٢٠ مايو ٢٠٢٦
سلطت صحيفة المدن اللبنانية الضوء على وجود ضباط وعناصر سابقين من النظام البائد داخل لبنان، ولفتت إلى أن بعضهم يعيش بهويات مدنية ويعمل في مهن بسيطة بعد فرارهم من سوريا.
ونقلت الصحيفة تجربة أحد الضباط السابقين في جيش النظام البائد في الإقامة ببيروت حيث يعمل سائق أجرة، ويتجنب المرور عبر الحواجز الأمنية، ونوهت أن الضابط يعيش حالة دائمة من الحذر، لدرجة أنه يغير سلوكه وصوته عند الاقتراب من الحواجز.
ونقلت عن مصادر أمنية وسياسية بدخول نحو 100 ضابط وعنصر سابق عبر معابر غير شرعية إلى لبنان خلال الأسابيع التي تلت سقوط النظام البائد في دمشق، وتوزعهم في الشمال والبقاع.
ولفتت المعلومات إلى أن تواجد هؤلاء يتركز في مناطق مثل جبل محسن وبلدات حدودية في عكار وأجزاء من البقاع، ضمن بيئات كانت ذات ارتباطات سابقة بالنظام البائد.
وكشفت شهادات لضابط سابق يقيم في البقاع عن حالة خوف وترقب تعيشها هذه المجموعات، مع الحديث عن قوائم أسماء مطلوبة وتزايد محاولات الهروب عبر البحر وأشارت المصادر إلى أن الضباط الكبار يتمتعون بحماية وإمكانيات حركة أفضل، بينما يعيش آخرون أوضاعاً معيشية صعبة تحت ضغط الملاحقة.
وأوضحت الصحيفة أن الأجهزة الأمنية اللبنانية كانت تتابع الملف بحذر، قبل أن يتخذ بعداً جديداً عقب تحركات سياسية وأمنية بين بيروت ودمشق وأفادت المعلومات بتسليم قائمة تضم نحو 200 اسم من ضباط ومسؤولين سابقين إلى الجانب اللبناني.
وتخلص المعطيات إلى أن هؤلاء الضباط والعناصر يعيشون اليوم مرحلة شديدة الحساسية، تتراوح بين الترقب الأمني ومحاولات إعادة رسم مسارات الهروب، في ظل واقع سياسي وأمني يتغير بسرعة بين بيروت ودمشق، ما يجعل مستقبل وجودهم في لبنان مفتوحاً على احتمالات متعددة، أبرزها التسليم أو الملاحقة أو إعادة التهريب نحو وجهات أخرى.
وأفادت وسائل إعلام لبنانية بأن الأجهزة الأمنية اللبنانية ألقت القبض على ماهر عجيب الملقب بـ"أبو عجيب" قائد "لواء أبو الفضل العباس"، إلى جانب أبو حيدر النشاب قائد مجموعات "الغالبون"، وذلك على خلفية ارتكابه جرائم قتل وانتهاكات واسعة خلال سنوات الثورة السورية، لا سيما بريف دمشق.
وبحسب التقارير، تستعد السلطات اللبنانية لتسليم الموقوفين إلى الجهات الأمنية السورية، في وقت تحدثت فيه مصادر إعلامية عن تنفيذ سلسلة توقيفات واستدعاءات بحق شخصيات مرتبطة بالنظام البائد بناءً على طلب سوري.
ورصدت شبكة شام الإخبارية منشورات متداولة على صفحات يديرها أشخاص محسوبون على فلول النظام البائد، تضمنت دعوات لضباط وعناصر سابقين إلى التخفيف وعدم المرور على الحواجز، وسط حديث عن عمليات أمنية تستهدف شخصيات فرت إلى لبنان عقب سقوط النظام.
ويعرف عجيب بأنه أحد أبرز قادة "لواء أبو الفضل العباس" المدعوم من إيران، وينحدر من بلدة نبل شمال حلب وبرز اسمه خلال المعارك التي شهدتها دمشق وريفها، خاصة بمناطق السيدة زينب والغوطة والقلمون.
وتشير تقارير حقوقية الى تورط عجيب في مجازر وانتهاكات بحق المدنيين، بينها مجزرة حاجز "علي الوحش" في منطقة السيدة زينب، إضافة إلى مجازر في النبك وحجيرة والبويضة والذيابية بريف دمشق، كما ورد اسمه في تقارير تتحدث عن مسؤوليته عن مجزرة الذيابية التي راح ضحيتها أكثر من 120 مدنياً.
ويعد لواء أبو الفضل العباس من أبرز التشكيلات الموالية لإيران بسوريا، وقد تأسس أواخر عام 2012 تحت حجة "حماية المقامات"، وشارك بمعارك بدمشق وريفها وحمص وحلب ودير الزور، وسط ارتكاب انتهاكات وعمليات قتل وتهجير بحق المدنيين.
وتشير تقارير متقاطعة إلى أن اللواء تلقى دعماً مباشراً من "فيلق القدس" الإيراني، إلى جانب تدريبات وإشراف ميداني من "حزب الله" اللبناني، فيما خضع عناصره لدورات عسكرية داخل إيران وسوريا ولبنان شملت استخدام الأسلحة الثقيلة والقنص والصواريخ.
وأفادت مصادر رسمية لبنانية بوجود نحو 100 ضابط من النظام البائد داخل لبنان، دخل معظمهم عبر معابر غير شرعية خلال سقوط نظام الأسد وأكدت المصادر أن الضباط يتمركزون في مناطق شمال لبنان والبقاع، خاصة في جبل محسن وعكار وبعلبك – الهرمل، ضمن مناطق ذات نفوذ لحزب الله وحلفائه.
وأوضح رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن كبار رموز نظام الأسد موجودون خارج لبنان، فيما تعمل الحكومة على منع أي نشاط سياسي أو عسكري ضد دمشق انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.
وكشفت المعلومات أن الملف طرح خلال المحادثات اللبنانية – السورية الأخيرة، مع توجه لإعداد اتفاقية مشتركة بين وزارتي العدل والداخلية لتنظيم تسليم المطلوبين، مع الإشارة إلى وجود اتفاقية قضائية سابقة موقعة بين لبنان وسوريا لتنظيم تبادل المعلومات وتسليم الموقوفين والمحكومين.
٢٠ مايو ٢٠٢٦
عادت قضية الشابة "بتول علوش" إلى الواجهة مجدداً عبر منصة إعلامية تدعى "X Media" بعدما نشرت مقابلة مطولة مع والديها أعادت فيها الترويج لرواية الخطف والسبي، رغم أن بتول نفسها سبق أن نفت هذه المزاعم بشكل مباشر، ما أثار تساؤلات حول طبيعة المنصة وخلفياتها والجهات التي تقف وراء إعادة تدوير هذا الخطاب.
وامتدت المقابلة لنحو عشر دقائق وحملت عنوان الرواية كاملة وتفاصيل لم تكشف من قبل، وتضمنت هجوماً مباشراً على الدولة السورية، مع اتهامات مفتوحة للأمن الداخلي بالضلوع في القضية، والحديث عن "عصابات خطف" إلى جانب دعوات أطلقتها والدة بتول طالبت فيها الأهالي بعدم إرسال الطالبات إلى الجامعات، في خطاب اعتبره متابعون محاولة واضحة لإعادة نشر الخوف والفوضى داخل المجتمع السوري، وضرب الثقة بالمؤسسات العامة.
ومع بث المنصة لهذه المقابلة التحريضية أعاد ناشطون تداولو تحقيق موسع نشرته منصة إيكاد المتخصصة بالتحقيقات الاستقصائية، كشف تفاصيل تتعلق ببنية X Media وطبيعة خطابها وشبكة ارتباطاتها الإعلامية والسياسية.
وبحسب التحقيق، فإن X Media لا تعمل كمنصة إخبارية مستقلة بالمعنى التقليدي، بل تشكل جزءاً من منظومة إعلامية وسياسية مترابطة تهدف إلى إعادة إنتاج خطاب النظام البائد بصيغ جديدة تتناسب مع مرحلة ما بعد سقوطه.
وتعرف المنصة نفسها بأنها شبكة أخبار تبث من الإمارات إلا أن نشاطها الفعلي تصاعد بصورة لافتة بعد سقوط النظام البائد، حيث ركزت بشكل مكثف على القضايا ذات الطابع الطائفي والأمني، مع تبني روايات تقوم على إعادة تدوير خطاب النظام البائد وتقديمه بلباس إعلامي جديد.
وأشار تحقيق "إيكاد" إلى أن حساب المنصة على منصة “إكس” موجود منذ عام 2016، لكنه غير معرفه الرقمي 6 مرات، كان آخرها في آذار/مارس 2025، في خطوة فسرت أنها محاولة لإعادة التموضع الرقمي وإخفاء الارتباطات السابقة للحساب.
كما أظهر التحقيق أن المنصة دافعت بصورة متكررة عن شخصيات محسوبة على النظام البائد، من بينها المفتي السابق أحمد حسون، الذي أعادت تقديمه كشخصية مستهدفة سياسياً متجاهلةً مواقفه التحريضية وخطابه الداعم لعمليات القصف والقتل خلال سنوات الثورة السورية.
وفي جانب آخر، كشف التحقيق أن المنصة ركزت بصورة واضحة على الترويج لفكرة الحكم الذاتي والانفصال في بعض المناطق السورية، خاصة الساحل السوري، عبر محتوى يقوم على إثارة المخاوف الطائفية وتكريس الانقسامات المجتمعية، ضمن خطاب اعتبره التحقيق جزءاً من مشروع يهدف إلى تفكيك الهوية الوطنية السورية الجامعة.
ولفت التحقيق إلى أن هذا الخطاب لم يكن عفوياً أو متقطعاً، بل جاء ضمن حملات منظمة تستخدم القوالب اللغوية نفسها، وتعتمد على حسابات وصفحات تتحرك بصورة متزامنة لإعادة نشر المحتوى وتضخيمه.
ومن أبرز ما كشفه تحقيق إيكاد”ط أن نشاط المنصة لم يكن موجهاً بشكل أساسي إلى الداخل السوري، بل استهدف السوريين المقيمين في أوروبا، ولا سيما في فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، عبر حملات إعلانية ممولة بكثافة.
ورأى متابعون أن إعادة إحياء قضية بتول علوش تندرج ضمن هذا السياق، عبر استثمار قضية اجتماعية وإنسانية حساسة لإعادة ضخ روايات الفوضى والخوف والطائفية، سواء داخل سوريا أو في أوساط الجاليات السورية بالخارج.
كما سلط التحقيق الضوء على دور الإعلامية كريستين شاهين، التي وصفها بأنها الواجهة الإعلامية الأبرز للمنصة، مشيراً إلى أنها معروفة بخطابها الطائفي ودفاعها المتكرر عن النظام البائد خلال سنوات الثورة السورية.
وبحسب التحقيق، فإن شاهين، المقيمة في لبنان، سبق أن دافعت عن ممارسات سجن صيدنايا، كما أن حساباتها ومنصة X Media تتحرك غالباً بالتوازي من حيث الخطاب وتوقيت النشر وطبيعة الرسائل المطروحة، ما يعزز فرضية وجود تنسيق مباشر بين الطرفين.
وخلص تحقيق إيكاد إلى أن X Media ليست مجرد منصة رقمية تنشر محتوى سياسي أو إعلامي، بل واجهة ضمن شبكة منظمة تعمل لإعادة إنتاج خطاب النظام السابق، والترويج لمشاريع تقسيم سوريا وإحياء السرديات الطائفية والانفصالية، عبر حسابات وصفحات منسقة تُدار بصورة جماعية وممنهجة.
هذا ويرى متابعون أن خطورة هذه المنصات لا تكمن فقط في طبيعة المحتوى الذي تنشره، بل في قدرتها على استخدام أدوات الإعلام الرقمي والإعلانات الممولة والحسابات المنسقة للتأثير على الرأي العام السوري، خاصة بين الجاليات في الخارج، عبر صناعة روايات تقوم على التخويف والانقسام وإضعاف الثقة بالدولة السورية ومؤسساتها.
