تحركات جديدة في الأسواق السورية تشمل الغذاء والألبسة
سجلت الأسواق المحلية في سوريا موجة متصاعدة من التغيرات السعرية التي طالت مختلف القطاعات، في ظل استمرار تراجع قيمة الليرة أمام الدولار وتراجع القوة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والمحروقات والخضار والفواكه والملابس.
البداية في قطاع الغذاء، حيث جرى رصد تفاوتات واضحة في أسعار المواد الأساسية، حيث تُباع بعض السلع مثل الزيت والأرز والسكر بأسعار مختلفة بحسب مصدرها وسعر صرف الدولار المعتمد في التسعير، مع تسجيل ارتفاعات متتالية في تكاليف الاستيراد والنقل.
وأكدت مصادر تجارية أن المحروقات لعبت دوراً أساسياً في رفع تكاليف الإنتاج والتوزيع، ما انعكس على أسعار معظم المواد الغذائية والتموينية، في وقت بات فيه المستهلك يواجه صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاته الأساسية وسط محدودية الدخل وثبات الأجور مقارنة بالارتفاع السعري.
أما في قطاع الخضار والفواكه، فتظهر الأسعار حالة من التذبذب اليومي المرتبط بالمواسم وكميات الإنتاج وتكاليف النقل، حيث تختلف الأسعار بشكل ملحوظ بين سوق وآخر داخل المدينة نفسها، وهو ما يعكس ضعف الاستقرار في سلاسل التوريد وارتباطها المباشر بتكاليف الإنتاج والظروف المناخية. وتؤكد حركة السوق أن المواد الزراعية لم تعد مستقرة سعرياً حتى في المواسم التي يفترض أن تشهد وفرة في العرض.
وفي قطاع الألبسة، تتجه الأسعار نحو مستويات مرتفعة بشكل واضح، إذ تراوحت “كسوة العيد” بحسب جولة ميدانية في أسواق دمشق بين أرقام متفاوتة، حيث بلغ سعر الحذاء الرجالي ما بين 750 ألفاً و650 ألف ليرة قديمة، بينما تجاوزت البدلة الرجالية أو النسائية حاجز 1.5 مليون ليرة قديمة.
فيما وصلت كسوة الطفل إلى نحو مليون ليرة قديمة، وتخطت كسوة الرجل أو السيدة في بعض الحالات حاجز 150 إلى 200 دولار، أي ما يعادل أكثر من 2 مليون ليرة قديمة، مع تسجيل أسعار أعلى للأنواع المستوردة أو ذات العلامات التجارية.
فيما وصل سعر الحذاء الرجالي إلى نحو 25 دولاراً، أي ما يعادل 3,450 ليرة جديدة تقريباً، بينما تراوحت أسعار الأحذية النسائية بين 1,500 و2,700 ليرة جديدة، وأسعار أحذية الأطفال بين 1,500 و2,500 ليرة جديدة، مع اختلافات مرتبطة ببلد المنشأ ومستوى الجودة.
وفي السياق التجاري، قال صاحب محل لبيع الألبسة النسائية في سوق الصالحية سامر أسعد إن العروض والتنزيلات تأتي في إطار محاولة لتنشيط الحركة التجارية بعد حالة ركود امتدت منذ عيد الفطر، مشيراً إلى أن الإقبال ما يزال محدوداً رغم الحركة الظاهرة في الأسواق، وأن معظم التخفيضات لا تشمل البضائع الحديثة.
ومن جانبه، قال نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق محمد الحلاق إن السوق السورية تعمل وفق مبدأ المنافسة والتنوع، موضحاً أن اختلاف الأسعار بين المحال الشعبية والمراكز التجارية يعود إلى اختلاف التكاليف التشغيلية والسمعة التجارية.
وأضاف أن المستهلك هو من يحدد خياراته بحسب قدرته الشرائية، وأن العملية التجارية مرتبطة بسلسلة إنتاج تبدأ من الورشات وتنتهي بالعامل الذي يعيد ضخ دخله في السوق.
وفي المقابل، أوضح المحلل الاقتصادي شادي سليمان أن كسوة العيد تحولت إلى عبء اقتصادي ثقيل على الأسر السورية، مرجعاً ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وضعف الصناعة المحلية والاعتماد على المواد المستوردة المرتبطة بسعر الدولار.
وأكد أن غياب الرقابة الفاعلة وتراجع الدعم للإنتاج المحلي يجعل المستهلك الحلقة الأضعف، مشيراً إلى توسع الاعتماد على أسواق البالة والملابس المستعملة كبديل أقل كلفة، إضافة إلى تأجيل الشراء أو التركيز على الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والدواء.
