المرأة المطلقة في سوريا: معاناة وتحديات بعد الانفصال
تشتكي العديد من النساء السوريات من تعرضهن لسلسلة من العقبات الاجتماعية والعائلية بعد الطلاق، حيث وجدن أنفسهن أمام نظرات قاسية وأحكام مسبقة من المحيطين بهن، ما أثر على حالتهن النفسية وعلاقتهن بالآخرين، فبعضهن استسلم لهذه الضغوط، بينما عملت أخريات على البحث عن طرق لإعادة بناء حياتهن واستعادة ثقتهن بأنفسهن.
غالباً ما تنبع هذه التحديات من عدة عوامل، أبرزها ربط الطلاق بسلوك المرأة وتحميلها مسؤولية الانفصال، إذ تُنتقد بأنها لم تصبر على الظروف التي واجهتها وأنها اختارت إنهاء العلاقة الزوجية بدل محاولة تصحيح الأمور، كما يتدخل المجتمع المحيط في حياة المطلقة وقراراتها اليومية، فيصبح الطلاق ذريعة لتبرير أي سلوك يُفرض عليها أو يُنتقدها عليه، حتى في الأمور التي لا ترغب بالقيام بها.
تقول سلمى بيوش، 33 عاماً، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها أمضت عشر سنوات مع زوجها الذي كان يعتمد الضرب المبرح وسيلة للتعامل معها لأتفه الأسباب، وكثيراً ما كانت تلجأ إلى منزل أهلها، ليعيدها زوجها بعد وعود متكررة بتغيير سلوكه، إلا أنه لم يلتزم بذلك طوال تلك السنوات.
وتضيف أنها لم تعد تتحمل العيش تحت هذا الضغط فقررت الطلاق، لكنها سرعان ما واجهت تحديات جديدة، إذ صار إخوتها يتدخلون في تفاصيل حياتها اليومية ويفرضون قيوداً عليها، بينما يتحدث بعض الناس عنها بسلبية ويحملونها مسؤولية ما حصل، ما زاد من الضغوط النفسية عليها.
تعود الصعوبات التي تواجهها النساء بعد الطلاق إلى عدة عوامل، أبرزها العادات والتقاليد المجتمعية، إذ ينظر البعض إلى الطلاق على أنه وصمة ويحمل المرأة مسؤولية الانفصال حتى لو لم تكن السبب، كما تخشى بعض العائلات على سمعة الأسرة وتأثير طلاق الابنة على فرص زواج الأخريات أو على صورتها أمام المجتمع.
وفي بعض الحالات، تضطر المرأة إلى التنازل عن أطفالها، مما قد يُظهرها للبعض كأنها تخلت عنهم، في حين يعود السبب غالباً إلى غياب الدعم المالي، أو لارتباط الطلاق بشروط محددة من الزوج، أو لعدم توفر مسكن مستقل، ويزيد غياب الاستقلال المالي من اعتماد المرأة على أسرتها، ما يضاعف شعورها بالضغط والمعاناة.
تروي جليلة إسماعيل، 30 عاماً، أنه بعد طلاقها وعودتها إلى منزل أسرتها، واجهت معاملة قاسية من زوجة والدها، التي كانت مستاءة من وجودها، فبدأت تحرض والدها وإخوتها ضدها، ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ كانت تُكلف جليلة بأعمال المنزل كاملة دون أي مساعدة، وتتعرض يومياً لكلمات مؤذية، متهمةً إياها بأن طلاقها شوه صورة العائلة أمام الآخرين.
وتضيف جليلة أن هذه الضغوط والمعاملة القاسية دفعتها إلى الموافقة على أول خاطب تقدم لها، رغم أنها لم تكن ترغب في الزواج مرة ثانية، فقط لتجد مخرجاً يخفف من معاناتها اليومية ويحرّرها من الأجواء الصعبة التي كانت تعيشها في منزل أسرتها.
يشير أخصائيون نفسيون إلى أن المعاملة القاسية والضغوط اليومية التي تتعرض لها المرأة المطلقة تؤثر بشكل كبير على حالتها النفسية، فتولد لديها توتراً مستمراً وقلقاً شديداً نتيجة الكلمات المؤذية والشعور بعدم وجود دعم من الأسرة أو المجتمع، كما تؤدي الاتهامات المستمرة بأنها شوهت صورة العائلة أو أنها السبب في فشل الزواج إلى تراجع ثقتها بنفسها وتشكيكها في قدرتها على اتخاذ القرارات، كما يضاعف غياب الدعم العاطفي شعورها بالعزلة والوحدة ويزيد من معاناتها النفسية.
تقول نور محمد، عاملة دعم نفسي مع إحدى المنظمات الإنسانية، في حديث لـ شبكة شام، إن السيدة المطلقة بإمكانها مواجهة الصعوبات التي تعترض طريقها من خلال البحث عن مصادر دعم متنوعة، مثل إيجاد فرصة عمل مناسبة تتماشى مع العادات والتقاليد المجتمعية، مما يمكّنها من الاعتماد على نفسها وتحقيق الاستقلال المالي ويشغل وقتها بما يقلل شعورها بالوحدة.
كما تنصح السيدات بتعلم مهنة أو المشاركة في تدريبات وأنشطة تعزز خبراتها، إلى جانب التواصل مع أشخاص داعمين من العائلة والمجتمع، مع ضرورة عدم الاستسلام للكلام السلبي أو الانتقادات، والاستعانة بالاختصاصيين النفسيين والمستشارين عند الحاجة.
وتنوه نور محمد أن مهمة تجاوز المصاعب والتجارب القاسية تقع على عاتق السيدات المطلقات أنفسهن، لكنها في الوقت ذاته تتطلب دعماً من الأسرة والمجتمع المحيط، مشيرة إلى أن العديد من النساء نجحن بعد الطلاق في مواجهة هذه التحديات وبناء تجارب جديدة، وتمكنَّ من تحقيق تغيير إيجابي في حياتهن.
يؤكد أخصائيون نفسيون أن دعم المرأة المطلقة بعد الطلاق يجب أن يكون متعدد الجوانب، ليس فقط على مستوى الاعتماد على النفس، بل يشمل التوعية المجتمعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، موضحين أن الحلول تشمل تنظيم برامج توعية لتغيير النظرة السلبية تجاه المطلقات، وإنشاء مجموعات دعم نسائية لتبادل الخبرات وتقديم الدعم النفسي، بالإضافة إلى توفير ورش عمل ودورات تدريبية لتطوير المهارات الحياتية والمالية.
ويضيف الخبراء أن تقديم استشارات قانونية ونفسية مجانية، ودعم متابعة تعليم الأبناء، يمثل خطوة مهمة لتخفيف الضغط النفسي على المرأة، إلى جانب توجيه المجتمع والأسرة نحو احترام قرارات المرأة وعدم تحميلها تبعات الطلاق، مما يسهم في تعزيز ثقتها بنفسها وقدرتها على إعادة بناء حياتها بشكل سليم ومستقل.
لا تقل التحديات الاجتماعية والنفسية التي تواجهها المرأة بعد الطلاق قسوة عن تجربة الزواج الفاشل، وتتطلب مواجهتها، بحسب الأخصائيين، الاستفادة من الدعم الأسري والمجتمعي، والحصول على الإرشاد النفسي عند الحاجة، إلى جانب العمل على تحقيق الاستقلال المالي وإعادة تنظيم حياتها بما يعزز قدراتها على التعامل مع الضغوط اليومية واتخاذ قراراتها الشخصية بشكل مستقل.