٢٠ مايو ٢٠٢٦
نعت الجالية السورية في النمسا الناشطة الإعلامية سيلفانا إسلام، التي توفيت يوم الثلاثاء الفائت، 19 أيار/مايو الجاري في العاصمة السورية دمشق، إثر تراجع حاد في الجهاز التنفسي، وقد تدهورت حالتها الصحية بشكل مفاجئ خلال ساعات، بعد دخولها المستشفى ووضعها على جهاز التنفس.
وأعرب ناشطون سوريون عن حزنهم لرحيل سيلفانا إسلام، مؤكدين أنها عُرفت لدى كثير من السوريين في الشمال السوري، خاصة أن اسمها ارتبط بمساندة أهالي المخيمات وجمع المساعدات والعمل الإنساني.
وأشار من نعوها عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أنها كانت من المعارضين لنظام الأسد البائد، وأنها كانت تعمل بأمانة وإخلاص، ولم تعمل يوماً لمصلحة شخصية أو لتحقيق منفعة خاصة على حساب الأشخاص الذين كانت تتحدث باسمهم من المحتاجين والأيتام والمصابين والمتضررين.
ووصفها أصدقاؤها بأوصاف مميزة، مؤكدين أنها تستحقها، مثل “اللطيفة والمحبوبة والرائعة”، مستذكرين نشاطاتها وأعمالها، وأشاروا إلى أنها كانت من أوائل من ساهموا في تأسيس “النمسا ميديا”، حيث عملت بجهد كبير وكرّست وقتها وفكرها من أجل تقديم محتوى حقيقي للناطقين بالعربية، وللجالية السورية والعربية في النمسا بشكل عام.
وقدّمت خلال عملها عشرات البرامج والتقارير الصحفية بشكل تطوعي، إلى جانب نشاطها الإغاثي الداعم لأطفال سوريا، كما تحدث آخرون عن تجارب قاسية عانت منها، أبرزها إصابتها بشلل في الجزء السفلي من جسدها نتيجة خطأ طبي بعد عملية جراحية أُجريت لها في النمسا، ما أدى إلى اعتمادها على كرسي متحرك، وهو أمر يعرفه كثير ممن عرفوها في فيينا.
وكانت قد كتبت منشوراً في 27 آذار/مارس الفائت، معبرة عن معاناتها بسبب ما حصل، وأرفقته بصورة مصممة بالذكاء الاصطناعي لها وهي داخل بئر وتجلس على كرسي متحرك، وحولها هياكل عظمية تجلس على كراسٍ مشابهة، فقالت: “يا الله كيف السبيل إلى الخروج من هذا البئر الذي أنا فيه..أريد المشي مجدداً..لا أريد الموت على هذا الكرسي اللعين.. ضاقت واستحكمت حلقاتها يا الله..”
بعد تحرير سوريا عادت سيلفانا إلى دمشق مطلع عام 2025، وكانت تحمل الجنسية النمساوية، ومن يتابع صفحتها الرسمية عبر موقع فيس بوك يجد العديد من المناشير التي تعكس جانباً من معاناتها، ومنها: “مقيّدة أنا يا الله بسلاسل الحنين إلى الماضي وألم الحاضر والخوف من المستقبل“.
وكتبت منشوراً في 13 نيسان/أبريل الفائت: "عنجد الواحد صاير بحاجة يعتزل الناس ويعيش بشي كهف بعزلة بعيد عن أجواء السياسة والقتل والقصف والحروب..يعيش بوضعية الفخّار يكسر بعضو..ولا يهتم بتصريح الوزير الفلاني ولا مين حضر المؤتمر العلاني.. كتير صاير الوضع ممل وكئيب ومافي شي بفش القلب وبحس الواحد ماعم يعيش حياة فيها بوادر أمل وخير بهالبلد.. عنجد الناس عايفة حالها والحياة يوم عن يوم عم تتعقد أكتر وتصير عبئ تقيل علينا.. الله يفرجها أحسن شي".
قبلها بيوم واحد كتبت أيضاً: "هذه الحياة لا تستحق كل هذا القتل والتدمير..الجميع يسعى لاكتساب المزيد من السلطة والأموال والمناصب لكن لن ينتصر أحد على الموت. جميعنا سنواجه الموت لكن لم يحدث قط أن انتصر عليه أحد".
بقيت سيلفانا صامدة، تضع كلمات مؤثرة ضمن منشوراتها بين فترة وأخرى، وآخرها قبل وفاتها بثلاثة أيام، حيث كتبت على صفحتها الرسمية: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله"، وبعد ذلك تعرضت لوعكة صحية أدت إلى وفاتها، ما خلّف حزناً عميقاً في قلوب محبيها وأصدقائها وعائلتها.
٢٠ مايو ٢٠٢٦
أعاد الاعتذار الذي قدمه الرئيس أحمد الشرع لأهالي دير الزور النقاش حول الفارق بين طريقة إدارة الدولة الجديدة للأزمات الداخلية، وبين نهج نظام بشار الأسد البائد الذي واجه احتجاجات السوريين بالحديد والنار والقمع والتصعيد منذ اللحظات الأولى.
ووفق ما ظهر جليا على مواقع التواصل الاجتماعي فإن اعتذار الرئيس لم يكن حدثاً عادياً مر مرور الكرام، بل تحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام واسعة، لأن السوريين قرؤوه من زاوية أعمق بكثير من مجرد توضيح أو سوء فهم.
كثيرون رأوا فيه لحظة سياسية مختلفة تماماً عن تلك التي عاشتها البلاد في عهد بشار الأسد البائد، حين كانت السلطة تعتبر الاعتراف بالخطأ نوعاً من الانكسار الذي لا يجوز إظهاره أمام الناس.
القصة بدأت بعد انتشار مقطع من مقابلة تلفزيونية مطولة أجراها الأستاذ حسين الشرع، والد الرئيس، وتناول النقاش جزءاً من الحديث المتعلق بمحافظة دير الزور انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثار حالة غضب بين أبناء المحافظة الذين اعتبروا أن الكلام يحمل إساءة مباشرة لهم ولمكانتهم.
خلال ساعات، تحولت القضية إلى نقاش واسع في الفضاء السوري لكن النقطة الفاصلة لم تكن في الجدل نفسه، بل في طريقة تعامل الرئاسة السورية معه ففي الوقت الذي اعتاد فيه السوريون لعقود على الصمت الرسمي أو الهجوم المضاد أو التخوين، خرج الرئيس أحمد الشرع بخطوة مختلفة تماماً. أجرى اتصالاً مباشراً مع محافظ دير الزور وعدد من وجهاء المحافظة، وتحدث بلهجة واضحة وصريحة حملت اعتذاراً مباشراً لأبناء المنطقة.
الشرع قال خلال الاتصال إن "أهل الدير حبايبنا وعزوتنا وتاج على الرأس"، وأضاف أن الإساءة جرحته شخصياً قبل أن تجرح أبناء دير الزور، مؤكداً أن مكانة أبناء المحافظة محفوظة لدى جميع السوريين، وأن تاريخهم الوطني ومواقفهم أكبر من أي تصريح أو سوء فهم.
كما شدد على أن ما حدث قد يكون نتيجة زلة أو اجتزاء لبعض العبارات مقدماً اعتذاراً واضحاً باسم والده وباسم الدولة لأهالي دير الزور ريفاً ومدينة الكلمات بحد ذاتها كانت كافية لإحداث صدمة سياسية وإعلامية داخل سوريا، ليس بسبب مضمونها فقط، بل لأن السوريين لم يعتادوا أن يسمعوا رئيس دولة يعتذر علناً لمحافظة كاملة بسبب إساءة أو سوء فهم.
هذه الفكرة تحديداً أعادت إلى ذاكرة السوريين واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ البلاد الحديث: حادثة أطفال درعا عام 2011 في تلك الفترة، كتب مجموعة أطفال شعارات مناهضة للنظام على جدران مدارسهم في درعا، فتم اعتقالهم وتعذيبهم داخل أفرع الأمن التابعة للنظام البائد، بإشراف العميد عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد. يومها، لم يطالب أهالي درعا بإسقاط النظام ولا بالحرب، بل ذهب الوجهاء إلى المسؤولين الأمنيين مطالبين بأمر بسيط جداً الإفراج عن الأطفال وتقديم اعتذار للأهالي ومحاسبة من أساء إليهم.
لكن النظام البائد تعامل مع القضية بعقلية القوة المطلقة لم يخرج أي مسؤول ليعتذر لم تعترف السلطة بوجود خطأ لم يُفتح أي تحقيق حقيقي على العكس تماماً، جرى التعامل مع أهالي درعا باعتبارهم خصماً يجب كسره، لا مجتمعاً غاضباً يجب احتواؤه تلك اللحظة كانت الشرارة التي فتحت أبواب سوريا على واحدة من أعنف الحروب في تاريخها المعاصر.
لهذا بدت المقارنة اليوم قاسية وحاضرة بقوة بين مشهدين يفصل بينهما خمسة عشر عاماً تقريباً في المشهد الأول، أهالٍ يطلبون اعتذاراً عن تعذيب أطفال، فترد السلطة بالإهانة والرصاص وفي المشهد الثاني، رئيس دولة يخرج بنفسه ليقول لمحافظة كاملة إن كرامتها محفوظة وإن أي إساءة لها تستوجب الاعتذار.
ويذكر أن الأثر الذي تركه اعتذار الشرع لم يكن سياسياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً كثير من أبناء دير الزور اعتبروا أن طريقة التعاطي مع الأزمة حملت احتراماً واضحاً لمشاعر الناس، خصوصاً أن الاعتذار لم يكن بارداً أو بروتوكولياً، بل جاء بلغة شعبية قريبة من الشارع السوري.
في حين انتشرت عبارة أهل الدير تاج على الرأس بسرعة كبيرة على منصات التواصل، وتحولت إلى عنوان للنقاش حول شكل العلاقة الجديدة التي يريد السوريون رؤيتها بين الدولة والمجتمع.
ويتفاعل ناشطون مع الحدث ليس بوصفه مجرد اعتذار عابر بل باعتباره مقارنة حيّة بين زمنين مختلفين زمن كان الاعتذار فيه مستحيلاً حتى لو احترقت البلاد، وزمن تحاول فيه السلطة الجديدة إظهار أن التراجع عن الخطأ أو امتصاص غضب الناس ليس ضعفاً، بل جزء من مسؤولية الحكم.
ولهذا عاد السؤال بقوة على مواقع التواصل بعد الحادثة: ماذا لو اعتذر النظام السابق لأهالي درعا يومها؟ ماذا لو خرج مسؤول واحد فقط ليقول إن تعذيب الأطفال كان خطأ؟ ماذا لو اختارت السلطة الاحتواء بدلاً من الكسر؟ بالنسبة لكثير من السوريين، ربما كان تاريخ البلاد كله سيتغير.
٢٠ مايو ٢٠٢٦
تعيش محافظة السويداء منذ أيام حالة من القلق والغضب بعد اختفاء الشابة رنوى عدنان الشعار، البالغة من العمر 22 عاماً، في ظروف غامضة داخل مدينة السويداء، وسط تصاعد المخاوف الشعبية من اتساع دائرة الفلتان الأمني وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون في المحافظة.
وفقًا لما ورد في تسجيل مصور لذويها فإن رنوى هي طالبة في قسم الأدب الإنكليزي، خرجت صباح الخميس الماضي من منزل عائلتها متجهة نحو الفرن الآلي داخل المدينة وبحسب رواية عائلتها، أجرت اتصالاً بوالدتها أكدت خلاله وصولها إلى المنطقة، قبل أن ينقطع الاتصال معها بشكل كامل بعد ذلك، دون ورود أي معلومات عن مصيرها حتى اللحظة.
وقالت والدة الشابة إن ابنتها حاولت الاتصال بها ثلاث مرات صباح يوم اختفائها، لكنها لم تنتبه للمكالمات بسبب وجودها في العمل، قبل أن تعاود الاتصال لاحقاً لتجد هاتف رنوى مغلقاً أما والدها فأكد أنه يحاول إيجاد أثر للشابة المفقودة دون جدوى.
