أحمد أبازيد: الحقيقة الدقيقة ضمانة العدالة في محاكمة عاطف نجيب ومسار محاسبة نظام الأسد البائد
أحمد أبازيد: الحقيقة الدقيقة ضمانة العدالة في محاكمة عاطف نجيب ومسار محاسبة نظام الأسد البائد
● محليات ١٨ مايو ٢٠٢٦

أحمد أبازيد: الحقيقة الدقيقة ضمانة العدالة في محاكمة عاطف نجيب ومسار محاسبة نظام الأسد البائد

أكد الباحث والكاتب أحمد أبازيد أن أحد المبادئ الأساسية التي اعتمدها مشروع “الذاكرة السورية” في توثيق أحداث الثورة السورية كان الالتزام بالحقيقة والوقائع الموثقة، حتى عندما تتعارض مع الروايات الشائعة والمتداولة.

وأوضح أبازيد في منشور على منصة "فيسبوك" أن قوة سردية الثورة السورية تستند إلى المصداقية، لا إلى التهويل أو تضخيم الأحداث، مشدداً على أن نظام الأسد البائد لا يحتاج إلى “اختلاق روايات” لإثبات حجم الجرائم التي ارتكبها خلال سنوات الحرب في سوريا.

وأشار إلى أن منصة “الذاكرة السورية” وثّقت منذ انطلاقها الوقائع المرتبطة باعتقال أطفال درعا، استناداً إلى شهادات متعددة ووثائق ومقاطعات ميدانية.

تفنيد بعض الروايات الشائعة

لفت أبازيد إلى أن المنصة ميّزت بين مجموعتي الأطفال المعتقلين في درعا، ولم تنسب كتابات الشعارات للأطفال بشكل مباشر، كما أوضحت أن اعتقال المتهمين بالكتابات جرى عبر قسم الأمن العسكري.

وأضاف أن المشروع لم يتبنَّ الرواية المتداولة بشأن حديث عاطف نجيب المسيء لأهالي درعا، كما حدد الجهة الأمنية التي أطلقت الرصاص وسقط على إثرها أول شهداء الثورة السورية.

وأشار إلى أن الأمر ذاته انسحب على روايات أخرى جرى تداولها خلال سنوات الثورة، مثل بعض التفاصيل المرتبطة بمقتل إبراهيم القاشوش ومجزرة الخالدية، مؤكداً ضرورة الفصل بين الوقائع الموثقة والمبالغات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

قراءة في دور عاطف نجيب

أوضح أبازيد أن جزءاً من حديث عاطف نجيب خلال محاكمته يتضمن وقائع صحيحة، لافتاً إلى أن اسمه ارتبط منذ الأيام الأولى للثورة بكونه قريباً من الإرهابي الفار بشار الأسد، ما جعله رمزاً للسلطة الأمنية في درعا آنذاك.

وأكد أن الاحتجاجات التي انطلقت في 18 آذار لم تكن مرتبطة فقط بقضية الأطفال أو المطالب الخدمية، بل شكلت منذ بدايتها حراكاً سياسياً موجهاً ضد نظام الأسد البائد.

وأشار إلى أن نجيب نُسبت إليه لاحقاً اتهامات أخرى لا ترتبط به بشكل مباشر، مثل قضية الطفل الشهيد حمزة الخطيب، معتبراً أن بعض هذه الروايات انتشرت إعلامياً أكثر من الروايات الدقيقة القائمة على التوثيق والشهادات.

التركيز على المسؤولية الفعلية

شدد أبازيد على أن محاكمة عاطف نجيب ينبغي أن تركز على دوره ضمن اللجنة الأمنية التي تشكلت بعد انطلاق الثورة، والتي كانت مسؤولة عن إدارة الملف الأمني في درعا خلال الأيام الأولى.

وأوضح أن تحديد المسؤوليات بدقة يجب أن يستند إلى الوثائق ومحاضر الاجتماعات المرتبطة باللجنة الأمنية، لا إلى الروايات غير القابلة للإثبات.

وأضاف أنه لا يفهم أسباب بدء مسار العدالة الانتقالية بعاطف نجيب تحديداً، باستثناء رمزية اسمه الإعلامية، مشيراً إلى وجود ضباط ومسؤولين آخرين معتقلين لديهم أدوار موثقة في مجازر وجرائم أكبر خلال سنوات الحرب.

إشادة بمسار المحاكمة

رغم ملاحظاته على غياب قانون خاص بالعدالة الانتقالية ومحاكمة جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية في سوريا، اعتبر أبازيد أن أداء المحاكمة حتى الآن “جيد”.

