مقالات مقالات رأي بحوث ودراسات كتاب الثورة
٢ يناير ٢٠٢٠
"الجيش الوطني" بين أزيز الذباب الإلكتروني وجلد النشطاء

من حقك أن تتبنى رأياً متشدداً أو رأياً هابطاً مهما يكن! لكنك لا تملك الحقيقة كاملة، وليس لك الحكم من منبرك على وسائل التواصل على أولئك الشباب الذين خرجوا إلى ليبيا للقتال، أو وصفهم بالمرتزقة دون الاطلاع على الحيثيات والظروف التي يعيشونها، أو البيئة التي انحدروا منها، فلا تحاول أن تقنع الناس بوجهة نظرك ما دام الالتزام بها من باب الحينية، وما دامت قناعتنا نحن البشر بالمجمل متغيرة وتصنعها الظروف المحيطة بنا.

ابتليت الثورة منذ اندلاعها بقناص ماهر في اصطياد أخطاء الجيش الحر، ولديه سرعة فائقة في جلد الثورة لأي سبب عارض، ومتطوع مجتهد مناوب على تشويه الجيش الوطني، ومشارك ملم ومتابع لصفحات النقاد الذين تقتات على اللايكات المحصلة نتيجة طعن العاملين في صفوف الثورة أو فعالياتها الوطنية أو الثورية، لصالح التنظيمات المتشددة، إنه الجيش الالكتروني الخليجي والذباب الإلكتروني الموازي لإعلام نظام الأسد والمزروع في صميم الثورة.

آلاف الشباب والفتيات كانوا أطفالا مع اندلاع الثورة في مطلع 2011م، بلغوا الرشد والثورة تعاني أمامهم من مخاض عسير، قتال داخلي لكسر عظم الثورة وثنيها وتفتيتها وحرفها عن مسارها، اختلطت بعدها البطولة بالتهور وفقدت الحاضنة الشعبية ثقتها بالخطابات الرنانة، وارتبط الدعم وفق منظور الحاضنة الشعبية بالفساد، وتحول نقل المعاناة إلى تسول وارتزاق، وأصبح الإعلام مطية للصاعدين الجدد ممن لا يملك رؤية واضحة، وغير ملم بتاريخ الثورة، وتتقاذفه الأمواج بين المذاهب الفكرية المؤدلجة والمدارس الجهادية المستوردة والتشكيلات والفعاليات الثورية الهشة.

تعاني الثورة من التشويه الممنهج من قبل الجيوش الالكترونية الخليجية المساندة للنظام السوري، كما يعاني الشباب في المناطق المحررة من التشتت وضياع الحقوق والضغط النفسي وفقدان القدوة والدليل، بسبب ضعف التعليم وعيشة المخيمات العشوائية مع الفقر والبطالة والتهجير، وانتشار مشاهد العنف والاغتصاب والقتل، هذه العوامل تسببت بالتشويه (الخُلقي) للمجتمع زاد عليه التآمر العالمي والتغرير بالسوريين، وخذلان مجلس أمن المصالح المتواطئ مع القوى المسيطرة عليه.

ليس دفاعا عن تلك الفئة المسحوقة نتيجة عوامل وظروف قاهرة، قادرة على التسبب بالانحراف لأولئك الشباب، مع العلم أن الحال في مناطق سيطرة النظام والمليشيات -متعددة الجنسيات- أشد بؤساً وانحطاطاً وتنتشر الجريمة الحكومية المرخصة من قبل النظام، ويتوزع الفساد أضعافاً مضاعفة من الرأس إلى القدم، إلا أن الأجهزة الأمنية قادرة على بسط سيطرتها وضبط وسائل التواصل لصالح النظام  المجرم وهي قادرة على البطش بأي جهة تحاول أن تنال من هيبتها، على العكس تماماً مما هو عليه الحال في معقل الثورة ولا يتوفر في مناطق سيطرة المعارضة، كما أنه غاب الجيش الالكتروني الثوري المنظم، واقتصر الأمر على عمل الناشطين الذين تولوا المهمة، لكنهم يجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام جيش الكتروني موازي للنظام ومحسوب ظلماً على الثورة.

يحق انتقاد تصرف أي مجموعة محسوبة على الثورة لإخلالها بصالح الثورة العام، إلا أن جعل تلك الأخطاء شماعة لرجم الثورة وتصوير من يعيش ضمن تنظيماتها بالمرتزقة تعميماً؛ هو عين الجهل وينم عن التبعية العمية لجهات حرصت على محاربة الثورة رغم ادعائها نصرتها، ولا يحتاج الأمر لكثير من البحث والتقصي لاكتشاف خلفية أولئك الأقلام، والذين يتبعون لمحطات ووسائل وشبكات خليجية، أو محسوبين على المذاهب المؤدلجة أو لديهم تارات شخصية مع أفراد ينتمون لتلك الجهات المستهدفة تظهر واضحة في المناكفات والتعليقات على منصات وسائل التواصل مثل تويتر وفيسبوك، تلك المنابر التي تمنح لطابور من الحمقى، أن ينالوا من قيادات مجتمعية والتشهير بهم، وقد كانوا قبل تلك الوسائل محجور عليهم ضمن بيئاتهم العائلية المغلقة، ولا  يتسببون بأي ضرر للمجتمع لوجود الرادع، القادر على إسكاتهم فوراً، بينما وفرت شبكات التواصل للبلهاء والحمقى منابراً مجانية يخاطبون بها جماهيراً تائهة تتهافت على التفاهة لملئ الفراغ وتهرب به من واقعها، حيث أصبح لهم الحق بالحديث عن أي قضية دينية أو فكرية مهما كانت شائكة ومعقدة، مثلهم مثل أي عالم ممن يحمل أكبر الشهادات العلمية المتخصصة.

السوريون في نكبتهم العظيمة ليسوا بهذا المستوى الهابط التي تحاول الجيوش الإلكترونية القذرة تصويرهم بها، وليسوا ملائكة منزهين عن الأخطاء، ولو أن الدول المالكة لتلك الجيوش، والدول المتحضرة عانت ما يعانيه المجتمع السوري من القصف والظلم والتهجير والاعتقال والخوف والتفتت والقهر والحرمان والاستغلال لرأينا منها العجائب، ولكشف الغطاء عن الوجه الحقيقي لتلك المجتمعات الموصوفة بالإنسانية.

السوريون بأطيافهم  بانوراما معقدة كانت متعايشة بصورة استثنائية، لكنها تعرضت لمحرقة طائفية عظيمة، في كل جزء من تلك اللوحة يتصاعد دخان برائحة البارود، وينتشر الرماد المشبع بالدماء نتيجة الجرائم وحرب الإبادة التي يتعرض لها السوريون عامة والإدلبيون خاصة لرفضهم أي نوع من أنواع المصالحة، ومهم لجأ أو هجر إليهم برعاية دولية، هؤلاء الشباب اليوم أحوج لليد الحانية التي ترعاهم، وتأخذ بيدهم بعيداً عن الحرب الطائفية، أو تنير لهم الطريق، وتزودهم بوسائل المعرفة بدلا من تلك الأقلام الجارحة الحاقدة، والمتناوبة على لسعهم بالاشتراك مع الذباب الالكتروني الساقط والحائم حول جراحها، لأن كسبهم هو الطريق الأقصر لترميم المجتمع السوري المترهل، وكسب عدائهم لن يزيد الأمر إلا سوءا.

اقرأ المزيد
٢٠ ديسمبر ٢٠١٩
وكم يؤلمنا أن تصوب سلاحك لصدورنا .. "لست بثائر"

من المؤلم أكثر من القصف والموت ما تعرض له المتظاهرين في باب الهوى اليوم وفي المرة الماضية، من مواجهة مباشرة من قبل أمنية هيئة تحرير الشام التي واجهت أبناء ريف إدلب الغاضبين ممن دمرت مدنهم وبلداتهم وقتل أبنائهم أو أقربائهم بالرصاص الحي واليوم بالغاز المسيل للدموع كما فعل الأسد بحق المتظاهرين وما أقساه من موقف عندما يجد ذلك الناشط الذي وثق كل جرائم النظام اليوم أمام من يظنهم أنهم لحمايته ليقوموا باعتقاله وضربه لمجرد أنه يحمل الكاميرا ليصور احتجاج الغاضبين ...

وما أقساها من موقف حين يجد ذلك المدني المشرد المهجر من أرضه وبلده بعد أن خسر كل شيئ ذلك المقاتل الملثم يحمل سلاحاً ويوجه بندقيته باتجاهه ليمنعه من حقه في التظاهر والغضب وتفريغ مافي قلبه من أوجاع وآهات وآلام لا يمكن للجبال أن تتحملها، وكيف يمكن لنا أن ننظر لهذا المشهد أو نحلله عندما نجد سلاح من يجب أن يحمينا يوجه لصدورنا.

طيلة السنوات الماضية واجه الشعب السوري كل أصناف العذاب والموت، وحرم من كل حقوقه في الحياة، فقط لأنه رفع صوته وطالب بالحرية وخرج لساحات التظاهر ليعبر عن رأيه، فواجهه الأسد بالرصاص والغازات المسيلة للدموع قبل أن يستخدم الطائرات والمدافع والراجمات والأسلحة المحرمة لقتل ذلك المتظاهر السلمي.