وأثارت القضية موجة تعاطف واسعة داخل السويداء، خصوصاً بعد ظهور والدي رنوى في مناشدة مؤثرة طالبا خلالها أي شخص يمتلك معلومة عن ابنتهما بالمساعدة، مؤكدين أن حياتهما تحولت إلى انتظار دائم منذ لحظة اختفائها.
وتداول ناشطون تداولوا روايات تتحدث عن احتمال تعرض الشابة للاختطاف داخل مناطق تخضع لنفوذ مجموعات مقربة من الشيخ حكمت الهجري، مع اتهامات بتورط أحد قادة تلك المجموعات، في حين لم تصدر أي معلومات تؤكد أو تنفي هذه المعلومات حتى الآن.
وأثار اختفاء رنوى جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبر ناشطون أن القضية لم تحظَ بالتفاعل الإعلامي والحقوقي نفسه الذي رافق حوادث مشابهة في محافظات أخرى، متهمين بعض الجهات بازدواجية المعايير في التعاطي مع قضايا من هذا النوع.
في حين لم تكن حادثة اختفاء رنوى بمعزل عن الواقع الأمني المضطرب الذي تعيشه السويداء منذ أشهر، حيث شهدت المحافظة سلسلة متصاعدة من عمليات الخطف والسرقة والاشتباكات المسلحة وتدخل الفصائل المحلية في مؤسسات الدولة والحياة المدنية.
وخلال الأسابيع الأخيرة فقط، سجلت المحافظة عشرات الحوادث الأمنية، بينها اشتباكات متكررة بين مجموعات تتبع لـ"الحرس الوطني"، وعمليات إطلاق نار داخل أحياء سكنية، واستهدافات بقذائف وطائرات مسيرة، إضافة إلى اتهامات متكررة لتلك المجموعات بالتورط في عمليات سطو وخطف وفرض نفوذ بقوة السلاح.
كما أثارت زيارة وفد مسلح يتقدمه كل من سعيد بريك وكنان أبو فخر إلى مقر الشيخ حكمت الهجري جدلاً واسعاً، خاصة مع اتهام الشخصيتين بالتورط في انتهاكات أمنية وقضايا تتعلق بحرق منازل وحماية مطلوبين وارتباطات بشبكات تصنيع وتهريب مخدرات، وفق ما تتداوله مصادر محلية في المحافظة.
في موازاة ذلك، شهدت السويداء اقتحاماً مسلحاً لمديرية الشؤون المدنية لفرض إعادة مدير سابق إلى منصبه تحت تهديد السلاح، إلى جانب حوادث سرقة لمرافق عامة واشتباكات بين مجموعات مسلحة داخل مدينة السويداء نفسها، ما زاد من مخاوف السكان من تراجع سلطة القانون وتنامي حالة الفوضى.
ويرى متابعون أن حادثة اختفاء رنوى الشعار تحولت إلى رمز لحالة الخوف التي يعيشها كثير من أبناء السويداء اليوم، في ظل شعور متزايد بأن المحافظة تدخل تدريجياً في واقع أمني هش، تتحكم به مجموعات مسلحة أكثر من المؤسسات الرسمية.
ورغم مرور أيام على اختفاء الشابة، لا تزال الملابسات غامضة، فيما تتواصل مناشدات عائلتها لمعرفة أي معلومة قد تساعد في كشف مصيرها، وسط دعوات شعبية متزايدة لكشف الحقيقة ومحاسبة أي جهة متورطة، وإنهاء حالة الفلتان الأمني التي باتت تهدد الحياة اليومية في المحافظة.
وتتشهد محافظة السويداء، الخاضعة لهيمنة ميليشيا حكمت الهجري، تصاعداً لافتاً في مظاهر الانفلات الأمني والخدمي، مع انتقال حالة الفوضى خلال الفترة الأخيرة إلى مستوى أكثر خطورة تمثل ببدء استهداف قيادات ميدانية تنتمي لما يسمى "الحرس الوطني" التابع للهجري، في مؤشر يعكس عمق التصدع الداخلي والصراع المتنامي بين الأجنحة المسلحة داخل المحافظة.
ولا تبدو هذه التوترات حوادث معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من الفلتان المتصاعد الذي يضرب المحافظة، سواء على مستوى التفجيرات والاغتيالات، أو الخطف، أو النزاعات المسلحة بين المجموعات المحلية، بالتوازي مع تدهور خدمي ومعيشي متسارع وانعدام المرجعية الأمنية القادرة على ضبط الأرض.
ومع تكرار استهداف شخصيات محسوبة على الحرس الوطني تبدو السويداء أمام مرحلة أمنية جديدة عنوانها تصفيات داخلية صامتة وانهيار الثقة داخل المعسكر الواحد، وتحول الصراع من حالة توتر سياسي إلى مواجهات خفية تستخدم فيها العبوات الناسفة والرسائل الدموية لتصفية الخصوم.
١٩ مايو ٢٠٢٦
شهدت منطقة باب شرقي في العاصمة دمشق، اليوم الثلاثاء، انفجار سيارة مفخخة قرب مبنى إدارة التسليح التابعة لوزارة الدفاع، ما أدى إلى استشهاد جندي وإصابة 23 شخصاً بجروح متفاوتة، معظمهم من المدنيين، وسط استنفار أمني واسع وانتشار مكثف لوحدات الأمن الداخلي في محيط المنطقة.
وأوضحت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع أن إحدى مجموعات الجيش اكتشفت عبوة ناسفة معدة للتفجير قرب مبنى إدارة التسليح في باب شرقي، مشيرة إلى أن العناصر باشرت التعامل معها ومحاولة تفكيكها بشكل فوري، قبل أن تنفجر سيارة مفخخة في المنطقة نفسها، ما تسبب بسقوط ضحايا وإصابات متفاوتة.
وعقب الانفجار، فرضت وحدات الأمن الداخلي طوقاً أمنياً حول الموقع، مع اتخاذ إجراءات احترازية لتأمين المنطقة المحيطة وتنظيم حركة المرور، في وقت باشرت فيه الفرق الفنية المختصة ووحدات الهندسة عمليات معاينة المكان ورفع الأدلة الجنائية، بهدف تحديد الجهة التي تقف وراء التفجير.
وفي الجانب الصحي، أكد مدير الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة الدكتور نجيب النعسان أن الانفجار أسفر عن 23 إصابة جرى نقلها إلى المشافي القريبة، حيث قُدمت للمصابين الإسعافات والإجراءات الطبية اللازمة.
بدوره، أوضح مدير صحة دمشق الدكتور وائل دغمش أن غالبية الإصابات تعود لمدنيين، مبيناً أن المصابين توزعوا على مشافي المجتهد والهلال الأحمر والفرنسي، بينما نُقل الجندي الشهيد إلى مشفى الشرطة.
وفي السياق ذاته، أشار رئيس قسم الإسعاف في مشفى المجتهد الدكتور محمد هيثم فرحات إلى أن المشفى أعلن حالة الاستنفار فور تلقي البلاغ، لافتاً إلى أن الإصابات تنوعت بين جروح سطحية وإصابات بالأطراف، إضافة إلى حالة تعرضت لرضوض متعددة استدعت متابعة علاجية مكثفة، فيما جرى تحويل الحالات المستقرة إلى الأقسام المختصة بعد استكمال الفحوص الطبية.
كما تحدث عدد من المصابين عن لحظات وقوع الانفجار أثناء وجودهم في محيط باب شرقي، مؤكدين تعرضهم لإصابات بشظايا وجروح متفاوتة، ومشيدين بسرعة استجابة فرق الإسعاف والطواقم الطبية رغم الضغط الناتج عن توافد المصابين إلى المشافي.
وبالتزامن مع التحقيقات الجارية، عملت فرق الدفاع المدني على إزالة آثار الانفجار وتنظيف الموقع، فيما أكدت محافظة دمشق أن الطريق سيُعاد فتحه أمام حركة المرور فور انتهاء الجهات المختصة من رفع الأدلة الجنائية واستكمال معاينة المكان.
١٩ مايو ٢٠٢٦
شهد مجلس التعليم العالي خلال العام الدراسي الحالي نشاطاً مكثفاً في متابعة الملفات الأكاديمية والتنظيمية المرتبطة بمؤسسات التعليم العالي، وسط توسع في القرارات والإجراءات المتعلقة بالجامعات الحكومية والخاصة، ومعادلة الشهادات، وشؤون الدراسات العليا والتعيينات الأكاديمية.
وأكد وزير التعليم العالي مروان الحلبي أن المجلس أصدر ما يقارب 500 قرار أكاديمي وتنظيمي خلال العام الدراسي الحالي، شملت مختلف الملفات المتعلقة بتطوير العملية التعليمية والبحثية والإدارية، إضافة إلى تنظيم ملفات المفاضلات الجامعية وتعادل الشهادات والتعيينات الأكاديمية.
وأوضح الحلبي أن لجان التعادل المختصة أصدرت خلال العام الحالي نحو 1800 إضبارة لمعادلة الشهادات الجامعية لأغراض التدريس في الجامعات، مشيراً إلى أن المجلس يستقبل أسبوعياً ما لا يقل عن 200 إضبارة جديدة يتم تدقيقها ودراستها أكاديمياً من قبل اللجان المختصة.
وبيّن أن معادلة الشهادات غير السورية تستغرق قرابة ثلاثة أشهر نتيجة إجراءات التحقق من صحة الوثائق ودراسة الإنتاج العلمي والبحثي لصاحب الشهادة، إضافة إلى تقييم الملف الأكاديمي بشكل كامل من قبل اللجان المختصة واللجنة العامة للتعادل، في حين تستغرق معادلة الشهادات السورية نحو شهر واحد في أغلب الحالات، وتتضمن مقابلات علمية وأكاديمية وفق الأنظمة المعتمدة.
وفي ملف المعيدين العائدين من الإيفاد الخارجي، أشار وزير التعليم العالي إلى إصدار نحو 20 قراراً وإضبارة خلال الشهر الماضي بهدف استكمال إجراءات تعيينهم في الجامعات الحكومية، ضمن خطة الوزارة للاستفادة من الكفاءات الأكاديمية العائدة.
وأكد الحلبي أن مجلس التعليم العالي يواصل دراسة ومتابعة مختلف الملفات المرتبطة بتطوير قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، لافتاً إلى أن الجلسة المقبلة للمجلس ستناقش نحو 140 موضوعاً مدرجاً على جدول الأعمال، تشمل ملفات أكاديمية وإدارية وتنظيمية تخص الجامعات الحكومية والخاصة والمعاهد العليا والمؤسسات التعليمية التابعة للوزارة.
وأصدرت وزارة التعليم العالي تصريحًا أكدت فيه أن جميع الشهادات والوثائق الأكاديمية الصادرة عن الجامعات السورية الخاصة المرخّصة أصولًا تُعد وثائق رسمية معتمدة، طالما تم تصديقها من قبل الوزارة وفق الأصول القانونية المعتمدة.
كما طمأنت الوزارة الطلبة داخل سوريا وخارجها بأنها تتابع هذا الملف باهتمام كبير، وتعمل بصورة مستمرة على صون حقوقهم الأكاديمية وضمان الاعتراف الكامل بشهاداتهم ووثائقهم المصدّقة أصولًا، بما يعزز الثقة بمؤسسات التعليم العالي السورية ويحافظ على المكانة العلمية لخريجيها.
وجددت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في ختام تصريحها تأكيد التزامها بحماية حقوق الطلبة والخريجين، وتعزيز مكانة الشهادة السورية، وضمان الاعتراف بها وفق الأطر القانونية والأكاديمية المعتمدة.
وسبق أعلن مجلس التعليم العالي دمج كليات ومعاهد جامعة الشرق مع جامعة الفرات – فرع الرقة، واعتبار الشهادات الصادرة عنها معادلة لنظيراتها في الجامعات السورية، في خطوة تهدف إلى توحيد المرجعيات الأكاديمية وضمان الاعتراف الرسمي بالمخرجات التعليمية.
