سلّطت دراسة علمية حديثة الضوء على تحولات هيدرولوجية عميقة شهدها شمال غربي سوريا خلال سنوات الحرب، كاشفةً أن التخلي الواسع عن الأراضي الزراعية وتراجع ضخ المياه الجوفية أسهما في تعافي المخزون المائي وارتفاع سطح الأرض في بعض المناطق بمعدلات وصلت إلى 4 سنتيمترات سنوياً في السنوات الرطبة، وفقاً لدراسة منشورة في دورية Geophysical Research Letters بعنوان: "الارتفاع السريع لسطح الأرض وتعافي المياه الجوفية خلال الحرب في سوريا".
أوضحت الدراسة، التي أعدها سعيد مهنّا ولاندون هالوران وإيف تييه وأحمد حاج أسعد وفرانسوا زفالن وفيليب برونر، ونُشرت في 28 آذار 2026، أن الحرب في سوريا لم تخلّف آثاراً إنسانية واقتصادية فقط، بل غيّرت أيضاً النظام الهيدرولوجي في المنطقة بشكل جذري، ولا سيما في شمال غربي البلاد، حيث أدى تراجع النشاط الزراعي المعتمد على المياه الجوفية إلى ما يشبه "اختبار ضخ عكسي" واسع النطاق، سمح للمياه الجوفية بالتعافي تدريجياً.
بيّنت الدراسة أن هذا التعافي انعكس ميدانياً في زيادة تصريف الأنهار، وعودة ينابيع كانت قد جفّت منذ عقود، إلى جانب تسجيل ارتفاعات دورية في سطح الأرض بلغت حتى 4 سنتيمترات سنوياً في السنوات المطيرة، وهو ما رُصد عبر تقنيات الاستشعار عن بعد وتحليل بيانات الرادار التداخلي وصور الأقمار الصناعية وقواعد بيانات النزاع المسلح.
لفت الباحثون إلى أن المنطقة المدروسة تمتد ضمن حوض نهر العاصي، من الحدود اللبنانية جنوباً إلى الحدود التركية شمالاً، وتشمل أبرز المناطق الزراعية في شمال غربي سوريا، وخاصة ضمن محافظة حماة، وهي من المناطق التي شهدت كثافة في المعارك والنزوح السكاني خلال سنوات الحرب.
وقد اعتمدت الدراسة على بيانات تمتد بين تشرين الأول 2014 وكانون الأول 2021، وهي فترة سمحت بتتبع التغيرات المكانية والزمانية في حركة سطح الأرض وعلاقتها بالأمطار والغطاء النباتي والنشاط الزراعي.
أشارت الدراسة إلى أن المنطقة عانت، منذ ستينيات القرن الماضي، من استنزاف مفرط للمياه الجوفية نتيجة التوسع الكبير في حفر الآبار لأغراض الري، ما أدى إلى هبوط منسوب المياه الجوفية في بعض المناطق بأكثر من 100 متر، وتسبب بجفاف كثير من الينابيع الدائمة. إلا أن الظروف التي فرضتها الحرب منذ عام 2011، بما فيها تدمير البنية التحتية للمياه، ونقص الكهرباء، ونزوح السكان، والتخلي عن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، أوقفت جزءاً كبيراً من عمليات الضخ، ومهّدت لتعافي الخزانات الجوفية.
أكدت الدراسة أن هذا التحول لم يكن متجانساً في جميع المناطق، إذ أظهرت النتائج فروقاً واضحة بين التكوينات الجيولوجية المختلفة، حيث سُجلت أعلى معدلات الارتفاع في تكوينات النيوجين، وهي طبقات غنية بالرواسب النهرية، في حين استمرت معدلات الهبوط في بعض مناطق العصر الرباعي، خاصة في سهل الغاب، حيث واصل جزء من النشاط الزراعي اعتماده على الضخ الجوفي.
كشفت الدراسة أن نحو 60 بالمئة من منطقة الاهتمام أظهرت ارتباطاً إيجابياً معنوياً بين حركة سطح الأرض والهطول المطري، بمعاملات ارتباط وصلت إلى 0.7، ما يعني أن الأمطار كانت عاملاً أساسياً في تغذية المياه الجوفية ورفع مستوى السطح في المناطق التي توقف فيها الضخ.
وفي المقابل، أظهرت 52.63 بالمئة من المنطقة ارتباطاً سلبياً معنوياً بين حركة سطح الأرض ومؤشر الغطاء النباتي، وهو ما فسّره الباحثون باستمرار الضخ لأغراض الري في بعض الأراضي الزراعية النشطة، وبالتالي استمرار الهبوط الأرضي.