واليوم، يتكرر المشهد ولكن بأيادي وبنادق من المفترض أن تكون لحمايتنا لا لقتلنا، ليس الرصاص وحده، بل استخدمت الدبابات والرشاشات لاقتحام المحرر، وقتل الأخ أخاه وشابت العداوة بين أبناء القرية والبلدة والريف، وتقسم المحرر وأنهيت فصائل وقتل أبرياء في حملات بغي متكررة، لم يكن الأسد طرفاً فيها، قبل أن يواجه المتظاهرون بالرصاص في الساحات ضمن المحرر ويمنع رفع أعلام الثورة وتحرم مدن من التظاهر وتحاصر أخرى بالدبابات.

أن تصوب سلاحك لصدر مدني لست بثائر، أن تعتقل ناشطاً إعلامياً أو تضربه أو تهينه أو تصادر معداته لست بثائر، أن تغلق طريقاً في وجه متظاهر بدل أن تحميه لست بثائر، أن تمنع رفع علم الثورة لست بثائر، أن تطلق الرصاص في منطقة محررة لست بثائر، فالجبهات أولى بعنترياتكم ومراجلكم على المدنيين والنشطاء هم من رموز ثورتنا وصوتها للعالم.

ماذا لو فكرتم بغير هذه العقلية الأمنية التي مارسها وجربها النظام ولم تنفع حتى اليوم في قتل روح الثورة في صدور أبناء الشعب السوري، وماذا لو امتلكتم الطائرات ..؟ هل ستوجهوها لصدورنا .. ألم تحركوا الدبابات في المحرر وتطلقوا الرصاص على المتظاهرين وتحاصروا مدناً محررة .. ماذا بعد ..؟؟

ماذا لو فكرتم بوجع هذا الشعب وآلامه، وخرج منكم قائد رشيد أمام الجموع، ونادى بالمتظاهرين أن اسمعوني، وتحدث لهم بلغة القائد الحقيقي، وشرح لهم ماتواجهه المنطقة من عدوان، ووعدهم بالدفاع عنهم والثبات على الجبهات، وطالبهم بالتظاهر السلمي ووعدهم بتأمين التظاهرة وحمايتها ... ألم يكن خيراً من مواجهة شعب ثائر غاضب بالرصاص وتشويه صورة من يقاتل على الجبهات ويبذل دمه ليدافع عن الدين والأرض والعرض.

ماهو رد ذك الثائر المجاهد على الثغور وهو يواجه أعنف الغارات والقصف والجيوش، عندما يسمع أن أهله المهجرين من مناطقهم والهاربين من الموت يتعرضون للرصاص منه رفاق دربه ومن ظنهم يحمون أهله بغيابه، ماهو موقفنا اليوم أمام الله أمام محنة ومعاناة الشعب السوري كله، وماذا سنقول لمن دمر بيته وقتل أبنائهم وكيف سيثق بكم بأنكم ستحمون ماتبقى له من أرض وأطفال وأنتم توجهون الرصاص لصدره.

ثم من نصبكم حراساً للحدود التركية، ومن قال لكم أن المظاهرات ستضر الجانب التركي، بالعكس تماماً كثرة المظاهرات ونقل صوت المتظاهرة حتى لو اقتحموا الحدود هو ورقة تستخدمها تركيا أمام العالم علها تستطيع تخفيف القصف والموت من باب تهديد العالم بموجات اللاجئين في حال دخولهم الحدود وفتحها أمامهم وربما يكون خيراً ....

اقرأ المزيد
١٨ ديسمبر ٢٠١٩
"إدلب" ... قبل فوات الأوان

مقال: أحمد نور


المتتبع للقصف المتواصل والحملة الهوجاء من النظام وروسيا على ريف إدلب الجنوبي والشرقي، يدرك ملياً أن الهدف الأول هو تهجير جميع سكان المنطقة في تكرار لذات السيناريوهات التي اتبعتها روسيا خلال الحملات الماضية في المناطق التي سيطرت عليها عسكرياً ...

هذه الحملة تتزامن مع وصول حشود عسكرية كبيرة رصدتها الفصائل على محاور سنجار وأبو الظهور وطول خط الجبهة تتضمن قوات من النظام وميليشيات إيرانية وفلسطينية، وحسب الأخبار فإن هناك عدد كبير من الراجمات والمدافع الميدانية تم تثبيتها، كما تم توزيع العناصر الوافدة على طول خط الجبهة وهذا أمر بالغ في الخطورة ..

القصف المتواصل دون توقف وعمليات التهجير والتدمير والتحشيد العسكري يدل بشكل قاطع على وجود نية مبيتة لروسيا والنظام لشن عملية عسكرية في المنطقة "الغالب أنها ستكون من الريف الشرقي" كونها منطقة مكشوفة ولها السيطرة الجوية فيها بشكل كبير، وتجنبها الدخول في حرب المدن، وبالتالي اتباع سياسة الكماشة للتقدم على حزام واحد وتمكين حصار مناطق واسعة وبالتالي إسقاطها دون قتال ...

انتظار النظام حتى يبدأ الهجوم لن يكون في صالح الفصائل بالتأكيد، لأن المعركة غير متكافئة والنظام سيتبع أساليب عديدة من القصف للتمهيد قبل التقدم كما فعل في المرات الماضية، وهذا يتطلب اتخاذ الفصائل تدابير عاجلة أولا في ضرب هذه التعزيزات بقوة قبل تثبيتها في مواقعها وكذلك فتح معركة في غير مناطق هذه التعزيزات قد تكون في حلب أو خان شيخون مثلاً، تخلق حالة من التخبط للنظام وتخلط أوراقه ....

الركون لتطمينات بعض الشرعيين الذين لا يفقهون إلا تسكين المدنيين هو أمر بالغ في الخطورة، فقد سمعنا تطميناتهم وصوتياتهم وحثهم على الصبر مراراً وهم يقبعون في ملاجئ ومغاور تحت الأرض في المقرات أو خارج المنطقة التي تتعرض للقصف، بينما يعاني المدنيون في كل دقيقة ويلات الموت والنزوح والتشرد.

الحكومات المسيطرة على المنطقة والتي تدعي أنها حكومة عليها العمل بشكل حقيقي لمساندة المدنيين والوقوف على أوجاعهم والتخفيف عنهم وأبرز هذه الخطوات هو كف يدها عن ملاحقة المنظمات التي تعمل على تقديم المساعدة للنازحين، و وقف الإجراءات والقوانين التي سنتها والتي تزيد المعاناة، وملاحقة تجار الدم والحرب من المستثمرين على شتى المجالات سواء في تأجير المنازل أو البيع وغير ذلك لأن شدة التحكم والتسلط فاقت الوصف وهي ترقب دون حراك.

أيضا الفعاليات الشعبية في مناطق الشمال السوري، يتوجب عليها العمل على شكل تنسيقيات أو مجالس أو اي تكتل لمساعدة النازحين الهاربين من الموت والعمل على تأمين مايمكنهم من مساعدات الأهالي والإمكانيات المتاحة للتخفيف عنهم ....

الموقف اليوم يحتاج لوقفة جادة من الفصائل وتدارك أخطاء الماضي أو أننا لا محال أمام سيناريو جديد من سقوط المناطق بيد النظام وروسيا وخسارة أراضي ومدن جديدة، وخسارة شباب ومقاتلين بمعارك استنزاف لن تكون في صالحنا إن استمر الوضع على ماهو عليه ..... فاحذروا قبل فوات الأوان

اقرأ المزيد
٩ ديسمبر ٢٠١٩
الزحف إلى حلب ... "معركة الحسم"

"الزحف الى حلب".. بهذه الكلمات حدثني أحد القادة العسكريين في الشمال السوري المحرر، معتبراً أن كل ماسواها هي معارك عبثية لاستنزاف طاقات الفصائل، مؤكدة على ضرورة أن تلجأ الفصائل العسكرية في الشمال السوري لاتخاذ وسائل ردع سريعة لعنجهية روسيا والنظام تجاه المنطقة التي تضيق مساحتها المحررة تباعاً.

يقول القيادي، إن فصائل المعارضة تسيطر على عدة أحياء من الجهة الغربية بمدينة حلب، وهي ملاصقة لأحياء موالية يسيطر عليها النظام، ولكن هذه الجبهات هادئة نسبياً، مع أن لها أهمية استراتيجية بالغة في المعركة الجارية ضد قوى الظلام المساندة للنظام.

معركة هنا وأخرى هناك على جبهات ريف اللاذقية التي باتت بعيدة عن مناطق النظام الحساسة، وأخرى على جبهات ريف إدلب الشرقي التي لاتحمل أي بعد استراتيجي جغرافي أو عسكري يتيح للفصائل تحقيق توازن في الرعب والسيطرة والقوة على الأرض، وإنما هي - برأيه - معارك استنزاف حقيقية لعناصر الثوار وكادرها البشري، في وقت لايأبه النظام لخسائره البشرية هناك ولايهمه الأمر.

وطيلة السنوات الماضية، والنظام يحاول إبعاد الفصائل الثورية عن المناطق الحساسة لسيطرته في مناطق عديدة من التراب الثوري، حتى لايجازف بمعارك بمواقع حساسة تؤثر عليه، واستطاع بمساعدة روسيا حصر الثوار والفصائل في بقعة جغرافية ضيقة شمال سوريا، مع استنزافهم تباعاً بمعارك هنا وهناك يكون له المبادرة فيها.