كما وافق المجلس بشأن جامعة العلوم الصحية والمعهد العالي للخدمات الصحية على تسوية أوضاع العاملين واعتبار الشهادات الصادرة عنها معادلة، واعتماد الخطط الدراسية المعتمدة فيها، ونقل طلاب الطب البشري إلى الكليات المماثلة في الجامعات السورية، ونقل طلاب المعهد إلى المعاهد الطبية والصحية الخاضعة لإشراف المجلس الأعلى للتعليم التقاني بما يتوافق مع اختصاصاتهم.
وإلى جانب ذلك، أقر المجلس إحداث وافتتاح برامج دراسات عليا للتأهيل والتخصص في عدد من الجامعات الخاصة السورية، وافتتاح كليتي الهندسة المعلوماتية والهندسة المعمارية في جامعة الفرات، على أن يُعلن تباعاً عن التفاصيل التنفيذية عبر القنوات الرسمية المعتمدة.
وأصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مجموعة واسعة من القرارات التنظيمية والتعليمية، في خطوة تهدف إلى تطوير قطاع التعليم العالي وضبط جودة مخرجاته، مع التوسع في التسهيلات المقدمة للطلاب السوريين داخل البلاد وخارجها.
هذا و تعكس هذه القرارات توجهاً حكومياً لإعادة هيكلة منظومة التعليم العالي بما يحقق الجودة الأكاديمية، ويدعم مبدأ العدالة، ويُخفف الأعباء المالية عن الطلاب، مع خطوات جادة نحو تحسين البيئة التعليمية والبحثية في الجامعات السورية.
ودخلت 6 جامعات سورية للمرة الأولى في تاريخها ضمن تصنيف "التأثير" العالمي لعام 2025 الصادر عن صحيفة "التايمز" البريطانية، الذي يُعنى بقياس مدى التزام الجامعات حول العالم بأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة.
١٩ مايو ٢٠٢٦
تدرس الحكومة السورية، بالتنسيق مع مؤسسة الرئاسة، مقترحًا يقضي بمنح مكافأة مالية للفلاحين ولكن بطريقة مدروسة، في محاولة لاحتواء الاعتراضات التي رافقت تسعيرة الموسم الحالي، وضمان استمرار توريد المحصول ضمن القنوات الرسمية.
ويأتي النقاش حول المكافأة بعد أيام من جدل واسع أثاره قرار تسعير القمح، إذ اعتبر فلاحون أن السعر المعلن لا يغطي كلف الإنتاج في عدد من المناطق، خصوصًا مع اختلاف نفقات الري والنقل والمستلزمات الزراعية بين محافظة وأخرى. في المقابل، تؤكد الجهات المعنية أن التسعيرة استندت إلى دراسة كلفة الدونم، مع احتساب أثر الهطولات المطرية التي خففت نفقات السقاية في مناطق واسعة.
تستند الحكومة في مقاربتها إلى أن ملف القمح يرتبط مباشرة بمنظومة الخبز، وأن أي زيادة واسعة في سعر شراء المحصول ستنعكس على كلفة الدعم، إما عبر زيادة الأعباء على الخزينة، أو عبر فتح نقاش جديد حول سعر الرغيف، وهو خيار شديد الحساسية في الظرف المعيشي الحالي.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن الدولة تتحمل نحو مليون دولار يوميًا لدعم الخبز، بما يقارب ٤٠٠ مليون دولار سنويًا، وهو رقم يضع قرار التسعير ضمن حسابات مالية ومعيشية متداخلة. وبحسب هذه المقاربة، فإن الحكومة تحاول تجنب اتخاذ قرار يرفع كلفة شراء القمح من جهة، ثم يضعها أمام فجوة إضافية في تمويل دعم الخبز من جهة أخرى.
وتقول مصادر متابعة للملف إن الدراسة الحكومية لم تعتمد كلفة منطقة واحدة معيارًا عامًا لكل الإنتاج الوطني، بل أخذت في الاعتبار تفاوت ظروف الزراعة بين الأراضي التي استفادت من الأمطار وتلك التي احتاجت إلى ري إضافي. وتضيف المصادر أن الموسم الحالي شهد تحسنًا نسبيًا في الهطولات المطرية في مناطق عدة، ما خفف جزءًا من أعباء السقاية التي كانت تشكل بندًا رئيسيًا في كلفة الإنتاج خلال مواسم الجفاف.
كما ترى الجهات المعنية أن اعتماد تسعيرة موحدة يحتاج إلى متوسط وطني يمكن تطبيقه على كامل المحصول، لأن بناء السعر على أعلى كلفة مسجلة في بعض المناطق قد يرفع العبء العام على الدولة، بينما قد لا يعكس واقع مناطق أخرى انخفضت فيها نفقات الإنتاج. غير أن هذا التوضيح لم ينهِ مخاوف الفلاحين، إذ يرى بعضهم أن كلفة الموسم بقيت مرتفعة، وأن التسعيرة الحالية قد لا تشجع جميع المنتجين على تسليم محاصيلهم إلى مؤسسات الدولة.
يدور النقاش الحالي حول صيغة تسمح بتحسين العائد الفعلي للفلاحين من دون تعديل واسع في السعر الأساسي المعلن. ووفق المعطيات المتداولة، فإن المكافأة المالية المطروحة ستكون مرتبطة بالكميات المسلّمة إلى مؤسسات الدولة، بما يمنح حافزًا إضافيًا للتوريد الرسمي، ويساعد في الوقت نفسه على ضبط مسار المحصول داخل المؤسسات العامة.
وتسعى الحكومة من خلال هذا المقترح إلى معالجة الفروقات الميدانية التي ظهرت بعد إعلان التسعيرة، خصوصًا في المناطق التي يقول فلاحوها إن تكاليف الري أو النقل أو المستلزمات بقيت أعلى من المتوسط المعتمد في الدراسة. كما يبقى الباب مفتوحًا، بحسب الطرح المتداول، أمام متابعة الحالات الخاصة وتقييم أثر التسعيرة خلال عمليات الاستلام الفعلية.
ويحظى ملف القمح بحساسية عالية داخل الدولة السورية، بسبب ارتباطه المباشر بالخبز وبخطط تقليل الاعتماد على الاستيراد. لذلك تبدو أي مراجعة للتسعيرة أو إضافة مكافأة مالية مرتبطة بميزان دقيق بين كلفة الإنتاج عند الفلاحين وحجم الدعم الذي تتحمله الدولة يوميًا لتأمين الخبز.
وتدرك الجهات المعنية أن ضعف التوريد الرسمي قد يفتح الباب أمام التجار أو قنوات بيع موازية، وهو ما قد يربك إدارة المخزون المحلي من القمح. في المقابل، فإن إقرار حافز مالي مدروس قد يمنح الفلاحين هامشًا أفضل، ويحافظ على قدرة الدولة على إدارة ملف الخبز خلال المرحلة المقبلة.
١٩ مايو ٢٠٢٦
اعتمدت اللجنة الفنية المركزية العليا لهندسة البترول والغاز في نقابة المهندسين السوريين الوثيقة التأسيسية ومنهجية العمل، بهدف مأسسة العلاقة مع الشركات الاستثمارية في قطاع النفط بالتعاون مع الشركة السورية للنفط، باعتبارهما مرجعية فنية ورقابية موحدة.
ودعت اللجنة خلال اجتماعها الأول في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية بجامعة دمشق إلى وضع آليات تضمن حماية حقوق المهندسين، تشمل رواتب منصفة وحداً أدنى للأجور وتفعيل لجان مختصة بالسكن والضمانات المهنية.
وأقرت اللجنة إطلاق برامج تدريبية تخصصية للمئة مهندس المقبولين حديثاً، واعتماد آلية لاستقطاب أوائل الخريجين وربطهم مباشرة بسوق العمل في قطاع البترول والغاز.
وأكدت اللجنة أهمية إنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة للمهندسين العاملين في قطاع البترول، بما يسهم في تنظيم الكفاءات وتعزيز الاستفادة من الخبرات الوطنية.
وشُكّلت لجنة متابعة وتنفيذ برئاسة نائب رئيس اللجنة المهندس نصر أبو نبوت، بهدف تنسيق العمل مع نقابة المهندسين والجهات المعنية.
وحضر الاجتماع نقيب المهندسين السوريين المهندس مالك حاج علي، ورئيس اللجنة الدكتور المهندس مهلب الداود، ومستشار اللجنة المهندس يوسف قبلاوي، إلى جانب عدد من الخبراء وأعضاء اللجنة.
ويأتي ذلك في إطار توجه نقابة المهندسين لتعزيز دور الكوادر الهندسية في إعادة تأهيل وتطوير قطاع الطاقة، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة واحتياجات سوق العمل.
وأصدرت وزارة الطاقة بياناً يوم السبت 7 شباط/ فبراير، قالت فيه إنه منذ تحرير سوريا من النظام البائد واجهت الدولة السورية الجديدة تحديات كبرى في إعادة بناء مؤسساتها وتأمين متطلبات الحياة الأساسية للمواطنين، في ظل غياب موارد سيادية حيوية، وعلى رأسها النفط والغاز، التي بقيت لسنوات خارج إدارتها الفعلية وتحت سيطرة ميليشيا قسد، ما حرم السوريين من الاستفادة من ثرواتهم الوطنية.
وأضافت أنه مع العمليات العسكرية التي نفذها الجيش العربي السوري، استعادت الدولة عدداً واسعاً من الحقول والمنشآت النفطية، لتدخل البلاد مرحلة جديدة عنوانها استعادة السيادة الاقتصادية وبدء مسار التنظيم والتأهيل، بعد سنوات من الاستغلال غير المنهجي لهذه الموارد خارج المصلحة الوطنية.
وأكد وزير الطاقة المهندس "محمد البشير" أن سوريا كانت تمتلك قبل الحرب قدرات إنتاجية كبيرة بلغت نحو 400 ألف برميل نفط يومياً، إضافة إلى قرابة 30 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، مع احتياطيات تُقدّر بنحو 2.5 مليار برميل نفط و250 مليار متر مكعب من الغاز.
وقدر أن الإنتاج الفعلي للدولة قبل تحرير الشرق لم يتجاوز 15 ألف برميل يومياً، في وقت كانت فيه الحاجة المحلية تقارب 200 ألف برميل يومياً، ما اضطر بعض الشركات المتعاونة مع الدولة إلى شراء كميات محدودة من مناطق سيطرة ميليشيا قسد لتغطية جزء من الطلب.
وأظهرت المعاينات الأولية للحقول المستعادة تراجعاً ملحوظاً في مستويات الإنتاج، إلى جانب أضرار متفاوتة في البنية التحتية نتيجة سنوات من التشغيل غير المنهجي وغياب الصيانة واعتماد أساليب بدائية في الاستخراج.
ونوهت الوزارة إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية عاجلة لتأمين الحقول ومنع العبث بها، مع تفعيل غرفة عمليات طارئة لمتابعة استلام المواقع وتنسيق الجهود الفنية والميدانية.
ولفت مدير إدارة تنظيم الحقول المهندس موسى الجبارة إلى أن إعادة الحقول إلى وضعها الطبيعي تتطلب عملاً فنياً واسعاً قد يمتد لنحو 3 سنوات، مؤكداً ضرورة الإسراع باستعادة الإنتاج الممكن من المحطات المتوقفة بالتوازي مع إعداد برامج منهجية لمعالجة أوضاع الآبار وضمان استدامة العمل.
وفي موازاة التحديات الفنية، برز ملف السلامة البيئية والإشعاعية كأولوية أساسية في مرحلة ما بعد الاستعادة، ولا سيما في الحقول التي شهدت ممارسات استخراج ومعالجة غير سليمة.
وفي هذا السياق، باشرت هيئة الطاقة الذرية السورية، بالتنسيق مع الشركة السورية للبترول، تنفيذ أعمال مسح إشعاعي في الحقول المحررة بدير الزور، بهدف تحديد مواقع التلوث ووضع الإشارات التحذيرية اللازمة لحماية العاملين والبيئة، تمهيداً لإعادة التأهيل وفق معايير الأمان المعتمدة.
وبالتوازي مع أعمال التقييم والدراسات، بدأت السورية للبترول خطوات عملية لإعادة دمج الحقول في المنظومة الوطنية، من خلال نقل النفط الخام إلى مصفاتي بانياس وحمص، وضخ الغاز الخام من بعض الحقول إلى معامل المعالجة لتأمين احتياجات توليد الكهرباء.