وأشار إلى أن السماح للمتهمين ومحاميهم بعرض رواياتهم، وإتاحة مناقشة التناقضات، وعدم ظهور آثار تعذيب أو ضغوط على المعتقلين، يمثل عناصر أساسية لبناء مسار قضائي مهني وموثوق.

وأكد أن استقلال القضاء عن الضغوط السياسية والإعلامية والشعبية يشكل ضمانة حقيقية لتحقيق العدالة لجميع السوريين.

دعوة للاستفادة من مشاريع التوثيق

دعا أبازيد إلى الاستفادة من الجهود التوثيقية والحقوقية التي أُنجزت خلال سنوات الثورة السورية، وعلى رأسها مشروع “الذاكرة السورية”، لتجنب الأخطاء التي تقع أحياناً في الخطاب الإعلامي أو التصريحات الرسمية المتعلقة بأحداث الثورة.

وختم بالتأكيد على أن الجريمة في سوريا لم تبدأ مع عاطف نجيب ولن تنتهي بمحاكمته، معتبراً أن بناء مسار عدالة احترافي وموثوق هو الضمانة الحقيقية لمحاسبة المجرمين وحماية حقوق السوريين.

"عاطف نجيب" ينكر الجرائم… ويشعل غضب وسخرية على مواقع التواصل


وكان أثار ظهور الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، عاطف نجيب، أمام القضاء موجة تفاعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعد نشر وزارة العدل تسجيلاً مصوراً تضمن إنكاره للتهم المرتبطة بأحداث درعا عام 2011.

وأنكر "نجيب" اعتقال وتعذيب الأطفال الذين كتبوا شعارات مناهضة للنظام البائد، إضافة إلى نفيه إصدار أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين أو التورط في الانتهاكات التي شهدتها المحافظة مع بداية الثورة السورية.

وخلال الجلسة، حاول نجيب تحميل مسؤولية الاعتقالات والانتهاكات لأفرع أمنية أخرى، قائلاً إن فرع الأمن العسكري هو من اعتقل الأطفال، وإن الأمن العسكري وأمن الدولة والمخابرات الجوية هم من تولوا قمع المظاهرات وإطلاق النار على المحتجين، وزعم أنه لم يكن مؤيداً للحل الأمني وتمت إقالته بعد أيام من اندلاع الاحتجاجات.

إلا أن هذه التصريحات فجرت موجة غضب وسخرية واسعة على موقع فيسبوك ومنصات أخرى، حيث اعتبر كثير من المستخدمين أن رواية نجيب تمثل محاولة للتبرؤ الكامل من أحداث ارتبط اسمه بها لسنوات طويلة.

وتداول ناشطون تعليقات ساخرة ركزت على أن جميع الأفرع متهمة إلا هو، فيما أعاد آخرون نشر شهادات توثق مرحلة الاحتجاجات الأولى في درعا والانتهاكات التي رافقتها كما انتشرت منشورات تقارن بين رواية نجيب الحالية والتقارير والشهادات التوثيقية.

وذهب بعض المستخدمين إلى السخرية من حديثه عن معارضته للحل الأمني، متسائلين عن طبيعة الدور الذي كان يؤديه كرئيس لفرع الأمن السياسي في تلك الفترة في المقابل، ركّز جانب كبير من التفاعل على البعد الرمزي لملف أطفال درعا، باعتباره الملف الذي ارتبط ببداية الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011.

ورأى كثيرون أن أي محاولة لنفي أو التقليل من الانتهاكات المرتبطة بتلك المرحلة تُقابل بحساسية وغضب واسع لدى السوريين، وخاصة من أبناء درعا والناشطين الذين عايشوا تلك الأحداث.

هذا وشهدت الصفحات الإخبارية ومنصات النقاش تداول وسوم مرتبطة بالمحاكمة، ترافقت مع مطالبات باستكمال المحاسبة وكشف تفاصيل الانتهاكات التي جرت خلال السنوات الأولى للثورة السورية، بينما اعتبر متابعون أن نشر تسجيلات المحاكمة يعيد إحياء واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الذاكرة السورية خلال السنوات الأخيرة.

و​أكد المحامي العام بدمشق، القاضي حسام خطاب، يوم الأحد 3 أيار/ مايو، أن محاكمة رموز النظام البائد تمثل سابقة تاريخية في سوريا، كونها تتيح متابعة الإجراءات القضائية بشكل علني ومباشر، ما يساهم في كسر الصورة النمطية التي سادت عن القضاء لعقود.

و​بيّن رئيس دائرة الإعلام في وزارة العدل، براء عبد الرحمن، أن علنية الجلسات تهدف لتكريس الشفافية وتفعيل الرقابة المجتمعية، موضحاً أن التغطية الإعلامية المباشرة تُمكّن الرأي العام من المتابعة وتعزز الثقة بالمؤسسة القضائية.