وفي الإطار ذاته، قال رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور عبد العزيز المعقالي إن الغلاء في الأسواق أصبح حالة مستمرة وغير موسمية، موضحاً أن ارتفاع تكاليف الطاقة من محروقات وكهرباء انعكس مباشرة على تكاليف التصنيع والنقل.
كما أن القيود على الاستيراد أدت إلى نقص في العرض وارتفاع الأسعار، وأضاف أن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة بين الدخل والأسعار، وأن زيادة الرواتب رغم أهميتها تبقى غير كافية، مشدداً على أن تحسين دخل المواطن هو المدخل الأساسي لاستقرار الأسواق.
أما في القطاع الزراعي، فقد أشار الخبير الاقتصادي والزراعي الدكتور مجد أيوب إلى تحسن نسبي في بعض المناطق نتيجة تحسن معدلات الأمطار وعودة بعض الموارد المائية مثل بحيرة زرزر ونهر العاصي، مع عودة جزئية للإنتاج في الغوطة، لكنه أوضح أن التحدي الأساسي يتمثل في ضعف التصدير وعدم قدرة الإنتاج الحالي على المنافسة في الأسواق الخارجية، داعياً إلى تطوير زراعة الحمضيات وتحسين التسويق وتحديث الأصناف الزراعية.
كما أكد الخبير التنموي الزراعي أكرم العفيف أن القطاع الزراعي يعاني من تحديات اقتصادية كبيرة إلى جانب المناخية، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع أسعار المحاصيل وسيطرة الوسطاء على جزء كبير من الأرباح، إضافة إلى أزمة قطاع الثروة الحيوانية نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف وانتشار الأمراض مثل الحمى القلاعية، فضلاً عن المنافسة مع المستوردات، محذراً من تأثيرات التغير المناخي واستنزاف المياه الجوفية.
وفي سياق متصل، أوضح الخبير الاقتصادي عبد الحكيم المصري أن الأسواق تعاني من إغراق بسلع منخفضة الجودة، بعضها يباع بأقل من دولار واحد للقطعة، مشيراً إلى وجود منتجات مقلدة ومنتهية الصلاحية في بعض الحالات، داعياً إلى تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية وتطبيق المواصفات القياسية السورية بشكل صارم، ومحاسبة المخالفين، مع تعزيز دور المخابر والجمارك.
ومن جانبه، أكد مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش أن جميع المستوردات تخضع للكشف والمعاينة والتدقيق وفق الأنظمة المعتمدة، وأن بعض المواد تُحال إلى المخابر المختصة للفحص، مشيراً إلى أن الإجراءات تختلف حسب نوع البضاعة، وأن الهيئة تعمل على منع دخول أي مواد مخالفة، إضافة إلى مواصلة جهود مكافحة التهريب وتشديد الرقابة على المنافذ البرية والبحرية والجوية.
كما أوضح أن جميع السلع يجب أن تكون مطابقة للمواصفات القياسية السورية، وأن التعامل الجمركي يتم وفق القوانين النافذة مع طلب الوثائق اللازمة مثل شهادات المنشأ والتعبئة بحسب نوع البضاعة، مؤكداً استمرار العمل على تطوير آليات الرقابة لحماية السوق والاقتصاد الوطني.
وكانت أوضحت وزارة الاقتصاد والصناعة أن القانون رقم 8 لعام 2021 ما يزال نافذاً، مع تشكيل لجنة خاصة لإعداد مقترحات تعديل تشمل ممثلين عن وزارات العدل والتعليم العالي وغرف الصناعة والتجارة، بهدف تطوير التشريعات الناظمة للسوق وحماية المستهلك، حيث ينص القانون على تنظيم العلاقة بين التاجر والمستهلك ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، مع فرض عقوبات تصل إلى الغرامات والسجن في حالات الغش والتلاعب، ومنح الجهات الرقابية صلاحيات واسعة لضبط الأسواق والتفتيش على المنشآت والمحال التجارية.
وتشير مجمل المؤشرات الاقتصادية إلى أن السوق السورية ما تزال تعمل ضمن حالة من التذبذب المرتبط بعوامل نقدية وإنتاجية وهيكلية، في ظل فجوة واضحة بين الدخل والأسعار، ما يجعل أي استقرار سعري مرهوناً بإصلاحات اقتصادية أوسع تشمل الإنتاج والدخل والسياسات النقدية في آن واحد.