مقالات مقالات رأي بحوث ودراسات كتاب الثورة
٤ أغسطس ٢٠١٧
إعادة توزيع الحصص في سورية

الزخم الدائر حول سورية والذي تتم ترجمته على شكل تفاهمات واتفاقات بين الأطراف الدولية والإقليمية، يثير شعوراً بوجود عملية سلمية حقيقية في سورية، بخاصة أن تلك الاتفاقات تترافق مع تهدئة على الجبهات، الأمر الذي يمكن اعتباره مؤشراً قوياً على وجود عملية سلام حقيقية.

حسناً، أين المشكلة في ذلك؟ لا يعتبر هدوء الجبهات في الصراع السوري، مؤشراً على دخول الأطراف في عملية سياسية بمقدار ما يعني أن الأطراف السورية باتت خارج القدرة على تقرير مسارات الحرب والسلم وأصبحت خيوطها ممسوكة بالكامل بيد الخارج الذي يقرّر متى يجب ان تشتعل الجبهات وكيف ومتى يجب ان تهدأ، فالأطراف السورية، نظاماً ومعارضة، تلبست رتبة الوكلاء المنفذين لمدير خارجي، بدليل ان جبهة جنوب سورية صمتت أكثر من سنة ونصف السنة قبل ان تنفجر ثم تدخل بعد ذلك في هدنة، بمعنى ان اشتعال الجبهات في سورية ليس تلبية لحاجة أحد أطرافها ولا انعكاساً لتوترات داخلية.

من جهة ثانية، لا يعني توافق الخارج على هدنة، او هدنات تكتيكية، أن ثمة عملية سلام جارية وفق مسار تصاعدي وستصل في مرحلة قريبة إلى نقطة الذروة التي توقع الأطراف عندها اتفاق سلام نهائياً، بمقدار ما يؤشر الى وجود صفقات تخص اللاعبين الخارجين على ساحة اللعب ومؤامرات على حساب أطراف أخرى، وبالتأكيد ليس اللاعبون السوريون هم أحد تلك الأطراف.

جميع الاتفاقات والتفاهمات التي حصلت في سورية كانت تستهدف طرفاً خارجياً معيناً. اتفاق آستانة بين روسيا وتركيا وإيران كان الهدف منه تهميش اللاعب الأميركي وإخراجه من اللعبة، أو على الأقل الضغط عليه للمشاركة تحت سقف تلك الأطراف، واتفاق جنوب سورية الهدف منه إخراج إيران من مساحة تأثير لإدخال أميركا فيها، وفي كل الحالات كان الخطاب الدولي والإقليمي المبرّر لهذا التعامل بالقطعة مع الأزمة السورية يركّز على مقولة ان الأزمة معقّدة لدرجة ان الطرح الواقعي للحل يجب ان يمر عبر محطات كثيرة ومراحل متعدّدة.

والملاحظ هنا ان القول بتعقيد الازمة وإن كان المقصود به أن العداء بين الاطراف الداخلية في سورية أصبح معقّداً الى درجة ان تفكيكه بات يتطلب وقتا وجهداً استثنائيين، إلا ان ظاهرة تهميش السوريين الواضحة تثبت ان التعقيد في مكان آخر، فما دامت الأطراف الدولية والإقليمية تتفاوض من دون حتى استشارة الأطراف السورية ومن دون اخذ مواقفها بعين الاعتبار فإن الصراع والتفاوض في سورية انتهيا إلى شأن خارجي صرف.

لا شك في أن هناك تغيراً واضحاً في سياق الأزمة السورية يتمثل بانتهاء الجزئية الخاصة بالصراع الداخلي، وباستثناء جبهة غوطة دمشق وبعض مناطق البادية سكتت المدافع على بقية الجبهات، بانتظار ما ستؤول إليه عمليات التفاوض، ليس تلك التي بين السوريين في جنيف وآستانة، وإنما ما يدور في عواصم القرار الكبرى، وخصوصاً في واشنطن وموسكو.