 

من هو عاطف نجيب؟
يُعد عاطف نجيب أحد أبرز الضباط الأمنيين السابقين في نظام الأسد البائد، حيث شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا خلال فترة مفصلية سبقت اندلاع الثورة السورية، وارتبط اسمه بشكل مباشر بملفات القمع والانتهاكات.

 كما يعرف بانتمائه إلى عائلة السلطة، إذ إنه ابن خالة بشار الأسد، ما منحه نفوذاً واسعاً داخل الأجهزة الأمنية ومكّنه من لعب دور محوري في إدارة الملف الأمني في درعا آنذاك.

 ولد نجيب عام 1960 في مدينة جبلة الساحلية التابعة لمحافظة اللاذقية، حيث تلقى تعليمه في مراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية في حمص، المعروفة بـ"أم الكليات العسكرية في سوريا".

 وتخرج منها برتبة ملازم، لينضم لاحقاً إلى جهاز المخابرات، ويتدرج في المناصب الأمنية إلى أن تسلم رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، وهو الموقع الذي شكّل نقطة تحول في مسيرته وارتبط باسمه بأحداث الثورة السورية عام 2011.

 وفي تلك المرحلة، كان نجيب المسؤول المباشر عن التعامل مع الاحتجاجات التي انطلقت من درعا، والتي بدأت بعد اعتقال مجموعة من الأطفال بسبب كتابتهم شعارات مناهضة للنظام على جدران المدارس، وتشير شهادات موثقة إلى أن هؤلاء الأطفال تعرضوا لتعذيب شديد داخل مراكز الاحتجاز، شمل اقتلاع الأظافر والانتهاكات الجسدية القاسية.

 كما نسبت إليه عبارات مهينة وجهها إلى أهالي الأطفال المعتقلين، من بينها مطالبته لهم بنسيان أبنائهم، وهو ما أدى إلى تصاعد حالة الغضب الشعبي في المحافظة، وتحول الاحتجاجات إلى انتفاضة واسعة سرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء سوريا.

 ولم تقتصر الانتهاكات المنسوبة إليه على ملف الأطفال، بل شملت أيضاً دوره في إدارة عمليات القمع الأمني في درعا، وسط اتهامات بارتكاب جرائم بحق مدنيين، ما وضعه في صدارة الأسماء المرتبطة ببداية الحراك الشعبي ومسار العنف الذي تلاه، قبل أن تتم إقالته من منصبه مع تصاعد الاحتجاجات، لينتقل إلى دمشق ويختفي عن الأنظار مع توسع رقعة المظاهرات والعمليات العسكرية.

 في كانون الثاني/يناير 2025، أعلن الأمن الداخلي إلقاء القبض على العميد عاطف نجيب داخل مدينة اللاذقية، بعد عملية أمنية وُصفت بالدقيقة، وذلك عقب سنوات من اختفائه داخل البلاد منذ سقوط النظام في ديسمبر 2024.

 

ومع بدء أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب حضورياً، أصدرت الجهات المختصة استدعاءات غيابية بحق رئيس النظام المخلوع وشقيقه ماهر، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين السابقين، في وقت مُنح فيه المتهمون الفارّون مهلة قانونية للمثول أمام المحكمة وتقديم إفاداتهم.

وعرّف المحامي علي محمد إسكان، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، المحاكمات العلنية بأنها الجلسات التي تتيح المحكمة للجمهور ووسائل الإعلام حضورها والاطلاع على إجراءاتها، مشيراً إلى أن هدفها يتمثل في ضمان الشفافية والنزاهة، وكفالة حق المتهم في دفاع علني، لافتاً إلى أن الأصل هو علنية الجلسات، ما لم تقرر المحكمة سريتها لأسباب أمنية أو أخلاقية.

وفي هذا السياق، أوضح المحامي عبد الناصر حوشان، النائب في مجلس الشعب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، المسار القانوني الذي تسلكه الدعوى الجزائية في سوريا، مبيناً مراحلها منذ تحريكها وحتى صدور الحكم، إلى جانب الفرق بين المحاكمات الوجاهية والغيابية، والآليات المعتمدة لملاحقة المتهمين الفارّين.

وتبقى المحاكمات الغيابية خطوة أولى في مسار العدالة الانتقالية، بوصفها إجراءً اضطرارياً لا يغني عن المحاكمات الحضورية الكاملة، لكنها تؤكد أن الانتهاكات الماضية ما تزال قيد المساءلة، وتؤدي دوراً مهماً في منع سقوط الدعاوى بالتقادم، وحفظ حقوق الضحايا، وتوثيق الجرائم في السجلات الرسمية، بما يضمن بقاء هذه الحقوق حاضرة ضمن مسار العدالة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