وشكلت حقول النفط والغاز إلى إدارة الدولة السورية خطوة سيادية مفصلية في مرحلة ما بعد التحرير، وبداية لمسار طويل من العمل الفني والتنظيمي، يتطلب استثمارات وخبرات وطنية ودولية وتشكل إعادة هذه الموارد إلى الخدمة الوطنية ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وتأمين موارد مستدامة تسهم في إعادة بناء الدولة.
١٩ مايو ٢٠٢٦
حدد المرسوم رقم 109 لعام 2026 الإطار القانوني الجديد لعمل الجمارك السورية، مانحاً إدارة الجمارك شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً، ومحدداً مقرها في دمشق وارتباطها برئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، في خطوة تشريعية واسعة تستهدف تنظيم حركة الاستيراد والتصدير والعبور، وضبط الإيرادات العامة، ومكافحة التهريب، وتعزيز الرقابة على الحدود والمرافئ والمطارات والمناطق الحرة.
وجاء المرسوم، الصادر باسم الجمهورية العربية السورية وموقعا من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع، وبناءً على أحكام الإعلان الدستوري ومقتضيات المصلحة الوطنية العليا، ليضع منظومة تفصيلية تبدأ بتعريف المصطلحات الأساسية في العمل الجمركي، من رئيس الهيئة وإدارة الجمارك والمدير العام ودائرة الجمارك والتعريفة الجمركية والحرم الجمركي والمخزن والبيان وبيان الحمولة والخط الجمركي والنطاق الجمركي والمرفأ الجاف، وصولاً إلى تعريف البضاعة ونوعها ومنشئها ومصدرها، والبضائع المحصورة والمقيدة والخاضعة لمعدلات عالية والممنوعة والممنوعة المعينة، إضافة إلى المخالفة الجمركية والعامل الجمركي وشركة التخليص الجمركي.
أكد المرسوم أن إدارة الجمارك تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويرأسها مدير عام يسمى بمرسوم ويمثلها أمام القضاء والغير، كما يعد عاقداً للنفقة وآمراً للتصفية والصرف. وأسند القانون إلى الإدارة تنفيذ القوانين والأنظمة المتعلقة بالاستيراد والتصدير والعبور وسائر الأوضاع الجمركية، وتنفيذ الاتفاقيات الدولية والعربية المصادق عليها من الجمهورية العربية السورية، وتحصيل إيرادات الخزينة العامة من الرسوم الجمركية وغيرها من الرسوم والضرائب والبدلات المرتبطة بحركة البضائع.
وشدد القانون على مهمة مكافحة التهريب وما في حكمه وضبط المخالفات الجمركية وتحصيل الغرامات والرسوم المترتبة، إلى جانب المساهمة في الدفاع عن حدود الوطن وضبط النظام العام وتقديم المؤازرة للجهات الرسمية، وتمثيل الدولة في المؤتمرات والاجتماعات المتصلة بالشؤون الجمركية، واقتراح السياسات الاستراتيجية والتخطيطية للنهوض بالعمل، ودراسة مشروع الموازنة العامة للجمارك تمهيداً لرفعه إلى رئيس الهيئة.
كما وسع المرسوم نطاق تطبيق أحكامه ليشمل الأراضي والحدود البحرية والمياه الإقليمية الخاضعة لسيادة الدولة، وأخضع كل بضاعة تجتاز الخط الجمركي في الإدخال أو الإخراج لأحكامه والأنظمة الجمركية، مع اعتماد مبادئ التبسيط والعلنية والشفافية، والانتقال نحو قبول بيانات الحمولة والتصريحات والمستندات إلكترونياً، والسماح بالتسليم المباشر أو الشحن قبل استكمال بعض الإجراءات ضمن شروط تحددها الإدارة، واعتماد المعاينة الانتقائية والتدقيق اللاحق والتبادل الإلكتروني للمعلومات وطرق دفع حديثة عبر الائتمان والضمانات المصرفية.
نظم القانون شؤون العاملين في الجمارك، فنص على التعيين والتعاقد وفق قانون العاملين في الدولة، مع السماح لرئيس الهيئة، بالتنسيق مع وزارتي الدفاع أو الداخلية، بانتقاء عسكريين لوظائف الضابطة الجمركية بشرط ألا تقل رتبتهم عن ملازم أول. كما أحدث أكاديمية للعلوم الجمركية تتولى تدريب وتأهيل العاملين، واشترط خضوع العاملين الجمركيين فور تعيينهم أو التعاقد معهم لدورة تدريبية وتأهيلية ومسلكية لا تقل عن ثلاثة أشهر.
ومنح القانون عاملي الجمارك، في ما يخص عملهم، صفة رجال الضابطة العدلية، كما عد رجال الضابطة الجمركية من القوى العامة ومن رجال الضابطة العدلية ضمن حدود اختصاصهم. وجعل القضاء العسكري صاحب الاختصاص في ملاحقة عاملي الجمارك جزائياً عن الجرائم الناشئة عن الوظيفة، على ألا تجري الملاحقة إلا بعد موافقة لجنة يشكلها وزير العدل، باستثناء حالة الجرم المشهود التي تتم فيها الملاحقة مباشرة.
وألزم المرسوم عناصر الضابطة الجمركية بارتداء الزي الرسمي والرتب العسكرية والشارات المميزة وحمل التفويض الممنوح لهم، كما أوجب حمل السلاح أثناء قيامهم بالواجب واستعماله عند الحاجة، وسمح بحمل السلاح لعاملي الجمارك الذين تتطلب طبيعة أعمالهم ذلك. ومنح القانون للعاملين حقوقاً تتعلق باللباس الرسمي المجاني، والتأمين الصحي، والعلاج المجاني في المشافي الحكومية والخاصة عند الضرورة وفي الحوادث الناجمة عن الخدمة، والمعاشات التقاعدية الاستثنائية في حالات العجز، ووثيقة الاستشهاد لمن يستشهد أثناء أو في معرض أداء الخدمة في مكافحة التهريب بسبب الاشتباك مع المهربين.
قرر المرسوم خضوع البضائع لدى إدخالها إلى أراضي الجمهورية العربية السورية أو إخراجها منها للرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى النافذة، باستثناء ما يعفى أو يستثنى بموجب الاتفاقيات أو أحكام القانون أو النصوص النافذة. وتطبق رسوم التعريفة الجمركية العادية على بضائع جميع الدول، فيما تطبق رسوم تفضيلية على بضائع بعض الدول وفق الاتفاقيات، كما أجاز القانون فرض رسوم جمركية لا تزيد على مثلي التعريفة العادية على بضائع بعض الدول بصك تشريعي.
ونظم القانون مجلس التعريفة برئاسة رئيس الهيئة وعضوية ممثلين عن وزارتي الاقتصاد والتجارة والمالية والمدير العام، ومنحه دوراً في اقتراح فرض الرسوم الجمركية وتعديلها وإلغائها، كما أجاز إخضاع البضائع المستوردة لرسم تعويضي عندما تتمتع في بلد المنشأ بإعانة مباشرة عند التصدير أو عندما تخفض أسعارها بقصد الإغراق.
وفي باب التقييد والمنع، أوجب القانون عرض كل بضاعة تدخل سوريا أو تخرج منها على المكتب الجمركي المختص وتقديم بيان بها، مع استثناء السفن والطائرات الخاضعة لإجراءات تسجيل وشطب خاصة، وبعض الحاويات الواردة بحراً أو المرسلة إلى المرافئ الجافة. وحظر على السفن أن ترسو في غير المرافئ المعدة لذلك إلا في حالات الطوارئ البحرية أو القوة القاهرة، كما حظر على السفن الصغيرة نقل البضائع المحصورة أو الممنوعة أو الخاضعة لمعدلات عالية ضمن النطاق الجمركي البحري، ومنع الطائرات من اجتياز الحدود أو الهبوط أو الإقلاع خارج الأماكن المحددة إلا في حالات القوة القاهرة.
وتعامل القانون مع البضائع الممنوعة أو المحصورة بتفصيل، فقرر أن البضائع المصرح عنها بتسميتها الحقيقية لا تحجز، بل ترد إلى الخارج إن كانت واردة أو تعاد إلى الداخل إن كانت مخرجة، ما لم يسمح باستثنائها من المنع أو الحصر، في حين تحجز البضائع الممنوعة المعينة ولو صرح عنها بتسميتها الحقيقية ما لم يكن هناك ترخيص مسبق. كما عد ممنوعة كل المنتجات الأجنبية التي تحمل علامات أو أسماء أو إشارات توهم بأنها صنعت في سوريا أو في غير بلد منشئها الحقيقي، وكذلك المنتجات المحلية التي توهم بأنها أجنبية، ومنع إدخال البضائع الأجنبية التي لا تتوافر فيها شروط حماية المنشأ أو الملكية ما لم توافق الجهات المختصة على رفع المنع.
أخضع المرسوم البضائع المستوردة لإثبات المنشأ، وترك لرئيس الهيئة تحديد قواعد المنشأ المعتمدة وشروط إثباته وحالات الإعفاء. كما نص على تطبيق تعريفة بلد المنشأ أو بلد المصدر أيهما أعلى على البضائع المستوردة من غير بلد المنشأ بعد وضعها في الاستهلاك في ذلك البلد، وربط تصنيف البضائع التي لا يرد لها ذكر في جدول التعريفة بقرارات تصدر عن رئيس الهيئة، فيما تصدر مذكرات التبنيد عن المدير العام للبضائع التي يمكن أن تدخل في أكثر من بند.
وحدد القانون القيمة الواجب التصريح عنها في الاستيراد بأنها الثمن المدفوع فعلياً أو الواجب دفعه عند شراء البضائع بقصد تصديرها إلى سوريا، مضافاً إليه جميع التكاليف والمصاريف، بما فيها أجور الشحن حتى وصول البضاعة إلى الأراضي السورية. وإذا كانت القيمة بعملة أجنبية، فيجري تحويلها إلى الليرة السورية وفق نشرة أسعار الصرف المعتمدة من مصرف سورية المركزي بتاريخ تسجيل البيان.
وألزم القانون بإرفاق كل بيان بقائمة أصلية مصدقة من غرفة التجارة أو أي هيئة يحددها وزير الاقتصاد والصناعة لإثبات صحة الأسعار والمنشأ، مع منح دائرة الجمارك حق المطالبة بالمستندات والعقود والمراسلات وغيرها دون أن تتقيد بما ورد فيها، ودون أن يحد ذلك من صلاحيتها في التقدير. كما اشترط تناسب تاريخ الفاتورة مع تاريخ شحن البضاعة، وقرر الامتناع عن قبولها عند وجود اختلاف بين إلا إذا قدم تبرير مقبول.
فرض القانون على الشركة الناقلة البحرية إعلام الجمارك وإدارة المرفأ قبل أربع وعشرين ساعة على الأكثر من وصول السفينة عن حمولاتها، وأوجب تسجيل كل بضاعة ترد بطريق البحر في بيان الحمولة ولو كانت مرسلة إلى المناطق الحرة. واشترط أن يكون بيان الحمولة وحيداً وموقعاً من ربان السفينة ومتضمناً اسم السفينة وجنسيتها وحمولتها وأنواع البضائع وأوزانها وعدد الطرود والمرسلين والمرافئ التي شحنت منها، مع تقديم الوثائق خلال ست وثلاثين ساعة من دخول السفينة المرفأ، وإمكانية أن يكون البيان إلكترونياً.
وفي النقل البري، ألزم القانون ناقلي البضائع بالتوجه من الحدود إلى أقرب مكتب جمركي عبر الطريق أو المسلك المعين بقرار منشور في الجريدة الرسمية، وحظر تجاوز المكتب أو وضع البضائع في منازل أو أماكن أخرى قبل تقديمها. وفي النقل الجوي، ألزم قائد الطائرة بسلوك الطرق الجوية المحددة وتقديم بيان الحمولة والقوائم المطلوبة فور الوصول، ومنع تفريغ البضائع أو إلقاءها أثناء الطريق إلا إذا كان ذلك ضرورياً لسلامة الطائرة مع إعلام الجمارك فور الهبوط.