ولم يبق للفصائل - وفق القيادي - أوراق كثيرة، بعد أن باتت مقيدة بالاتفاقيات الدولية التي أنهكت الثورة وحراكها، وجردتها من المناطق التي تسيطر عليها تباعاً، معتبراً أن "الزحف إلى حلب" والدخول في معركة حرب شوارع سينهك النظام وسيغير المعادلة العسكرية على الأرض كلياً ويضرب حسابات كل الدول التي تتلاعب في الملف السوري.

قرار "الزحف إلى حلب" يحتاج قيادة حقيقية لفصائل الثوار، تكون قادرة على اتخاذ قرار حاسم ومصيري في وضع إمكانيات حقيقية للمعركة، واختيار نخبة من المقاتلين "لاتستوجب أعداد كبيرة" من الاقتحاميين المدربين على الحرب من خلال مجموعات تتسلل لداخل مناطق العدو وتضربه ضربات يومية موجعة دون توقف.

هذا القرار والخيار هو الوحيد الكفيل اليوم بتغيير موازين القوى الدولية والعسكرية على الأرض، وهي "معركة الحسم" التي قد ترسم ملامح خريطة جديدة في المنطقة، وتلزم روسيا والنظام على الجلوس بشكل جاد للتفاوض ووقف القصف، وإلا أي معركة أخرى اليوم فهي معارك استنزاف لخيرة شبابنا وإضاعة للوقت لحين تغلب روسيا والنظام سياسياً وعسكرياً وتحويل أبناء الثورة لمحاصرين في بقعة جغرافية تتضاءل يومياً، عندها لن ينفع شيئ إلا الرضوخ.

اقرأ المزيد
٨ ديسمبر ٢٠١٩
متلازمة "الناشط الإعلامي والثراء" في مواجهة نظرة المجتمع الثوري

"متلازمة الثراء" التي تلاحق الناشط في المجال الإعلامي الثوري بسوريا باتت معضلة كبيرة يواجهها ذلك الناشط في تغطياته والنظرة السطحية التي بات ينظر فيها أي مدني في المحرر، لتغدوا عبارة "تصورونا لتبيعوا وتقبضوا بالدولار" هي السائدة، في ظل استمرار الحرب والمعاناة اليومية التي يتوجب على أي ناشط نقلها وتغطيتها، مع مراعاة هذه النظرة السلبية تجاهه.

"الناشط الإعلامي" هو الاسم الشائع لكل ثائر سوري، جعل عدسات الكاميرا سلاحه ليواجه نظام الأسد وحلفائه وينقل صوت شعبه الثائر للخارج، وكان على رأس قائمة المطلوبين أمنياً لأجهزة النظام القمعية التي لاحقت النشطاء منظمي المظاهرات وناقليها للعالم، ليُغيب ذلك الحراك واستخدم لذلك ضروباً ووسائل عدة.

وبات الناشط الإعلامي منذ اليوم الأول لحراك الشعب السوري في سوريا، ركيزة أساسية وعامل حقيقي في نقل صورة الواقع السوري وحراك الشعب السوري التي حاول النظام تغييبها وتشويه صورتها، فاستطاع ذلك الناشط بأدوات بسيطة نقل الواقع وتكذيب النظام ودحض ادعاءاته، وانتقلت صور وفيديوهات ومعاناة الشعب السوري للعالمية عبر عدسات بسيطة ووسائل بدائية في بداية الحراك.

ومع تنامي الحراك الشعبي، كان للناشط دور بارز في تغطية القصف والموت والمجازر والحصار والتجويع ونقل صورة الواقع يومياً، مخاطراً بنفسه وبعائلته التي قد يطالها الاعتقال، ليخرج عبر الشاشات ينقل تفاصيل الحراك اليومي، وينقل الصورة الحقيقية، ليغدو المصدر الأول لوسائل الإعلام العربية والعالمية رغم خبرته المتواضعة.

وقدم "الناشط" ضروباً في البطولة في تغطية المعارك والقصف والمجازر، ولاقى ما لاقاه من اعتقال وقتل وملاحقة واستهداف، ولم يكن في قصر عاجي ينقل الواقع، بل كان بين الناس ومع المدنيين يواجه الحصار والجوع والموت والملاحقة، ويتخفى هنا وهناك ويتنقل بين منطقة وأخرى لنقل صورة أو مقطع فيديو مخاطراً بنفسه وعلى حسابه ونفقته دون أي مقابل.

ومرت السنوات، وشاع اسم الناشط الإعلامي، وبات الحراك الشعبي في مواجهة حرب مستعرة يومية، لا يمكن أن يغيب دور الناشط عن تغطية الوقائع، مع عزوف جل المؤسسات الدولية الإعلامية عن إرسال صحفيين لتغطية الموت اليومي، وعدم قدرتهم على التنقل وخوفاً من الاعتقال والاختطاف كما حصل للكثيرين، ليبقى هذا الناشط المدني صوت الثورة للخارج.

ولأن سنين الحراك الشعبي الأولى كانت عشوائية تفتقر للتنظيم، وبسبب غياب المنظمات الطبية والإنسانية وو .. الخ، كان ذلك الناشط يلعب كل الأدوار، كونه وسيلة التواصل بين الداخل والعالم الخارجي، ولعل اقحام الناشط بالعمل الإغاثي كونه الجهة الوحيدة للتواصل جعله في موضع شبه وباتت تكال له الاتهامات مع تسلمه أول مبلغ مالي من وكالة هنا أو مؤسسة هناك بات يعمل كمراسل لها على الأرض.

ورغم كل ماناله الناشط الإعلامي من نظرات سلبية واتهامات، إلا أنه واصل تغطيته ولم يغلق عدسة كمرته عن تصوير القصف والموت والمجازر ونقل المعاناة، كونها ضرورة لتوثيق الحدث ومايواجهه الشعب السوري والذي لولا عدسة هؤلاء النشطاء لم يسمع أحد بقتلهم وحصارهم وموتهم وحراكهم ضد الظلم، على غرار ماحصل لعشرات الآلاف من المدنيين إبان مجازر الثمانينات.

والكثير اليوم بات يرمق لكل حامل كمرة بعين الريبة، وأنه يصور ويلتقط الصور لأجل المال، ليس لأجل نقل صورة ومعاناة المدني والنازح والجريح والقابع تحت سقف منهار، سبب ذلك تلك الطفرة الإعلامية والصورة السلبية التي قدمها بعض المتسلقين على حساب تضحيات الشعب السوري، وعدم تحرك المجتمع الدولي طيلة السنوات الماضية رغم كل الموت الذي نقلت مشاهده، لتتزعزع ثقة المدني بأهمية التوثيق والتصوير ويبدأ بتوجيه الاتهام للناشط بأنك تصور لتقبض.

بالمقابل، ومع توسع الحراك الشعبي وتقدم الثورة في سنواتها، ظهرت طفرة كبيرة في المجال الإعلامي، لكثير من الأشخاص ممن جعلوا من العمل الإعلامي الذي وجدوا فيه منفعة شخصية للشهرة أو مالية لجمع المال على حساب تضحيات المدنيين، فانتشر العاملين في هذا المجال من النشطاء المحدثين، في الوقت الذي غاب قسم كبير من نشطاء الحراك الثوري الأوائل، بسبب سوء حال أو نزوح أو تهجير أو ضعف إمكانيات وغير ذلك، لتغدو الكمرة مصدر ربح لضعاف النفوس ولو على حساب معاناة المدنيين، مشوهين صورة الناشط ومسيرته.

ومن هنا انطلقت فكرة المتلازمة التي تقرن الناشط الإعلامي بالثراء، في ظل عملية استغلال كبيرة من كثير من الأسماء الإعلامية لأسمائهم التي ظهروا بها واشتهروا بها في نقل معاناة المدينين، وباتوا مصدراً للخبر، ولكن سرعان ما استغلوا هذه الأسماء للشهرة وتحقيق المنفعة وهم قلائل، يقابلهم من تبنوا الحراك من كثير من الشخصيات التي لم تعمل على الأرض أبداً وكانت تستقي الأخبار من نشطاء لم يتصدروا شاشات التلفزة ومواقع التواصل وعملوا بكل صدق وإخلاص، ليظهر غيرهم على حسابهم ويتصدروا الشاشات.

"أن تكون ناشطاً إعلامياً لايعني بالضرورة أنه ثري " هي الصورة الحقيقية التي يتوجب على عامة المدنيين فهمها، فليس كل ناشط ثري، فهو مثلكم يعيش بينكم ويكابد الحصار والنزوح والغلاء والموت مع عائلته، فيقتل ويجرح ويهدم منزله ويترك أرضه، ولكنه يواصل حمل كمرته لنقل معاناتكم ولفت الأنظار لاستمرار حراككم، رغم صعوبة التمييز اليوم بين من يحمل تلك العدسات لقضية أو لمنفعة شخصية، وهذه هي المعضلة الكبرى.

اقرأ المزيد
٢٦ نوفمبر ٢٠١٩
"إدارة نحو الهاوية" .. أبو مالك التلي واﻷربعون حرامي في قيادة التعليم بإدلب

سئل قبطان إحدى السفن، ما تفعل إذا واجهتك عاصفة، فأجاب أحتسي كوبا من الشاي ﻷني عملت كثيرا ﻷجل هذا اليوم.