أوضحت الدراسة أن السلاسل الزمنية في مناطق النيوجين أظهرت ارتفاعاً سطحياً يتراوح بين 3 و5 سنتيمترات بعد كل موسم شتوي، في حين كانت فترات الصيف ترتبط بهبوط طفيف نتيجة غياب الذروة الثانية للغطاء النباتي المرتبطة عادة بالري الجوفي، إلا أن هذا الهبوط ظل أقل من حجم الارتفاع الشتوي، ما أفضى إلى اتجاه عام نحو الارتفاع الصافي طويل الأمد.
في المقابل، أظهرت مناطق العصر الرباعي، وخاصة تلك التي استمر فيها النشاط الزراعي، ارتباطاً سلبياً قوياً بين حركة سطح الأرض وشدة الذروة الصيفية لمؤشر الغطاء النباتي، في دلالة على استمرار ضخ المياه الجوفية لأغراض الري، وقد بلغت معدلات الهبوط هناك حتى 6 سنتيمترات في سنة واحدة، بحسب الدراسة نفسها.
أبرزت الدراسة أيضاً أن السنوات الرطبة لعبت دوراً مفصلياً في هذا المسار، إذ تبين أن شتاءي 2018 و2019 ساهما بشكل استثنائي في الارتفاع الأرضي، حيث أظهرت البيانات أن 62.65 بالمئة من المناطق التي تجاوز فيها الارتفاع 1 سنتيمتر سنوياً راكمت ما لا يقل عن 40 بالمئة من إجمالي إزاحتها الصاعدة خلال هذين الشتاءين فقط، فيما بلغت هذه النسبة 81.12 بالمئة في تحليل المدار الصاعد لبيانات الرادار.
وثّقت الدراسة كذلك تغيرات واسعة في استخدامات الأراضي الزراعية، عبر تحليل صور Landsat باستخدام خوارزمية LandTrendr، حيث تبين أن نحو 288 كيلومتراً مربعاً من أصل 422 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الزراعية المتروكة تم التخلي عنها بين عامي 2011 و2013، أي في السنوات الأولى من الحرب، وبصورة فجائية في معظم الحالات.
وأشارت النتائج إلى أن 95 بالمئة من حالات التخلي عن الزراعة حدثت خلال سنة واحدة فقط، لا بشكل تدريجي، ما يعكس أثر النزاع المباشر على النشاط الزراعي.
أظهرت الدراسة أن 65 بالمئة من إجمالي الأراضي المتروكة فقدت نشاطها الزراعي بين عامي 2011 و2013، وهو ما سبق زمنياً بداية الارتفاعات الأرضية المرصودة ابتداءً من تشرين الأول 2014، بما يدعم فرضية أن توقف الري بالمياه الجوفية كان مقدمة لتعافي الخزانات الجوفية.
كما وجدت الدراسة علاقة إيجابية واضحة بين حجم خسارة الغطاء النباتي ومعدلات ارتفاع سطح الأرض، ما يعني أن المناطق التي شهدت تراجعاً أكبر في النشاط الزراعي كانت أكثر ميلاً لتسجيل ارتفاعات أرضية أوضح.
ركّزت الدراسة على العلاقة بين شدة النزاع وتعافي المياه الجوفية، مستخدمة بيانات برنامج أوبسالا لأحداث النزاع المسلح، حيث جرى تحليل 9301 حدث نزاع ضمن منطقة الدراسة. وأظهرت النتائج أن معدلات الارتفاع الإيجابي في سطح الأرض كانت متركزة ضمن نطاق 3 كيلومترات من بؤر النزاع الساخنة، ثم أخذت بالانخفاض مع الابتعاد عنها.
وفي تكوينات النيوجين، بلغ معدل الارتفاع الوسيط داخل هذا النطاق 1 سنتيمتر سنوياً، مقابل ناقص 0.2 سنتيمتر سنوياً خارج نطاق الـ3 كيلومترات، وهو ما ربطه الباحثون بدرجة النزوح وتعطل النشاط الزراعي في أكثر المناطق تضرراً.
ربطت الدراسة أيضاً بين التعافي الحالي للمياه الجوفية ومستويات الهبوط التاريخي المسجلة قبل الحرب، حيث أظهرت أن المناطق التي تجاوز فيها هبوط المياه الجوفية 50 متراً حتى عام 2007 سجلت لاحقاً معدلات ارتفاع وسيط بلغت 1.48 سنتيمتر سنوياً، مقارنة بـ0.37 سنتيمتر سنوياً فقط في المناطق التي كان الهبوط فيها أقل حدة. واعتبر الباحثون هذه النتيجة دليلاً إضافياً على أن المناطق التي تعرضت لاستنزاف أشد قبل الحرب أصبحت أكثر قابلية لإظهار مؤشرات تعافٍ واضح عند توقف الضخ وتوفر الأمطار.