ونظم المرسوم مراحل التخليص الجمركي، فأوجب تقديم بيان تفصيلي عند تخليص أي بضاعة ولو كانت معفاة من الرسوم والضرائب، ومنع إدراج بضائع عائدة لأكثر من بيان حمولة في بيان تفصيلي واحد، ومنع ذكر عدة طرود مقفلة ومجموعة على أنها وحدة واحدة. كما أجاز تصحيح البيان خلال أربع وعشرين ساعة من تقديمه قبل إحالته إلى جهاز المعاينة، وأجاز إلغاء البيانات خلال خمسة عشر يوماً من تسجيلها في حالات محددة، منها عدم تأدية الرسوم أو عدم استكمال مراحل التخليص أو التسجيل الخاطئ وعدم وجود البضاعة.
وأخضع القانون البضائع للمعاينة الكلية أو الجزئية بعد تسجيل البيانات، وجعل المعاينة داخل الحرم الجمركي أصلاً، مع إمكان إجرائها خارجه على نفقة أصحاب العلاقة. كما منح الجمارك الحق في فتح الطرود عند الاشتباه بوجود بضائع ممنوعة أو مخالفة، وتحليل البضائع لدى مخبر معتمد، وعدم الإفراج عنها قبل ظهور نتائج التحليل إلا بضوابط تمنع التصرف بها أو طرحها في الأسواق قبل ثبوت مطابقتها.
أجاز القانون إنشاء مناطق حرة بتخصيص أجزاء من المرافئ أو خارجها واعتبارها خارج المنطقة الجمركية، وسمح بإدخال البضائع الأجنبية من أي نوع وأياً كان منشؤها أو مصدرها إلى المناطق الحرة وإخراجها منها إلى غير المنطقة الجمركية دون الخضوع لقيود الاستيراد أو إعادة التصدير أو القطع أو المنع أو وجوب الرسوم والضرائب، باستثناء رسوم الخدمات، مع مراعاة القيود الخاصة بالبضائع الوطنية التي تدخل تلك المناطق.
غير أن المرسوم وضع قيوداً واضحة على المناطق الحرة، إذ منع دخول البضائع المخالفة لأحكام مقاطعة إسرائيل أو للنظام العام التي تحددها السلطات المختصة، كما منع البضائع النتنة أو الخطرة إلا ضمن شروط تسمح بها الهيئة، والأسلحة الحربية والذخائر والمتفجرات بأنواعها، والبضائع المخالفة لقوانين حماية الملكية التجارية والصناعية والأدبية والفنية، والمخدرات بأنواعها ومشتقاتها، والبضائع التي يكون منشؤها بلداً تقرر مقاطعته اقتصادياً.
وتحملت الجهات المستثمرة للمناطق الحرة مسؤولية المخالفات المرتكبة من قبلها أو من قبل عامليها، ومسؤولية تسرب البضائع منها بصورة غير مشروعة، مع استمرار نفاذ القوانين والأنظمة المتعلقة بالأمن والصحة والآداب العامة وقمع التهريب والغش داخل تلك المناطق. كما منح القانون دائرة الجمارك حق التفتيش في المناطق الحرة عن البضائع الممنوع إدخالها، وتدقيق المستندات والكشف على البضائع عند الاشتباه بوجود عمليات تهريب.
تناول القانون الأوضاع المعلقة للرسوم، فأجاز إدخال البضائع ونقلها داخل سوريا أو خارجها مع تعليق تأدية الرسوم والضرائب مقابل ضمانات نقدية أو مصرفية أو تعهدات مكفولة. ونظم العبور العادي والخاص والعبور بمستندات دولية، والنقل من مكتب أول إلى مكتب ثان، والإدخال المؤقت للبضائع بقصد التصنيع أو الإصلاح أو الاستعمال المؤقت، بما يشمل الآلات والمعدات اللازمة لمشاريع الدولة والقطاعين العام والخاص، والمعدات الخاصة بالملاعب والمعارض والفرق السينمائية والموسيقية والإعلامية، والأوعية والغلافات والمواشي المدخلة للرعي والعينات التجارية.
كما حدد القانون الإعفاءات، فأعفى الهبات والتبرعات الواردة للوزارات والإدارات ومؤسسات وهيئات الدولة والبلديات والمنظمات الشعبية، بشرط ألا تكون للواهب أو المتبرع مصلحة شخصية وبموافقة مسبقة من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية. ونظم الإعفاءات الدبلوماسية والقنصلية بشرط المعاملة بالمثل، والإعفاءات العسكرية الخاصة بما يستورد للجيش وقوى الأمن الداخلي والضابطة الجمركية من ذخائر وأسلحة وتجهيزات ووسائط نقل ذات استخدام عسكري خاص، إلى جانب إعفاءات الأمتعة الشخصية والأثاث المنزلي والبضائع المعادة والعينات التجارية ومواد الدعاية ووسائل تأهيل وتنقل ذوي الاحتياجات الخاصة.
وفي جانب مكافحة التهريب، منح القانون عاملي الجمارك حق الكشف على البضائع ووسائط النقل ضمن الحدود النظامية، وتحري الأشخاص على الحدود في حالات الدخول أو الخروج وفق الأسس القانونية، مع عدم جواز التحري الجسدي خارج ذلك إلا في حالة الجرم المشهود أو الإخبار المثبت بمحضر أصولي. كما منحهم حق الصعود إلى السفن داخل المرافئ والنطاق الجمركي، ومطالبة الربابنة بإبراز بيانات الحمولة، واتخاذ التدابير اللازمة بما في ذلك استعمال القوة لضبط البضاعة واقتياد السفينة إلى أقرب مرفأ جمركي عند الاشتباه بالتهريب أو الامتناع عن تقديم المستندات.
ونص القانون على أن جرائم التهريب والمخالفات الجمركية تتحقق بمحضر ضبط ينظمه عاملان على الأقل من الجمارك أو من القوى العامة، ويتضمن مكان وتاريخ وساعة تنظيمه، وأسماء منظميه والمخالفين، وتفاصيل البضائع المحجوزة والناجية من الحجز، والوقائع والمشاهدات والإفادات والمواد القانونية المنطبقة. واعتبر محضر الضبط المنظم وفق الأصول ثابتاً حتى ثبوت تزويره في ما يتعلق بالوقائع المادية التي عاينها منظموه بأنفسهم.
وأجاز المرسوم حجز البضائع موضوع المخالفة أو جرم التهريب، والأشياء المستعملة لإخفائها ووسائط النقل والمستندات، كما أجاز الحجز الاحتياطي على أموال المخالفين والمسؤولين عن التهريب ضماناً للرسوم والضرائب والغرامات. ونظم حالات التوقيف الاحتياطي في جرم التهريب المشهود أو أعمال الممانعة أو خشية الفرار، وحدد تقديم الموقوف إلى المحكمة الجمركية خلال أربع وعشرين ساعة، مع إمكان التمديد وفق ضوابط محددة لا تتجاوز سبعة أيام.
واختتم القانون بتنظيم الملاحقات الإدارية والقضائية، فسمح بإصدار قرارات تحصيل لاستيفاء الرسوم والضرائب والغرامات، وقرارات تغريم ومصادرة في المخالفات التي لا تستوجب الحبس ضمن حدود مالية محددة، كما حصر رفع الدعوى في المخالفات الجمركية والتهريب وما في حكمه بطلب خطي من المدير العام أو مدير الدائرة. وأجاز التسوية بطريق المصالحة قبل إقامة الدعوى أو أثناء النظر فيها أو بعد الحكم وقبل اكتسابه الدرجة القطعية، كما نظم المسؤولية المدنية والتضامن بين المخالفين والمسؤولين عن التهريب في تحصيل الرسوم والضرائب والغرامات وفق أصول تحصيل الأموال العامة.
١٨ مايو ٢٠٢٦
أكد الباحث والكاتب أحمد أبازيد أن أحد المبادئ الأساسية التي اعتمدها مشروع “الذاكرة السورية” في توثيق أحداث الثورة السورية كان الالتزام بالحقيقة والوقائع الموثقة، حتى عندما تتعارض مع الروايات الشائعة والمتداولة.
وأوضح أبازيد في منشور على منصة "فيسبوك" أن قوة سردية الثورة السورية تستند إلى المصداقية، لا إلى التهويل أو تضخيم الأحداث، مشدداً على أن نظام الأسد البائد لا يحتاج إلى “اختلاق روايات” لإثبات حجم الجرائم التي ارتكبها خلال سنوات الحرب في سوريا.
وأشار إلى أن منصة “الذاكرة السورية” وثّقت منذ انطلاقها الوقائع المرتبطة باعتقال أطفال درعا، استناداً إلى شهادات متعددة ووثائق ومقاطعات ميدانية.
تفنيد بعض الروايات الشائعة
لفت أبازيد إلى أن المنصة ميّزت بين مجموعتي الأطفال المعتقلين في درعا، ولم تنسب كتابات الشعارات للأطفال بشكل مباشر، كما أوضحت أن اعتقال المتهمين بالكتابات جرى عبر قسم الأمن العسكري.
وأضاف أن المشروع لم يتبنَّ الرواية المتداولة بشأن حديث عاطف نجيب المسيء لأهالي درعا، كما حدد الجهة الأمنية التي أطلقت الرصاص وسقط على إثرها أول شهداء الثورة السورية.
وأشار إلى أن الأمر ذاته انسحب على روايات أخرى جرى تداولها خلال سنوات الثورة، مثل بعض التفاصيل المرتبطة بمقتل إبراهيم القاشوش ومجزرة الخالدية، مؤكداً ضرورة الفصل بين الوقائع الموثقة والمبالغات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
قراءة في دور عاطف نجيب
أوضح أبازيد أن جزءاً من حديث عاطف نجيب خلال محاكمته يتضمن وقائع صحيحة، لافتاً إلى أن اسمه ارتبط منذ الأيام الأولى للثورة بكونه قريباً من الإرهابي الفار بشار الأسد، ما جعله رمزاً للسلطة الأمنية في درعا آنذاك.
وأكد أن الاحتجاجات التي انطلقت في 18 آذار لم تكن مرتبطة فقط بقضية الأطفال أو المطالب الخدمية، بل شكلت منذ بدايتها حراكاً سياسياً موجهاً ضد نظام الأسد البائد.
وأشار إلى أن نجيب نُسبت إليه لاحقاً اتهامات أخرى لا ترتبط به بشكل مباشر، مثل قضية الطفل الشهيد حمزة الخطيب، معتبراً أن بعض هذه الروايات انتشرت إعلامياً أكثر من الروايات الدقيقة القائمة على التوثيق والشهادات.
التركيز على المسؤولية الفعلية
شدد أبازيد على أن محاكمة عاطف نجيب ينبغي أن تركز على دوره ضمن اللجنة الأمنية التي تشكلت بعد انطلاق الثورة، والتي كانت مسؤولة عن إدارة الملف الأمني في درعا خلال الأيام الأولى.
وأوضح أن تحديد المسؤوليات بدقة يجب أن يستند إلى الوثائق ومحاضر الاجتماعات المرتبطة باللجنة الأمنية، لا إلى الروايات غير القابلة للإثبات.
وأضاف أنه لا يفهم أسباب بدء مسار العدالة الانتقالية بعاطف نجيب تحديداً، باستثناء رمزية اسمه الإعلامية، مشيراً إلى وجود ضباط ومسؤولين آخرين معتقلين لديهم أدوار موثقة في مجازر وجرائم أكبر خلال سنوات الحرب.
إشادة بمسار المحاكمة
رغم ملاحظاته على غياب قانون خاص بالعدالة الانتقالية ومحاكمة جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية في سوريا، اعتبر أبازيد أن أداء المحاكمة حتى الآن “جيد”.
وأشار إلى أن السماح للمتهمين ومحاميهم بعرض رواياتهم، وإتاحة مناقشة التناقضات، وعدم ظهور آثار تعذيب أو ضغوط على المعتقلين، يمثل عناصر أساسية لبناء مسار قضائي مهني وموثوق.