إن قبطان التعليم في المحرر عامة وادلب خاصة لم يعلم أن العواصف قد تهب ولم يدرك بأن كرة الثلج تتدحرج نحونا وقد أغرق نفسه في البحث عن مناصب جديدة، وسمح لنفسه ما لم يجزه لغيره بدمج أكثر من منصب وظيفي واستعان بمنصبه ليتسلط على كل معلم مكافح، محاربا إياه بقوت يومه تارة والتهديد تارة أخرى وماهذا إلا غيض من فيض.

فما قصة التعليم في ادلب؟

اﻹنقاذ واﻹئتلاف منافسة لقتل التعليم
تسعى حكومتا اﻹنقاذ والائتلاف لبسط سيطرتهما على المدارس الحرة في محافظة إدلب وكلاهما تتقاسما الدور بشكل مبهم لا يمكن قراءته ﻷشد البارعين، حيث تقول الإنقاذ أن دعم المدارس هي مسؤولية الإئتلاف، ولكن عندما يتم دعم المدارس وتحصيل الأموال لدفع الرواتب وتطوير القطاع التعليمي، تقول الإنقاذ أن هذا الأمر تم بطلب منها، ولا ندري هذه الثلة المحسوبة على اﻹئتلاف أم اﻹنقاذ؟.

ولكن ما يميزهم البراعة في اللعب على الحبال وحتى وإن تطلب اﻷمر التعامل مع تربية النظام لتحقيق مصالح شخصية ضيقة بعيدة عن نجاح التعليم أم فشله، وبغض النظر عن الحكومات التي تهاوت أو الحكومات التي ستتهاوى تبقى شخصية العاملين في التربية لغز محير في الانتماء والولاء.

مطبات العام 2019 في التعليم:
واجه قطاع التعليم لعام 2019 الكثير من الصعوبات والتصرفات الرعناء من قبل مديرية التربية تخللها الكثير من التساؤلات المالية واﻹدارية والتي سنسردها على مجالين:

القسم المالي:
قدمت مديرية التربية لمدارس مدينة إدلب "صفر" ليرة لدعمها بالمواد التعليمية والقرطاسية، كما قدمت "صفر" ليرة لدعم ذات المدارس بالمحروقات والتدفئة، وللمعلمين "صفر" ليرة كأجور، وعملت التربية على سلب الفائض من ميزانية العام الماضي خوفا من شراء قرطاسية من المدراء تدعم أطفالنا.

أيضاَ عملت التربية على سلب 30% من الاقتصاد والنشاط لهذا العام تماشيا مع زكاة الزيت، وعملت التربية على سلب أموال الندوات وذلك خوفا من هدر المال العام من قبل المدراء وذلك بشراء أقلام وقرطاسية وحرصا منهم على هدرها بطريقتهم غير المعروفة، كما عملت مديرية التربية على سحب القرطاسية من المدارس والمقدمة من قبل المنظمات ولم تعرف الجهة التي ذهبت إليها.

القسم اﻹداري:
غطت مديرية التربية في نوم عميق أثناء موجة النزوح اﻷخيرة من ريف حماه الشمالي وإدلب الجنوبي واستيقظت بعد سبعة أشهر(أهل الكهف) على وجود مئة ألف طالب ليس لديهم مدارس أو مقاعد دراسية أو معلمين، ولم تستطع مديرية التربية لنهاية تشرين الثاني من تأمين الكتاب المدرسي لطلابنا والوعود الكاذبة مستمرة (الراعي الكذاب)، كما حرصت في كل عام على إصدار قرار يقضي بعدم قبول شهادات النظام في مدارسنا الثانوية أو جامعاتنا ولكن القرار كان يطوى مقابل حفنة من الدولارات (كفارة).

كما عملت التربية على بث روح التطوع والتضحية في نفوس العاملين بينما وقعت هي على دعم كوادرها من منظمة مناهل، وأيضاَ عملت التربية على استقبال المعلمين النازحين من الجنوب فضمت أصحاب الواسطات منهم لمدارس الجودة المدعومة ماديا والباقين ألحقتهم بالمتطوعين (خيار وفقوس).

وفي السياق، عمل أصحاب النفوذ في مديرية التربية على تحويل المنظمات العاملة في القطاع التربوي إلى قراهم بعيدا عن المدينة (فيلون مثلا) وخونت مديرية التربية كل المعلمين المضربين نظرا لعدم وجود رواتب لهم واعتبرت إضرابهم خيانة وهددتهم بالملاحقة اﻷمنية (تلامذة بشار)، في حين عمل المتنفذون في التربية على إبعاد أبناء مدينة ادلب من التربية فلا يوجد أي منصب لهم ( لا تحكي بالمناطقية )

مبادرة اﻹنقاذ للعودة إلى الكتاتيب
تلقفت حكومة اﻹنقاذ اﻷخطاء الفادحة التي وقعت فيها مديرية التربية واعتبرتها مسمار جحا للتدخل في عمل المدارس وكان المفوض باﻷمر أبو مالك التلي مسؤول التعليم في هيئة تحرير الشام كما عرف عن نفسه عند زيارته للمدارس وللحقيقة لا نعرف الشهادة التي يحملها (يمكن تاسع) ولا اسمه الحقيقي ولكنه أمير عسكري.

وقد كان تدخله على مراحل:
قام أبو مالك التلي بزيارة المدارس برفقة وزير التربية في حكومة اﻹنقاذ مع بعض الحرس (كانو كتار شوي) وقد صرح أن سبب فشل التعليم في ادلب هو فساد مديرية التربية وأنه سيضرب بيد من حديد كل الفاسدين فيها.

والتلي عمل على تعيين مشرفين شرعيين في المدارس يتقاضون رواتبهم من حكومة اﻹنقاذ (على راسهم ريشة) وينحصر دورهم في : "مكافحة الدخان، تطبيق اللباس الشرعي، وكتابة التقارير بالمتجاوزين (مخبر).

وأجرى أبو مالك اجتماعا لكل مدراء المدارس في إدلب ناقش فيه كيفية التخلص من مناهج النظام وكيف نشجع اﻷطفال على الجهاد والالتحاق بالجبهات (تجنيد أطفال) ولم يشر عن أي بارقة أمل بدعم قطاع التعليم ماديا من المعابر والغنائم للهيئة؟

وأعلن التلي عن اسم مكتبة تتعامل معها الوزارة لطباعة الكتب للأطفال مقابل مبلغ بالدولار (تاجر)، كما قال بأنه سيحاسب كل معلم لم يقبض راتبه إذا شارك أو شجع على إضراب المعلمين، معتبرا المعلمين المضربين بأنهم المتولين يوم الزحف (الله أكبر).

طلابنا بلا كتب ومعلمينا بلا أجور والراعي الكذاب يحاربنا بشعارات السلاح والوعيد وسلاح التخوين والدين فأين المفر، فهل تبقى إدلب بتعليم متهالك بعد أن كانت اﻷولى بين المحافظات أم نعود لتعليم الكتاتيب برعاية أبو مالك التلي واﻷربعون حرامي في مديرية التربية .. أطفالنا منا إليكم سلام ويا حرام علينا إن لم نجد حلا لهذه الشرذمة.

اقرأ المزيد
٢٩ أكتوبر ٢٠١٩
"الجيش السوري الحر" باق لرفع لواء "الثورة" في وجه حملات التشويه

رغم كل ما حققه "الجيش السوري الحر" الممثل الشرعي العسكري لحراك الشعب السوري منذ تأسيسه حتى اليوم، وما بذله من تضحيات ودماء في سبيل تحرير الأرض والذود عن العرض، إلا أنني ألمس في كل معركة يخوضها "الجيش الحر" بمختلف تشكيلاته انتقاصاً لعمل وأداء هذا الجيش وكأنه لم يفعل شئ من قبل بعض الأطراف المحسوبة على الثورة ... كان ذلك في معارك "غصن الزيتون" واليوم أرصده لدى الكثير في عملية "نبع السلام".

ربما هذا التقليل من أهمية ما يقوم به الجيش الحر كـ "مؤسسة" مرجعه لحملة التشويه الكبيرة التي مورست ضده من قبل تيارات أخرى من جهة، ووجود قيادات عسكرية ضمن هذا المكون ذات سيط وأفعال سيئة ولكن هذا لا يعني أن ننتقص من دور "الجيش الحر" كمؤسسة عسكرية ثورية تحمل لواء وراية الثورة السورية، وتسير على ذات الخطى التي تأسست لأجلها..

فهذه المؤسسة مر عليها الكثير من القادة السيئين أو العناصر ولكنهم اندثروا وزالوا وسيزول الكثير منهم لاحقاً والأهم أن هذه المؤسسة ستبقى وسيصل الأخيار الغيورين على ثورتهم لمواقع القرار وهم كثر وموجودون في كل الألوية والكتائب ويلعبون أدواراً بطولية ولكن السيط السيئ هو الذي يطغى مع استمرار حملات التشويه لـ "الجيش الحر" من خلال وجود شخصيات سيئة تتصدره - دون ذكر أسماء -

خلال مسيرة ثماني سنوات مضت، وبعد ظهور "الجيش السوري الحر" كأول مؤسسة عسكرية ثورية وقفت ضد الظلم والاستبداد، حاولت الكثير من الأطراف الدولية والمحلية إضعاف الجيش الحر الذي ساهم في تحرير أكثر من نصف سوريا، قبل أن تبدأ المؤامرات تحاك للجيش الحر، ويبدأ إغراقه بالدعم المسيس، ودعم شخصيات على حساب أخرى، واغتيال شخصيات لها ثقل شعبي وعسكري وسيط حسن قد توحد قدرات الجيش الحر.

