغانستان إلى الصومال والجزائر والعراق وليبيا ونهاية في سوريا، يدرك المتتبع ما آلت إليه تلك البلاد بعد دخول الغلو إليها، ما هي النتائج التي حققها؟

ومن يسيطر عليها الآن؟

فهل بلغت تلك المدارس الفكرية التمكين لا أظن هذا؟ وجل قادتهم متواريين عن الأنظار لا يخرجون على أتباعهم إلا ببعض التسجيلات.

اقرأ المزيد
٥ أكتوبر ٢٠١٨
روسيا تسقِط المعارضة من الحل السوري

 يحدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نوع الفاعلين العسكريين في سورية، بين وجود شرعي، وآخر غير شرعي، ويواجه خصومه وحلفاءه بآن واحد، بشرعية قواته فيها، النابعة من طلب الحكومة السورية لتدخلها العسكري، ويعتبر النظام السوري أحد الجهتين الوحيدتين إلى جانب الأمم المتحدة، التي تمنح شرعية وجود قوات عسكرية في سورية، وعلى ذلك يحق له تصنيف تلك القوى المشاركة في الحرب السورية، بين قوات شرعية، أو قوات احتلال واعتداء على السيادة السورية.

هذا يعني أن التفاهمات التي عقدتها موسكو مع أي جهة لها وجود عسكري هي من باب التحايل والاحتيال، وليست صاحبة حق ما لم يكن النظام السوري، أو الأمم المتحدة بررت ذلك الوجود بقرار محلي داخلي، كما هو الحال مع روسيا، وإيران، أو بقرار دولي عجزت حتى اللحظة الأمم المتحدة عن تمريره بفعل الفيتو الروسي، الذي حال دون اتخاذ أي قرار لحسم الصراع نحو 12 مرة (من 4 تشرين أول / أكتوبر 2011 وحتى 11 نيسان/ أبريل 2018).

وينطبق وصف «اللاشرعية» حسب التصنيف الروسي، وقبله النظام السوري، على القوات الأميركية بصفتها العسكرية، أو تحت مسمى «المستشارين»، الذين زاد عددهم وفق تصريحات أميركية رسمية يوم الأربعاء (جيمس ماتيس وزير الدفاع: إن عدد الديبلوماسيين الأميركيين في سورية زاد إلى المثلين مع اقتراب هزيمة داعش عسكرياً)، كما ينطبق على القوات الأوروبية والتحالف الدولي، وفي الوقت ذاته، يمكن فهم التصريحات بأنها رسالة تهديد مكشوفة للجيش التركي الذي يصول ويجول داخل الأراضي السورية، قبل وبعد الغطاء الروسي «المقونن» باتفاق سوتشي ( 17 أيلول/ سبتمبر الماضي) حول إدلب.

وضمن هذه التصريحات المتجانسة بين النظام السوري والرئيس الروسي، والتي تأتي كأنها في سياق رد على بيان وزارة الخارجية الأميركية، (2 تشرين الأول /أكتوبر الموقع من السفير جيم جيفري ممثل وزير الخارجية الخاص للتواصل بشأن سورية ونائب مساعد وزير الخارجية والمبعوث الخاص جول رايبون) حول دفع مسار المفاوضات في جنيف لإنهاء الحرب في سورية، ووضع حد لمعاناة السوريين، وبأن الحل لن يكون عسكرياً ، ولا بديل من الحل السياسي، منوهاً في عبارة تهديدية وتحذيرية بآن معاً: «نؤكد بأقوى العبارات أن أولئك الذين يسعون إلى الحل العسكري لن ينجحوا إلا في زيادة احتمال التصعيد الخطير، واتساع نطاق الأزمة داخل المنطقة وخارجها»، وأضاف البيان: «إن المجازر التي ارتكبها النظام السوري تمت بتمكين من روسيا وإيران».

إننا نشهد مرحلة جديدة من خلال التصريحات المتبادلة بين الطرفين الأساسيين في إدارة الصراع (أميركا ترامب، وروسيا بوتين)، الذي قد يمتد إلى خارجها كما نوه البيان، فهل هذا يشمل تركيا، وضمن ذلك يأتي تصريح بوتين الذي لا يستثنيها كقوات غير شرعية موجودة داخل المدن السورية، على رغم إشادته بالاتفاق المنجز بينه وبين نظيره التركي، وهو ما يعني إسقاط أي حق لكيانات المعارضة ومنها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي بارك وشرعن دخول القوات التركية إلى سورية، وبالتالي اسقاط المعارضة كطرف شرعي مقابل للنظام في صياغة الحل للصراع في سورية؟

وفي الوقت الذي يعتبر فيه وزير خارجية النظام وليد المعلم أن الاتفاق: «هو خطوة نحو تحرير إدلب»، أي لاستعادة سيطرة النظام السوري على إدلب، يفهم منه أن الاتفاق مرحلة تمهيدية مشابهة تماماً لما مرت فيه اتفاقيات خفض التصعيد في كل من حمص وريف دمشق ودرعا، التي اعتبرها النظام موقتة ومحددة بإطار زمني ينتهي مفعولها مع تسليم «المعارضة» لسلاحها، والتزام مرحلة «التدجين» التي تمت بفعل مسار آستانة، واتفاقيات خفض التصعيد، وانتهت بتحويل فصائل معارضة إلى أجهزة شرطية بقيادة روسية، فهل ما قاله وزير الخارجية يأتي في إطار القياس فعلياً على ما حدث في تلك المناطق منخفضة التصعيد، أم أنه مبني على ما قدمته روسيا من خفايا الاتفاق مع تركيا إلى النظام السوري؟