وأكد أن استقلال القضاء عن الضغوط السياسية والإعلامية والشعبية يشكل ضمانة حقيقية لتحقيق العدالة لجميع السوريين.
دعوة للاستفادة من مشاريع التوثيق
دعا أبازيد إلى الاستفادة من الجهود التوثيقية والحقوقية التي أُنجزت خلال سنوات الثورة السورية، وعلى رأسها مشروع “الذاكرة السورية”، لتجنب الأخطاء التي تقع أحياناً في الخطاب الإعلامي أو التصريحات الرسمية المتعلقة بأحداث الثورة.
وختم بالتأكيد على أن الجريمة في سوريا لم تبدأ مع عاطف نجيب ولن تنتهي بمحاكمته، معتبراً أن بناء مسار عدالة احترافي وموثوق هو الضمانة الحقيقية لمحاسبة المجرمين وحماية حقوق السوريين.
"عاطف نجيب" ينكر الجرائم… ويشعل غضب وسخرية على مواقع التواصل
وكان أثار ظهور الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، عاطف نجيب، أمام القضاء موجة تفاعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعد نشر وزارة العدل تسجيلاً مصوراً تضمن إنكاره للتهم المرتبطة بأحداث درعا عام 2011.
وأنكر "نجيب" اعتقال وتعذيب الأطفال الذين كتبوا شعارات مناهضة للنظام البائد، إضافة إلى نفيه إصدار أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين أو التورط في الانتهاكات التي شهدتها المحافظة مع بداية الثورة السورية.
وخلال الجلسة، حاول نجيب تحميل مسؤولية الاعتقالات والانتهاكات لأفرع أمنية أخرى، قائلاً إن فرع الأمن العسكري هو من اعتقل الأطفال، وإن الأمن العسكري وأمن الدولة والمخابرات الجوية هم من تولوا قمع المظاهرات وإطلاق النار على المحتجين، وزعم أنه لم يكن مؤيداً للحل الأمني وتمت إقالته بعد أيام من اندلاع الاحتجاجات.
إلا أن هذه التصريحات فجرت موجة غضب وسخرية واسعة على موقع فيسبوك ومنصات أخرى، حيث اعتبر كثير من المستخدمين أن رواية نجيب تمثل محاولة للتبرؤ الكامل من أحداث ارتبط اسمه بها لسنوات طويلة.
وتداول ناشطون تعليقات ساخرة ركزت على أن جميع الأفرع متهمة إلا هو، فيما أعاد آخرون نشر شهادات توثق مرحلة الاحتجاجات الأولى في درعا والانتهاكات التي رافقتها كما انتشرت منشورات تقارن بين رواية نجيب الحالية والتقارير والشهادات التوثيقية.
وذهب بعض المستخدمين إلى السخرية من حديثه عن معارضته للحل الأمني، متسائلين عن طبيعة الدور الذي كان يؤديه كرئيس لفرع الأمن السياسي في تلك الفترة في المقابل، ركّز جانب كبير من التفاعل على البعد الرمزي لملف أطفال درعا، باعتباره الملف الذي ارتبط ببداية الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011.
ورأى كثيرون أن أي محاولة لنفي أو التقليل من الانتهاكات المرتبطة بتلك المرحلة تُقابل بحساسية وغضب واسع لدى السوريين، وخاصة من أبناء درعا والناشطين الذين عايشوا تلك الأحداث.
هذا وشهدت الصفحات الإخبارية ومنصات النقاش تداول وسوم مرتبطة بالمحاكمة، ترافقت مع مطالبات باستكمال المحاسبة وكشف تفاصيل الانتهاكات التي جرت خلال السنوات الأولى للثورة السورية، بينما اعتبر متابعون أن نشر تسجيلات المحاكمة يعيد إحياء واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الذاكرة السورية خلال السنوات الأخيرة.
وأكد المحامي العام بدمشق، القاضي حسام خطاب، يوم الأحد 3 أيار/ مايو، أن محاكمة رموز النظام البائد تمثل سابقة تاريخية في سوريا، كونها تتيح متابعة الإجراءات القضائية بشكل علني ومباشر، ما يساهم في كسر الصورة النمطية التي سادت عن القضاء لعقود.
وبيّن رئيس دائرة الإعلام في وزارة العدل، براء عبد الرحمن، أن علنية الجلسات تهدف لتكريس الشفافية وتفعيل الرقابة المجتمعية، موضحاً أن التغطية الإعلامية المباشرة تُمكّن الرأي العام من المتابعة وتعزز الثقة بالمؤسسة القضائية.
من هو عاطف نجيب؟
يُعد عاطف نجيب أحد أبرز الضباط الأمنيين السابقين في نظام الأسد البائد، حيث شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا خلال فترة مفصلية سبقت اندلاع الثورة السورية، وارتبط اسمه بشكل مباشر بملفات القمع والانتهاكات.
كما يعرف بانتمائه إلى عائلة السلطة، إذ إنه ابن خالة بشار الأسد، ما منحه نفوذاً واسعاً داخل الأجهزة الأمنية ومكّنه من لعب دور محوري في إدارة الملف الأمني في درعا آنذاك.
ولد نجيب عام 1960 في مدينة جبلة الساحلية التابعة لمحافظة اللاذقية، حيث تلقى تعليمه في مراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية في حمص، المعروفة بـ"أم الكليات العسكرية في سوريا".
وتخرج منها برتبة ملازم، لينضم لاحقاً إلى جهاز المخابرات، ويتدرج في المناصب الأمنية إلى أن تسلم رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، وهو الموقع الذي شكّل نقطة تحول في مسيرته وارتبط باسمه بأحداث الثورة السورية عام 2011.
وفي تلك المرحلة، كان نجيب المسؤول المباشر عن التعامل مع الاحتجاجات التي انطلقت من درعا، والتي بدأت بعد اعتقال مجموعة من الأطفال بسبب كتابتهم شعارات مناهضة للنظام على جدران المدارس، وتشير شهادات موثقة إلى أن هؤلاء الأطفال تعرضوا لتعذيب شديد داخل مراكز الاحتجاز، شمل اقتلاع الأظافر والانتهاكات الجسدية القاسية.
كما نسبت إليه عبارات مهينة وجهها إلى أهالي الأطفال المعتقلين، من بينها مطالبته لهم بنسيان أبنائهم، وهو ما أدى إلى تصاعد حالة الغضب الشعبي في المحافظة، وتحول الاحتجاجات إلى انتفاضة واسعة سرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء سوريا.
ولم تقتصر الانتهاكات المنسوبة إليه على ملف الأطفال، بل شملت أيضاً دوره في إدارة عمليات القمع الأمني في درعا، وسط اتهامات بارتكاب جرائم بحق مدنيين، ما وضعه في صدارة الأسماء المرتبطة ببداية الحراك الشعبي ومسار العنف الذي تلاه، قبل أن تتم إقالته من منصبه مع تصاعد الاحتجاجات، لينتقل إلى دمشق ويختفي عن الأنظار مع توسع رقعة المظاهرات والعمليات العسكرية.
في كانون الثاني/يناير 2025، أعلن الأمن الداخلي إلقاء القبض على العميد عاطف نجيب داخل مدينة اللاذقية، بعد عملية أمنية وُصفت بالدقيقة، وذلك عقب سنوات من اختفائه داخل البلاد منذ سقوط النظام في ديسمبر 2024.
ومع بدء أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب حضورياً، أصدرت الجهات المختصة استدعاءات غيابية بحق رئيس النظام المخلوع وشقيقه ماهر، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين السابقين، في وقت مُنح فيه المتهمون الفارّون مهلة قانونية للمثول أمام المحكمة وتقديم إفاداتهم.
وعرّف المحامي علي محمد إسكان، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، المحاكمات العلنية بأنها الجلسات التي تتيح المحكمة للجمهور ووسائل الإعلام حضورها والاطلاع على إجراءاتها، مشيراً إلى أن هدفها يتمثل في ضمان الشفافية والنزاهة، وكفالة حق المتهم في دفاع علني، لافتاً إلى أن الأصل هو علنية الجلسات، ما لم تقرر المحكمة سريتها لأسباب أمنية أو أخلاقية.
وفي هذا السياق، أوضح المحامي عبد الناصر حوشان، النائب في مجلس الشعب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، المسار القانوني الذي تسلكه الدعوى الجزائية في سوريا، مبيناً مراحلها منذ تحريكها وحتى صدور الحكم، إلى جانب الفرق بين المحاكمات الوجاهية والغيابية، والآليات المعتمدة لملاحقة المتهمين الفارّين.
وتبقى المحاكمات الغيابية خطوة أولى في مسار العدالة الانتقالية، بوصفها إجراءً اضطرارياً لا يغني عن المحاكمات الحضورية الكاملة، لكنها تؤكد أن الانتهاكات الماضية ما تزال قيد المساءلة، وتؤدي دوراً مهماً في منع سقوط الدعاوى بالتقادم، وحفظ حقوق الضحايا، وتوثيق الجرائم في السجلات الرسمية، بما يضمن بقاء هذه الحقوق حاضرة ضمن مسار العدالة.
١٨ مايو ٢٠٢٦
نشطت صفحات وحسابات رقمية يديرها أشخاص محسوبون على فلول النظام البائد، خلال الآونة الأخيرة في محاولة لبناء سردية مضللة تربط بين "السبي" وخطف الفتيات من "المكون العلوي" في الساحل السوري، مروجين لروايات خيالية تزعم إنشاء ما أسموه "بيت الأخوات" كمركز لاحتجاز الفتيات وإجبارهن على اعتناق الإسلام.
بدورها أجرت "شبكة شام الإخبارية" تحقيقا يتتبع الجذور الرقمية لهذه الحملة الممنهجة، ويفكك آليات التضليل البصري واستخدام الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى الوثائق الرسمية، والقرارات القضائية، والشهادات الحية، ليفند كذبة "بيت الأخوات" ويضع حداً لسيناريوهات "السبي" التي أريد منها ضرب السلم الأهلي وتقويض شرعية الواقع الجديد في سوريا.
كيف بدأ ترويج مصطلح "بيت الأخوات"؟
ظهر المصطلح بشكل واسع مطلع أيار/مايو 2026، بالتزامن مع تصاعد قضية طالبة جامعة اللاذقية "بتول سليمان علوش"، بعدما خرجت والدتها في تسجيل مصور تزعم فيه أن ابنتها موجودة داخل ما وصفته بـ"مركز الأخوات" في مدينة جبلة، متهمة جهات وصفتها بـ"المتشددة" باحتجازها هناك.
لكن بتول نفسها نفت لاحقاً هذه المزاعم خلال ظهورات مصورة وبث مباشر، مؤكدة أنها تقيم في منزل صديقتها، وأنها لم تتعرض للاختطاف أو الاحتجاز، وهو ما كررته لاحقاً شخصيات قانونية وحقوقية ومحلية تابعت القضية.
ورغم غياب أي دليل مادي يثبت وجود هذا "المركز المزعوم"، بدأت منصات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بتداول المصطلح على أنه حقيقة قائمة، قبل أن يتحول تدريجياً إلى محور لسرديات أوسع تتحدث عن "السبي"، و"الخطف المنظم"، و"احتجاز النساء العلويات".
بيان يفند كذبة ترخيص "بيت الأخوات"
وسط اتساع الجدل، أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عبر مديرية المنظمات غير الحكومية توضيحاً رسمياً أكدت فيه عدم وجود أي منظمة أو جهة تحمل اسم "بيت الأخوات" مرخصة أو مسجلة لدى الوزارة.
وقالت المديرية إن جميع المنظمات العاملة ضمن الإطار القانوني مسجلة بشكل رسمي، داعية وسائل الإعلام ورواد التواصل الاجتماعي إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية، مؤكدة أن أبواب الوزارة مفتوحة للتحقق من أي معلومات تتعلق بعمل المنظمات والجمعيات.
وجاء البيان بعد تداول تقارير ومنشورات، بينها تقرير لقناة DW الألمانية، تحدث عن "بيت الأخوات" بوصفه منظمة رسمية مرخصة، إلا أن القناة عادت لاحقاً ونشرت توضيحاً أقرت فيه بوجود "معلومة غير دقيقة" وردت ضمن تقريرها، واعتذرت عنها بشكل رسمي.