علاوة على ذلك ظهور التشكيلات التي تبنت إيديولوجيات فكرية ودينية وتبنت حراك الشعب السوري، وحاولت الظهور على حساب تضحياته - ولاننكر ماقدمت - ولكن جل هذه التشكيلات سقطت وبان خطأ الخط الذي انتهجته، وسقطت الراية والمشاريع التي حملتها، بعد أن كان لها دور كبير في إضعاف دور "الجيش الحر"، في وقت ستزول وستسقط رايات أخرى تحارب هذه المؤسسة لاحقاً وستبقى راية "الجيش السوري الحر" كمؤسسة لا كأشخاص، مرفوعة خفاقة، تزين ساحات الحرية والمناطق المحررة من ظلم الأسد وأتباعه.

يعيب البعض على "الجيش الحر" اليوم القتال في صف القوات التركية الحليف الأخير الذي بقي متماسكاً في موقفه مع الثورة السورية، لتقاطع مصالح الثورة مع الأتراك، وقد ساهم هذا التعاون في تحرير مناطق واسعة من الأراضي في منطقة عفرين وريف حلب الشمالي واليوم مناطق "نبع السلام"، في وقت فقدت المناطق المحررة الكثير من الأراضي بتفاهمات دولية وأخرى بحملات عسكرية عنيفة لم تستطع فيها الفصائل الصمود.

هذا العيب الذي وجدوه في "الجيش الحر" الذي بات ينظم نفسه ويوحد صفوفه ويتحول لمؤسسة عسكرية منظمة بقيادة واحدة، سيكون له انعكاس إيجابي كبير في تمثيل الثورة السورية مستقبلاً والدفاع عن مكتسباتها، لن يكون جيشاً للفصيل أو التيار أو الأشخاص أو الدول، التي ستخرج عاجلا أم آجلاً من أرضنا وسيبقى "الجيش الحر" بأبنائه وعقيدته ورايته ومسيرته المضرجة بدماء الأبطال، لن يحيد الجيل عن دربهم رغم كل محاولات التشويه واستغلال الثغرات للطعن به.

اقرأ المزيد
٢ أكتوبر ٢٠١٩
أصبحت صورة

منذُ عشر سنوات كانت حياتي كحياة أي شخصٍ يتنفس في هذا العالم القذر، أستيقظ صباحاً متوجهاً لمنزل صديقي فننطلق للمدرسة، في بعض الأحيان نقرر الهرب من أجواء المدرسة لنطلق العنان لطيشنا فكانت المراهقة وأجواؤها هي الطاغية على حياتي.

أنا من عائلة سورية محافظة على عادات وتقاليد أجدادنا، لي أخُ واحد وثلاث أخوات وأتوسط الجميع عمراً مع شقية الروح توأمي، أمي ربةُ منزل متكاملة وما يميزها عن صديقاتها مهارتها في حياكة الصوف لأنها قادرة على صنع أيّ شيء من الصوف، حتى لو كان غطاءً لمنزلٍ كامل، أبي الجبل المتعالي على وقع الذات، الجندي المجهول في عالمي، فقد قضى حياته على الطرقات لييسّر لنا نعيماً، ضنت به الحياة عن كثيرين من أقراننا، كنا قليلاً ما نراه، وهذا القليل كانت تنافسنا عليه نشرات الأخبار.

انطلقت شرارة الثورة في سوريا على يد أطفال درعا فاعتصامات حمص، وقد حزت شرف المشاركة بكثيرٍ منها فقد كان لأبي دوراً كبيراً بمنعي من المشاركة بالكل، لأنه يدرك إجرام هذا النظام وقدرته على الظلم والبطش، كيف لا وهو ممن عاصروا جميع الانتقالات والتطورات في بلادي منذُ حرب تشرين وصولاً للحظة صراخنا بالحرية.

تعمقت مشاركتي في الانتفاضة الشعبية التي تدرّجت من الإصلاح وعزل محافظ المدينة لتبلغ عتبة إسقاط النظام برمّته لمّا أبى واستكبر، لن أنسى ذاك النقاش الحار الذي دار بيني وين والدي حين أُعلِن أنَّ نظامَ الطاغية بشار الأسد قد فقد شرعيته، حيثُ كانت وجهة نظري بأنّ النظام لن يصمد لأكثر من ثلاثة أشهر بينما أخبرت التجارب والدي غير ذلك فأنهى النقاش بنبرة حزينة قائلاً (لسه ما شفتو شي خلي أحداث الثمانين عبرة إلكون) مزامناً كلامه مع هزّ رأسه للأعلى والأسفل اتباعاً.
وكان ذلك...

تسارعت الأحداث بعدها بشكلٍ جنوني تم حصارنا في ستة عشر حي من أحياء حمص بعد تمهيد مدفعي على هذه الأحياء ففرغت من ساكنيها وكانت أسرتي من ضمن المغادرين ولم يبقى الا بضعة آلافٍ من الشبان فكنتُ وأبي من ضمنهم.

أمضيت عامي الأول في الحصار اتنقل بين المشافي الميدانية لأنّ القذائف كانت قد نالت من جسدي بشكل فظيع لدرجة أنهم لم يجدوا حلاً لإصابة يدي إلا بترها بسبب نقص المعدات الطبية التي تساعدهم على القيام بعملٍ جراحي رفضت الأمر بشكل قاطع، ليخبرني الطبيب أنني أمام حلان لا ثالث لهما إما الشلل النصفي أو الخروج من الحصار لإجراء عملٍ جراحي، والخروج غدا أمراً مستحيلاً فحصارنا أطبق بشكلٍ كامل، لأنّ قوات النظام استطاعت كشف طريق الإمداد الوحيد الذي كنّا قد استطعنا فتحه عبر الصرف الصحي الخاص بالمدينة.

استطعت الخروج من الحصار بعد خلوة بيني وبين الله عن طريق درب إمداد آخر أرشدني إليه أحد الاصدقاء المطلعين على حالتي وكان قد مضى أربع عشر شهراً فقدت خلالها الاحساس بيدي بالإضافة لشظايا قذيفة أخرى مستقرة في قدمي.

ثلاثٌ وعشرون ساعة قضيتها في شبكة الصرف الصحي لأصل أخيراً حي "الوعر" ولتلك الساعات قصةٌ طويلة سأرويها لاحقاً.

استمرت رحلة العلاج ثمانية أشهر استطعت بعدها العودة لممارسة نشاطاتي الميدانية، وفي ذات الفترة سافرت أختي الكبيرة مع زوجها خارج سوريا وتشردت بقية أسرتي بين المحافظات، شقيقي اختفى، والدي لا زال في الحصار، أنا في حي الوعر، أربعة مصائر لأسرةٍ واحدة كانت تعيش بكل حميمية شرقية، وبات من شبه المستحيل أن نجتمع مرة اخرى سوياً، بقي هذا جرح في داخلي لم أظهره يوماً فيجب أن أبقى قوياً وألّا يظهر مني الضعف أمام أصدقائي الجدد فهناك تسعة من الشبان حالهم كحالي لا أريد تأجيج مشاعرهم.

أمضيت أربعة أعوام ونصف في حي الوعر ونالت مني قذائف الحرب عدة مراتٍ لكنها كانت لاشيء مقارنة بذلك الألم الذي يقطنني بسبب البعد عن أحبائي، تجزأت عائلتي من جديد فشقيقتي التوأم تزوجت، وغادرت البلاد وخرج أبي من الحصار برعاية من الأمم المتحدة التي أخرجت بدورها العائلات والأطفال، استقرت عائلتي بمنطقة تبعد عني ثلاثة آلاف متر.

لا أستطيع وصف شعور والدتي وهي تسمع الطائرة وهي تقوم بفتح جدار الصوت فوق الحي المحاصر وقصفنا، لا أستطيع وصف شعور أبي وهو يشاهد الدخان المتصاعد من حيّنا المحاصر، ولا أستطيع وصف مشاعر إخوتي وهم يرون الأخبار الصادرة من شبكاتنا الإخبارية، لكن أستطيع وصف مشاعري فأنا أصعد كلّ يوم جمعة لأعلى مبنى في الحي لأشاهد المسجد الذي سوف يصلي فيه والدي، والذي اعتاد قديماً أن يأخذني معه كلّ يوم جمعة (مسجد خالد بن الوليد) لأداء الصلاة هناك فوق البناء العالي، كان شعوري كشعور طائر كسير الجناحان اعتاد أن يجوب السماء مرحاً، كسمكة أخرجت من بحيرة ووضعت في حوض عرض زجاجي، كنت عاجزاً عن فعل أي شيء إلا توجيه عدسة الكاميرا الخاصة بي باتجاه المسجد مقرّباً ومقارباً على أمل أن أرى ملامح أبي أو حركته لكي اطمئن جزئياً عن صحته لكن خانتني خبرتي في هذا المشهد عجزت عن التقاط وجه أبي بعد أن نجحت بالتقاط جميع صواريخ ورصاص النظام المنهمر علينا.

أن تعيش وحيداً بقرارك انت محاولاً بناء مستقبلك هو إنجازٌ يحسب لك لكن أن تجبر على الوحدة في قفص يمنع عنك فيه حتى الهواء فتلك جريمة حرب لم ولن تسجل على قوائم الجرائم .