والحاصل الآن، وكما هو واضح من هذا الحراك أن المرحلة الحالية هي مرحلة خلق توازنات جديدة تسبق جلوس الأطراف من اجل الحل النهائي، وتقوم هذه التوازنات التي يجري رسمها بمسطرة دقيقة ووزنها بميزان حساس للغاية على إعادة تقويم سورية من ناحية جغرافيتها السياسية وتأثيراتها الإقليمية وحساب قيمتها النهائية مقسومة على أطراف محدّدة وإعادة توصيف الأطراف وتحديد حصصها بناء على حجمها في المعادلة الدولية وحقيقة قدراتها.

ولا شك في أن هذه العملية ستتطلب إعادة توزيع الحصص، وهذا ما هو حاصل بوضوح ومن دون مواربة في هذه المرحلة، حيث يتكشَف أن الدخول الأميركي، وقبله الروسي، يقضم من حسابات أطراف أخرى وحصصها، نظراً إلى حاجته إلى أصول إستراتيجية أكبر تغطّي تدخله وتجعله يليق بدول كبرى، والأطراف التي يجري قضم حصصها هي:

- حصة إيران، التي ظهر انها أخذت أكبر من حجمها بكثير وبما لا يتفق مع قوتها، إقليميا ودولياً، وبخاصة لجهة تمدّدها على خطوط حساسة، مثل الحدود مع الأردن واسرائيل والعراق، وهي قضايا أكبر من طاقة دولة إقليمية وصلاحياتها مهما علا شأنها، كون تداعيات قضية كهذه ستكون لها تأثيرات دولية كبيرة، وبالتالي فإن الحصة الإيرانية يجري حصرها حتى اللحظة في البادية السورية بعيداً من الحدود إلى حين.

- الحصَة العربية، بعد تراجع التأثير العربي الذي شكلته دول الخليج في شمال سورية وجنوبها. والذي تسبب بخروج التأثير العربي، إثر الارتباك في إدارة النفوذ والخلاف بين الأطراف، بوجود مساحات فراغ بعضها ملأته تركيا في شمال حلب والقسم الآخر سيطرت عليه الميليشيات الإيرانية قبل دخول أميركا وإجبار إيران على التراجع.

على وقع هذه التطورات، يجري الحديث عن توافق أميركي– روسي على الاتفاق على منطقة جديدة سيتم إدماجها ضمن تسوياتهما، أو إعادة محاصصتها، بما يعني ان المحاصصة تتحول إلى دينامية تشتغل على كامل مساحة سورية.

اذاً التكتيك المعمول به حالياً في سورية هو إدارة الصراع لا حله، وفي إطاره يجري التفاهم على الحصص وترسيمها، وبعد اكتمال هذه المرحلة سيتم الاتقاق على شكل الدولة ونظام الحكم، وفي الغالب ستكون بين خيارين لا ثالث لهما: إما فيدرالية فضفاضة وشكلية إلى حد بعيد، أو دولة مقسمة بشكل صريح. أما الدولة المركزية فقد باتت ممنوعة من الصرف لأن سورية كلها لم يعد ممكناً اصطفافها ضمن تحالف أو احتسابها حصة لطرف واحد.

ربما هذا ما يفسر سبب تعديل مواقف الدول من عملية الانتقال السياسي في سورية وتأجيل هذه المسألة إلى حين الانتهاء من ترتيبات المحاصصة.

اقرأ المزيد
٣ أغسطس ٢٠١٧
معارك عرسال أداة دعاية لـ «حزب الله»

بعد مضي أحد عشر عاماً على إعلان «حزب الله» انتصاره على إسرائيل عام 2006، ما لبث أن أعلن عن «إنجازٍ» آخر له، وإن كان على نطاقٍ ضيق، ضد من سمَّاهم «بالجهادين التكفيريين» على الحدود السورية اللبنانية. وقد أَعلَن «حزب الله» عن هذا الإنجاز بعد أسبوعين من شنِّه سلسلة هجمات على ضواحي بلدة عِرسال الواقعة في سهل البِقاع اللُبناني استهدفت مقاتلي «داعش» وتنظيم «فتح الشام» كما «احرار الشام» وبعض مقاتلي «الجيش السوري الحر» في المنطقة.