من يقود الترويج للرواية؟
يكشف تتبع شبكة شام الإخبارية للجذور الرقمية للحملة أن جزءاً كبيراً من الترويج انطلق عبر حسابات وصفحات حديثة الإنشاء أو مجهولة الهوية، دفعت بالمصطلح بشكل متزامن ومنظم.
ومن أبرز هذه الحسابات صفحة تحمل اسم "الآلية السورية للتحقيق"، أُنشئت في أبريل/نيسان 2026، وقدمت نفسها كجهة حقوقية معنية بمتابعة الملف، رغم عدم امتلاكها أي صفة رسمية أو تعريف قانوني واضح.
ونشرت الصفحة بياناً مطولاً حول ما سمته "بيت الأخوات"، طالبت فيه وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية بالكشف عن "الوضع القانوني للمكان"، متحدثة عن "حراسات" و"تنسيق مع جهات حكومية" و"استقبال فتيات من خلفيات دينية غير مسلمة"، رغم إقرار البيان نفسه بأن المعلومات "غير مؤكدة".
لاحقاً دخلت صفحات أخرى على خط الترويج، من بينها منصة "Syria Mirror" (مرآة سوريا)، وهي صفحة أُنشئت في مايو/أيار 2026 وتدار من هولندا دون هوية إعلامية واضحة، حيث أعادت تدوير الادعاءات ذاتها ضمن قالب تحليلي يوحي بامتلاك معلومات موثوقة.
وبالتوازي مع ذلك، ظهرت حسابات وشخصيات مرتبطة بخطاب طائفي تحريضي أعادت إحياء مصطلحات مثل "السبي" و"النخاسة" و"الخطف العقائدي"، مستثمرة قضية بتول علوش لتقديمها باعتبارها "دليلاً" على رواية اضطهاد ممنهج ضد العلويين.
التضليل البصري.. صور مولدة بالذكاء الاصطناعي
لم يقتصر الترويج على المنشورات النصية، بل رافقته حملة تضليل بصري واسعة، جرى خلالها تداول صور زُعم أنها تعود إلى "بيت الأخوات للسبايا"، لكن منصات تحقق سورية، بينها منصة "تأكد"، أكدت بعد تحليل الصور باستخدام أدوات متخصصة أنها صور مولدة بالكامل عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا تعود إلى أي مكان حقيقي موجود على الأرض.
وأظهرت عمليات التحليل وجود تشوهات بنيوية وتفاصيل غير منطقية داخل الصور، وهي مؤشرات شائعة في الصور المولدة رقمياً، ما يؤكد أن الهدف كان خلق "دليل بصري" يمنح الرواية الوهمية مصداقية أكبر أمام الجمهور.
تناقضات تكشف هشاشة الرواية
من أبرز المؤشرات التي تكشف هشاشة سردية "بيت الأخوات"، التناقض الحاد في تحديد موقعه الجغرافي فبينما تحدثت بعض الحسابات عن وجوده في جبلة، زعمت أخرى أنه يقع في إدلب، في حين تحدثت صفحات ثالثة عن افتتاح "فروع" له في حلب.
هذا التناقض الكبير، إلى جانب غياب أي وثيقة رسمية أو صور حقيقية أو شهادات موثقة، كشف أن الأمر لا يتجاوز كونه شائعة رقمية متداولة جرى تضخيمها بشكل منظم عبر الفضاء الإلكتروني.
"السبي" كسلاح دعائي بعد سقوط النظام البائد
إعادة إحياء مصطلح "السبي" لم تبدأ مع قضية بتول علوش فقط، بل ظهرت بشكل متكرر منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، حيث استخدمته منصات موالية للنظام البائد وجهات تحريضية معارضة للدولة الجديدة كأداة دعائية وسياسية.
ورُوجت خلال الأشهر الماضية عشرات القصص التي تتحدث عن "أسواق نخاسة" و"خطف علويات" و"بيع النساء"، دون تقديم أي أدلة موثقة، فيما ثبت لاحقاً أن عدداً من تلك الروايات كان مضللاً أو مفبركاً بالكامل.
وفي مارس/آذار 2025، بثت قناة "روناهي" تقريراً زعمت فيه افتتاح "أسواق نخاسة" في إدلب لبيع نساء علويات، مستندة إلى منشورات متداولة على مواقع التواصل فقط، قبل أن ينفي مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن وجود أي توثيق لهذه الادعاءات.
كما ظهرت حالات أخرى مثل قضية "رنيم زريفة" و"ميرا"، حيث جرى الترويج لروايات اختطاف وسبي قبل أن تظهر الفتيات أنفسهن وينفين هذه الادعاءات بشكل مباشر.
يمتلك النظام البائد تاريخاً طويلاً في استخدام أعراض النساء كأداة تشويه بدءاً من فبركة فرية "جهاد النكاح" وإجبار القاصرات المعتقلات (مثل روان قداح عام 2012) على اتهام عائلاتهن على الشاشات الرسمية، وهي السردية التي فككتها كبرى الصحف العالمية مثل لوموند الفرنسية وأثبتت زيفها.
استثمار سياسي وطائفي للقضية
تحولت قضية بتول علوش تدريجياً من قضية شخصية إلى منصة لإعادة إنتاج خطاب طائفي قائم على التخويف واستحضار المظلومية التاريخية ودخلت شخصيات وصفحات إعلامية وسياسية ودينية على خط التحريض، مستخدمة مفردات مثل "السبي"، و"غسيل الدماغ"، و"الجماعات التكفيرية"، مع الدعوة أحياناً إلى "حماية دولية" ورفع الملف إلى المحاكم الدولية.
كما جرى ربط القضية بسرديات تاريخية ودينية قديمة، واستدعاء رموز مرتبطة بمفهوم "السبي" في الذاكرة الطائفية، بهدف تعبئة الجمهور عاطفياً وتكريس صورة ذهنية عن "خطر وجودي" يهدد الطائفة.
وانبرت شخصيات محسوبة على الفكر الطائفي المقيت مثل الممثلة "سلاف فواخرجي"، إلى جانب كيانات وهمية مثل ما يسمى "اتحاد العلويين السوريين في أوروبا"، ووسائل إعلام تابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK)، لاستثمار القضية سياسياً، ومطالبة "مجلس الأمن" بالتدخل تحت توصيف "جرائم ضد الإنسانية"، في محاولة بائسة لاستدعاء مظلوميات تاريخية واستخدام شعارات تعبوية (مثل "لن تُسبى زينب مرتين") وربطها بالواقع الحالي بهدف حشد المقاتلين وبث الرعب بين أفراد المجتمع.
بين الوقائع والشائعات
ورغم حجم الضجيج الإعلامي، لم يظهر حتى الآن أي دليل موثق يثبت وجود ما يسمى "بيت الأخوات"، أو يدعم الروايات التي تحدثت عن "السبي" و"احتجاز النساء" في المقابل، ظهرت بتول علوش بنفسها أكثر من مرة لتؤكد أن مغادرتها كانت طوعية، وأنها لم تتعرض للاختطاف أو الإكراه، كما نفت وجودها في أي "مركز" أو "دار احتجاز".
وتشير المعطيات التي جمعتها شبكة شام الإخبارية إلى أن القضية تحولت إلى نموذج واضح لكيفية صناعة السرديات الرقمية في بيئات الاستقطاب الحاد، حيث تُستثمر الفجوات المعلوماتية، والمخاوف الطائفية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، و الحسابات المجهولة، لبناء روايات كاملة قادرة على الانتشار والتأثير حتى دون أي أدلة حقيقية.
وفي ظل تصاعد هذا النوع من التضليل، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى التحقق من المعلومات قبل تداولها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس النساء والمجتمع والسلم الأهلي، في وقت أصبحت فيه الشائعة قادرة على التحول إلى "حقيقة بديلة" بمجرد تكرارها رقمياً على نطاق واسع.
هذا تؤكد البيانات الحقوقية أن ظاهرة اختفاء أو غياب بعض النساء في سوريا لها أبعاد اجتماعية واقتصادية معقدة "خلافات أسرية، ضغوط مجتمعية، ابتزاز مالي، أو تجنيد قسري من قبل قسد وشبيبتها الثورية كما وثقت هيومن رايتس ووتش".
إلا أن محاولة فلول النظام المخلوع اختزال هذه الظواهر المعقدة وإسقاط مفاهيم "السبي" و"أسواق النخاسة" واختراع كيانات وهمية مثل "بيت الأخوات"، يثبت بالدليل القاطع أن الهدف ليس حماية النساء أو إحقاق الحق، بل هي حرب نفسية ممنهجة تشنها غرف إعلامية لتقويض الاستقرار وإثارة النعرات الطائفية، وهو ما تفنده الحقائق على الأرض والوعي السوري المتنامي.
ورصدت شبكة شام الإخبارية خلال الأيام الماضية موجة مكثفة من المحتوى التحريضي الذي تجاوز حدود التضامن مع العائلة إلى الدعوات المباشرة للخروج بمظاهرات ذات طابع طائفي في الساحل السوري، إلى جانب منشورات تضمنت تحريضاً ضد عناصر الأمن الداخلي ومؤسسات الدولة، ومحاولات واضحة لإعادة إنتاج خطاب الفتنة والانقسام المجتمعي.
وأظهرت عملية الرصد أن عدداً من الحسابات والصفحات المرتبطة بفلول النظام البائد لعبت دوراً محورياً في تضخيم القضية وتقديمها باعتبارها "حالة خطف طائفي ممنهجة"، رغم غياب أي إثباتات قضائية أو أمنية تؤكد ذلك حتى اللحظة.
كما تبيّن أن شخصيات إعلامية وناشطين وضباطاً سابقين محسوبين على النظام البائد شاركوا بشكل مباشر في تأجيج الخطاب التحريضي، ومن بينهم الإعلامي الحربي السابق وحيد يزبك، وغزال غزال رئيس المجلس العلوي، ومحمد ميهوب إمام وخطيب جامع الإمام جعفر الصادق في طرطوس، إلى جانب الممثلة "سلاف فواخرجي" التي نشرت منشوراً تحدثت فيه عن "السبي الاجتماعي" وربطت القضية بحوادث أخرى تحت وسم "إنقاذ المخطوفات".
كما برزت أسماء أخرى في سياق التحريض والتجييش، من بينها "محمد غزوان" المتهم بتهديد ذوي الفتاة للتراجع عن تصريحاتهم السابقة، إضافة إلى "سقراط رحية، وأفروا عيسى، ومصطفى رستم وأمجد بدران وصالح منصور ورفيق لطف وكريستين شاهين، وكنان وقاف، فضلاً عن عشرات الصفحات والحسابات التي أعادت تدوير الخطاب ذاته.
وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد أعلن خلال مؤتمر صحفي سابق نتائج لجنة تحقيق شُكلت لمتابعة مزاعم اختطاف نساء وفتيات في محافظات الساحل، موضحاً أن التحقيقات شملت 42 حالة جرى تداولها منذ بداية العام، وتبين أن 41 منها غير صحيحة، فيما ثبت وقوع حالة اختطاف واحدة فقط انتهت بإعادة الفتاة بسلام.
وأكد البابا حينها أن كثيراً من القضايا المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اتضح لاحقاً أنها ذات طابع اجتماعي أو جنائي فردي، إلا أن بعضها استُغل لنشر الشائعات وإثارة البلبلة والتحريض الطائفي.
وتشير المعطيات التي رصدتها شبكة شام إلى أن قضية بتول علوش تحولت خلال أيام إلى نموذج واضح لاستثمار الحوادث الاجتماعية الفردية في تغذية الاستقطاب الطائفي والسياسي، عبر حملات منظمة دفعت باتجاه التشكيك بمؤسسات الدولة السورية والتحريض ضد الأمن الداخلي، ومحاولة خلق حالة احتقان في الساحل السوري تحت عناوين دينية وطائفية، رغم استمرار التحقيقات الرسمية وعدم صدور أي نتائج قضائية نهائية حتى الآن.