أكملت ثمان سنوات وأنا بعيدٌ عنهم لم أعتد غيابهم قط لا زلت ذاك الشاب المراهق الذي يملأ المنزل ضحكاً وطرباً اعتدت النوم وحيداً الجلوس وحيداً البكاء والفرح وحيداً، اعتدت الحياة بصمت، تزوجت فملأت زوجتي جزءاً من الفراغ الموجود داخلي، وجدتها وأنا في قمة انكساراتي لتغدو راحتي بعد أن كانت أمي هي ملاذي، أصبح لي أخٌ جديد لم تلده أمي هو جبلٌ أسند ظهري عليه في سنوات غربتي.

عزائي الوحيد أنني اشاركهم الهواء والماء ذاتهم اشاركهم كذلك صوت الأذان وانهمار المطر الكثير من الأشياء البسيطة، كنت أكتفي بهذه التفاصيل راضياً بما قسمه الله لنا على أمل أن أستيقظ ذات يوم على خبر كسر الحصار.

الحصار الذي علمني الكثير من الدروس وكان آخرها بأن الاحلام والأماني لا تتحقق وأنني يجب أن لا أحلم أحلاماً وردية، ففقدان ونسيان شخص نحبه ليس بالأمر البسيط، لكن مع مرور الوقت سنعتاد فراقه في حياتنا لكنه سيظل باقٍ في قلوبنا، لم أستيقظ على كسر الحصار بل على واقع تهجيرٍ قسري وتغيير ديمغرافي لتغدو المسافة فيما بيننا اكثر فأكثر.

أصبحت خالاً من خلف الشاشات، كبُرت عائلتي وازدادت أربع اطفال لأخواتي لا اعرف سوى اسمائهم وتلك الصورة التي أراها في مكالماتي معهم.

كنت أنتشي حين مشاهدة صور أطفالهن، وأطمئن لمّا أرى حروفهم التي لا تزال مرحة رغم الألم الظاهر فيها كانت تلك المجموعة عبر تطبيق الواتس آب تخفف من حدة الشوق الذي يقتلني ببطء، واليوم أحسست بالنقص التام بعد أن توقف المرح والعبث وإرسال الصور فقد اجتمع شملنا من جديد بعد طول فراق!!!!!!

أجل فأنا رغم تلك المعاناة لم أغادر منزلي قط فقد ((أصبحتُ اليوم صورة))

أصبحتُ صورة في زاوية غرفة الجلوس يطالعني أبي مع كلِّ نشرة أخبار يشاهدها، تطالِعُني أُمي وهي تغزل ذاك الشال الصوفي لزوجتي، يطالعني أخي وهو يمضي وقته عابثاً على حاسوبه، تطالعني أختي الكبيرة وهي تُدّرِسُ أبنائها، تطالعني أختي التوأم بصمت، تطالعني أختي الصغرى مطالعة المستكشف المتثبت كي أرسخ صورة في ذاكرتها لأنني تركتها صغيرةٌ جداً.

أصبحت صورة

أعلم أنني لستُ الوحيد كذلك لأن هناك آلاف الشبانِ مثلي وأنا الأفضل حالاً فعزاء أهلي الوحيد أنني لازلتُ على قيدِ الحياة.

فلكُم أن تتخيلوا ذاكَ الشعور

اقرأ المزيد
٢٢ أغسطس ٢٠١٩
من يتحمل مسؤولية سقوط "خان شيخون وريف حماة" وهل لنا كرة ..!؟

لاتزال أصداء الانتكاسة الكبيرة التي أمنيت بها "الثورة السورية" في الشمال السوري بسقوط مدينة خان شيخون ومدن اللطامنة وكفرزيتا وحصار مورك، تترد بين العامة بحثاً عن جواب يبرر سقوط هذه المناطق المدوي في فترة قصيرة وبشكل سريع، لتخسر المنطقة قلاعها الحصينة التي صمدت لسنوات في وجه كل الحملات التي مورست ضدها ...

ومن خلال متابعتي وجدت أن الجميع يترقب نتائج المباحثات الروسية التركية بشأن خان شيخون، التي تأخرت قوات الأسد حتى تاريخ اليوم لدخولها بعد أن أتمت الطوق عليها من كل المحاور خلال أيام قليلة .... كل هذا وسط صمت مطبق من قادة الفصائل العسكرية، إلا من تصريح من قائد عسكري وصوتية لشرعي آخر ينفون فيها سيطرة النظام وكأنهم يوجهون الحديث لقطيع من الأغنام ويكررون أسلوب "صحاف العراق"

وبين ضوجان الحاضنة الشعبية التي لاتزال ترزح تحت نير القصف المتواصل، وجمود الفصائل، لاتجد إلا كيل الاتهامات لتركيا كونها الطرف الضامن للمنطقة، وتحميلها ما وصل إليه الحال اليوم، أما الفصائل "لاسيما التي أعلنت أنها غير ملتزمة بأي اتفاق مراراً "صامتة وكل من ينتقد فهو يثبط الهمم وينتقد المجاهدين على الجبهات" ومن التزم بالاتفاق غائب إلا بعض مطبليه يجولون الغرف والمواقع والصفحات ليدافعوا ويهاجموا من ينتقدهم، ورواد أستانا نائمون، والتحليلات لاتتوقف والتخوف سيد الموقف ....

ولعل المتتبع للتطورات التي جرت خلال الأسابيع الماضية، والصمود الذي أبداه "الصادقون على الجبهات" - كتعبير يفضل بين صادق ومتخاذل- ، ثم تلك الانتكاسة الكبيرة التي حصلت، وسقوط مناطق حصينة بات لزاماً على قادة الفصائل اليوم أن تخرج للعلن وتصارح الشعب بما حصل وتبرأ نفسها من الاتهامات بتسليم المنطقة، تكراراً لما حصل شرقي سكة الحديد، والذي قد يتكرر في سهل الغاب وريف حلب لاقدر الله.

ماذا ستقول قادة الفصائل للمدنيين المعذبين اليوم على الحدود يبحثون عن شادر يحمي أطفالهم من حر الصيف وويلهم من برد الشتاء، وماذا سيعلل قادة الفصائل سبب سقوط مناطق وبلدات ومدن حصينة وكان القتال فيها في صالحهم "فمن صمد في تل ملح القرية التي لاتتعدى بضع منازل مكشوفة، كيف له أن يترك الهبيط وأحراش القصابية وعابدين ومدن اللطامنة وخان شيخون وكفرزيتا الحصينة تسقط دون قتال" وماتبرير سحب السلاح الثقيل من جبهات "اللطامنة وكفرزيتا" قبل انسحاب ثوارها بأسبوع وتركهم لمصيرهم ....؟؟

ماذا سيقول الجولاني لرهط الإعلاميين الذين سيجمعهم في موقعه الحصين لمرة جديدة، وكيف سيبرر سقوط تلك المناطق، وهل سيكرر ذات التبريرات إبان سقوط شرقي سكة الحديد وكفرنبودة وقلعة المضيق، ثم لماذا لم تبادر الفصائل حتى اليوم لشن هجمات معاكسة والضغط على النظام قبل تثبيت حواجزه حول خان شيخون وماذا تنتظر .....؟؟

كلامي ليش للتثبيط ولا للتخوين " فمن قاتل على الجبهات وقدم روحه رخيصة اجتباه الله ليكون بين الصديقين، ومن لازال يقارع العدو هو تاج على رؤوسنا ولكن كيف لهؤلاء الصادقين أن يقاتلوا العدو وهو مقيدين مكبلين بقرارات قادتهم وبنوعية السلاح الذي يقدم لهم، وكأنه يقول لهم إذهبوا للموت والمحرقة على أقدامكم .

بالتأكيد القصف الذي تتعرض له المنطقة لايتصوره عقل، وما يواجهه الثوار ليس بميليشيات بل بجيوش دول منظمة، ولكن من يعود للتاريخ الحديث والقديم يعي جيداً أن بإمكاننا الصمود والقتال ورد الصاع صاعين إن كانت كلمتنا واحدة وإن كان هناك صدق في التعامل مع الواقع، دون تباطئ أو تراخي، ولدينا من الأبطال والإمكانيات الشيء الكثير إن استخدمت في الموقع الصحيح لكن ...

لماذا نحمل تركيا التي نعي جيداً أنها تقدم ماتستطيع للفصائل والمدنيين من دعم ومساعدة، وندرك جيداً أنها لاتستطيع وحيدة وقف النظام وروسيا وكل العالم المتخاذل على المنطقة، ثم إن لها مصالح واتفاقيات وحدود لا يمكن لها أن تتجاوزها وإلا وقعت في مصيدة مايخطط لها لتدميرها، وفي وقت نترك الفصائل التي تعالت وكبرت وبغت على غيرها وسيرت الدبابات والأرتال في المحرر وبنت الحكومات وسلطتها مع قبضتها الأمنية على رقاب الشعب وفي كل انتكاسة تتملص من المسؤولية عن حماية المنطقة وتبدأ بكيل الاتهامات وتخوين الجيش الوطني ومن هجرتهم من أرضهم وتركتها لقمة سائغة للنظام وحلفائه ...