تُعد عِرسَال بشكلٍ عام منطقة غير مُستقرة ومضطربة، بخاصة بعد أن اختطفت جبهة «النُصرة» عام 2014 عدداً من الجنود اللبنانيين في المنطقة، والذي على إثره دارت المعارك بين هذه الجبهة من جهة والجيش اللبناني و «حزب الله» من جهة أخرى.

وكان موقع بلدة عِرسال الجغرافي على الحدود بين سورية ولبنان، سبباً في إيوائها ما يقرب من 70 ألفاً من اللاجئين السوريين، ولكن في الوقت ذاته، كانت ضواحيها مخبأً لمقاتلي «الجيش السوري الحر» كما للجماعات الجهادية السُّنية، حيث يُقدر عدد مُقاتليهم في المنطقة بحوالى 1500 شخص، على الرغم من صراعاتهم الداخلية المتفاوتة.

شنَّ «حزب الله» سلسلة هجماته على تلك الجماعات من داخل الأراضي اللبنانية، واستهدف من خلالها المقاتلين في كلٍ من سورية ولبنان على السواء، وأشاد بها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كإنجازٍ ضد من سماهم بالإرهابيين.

وما يلفت النظر إلى سلسلة الهجمات تلك وما أعقبها من آثار مباشرة، هو أنها لم تكن فقط عملية عسكرية ولكنها أيضاً عملية إعلامية. فتماماً كما حَرصَ «حزب الله» على أن يستخدم آلته الدعائية أثناء حربه مع إسرائيل عام 2006 لبثِّ رسالة موجهة حول دوره حامياً للأراضي اللبنانية، فقد استخدم الأسلوب ذاته هذا العام في معاركه الأخيرة في بلدة عِرسَال.

كانت الهجمات الأخيرة أحدث فصلٍ في العلاقة غير المُنتظمة بين «حزب الله» والجيش اللبناني. فقبل عملية عِرسَال بثلاثة أسابيع، اقتحم الجيش اللبناني مُخيمات اللاجئين واعتقل المئات من السوريين واللبنانيين من قاطني المنطقة. وأظهرت الصُور ومقاطع الفيديو التي انتشرت في وسائل الإعلام، أفراد الجيش اللبناني أثناء عمليات جمع المُعتقلين في ظروفٍ مُهينة أدت إلى انتقاد هيئات المجتمع المدني هذا التعامل الفظ من قوات الجيش والتي تصاعدت إلى اتهامات بالتعذيب، وهو ما نفته السلطات اللبنانية بدورها.

بالمقابل، أُدِيرَت صورة «حزب الله» في معركة عِرسَال قائداً للعملية بعناية، فقد أطلق حملته بعباراتٍ مُنمَّقة يُفهَم منها أن الحزب يعمل من أجل هدفٍ وطني واحد هو الدفاع عن لبنان. كما نشر مصورو «حزب الله» العديد من الصور في وسائل الإعلام تُظهر مقاتليه على الحدود يغرسون علم «حزب الله» الى جانب العلم اللبناني، في واقعةٍ تنقلنا لما حدث في حملة «حزب الله» الإعلامية بعد حرب 2006. ولكن رفرفة العَلَمَين جنباً إلى جنب تمثل إشارة واضحة إلى عجز قوات الجيش اللبناني عن القيام بدورها الدفاعي منفردة من دون الحاجة الى دعم «حزب الله».

وعلى الرغم من مشاركة الجيش اللبناني في معارك عِرسَال، إلا أن الدور الرئيس في المعارك وفي الحملات الدعائية كان من نصيب «حزب الله» على وجه الخصوص. فهذا الحزب هو الذي بدأ المعارك منفرداً، ثم تدخل الجيش اللبناني متأخراً في دورٍ داعمٍ.