شرحت الدراسة الأساس الجيولوجي لهذا التعافي، مشيرةً إلى أن تكوينات النيوجين تقع فوق خزان كارستي إقليمي من العصر الكريتاسي يغذي عدداً من الينابيع على الحافة الشرقية لسهل الغاب، وأن الاتصال الهيدروجيولوجي بين هذه الطبقات تعززه كثافة الآبار المحفورة في المنطقة، والتي يتجاوز عددها 10 آبار في الكيلومتر المربع في بعض المواقع.
وبسبب افتقار كثير من هذه الآبار إلى التغليف الواقي، فإنها تسهم في تسهيل الحركة العمودية للمياه الجوفية بين الطبقات، وهو ما يفسر سرعة الاستجابة للأمطار في المناطق التي توقف فيها الضخ.
في هذا السياق، أشارت الدراسة إلى عودة نبع باب الطاقة، الذي كان يصرف بين 500 و1000 لتر في الثانية في ستينيات القرن الماضي قبل أن يجف، واعتبرت عودته مؤشراً ميدانياً متوافقاً مع الارتفاعات الأرضية المسجلة في تكوينات النيوجين، بما يدل على تعافي الخزان الكارستي الكريتاسي الذي كان قد تعرض للاستنزاف قبل الحرب.
نبّه الباحثون إلى أن هذا التعافي لا يعني زوال الخطر، بل قد يكون مؤقتاً إذا ما عادت أنماط الضخ القديمة دون ضوابط، خاصة في ضوء التطورات الجيوسياسية الأخيرة واحتمال عودة السكان والنشاط الزراعي بكثافة. وشددت الدراسة على أن الإدارة المستدامة للمياه الجوفية يجب أن تكون جزءاً محورياً من أي خطة لإعادة الإعمار والتنمية في سوريا، وأن تجاهل هذا الجانب قد يعيد المنطقة سريعاً إلى دوامة الاستنزاف المفرط.
حذّرت الدراسة كذلك من أن استمرار الهبوط في مناطق العصر الرباعي، بمعدلات تصل إلى 6 سنتيمترات سنوياً، يشير إلى استنزاف مقلق لمياه الخزان الجوفي في تلك المناطق رغم ظروف الحرب، ما يعني أن النشاط الزراعي لم يتوقف بالقدر نفسه في جميع الأحواض، وأن بعض المناطق شهدت تحولات غير متوقعة في أنماط الزراعة والري.
أضافت الدراسة أن الآبار المتروكة والمتضررة تشكل بدورها خطراً على جودة المياه الجوفية، إذ إن غياب الحماية والبنى المناسبة قد يفتح المجال لتسرب الملوثات من السطح إلى الأعماق، ما يجعل قضية إعادة تأهيل البنية التحتية المائية أكثر إلحاحاً في مرحلة ما بعد الحرب.
خلصت الدراسة المنشورة في Geophysical Research Letters إلى أن الحرب في سوريا، على قسوتها الإنسانية والاجتماعية، أوجدت بصورة غير مقصودة ظروفاً سمحت بتعافي المياه الجوفية في أجزاء من شمال غربي البلاد، وأن هذا التعافي تجلى في عودة الينابيع وازدياد تدفق الأنهار وارتفاع سطح الأرض في بعض المناطق، إلا أن هذه الظواهر لا ينبغي قراءتها بوصفها مكسباً مستقراً، بل إنذاراً مبكراً بضرورة إدارة الموارد المائية على أسس علمية، قبل أن يؤدي استئناف الضخ العشوائي إلى استنزاف جديد قد يكون أكثر خطورة وأقل قابلية للعكس.
وأكد الباحثون أن ندرة البيانات الميدانية في سوريا المتأثرة بالحرب تجعل من تقنيات الاستشعار عن بعد أداة حيوية لفهم التحولات البيئية والمائية، وأن هذا النوع من الدراسات يوفر أساساً علمياً مهماً لصانعي القرار والجهات المعنية بالتنمية وإعادة الإعمار، في وقت تبدو فيه سوريا مقبلة على مرحلة تتطلب موازنة دقيقة بين التعافي السكاني والاقتصادي، وبين حماية الموارد المائية من العودة إلى الاستغلال غير المستدام.