وبالنهاية يراودني سؤال واحد: أين ذهبت الأموال التي اقتطعتها حكومة الإنقاذ من رواتب الموظفين البائسين بدعوى التدشيم، وأين أنفاق وإعداد المحيسني، وأين صمود الجولاني، وأين قوة الجبهة الوطنية، وأين وأين وأين ... وأين يذهب الشعب البائس المسكين المعذب بعد سقوط أرضه وتدمير منزله وبعده عنهما ...!؟، و لدي إيمان وتفاءل بعزيمة الصادقين الموجودين في كل مكان من تراب أرضنا أن يمكنهم الله للتغلب على كل من تخاذل على الشعب السوري ليعيدوا الكرة ويفرحونا بتحرير ما سلب منها بالقوة وإنه لقريب ..

اقرأ المزيد
٢٠ أغسطس ٢٠١٩
"نقطة مورك" ومستقبل التفاهم التركي الروسي بإدلب إلى أين ....؟ (تحليل)

يبدو أن العلاقة بين تركيا وروسيا "ضامني اتفاق إدلب" بدأت تأخذ منحى جديد من التصعيد غير المباشر، بدا واضحاً بالأمس في إدلب، بعد اتفاق تركيا منفردة مع واشنطن عن المنطقة الآمنة شرق الفرات، والذي عولت روسيا كثيراً على عدم حصول الاتفاق، لكنها صدمت به، هذا بالإضافة لما أفضى إليه اجتماع أستانا الأخير من عدم الاتفاق على أي ملف لمرة جديدة، وتأجيل البت في اللجنة الدستورية لاجتماع قادم.

كل ذلك دفع روسيا لنقض اتفاق وقف إطلاق النار بإدلب وتعجيل الحسم العسكري جنوبي إدلب وريف حماة من خلال المشاركة بشكل أكبر براً وجواً واستدعاء الطرف الإيراني للمشاركة أيضاَ والتقدم باتجاه مناطق لم تكن في الحسابات أصلاً، منها خان شيخون بوابة ريف إدلب وعقدة الربط مع ريف حماة.

العلاقة التركية الروسية المتوترة بدت واضحة تماماً يوم أمس، من خلال دفع تركيا برتل عسكري كبير بعد تمادي النظام وروسيا بحملتهم وتوجيهها باتجاه خان شيخون، ولكن كان الرد الروسي رغم علمها بوجهة الرتل ووجود تنسيق بإعاقة تقدمه ومنعه من الوصول لمبتغاه، واستعجال تطويق مدينة خان شيخون وفرض أمر واقع جديد.

إضافة لذلك برزت التصريحات الرسمية من الطرفين، ففي الوقت الذي وجهت تركيا ببيان وزارة الدفاع بأن استهداف الرتل يضرب بالاتفاق مع روسيا وأن الأخيرة على علم بتحركه ومع ذلك تم اعتراضه، بالتوازي مع التصريحات الروسية المتواترة عن استهداف حميميم ومؤخراً الحديث عما أسمته إيواء النقاط التركية لـ "إرهابيين".

واليوم باتت العلاقة بين الطرفين أمام اختبار أخير، يتعلق في مصير النقطة التركية التي باتت شبه محاصرة بريف حماة الشمالي شرقي مورك، وإن كانت روسيا ستجبرها على الانسحاب أو أنها ستتوصل مع تركيا لاتفاق ما يهدئ الأوضاع المتأزمة، كون ليس من مصلحة تركيا وروسيا الدخول بمعركة مباشرة سيؤثر على ملفات أخرى بين الطرفين وبالتالي بات خيار القبول بالوضع الحالي أمراً غير مستبعد.

معطيات المعركة الأخيرة والزخم الروسي والإيراني الذي دخل عليها لم يكن متوقعاً أو في الحسابات، ولكنه حصل كون الفصائل لم تستطع الصمود في وجههم، رغم صمودها في وقت سابق في تل ملح والجبين وعلى أطراف كفرنبودة والحماميات، وبدا واضحاً أن خطوط الدفاع انهارت بشكل سريع في مناطق تملك فيها مقومات كبيرة للصمود لاسميا حرش عابدين والهبيط، كما أن العمليات المضادة التي شنت لم تكن جدية بالقدر الكافي كما في الهجمات السابقة والتي كانت تحقق توازن في المعركة بين الطرفين، رغم أن الفصائل قدمت خيرة شبابها في المعركة وفق الإمكانيات.

ووفق الرؤية الحالية، فإن العناد الروسي الواضح في الحسم، قد يدفع الطرف التركي للقبول بالوضع الحالي لتجنب الدخول بمواجهة مباشرة مع روسيا غير محسوبة النتائج، وبالتالي سحب النقطة التركية بمورك، وتثبيتها مع الرتل المنتظر بـ "معرحطاط" بموقع جديد شمال خان شيخون، ولربما يتبدل موقع نقطتها في شير مغار بريف حماة الغربي، في حال أصرت روسيا على متابعة معركتها بسهل الغاب ومحور الكبينة الذي تصر على إنهائه بدعوى تهديد قاعدة "حميميم" المتواصل.

وفي حال تمكنت روسيا من فرض رؤيتها والواقع الجديد على الأرض، فإنه سيكون من الصعب لاحقاً كبح جماحها ومنع تهديدها لمناطق جديدة بإدلب، مالم يكن هناك قوة ضاغطة عليها تحقق قليلاً من التوازن العسكري، والتوصل لتفاوض ند لند يحفظ المنطقة المتبقية بإدلب، وهذا ما ستحدده الأيام القادمة، والتي قد تكون عصيبة على الجميع، مع مواصلة الصمت الدولي الكبير حيال كل مايجري من قتل وتهجير وتدمير للمنطقة واستباحتها لاحقاً.

اقرأ المزيد
١٤ أغسطس ٢٠١٩
إدلب ضحية لـ "صراع الجبابرة" ماقبل "أستانا" ليس كما بعده ... فماذا تغير ...؟

طرأت تطورات سريعة على المشهد العسكري في الشمال السوري خلال الأيام القليلة الماضية، مع إعلان النظام إنهاء وقف إطلاق النار بعد يوم من جولة أستانا 13، واستئناف المعارك بشكل أعنف وبمشاركة فاعلة على الأرض من روسيا وإيران، ترسم تلك التطورات خفايا اتفاق ما، لم يعلن ويبدو أنه قيد التطبيق على الأرض.

هذه التطورات السريعة أفضت لتقدم النظام بشكل سريع ومفاجئ، خالف التوقعات، رغم أن الفصائل العسكرية التي تقاتل كل هذه القوى على الأرض، صمدت لأشهر وخاضت حرب استنزاف طويلة من عناصرها وآلياتها وإمكانياتها العسكرية، وحققت توازن في الرعب والسيطرة على الأرض وكبدت النظام وروسيا خسائر كبيرة باعترافهم، خلال الحملة التي سبقت أستانا.

وخلال أيام قليلة سيطر النظام وحلفائه روسيا وإيران على الزكاة والأربعين ومن ثم بدأ التوسع باتجاه ريف إدلب ليصل الهبيط وسكيك وتلتها، ويبدوا أن القادم محاولة تطويق ريف حماة الشمالي تشمل مناطق "كفرزيتا واللطامنة ومورك"، مع الاقتراب أكثر من مدينة خان شيخون أكبر مدن ريف إدلب الجنوبي، رغم أن جميع هذه المناطق تندرج ضمن اتفاق خفض التصعيد والمنطقة منزوعة السلاح.

والملاحظ في الحملة الأخيرة بعد أستانا، تركيز القصف بشكل كبير على خطوط التماس والمناطق القريبة من خط المواجهة، وتخفيف القصف بشكل كبير على المدن والبلدات خارج حدود هذه المناطقة خلافاً لما كانت عليه قبل أستاناً والتي كانت تتسبب يومياً بسقوط الضحايا المدنيين وارتكاب المجازر التي حركت المجتمع الدولي الذي طالب بوقف الحملة، أي أن تخفيف القصف على المناطق المدنية له أبعاد سياسية تتعلق بتسكين المجتمع الدولي لحين إتمام السيطرة على مناطق بريف حماة وإدلب هي خالية من سكانها بنسبة 80%.

التساؤلات التي تطرح منذ أيام بدون إجابات واضحة من أي طرف كان سواء الضامنين أو الفصائل التي تكتفي بالمقاومة على عدة محاور، مع أنباء شبه مؤكدة عن تخفيف حجم ونوعية وكمية الأسلحة التي كانت تصل للفصائل قبل أستانا عما بعدها، وبالتالي إضعاف من قدراتها على الصمود والمقاومة.

ووفق المعطيات على الأرض، فإن توجه النظام إلى بلدة الهبيط ومن ثم منطقة كفرعين غرب خان شيخون، بالمقابل سيطرته على تل سكيك والقرية القريبة منها ومحاولته السيطرة على تل ترعى، توضح بأن النظام يسعى لرصد كل المنطقة من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، لتعزيز دفاعاته، ومن ثم الانطلاق للسيطرة على مناطق جديدة.

ووفق معلومات متداولة فإن النظام يرمي للانتقال من الهبيط باتجاه منطقة الصياد، التي تمكنه السيطرة عليها من كشف ريفي حماة وإدلب الجنوبي بما فيها خان شيخون، بالتزامن مع الضغط على محاور كفرزيتا واللطامنة التي تشكل ثقل عسكري لجيش العزة وأهمية استراتيجية بالغة لريف حماة.