وقد أثنى نبيه بري على دور الجيش في خطابه الذي القاه احتفاء بعيد الجيش اللبناني في الأول من آب (اغسطس)، لكن في الحقيقة كان هدفه الإشادة بـ «حزب الله». قال نبيه بري إن «حزب الله» كان يُحارب في منطقة وعرة، وإن الجيش سيلعب مستقبلاً دوراً أكبر في المعارك القادمة في المناطق المُحيطة برأس بعلبك. ولكنه انتهى بالتهوين من دور الجيش اللبناني حين أضاف أن المعارك في ضواحي رأس بعلبك التي سيخوضها الجيش ستكون أكثر سهولة من المعارك التي خاضها «حزب الله».

أما «حزب الله» فقد استغل ايضاً عيد الجيش لتأكيد التباين الكبير في القوة بينه وبين الجيش اللبناني. ففي يوم عيد الجيش، ألقى نبيل قاووق، وهو مسؤول رفيع في «حزب الله»، خطاباً تحدث فيه عن معارك عِرسَال وآثارها، وأكد فيه حِس الوطنية وراء التحركات العسكرية لـ «حزب الله» من خلال استخدام مصطلحات مثل «احتلال» و «تحرير»، للإشارة إلى وجود تنظيم «داعش» في المنطقة الحدودية وتحركات «حزب الله» تجاهه. كما ربط هذا الأمر بإسرائيل، حيث قال إنها أرادت وجود «الجهاديين التكفيريين» في هذه المنطقة لإبقاء «حزب الله» بعيداً منها ومن حدودها. وفي إعادة أخرى للخطاب الوطني الذي استُخدم من «حزب الله» بعد حرب 2006، أكد نبيل قاووق أن تحرير المناطق المحيطة بمدينة عِرسَال، جعل أغلب اللبنانيين يلتفون حول «حزب الله».

كان نبيل قاووق حذراً حيال ذكر أن عملية التحرير تمت بقيادة لبنانية، كما قال إن الاحتفاء الشعبي الواسع بهذا النصر يُمثل تحدياً لإسرائيل التي كانت تُراهن على إبعاد الناس عن «المقاومة». وبعبارة أخرى، فإن قاووق أظهر من خلال خطابه كما لو أن لبنان تطغى عليه موجة من التعاطف الشعبي مع «حزب الله».

وتزامن خطاب نبيل قاووق مع خطاب الرئيس اللبناني ميشال عون الذي ألقاه في اليوم ذاته احتفالاً بعيد الجيش، والذي لم يأتِ فيه على ذكر «حزب الله» أو نشاطات الجيش في عِرسَال، ولكن أكد فيه تطلعه لتحرير «جزءٍ من الأراضي اللبنانية الذي تحتله الجماعات الإرهابية منذ سنوات»، وأن الجيش والأجهزة الأمنية على أهبة الاستعداد للتصدي لهذا الإرهاب.

وأدَّت عمومية محتوى خطاب الرئيس اللبناني وإسقاطاته على الدور الكبير الذي سيلعبه الجيش في المستقبل من دون الإشارة إلى دوره في الوقت الحاضر إلى تصادمٍ واضحٍ مع تصدر «حزب الله» المشهد الإعلامي بعد انتهاء معركة عِرسَال، حيث اصطحب اعلام الحزب 40 صحافياً في جولة لمدة عشر ساعات في المنطقة لشرح كيف هزم «حزب الله» أعداءه، في مطابقة واضحة للنشاطات الإعلامية لـ «حزب الله» بعد حرب 2006.

كما تغافل «حزب الله» بشكلٍ متعمد عند وصفه المعركة بأنها ضد «الجهاديين التكفيريين» والإرهابيين، عن أن يذكر أنه في ضواحي عِرسَال كان هناك المئات من مقاتلي «الجيش السوري الحر». ولكن مثله مثل النظام السوري، يَضُم «حزب الله» كل الجماعات المعارضة في سورية تحت مظلة «الإرهاب».