وهل حديث وزير الدفاع الاميركي من باريس الذي يقول أن الظروف الميدانية تشير الى أن التوصل إلى تسوية سياسية «لا يزال بعيد المنال»، وبنـــاء عليه اخذت الإدارة الأميركية قرارها بالبقاء طويل الأمد في سورية، يعني ضمنياً أننا أمام حالة استعصاء ديبلوماسي مع موسكو بما يتعلق بإقصاء إيران من جهة، وتوزيع حصص إعادة الإعمار التي يمهد لها بوتين كراع مـــطلق اليد فيــها، ما يمكن تفسيره بعدم قبول أميركي للقمة الرباعية التي تجمع روســـيا مع فرنسا وألمانيا في تركيا، والتي كان يفترض أن تعقد في 14 أيلول (سبتمبر) المنصرم، والعودة إلى الحديث عن عقدها هذا الشهر؟

وكيف يمكن للأميركيين التأكد من أن الحل السياسي المأمول هو حل نهائي غير قابل للانهيار، في ظل الوجود العسكري لروسيا الداعمة للنظام، والوجود الاقتصادي المهيمن على سوريا، والذي يتابع توقيع اتفاقياته الاقتصادية الملزمة لسوريا، وآخرها عقد لإنشاء محطة كهرباء في مركز التواجد الروسي في سوريا «اللاذقية» بقيمة 460 مليون دولار، أي أنه حتى عندما تقرر إيران الخضوع للمطالب الدولية بالخروج من سوريا حفاظاً على أمن إسرائيل، وتحقيقاً للشروط الأميركية 12 التي أعلنها الوزير مايك بومبيو في أيار (مايو) من هذا العام، لتوقيع اتفاق نووي جديد بديلاً عن الاتفاق الذي جمع دول الخمسة زائد واحد مع إيران، والذي انسحبت منه في 8 أيار الماضي؟

وبالمحصلة فإن البنك المركزي للإرهاب « النظام إيران» حسب التسمية الأميركية سواء بارك اتفاق إدلب حسب تصريح بوتن (الأربعاء 3/10) أو عارضه، فهو بأذرعه المتطاولة داخل النظام السوري قادر حتى اليوم أن يكون سبباً مباشراً في تعطيل أي حل سياسي شامل، كما تطرحه مجموعة الدول المصغرة بزعامة الولايات المتحدة الأميركية والشراكة العربية - الأوربية، ومتابعة تدخلاته العسكرية والسياسية سواء داخل المنطقة أي سوريا، أو خارجها أي العراق ولبنان واليمن، ما يفسر ما جاء في بيان الخارجية الأميركية، ويضعنا أمام وقائع ما ستتعرض له اللجنة الدستورية -التي تختصر كل كيانات المعارضة سياسياً- بأنه لايزال لديها الوقت الطويل قبل أن تثمر اجتماعاتها -غير المنظورة حتى الآن- عن أي نتيجة واقعية محتملة لتغييرات جوهرية في متن الدستور الحالي تكون هي أداة الإطاحة بالنظام القائم شكلاً ومضموناً، وتوفر أسباب الحياة الآمنة والمواطنة المتساوية لكل السوريين أفراداً وجماعات وعرباً وغيرهم من كل القوميات.

اقرأ المزيد
6 7 8 9 10

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
٢٦ يناير ٢٠٢٣
بين أوكرانيا وسوريا… جنرالات روس من ورق
فريق العمل
● مقالات رأي
٢٥ نوفمبر ٢٠٢٢
في اليوم الدولي  للقضاء على العنف ضد المرأة.. رحلة نساء سوريا
لين مصطفى - باحثة إجتماعية في شؤون المرأة والطفل. 
● مقالات رأي
٢٤ نوفمبر ٢٠٢٢
العنف ضد المرأة واقع مؤلم ..  الأسباب وطرق المعالجة
أميرة درويش  - مراكز حماية وتمكين المرأة السورية في المنتدى السوري 
● مقالات رأي
٢٣ نوفمبر ٢٠٢٢
المصير المُعلّق بين الإنكار والرفض
عبد الناصر حوشان
● مقالات رأي
١٤ نوفمبر ٢٠٢٢
أهمية تمديد قرار إدخال المساعدات إلى سوريا عبر الحدود
قتيبة سعد الدين - مستشار الحماية في المنتدى السوري 
● مقالات رأي
١٣ أكتوبر ٢٠٢٢
قراءة في تطورات المشهد شمالي حلب .. بداية مشروع أم تنبيه أخير
أحمد نور
● مقالات رأي
١٢ أكتوبر ٢٠٢٢
"الجـولا.ني" في خندق "أبو عمشة"... فمتى يبغي على "الأسد" ....!!
فريق العمل