ويستبعد مراقبون للتطورات العسكرية على الأرض، أن يتقدم النظام باتجاه مدينة خان شيخون، والاكتفاء برصدها نارياً من عدة محاور، كون السيطرة عليها ستحاصر بلدات ومدن ريف حماة الشمالي بشكل كامل، بما فيها النقطة التركية المتمركزة شرقي مدينة خان شيخون، وبالتالي إحدى إمرين إما انسحاب النقطة وهذا مستبعد، أو بقاء مدينتي مورك وخان شيخون خارج حسابات النظام وروسيا مع رصدها من كل الاتجاهات، مع بقاء كل الاحتمالات واردة.

اقرأ المزيد
١٦ يونيو ٢٠١٩
ماذا عن عقُدة إدلب ومن سيتولى فكها؟

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم؛ ما هو مصير إدلب ومن سيتولى مهمة الهجوم عليها أو ضبط الأمن فيها؟ بعد أن تجنبتها المليشيات الانفصالية الكردية منكفئة على نفسها في شرق الفرات، ثم تخاذل الشيعة من الإيرانيين وحزب اللات اللبناني عن المشاركة بالعمليات الأخيرة لما ينتظرهم فيها من استنزاف.

بقيت ميليشيات النظام تقاتل وحدها وزُجّ بعناصر المصالحات لتحرق على تخوم إدلب، تلك الأرض القاسية المعقدة بتضاريسها وقديمة في مناهضة نظام الأسد، المحافظة التي تفصلها جبل الساحل والأكراد عن مستنقع الساحل وما فيه من بؤر للإرهاب وتتوسطها قمة كبّينة الاستراتيجية التي مرغت أنوف الروس، ويفصلها من جهة الغاب جبل الزاوية معقل الثورة الأقدم ومنبع البطولات.

شكلت تلك الجبال سدا منيعا حول حصن الثورة الأخير أمام مجرمي الأسد ووكلاء الروس والايرانيين، ليتردد الجميع في اقتحامها أو الاقتراب منها، وخاصة بعد تحصينها ولم تجد ميليشيا النمر ألا خاصرة قلعة المضيق الرخوة لتراهن عليها وكادت أن تنجح بالمرور من خلالها إلى إدلب لو لم تبتلع الثورة الصدمة وتبدأ خوض معارك البطولة بما ملكته من مضادات.

إدلب خزان الثورة الذي لا ينضب، يتدفق الشباب الثائر من جميع أنحائها إلى خط الجبهة الساخن الأول، هذا الخط الدامي يبدأ بريف حلب وسراقب ويعبر جرجناز في ريف معرة النعمان ثم خان شيخون، ثم يمتد على مشارف الغاب وينتهي في جسر الشغور لتشكل معاً جبهة عصية، ومن خلفها مدينة بنش وتفتناز وأريحا والجبل الوسطاني وباقي البلدات التي لم تبخل برجالها ويتدفق منها المقاتلون والمتطوعون لأن جميعهم يدرك حجم التهديد الذي ينتظر معقل الثورة الأخير بمن فيها من أهالي ومهجرين الراسخين الثابتين على مبادئهم من باقي المحافظات.

نظرا لكل ماسبق وما جمعته هذه البلد من ظروف استثنائية فلا أظن أن الهجوم عليها سيكون نزهة للمحتلين، بل لن يقدم عليه إلا أحمق مخبول، وهي البلد الخالية من الثروات لكنها الغنية بالكرامة والكبرياء، كيف سيفعلها وقد بدأ يتدفق بعض الدعم العسكري المضاد للدروع من الشمال التركي بعد التصعيد الأخير ضد نقاط المراقبة، وقد شهد الجميع ثبات شبابها أمام تلك الهجمات رغم القصف الهستيري البربري المجنون، وما تمخض عن فشل الهجوم البري عليها، وأوقف الميلشيات عند قلعة المضيق وكفرنبودة، ثم ابتلع الثوار الصدمة وبدأوا العمل على خاصرة أخرى ونزعوا من النظام جبين وتل ملح ودمروا العشرات من الآليات.

إدلب توافقت فيها مصلحة أهلها والمهجرين إليها من باقي المحافظات مع المصالح التركية وأمنها القومي، ثم توافقت مصالح جميع من سبق مع المصالح الأوربية الخائفة من موجات النزوح، فأسرعت أمريكا لتسهيل تقديم الدعم بوصاية تركية بهدف جر الروس إلى مستنقع الدم وهذا سيحقق المزيد من الاستنزاف لجميع دول المنطقة بمباركة إسرائيلية.

تعكف في الجهة المقابلة المليشيات الشيعية على همومها وتتجرع مرارة العقوبات، وتحصد ما زرعته من شر وحرب طائفية أرهقت منطقة الشرق الأوسط، تلك العقوبات التي تشتد قسوتها بالتزامن مع التهديدات الأمريكية ببدء الحرب عليها، إضافة لمحاولة الروس التخلص من شراكتها في الانتصار المزعوم، مما اضطر الأخير لبدء الهجوم معتمدا على مليشيات المصالحات والفيلق الخامس الموالي له، مما أظهر عجز الروس عن تنفيذ مخطط (الإعادة الثلاثي):
1- فشل إعادة تدوير الأسد وتصديره إلى المجتمع الدولي والاعتراف به مجددا.
2- كما فشل إعادة الإعمار بوجود الأسد ووجود إيران معه في سوريا.
3- وبالتالي فشل إعادة اللاجئين إلى بلادهم. نتيجة لغطرسة الروس وتصعيدهم الأخير تبتعد إدلب وريف حلب الشمالي عن متناول الروس وتنحصر سيطرة النظام والمليشيات التابعة له ولطهران في المنطقة الجنوبية بعد أن انسلخ عنها الشريط الحدودي التركي من إدلب الثائرة إلى الريف الشمالي وتحتفظ أمريكا بشرق الفرات سلة خيرات سوريا ومنبع ثرواتها.

إيران الأخرى تبدو ذليلة خارجياً وعادت من سوريا خائبة، خائفة من تعكير صفو الأوروبيين والأتراك إذا ما شاركت في تلك المحرقة، وهي كم يشتري عدوا جديدا قريبا على حدودها تضمه لأمريكا، وكأنها ستكتفي بعداء الخليج العربي، وتريد أن تحافظ على حجم الاستثمارات المتدفقة إليها من أوروبا عبر تركيا، وقد كانت تحاول تمرير الثروات عبر سوريا المفيدة من الجنوب السوري إلى لبنان ثم المتوسط وحاولت البقاء فيه مما شكل تهديدا لمصالح الروس وسبب خلافا بين الضامنين المقاتلين إلى جانب النظام. يبدو أن إيران استبقت الأحداث، فنزعت مسمار جحا -كفريا والفوعة- من إدلب ولا تفكر بالعودة إليها، وكل المعلومات عن حشد لمليشيات الشيعة على تخوم إدلب غير صحيحة، وخاصة بعد الضربات الموجعة التي تلقتها من أمريكا لمحاولتها الاقتراب من شرق الفرات.

مما سبق يتبين أن الجميع سيتخلى عن ملف إدلب لصالح تركيا، ويوكل إليها التعامل معه فهي الأقدر على إدارته، وبسط سيطرة الجيش الوطني المقرب إليها، وأي محاولة للتصعيد من قبل الروس سيقابل بتصعيد ثوري ومواجهة مفتوحة على جميع الجبهات، ولن يقبل الأتراك بأي تهديد لأمنهم القومي، فهل ستقامر روسيا بعلاقتها مع تركيا وتدفع ما في جعبتها على الطاولة لصالح الأمريكان وإسرائيل المستفيد الوحيد، أم سترضخ وتعلن عن هدنة طويلة تراجع فيه حساباتها وتتراجع عن سياسة القضم وتعيد البلدات المحتلة في الشهرين الأخيرين لأصحابها؟

اقرأ المزيد
4 5 6 7 8

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
٢٥ نوفمبر ٢٠٢٢
في اليوم الدولي  للقضاء على العنف ضد المرأة.. رحلة نساء سوريا
لين مصطفى - باحثة إجتماعية في شؤون المرأة والطفل. 
● مقالات رأي
٢٤ نوفمبر ٢٠٢٢
العنف ضد المرأة واقع مؤلم ..  الأسباب وطرق المعالجة
أميرة درويش  - مراكز حماية وتمكين المرأة السورية في المنتدى السوري 
● مقالات رأي
٢٣ نوفمبر ٢٠٢٢
المصير المُعلّق بين الإنكار والرفض
عبد الناصر حوشان
● مقالات رأي
١٤ نوفمبر ٢٠٢٢
أهمية تمديد قرار إدخال المساعدات إلى سوريا عبر الحدود
قتيبة سعد الدين - مستشار الحماية في المنتدى السوري 
● مقالات رأي
١٣ أكتوبر ٢٠٢٢
قراءة في تطورات المشهد شمالي حلب .. بداية مشروع أم تنبيه أخير
أحمد نور
● مقالات رأي
١٢ أكتوبر ٢٠٢٢
"الجـولا.ني" في خندق "أبو عمشة"... فمتى يبغي على "الأسد" ....!!
فريق العمل
● مقالات رأي
٢٠ سبتمبر ٢٠٢٢
إعادة تشجير سورية ضرورة وطنية ومسؤولية يتحملها الجميع 
مازن باكير - مدير التدقيق الداخلي لمكاتب سورية في المنتدى السوري