الأنفاق التي شيّدتها "قسد".. أرض محصّنة وشعب ناقم أطاح بالمشروع
تتكشف يوماً بعد يوم، حجم التحصينات التي بنتها قوات سوريا الديمقراطية لاسيما الأنفاق في مناطق سيطرتها السابقة مثل الرقة، دير الزور، دير حافر، منبج، تل رفعت، والشيخ مقصود، والتي لم تستطع "قسد" رغم تعقيدها وتحصينها استثمارها في الصمود أمام تقدم قوات الجيش السوري وثورة الحاضنة الشعبية من أبناء المنطقة، مع الانسحاب السريع وانهزام مشروعها.
شبكة معقدة وحصينة تمتد لعشرات الكيلومترات، قد تصل قرى وأحياء ببعضها البعض، ضمن المناطق السكنية وعلى خطوط التماس، كانت تبنيها "قسد" طيلة سنوات من العمل، مستمدة الفكرة من التجربة الفيتنامية، لتكون سلاحاً لحماية مشروعها الانفصالي والحفاظ على مناطق سيطرتها، لكن هذه النفاق سقطت تباعاً كما سقط المشروع.
فكرة الأنفاق ليست وليدة اللحظة، بل لها جذور عميقة في نظريات الحروب التقليدية، فقد كانت الأنفاق جزءاً من النظرية الماوية - الفيتنامية لحرب التحرير الشعبية، التي جسدت استراتيجية الحرب طويلة الأمد القائمة على الفلاحين، وتحويل الأرض نفسها إلى حليف سياسي - عسكري، في سياق استعمار وريفي واسع مع تفوق جوي للعدو، ومجتمع متجانس في الثورة.
لكن المشكلة تكمن في نقل هذا المفهوم خارج سياقه التاريخي والفكري، والتعامل معه كـ“وصفة جاهزة” صالحة لكل زمان ومكان، وهذا ما ارتكبه تنظيم حزب العمال الكردستاني حين تبنى خيار الأنفاق في سوريا، متأثراً بالتجربة الفيتنامية، من دون مراعاة التحولات العميقة في طبيعة الحرب الحديثة، وفي التكنولوجيا، والجغرافيا، وفي بنية المجتمع.
حروب اليوم ليست حروب خمسينيات القرن الماضي، لم تعد مسألة “الاختباء والعمق الشعبي” وحدها كافية لمواجهة قوة عسكرية أو سياسية، بل أصبحت الحرب هجينة متعددة الأبعاد، تفرض التكامل بين القدرات العسكرية، والشرعية السياسية، والحاضنة الاجتماعية.
الأنفاق في تجربة “قسد”: من أداة إلى عقيدة بلا جدوى
صُمّمت أنفاق “قسد” لتكون ضمانة للصمود، وتدبيراً تكتيكياً لصد الهجمات، والحفاظ على المواقع الحيوية. لكن الواقع أثبت العكس، إذ لم تغير الأنفاق موازين القوة على الأرض، ولا أفشلت أي هجوم، ولم تمنع الهزائم أو الخسائر التكتيكية في المعارك الفاصلة، كما انها لم تنتج مكاسب سياسية حقيقية داخل المجتمع السوري، ولم تحقّق أية شرعية شعبية تمنح النظام الذي تبنّاها استمراراً في البقاء.
تحولت الأنفاق من أداة ضمن استراتيجية شاملة إلى غاية بحد ذاتها من دون جدوى، نتيجة جمود فكري وعقائدي، يرفض الاعتراف بتغير طبيعة الصراع، وقد اتضح أن النسخ الأعمى للتجارب الثورية القديمة دون تعديلها بحسب سياقات الحرب الحديثة هو مجرد جمود عقائدي ينتهي بانهيار المشروع بأكمله.
سوريا اليوم: الأرض بلا أنفاق، لكنها بالشرعية الشعبية
خسارة “قسد” لهذه التحصينات لم تكن مجرد نتيجة تقدّم عسكري فحسب، بل كانت انعكاساً لسقوط مشروعها السياسي والاجتماعي، فالأنفاق تحصّن الموضع، لكن من يحصّن قلوب الناس ويحظى بثقتهم هو الذي يبقى.
فقد سقطت شرعية “قسد” أمام ثورة الشعب الناقم من أبناء الجزيرة العربية، الذين وجدوا في سياساتها الأمنية والإدارية تجلياً للظلم والتمييز، وغياباً لحياة كريمة ومستقبل آمن، وعند أول معركة سقطت أوهام "قسد" وثار أبناء المنطقة ضدها حين سنحت لهم الفرصة مع تقدم الجيش السوري، فتخلّى الناس عنها، وسقطت قوة التحصين والأنفاق.
خلاصة: دروس من الأنفاق
الفشل في كسب الحاضنة الشعبية يقضي على أي مشروع عسكري أو سياسي مهما طال البناء، والحرب الحديثة تتطلب أكثر من تقنيات دفاعية؛ تحتاج إلى شرعية، وهوية، واتحاد مع المجتمع، ولقد أثبتت التجربة السورية أن القوة الحقيقية تكمن في تقدّم الدولة الشرعية المعترف بها وطنياً ودولياً، التي تعتمد على حوار شامل، وشراكة مجتمعية، واستقلال القرار، وليس في أنفاق تُحفر في الأرض وحدها.