معركة عِرسَال تمثل أهمية استراتيجية لـ «حزب الله»، حيث إنها ستمكنه من إحكام سيطرته على المنطقة الحدودية، وهذا سيُتيح له إرسال المزيد من القوات للتوغل في شرق سورية استعداداً للسيطرة على منطقة دير الزور. كما ستُمكنه من الاقتراب أكثر من المناطق الجنوبية حيث تخطط كل من الولايات المُتحدة وروسيا لإقامة مناطق تخفيف التصعيد، وبذلك يضمن استمرار قدرته على الضغط الميداني. ولكن الطريقة التي صور بها الحزب المعارك وقدمها إعلامياً لللبنانيين وللعالم ما هي إلا حركة دعائية في رسالةٍ إلى خصومه بأنه ما زال أقوى من الدولة اللبنانية.

اقرأ المزيد
٣ أغسطس ٢٠١٧
خيار أميركا في دير الزور يكسر «الهلال الفارسي» أو يكمله

في معركة الرقّة ملامح كثيرة مما سيكون في المعركة التالية في دير الزور، وقد صُوّرت الأولى بأنها «أسهل» من الثانية بمقاييس كثيرة أبرزها أن تنظيم «داعش» سيخوض في دير الزور معركته الأخيرة، من أجل هزيمته النهائية. لكن وقائع الرقّة لا تُظهر استعداداً داعشياً لانكفاء وشيك أو سريع، فمَن يقاتلون الآن هم جميعاً محلّيون بعدما رحل الغرباء الذين تدبّروا فرارهم أو استسلامهم باكراً، ومَن تبقّى منهم هبطت طائرات نقل جند أميركية في أحد المطارات لسحبهم وفقاً لترتيب مسبق. وفي خلفية القتال لا يزال الصراع دائراً حول مَن سيدير المنطقة بعد تحريرها، إذ إن تركيبة المجلس المحلي المقترح تثير خلافات بين الفصائل العربية فضلاً عن حساسيات عربية- كردية بسبب «زرع» ثلاثة أكراد من أصل عشرة أعضاء، على رغم عدم وجود سكان أكراد في المحافظة.

لا شك في أن هيمنة الأكراد على «قوات سورية الديموقراطية» (قسد) تحتّم وجودهم في مجلس الرقّة خلال فترة «ما بعد التحرير»، تحديداً للضرورات الأمنية التي يريدها الجانب الأميركي تحت السيطرة قبل أن تتبلور صيغة محلية موثوق فيها عسكرياً وإدارياً. إلا أن الأطراف العربية تخشى انتقالاً مفاجئاً من هيمنة كردية ارتكبت انتهاكات ولا تزال إلى هيمنة ميليشيات إيرانية متنكّرة بزيّ النظام المتعطّش إلى انتقامات. ولعل الاتفاق الأميركي- الروسي على خريطة توزّع القوى في الرقّة ومحيطها يمهّد لتسليم كامل المحافظة، في مرحلةٍ ما، إلى النظام. لذلك طالب الائتلاف السوري المعارض (بيان 28/07/17) بأن تكون إدارة الرقّة تحت إشراف «الحكومة السورية الموقتة» التابعة له، وأشار إلى «ارتكاب قوات سورية الديموقراطية جرائم حرب وعمليات قتل وتصفية (...) وتهجير لبلدات وقرى في ريف الرقّة». ولا فارق بين أكراد «قسد» وقوات نظام بشار الأسد بالنسبة إلى «الائتلاف»، فلديه الكثير من الوثائق التي تثبت تعاونهما منذ بداية الأزمة السورية. ومن ذلك مثلاً كتاب موقّع (رقم 37568/66) من وزير دفاع النظام جاسم فهد الفريج (08/01/2015) يطلب فيه من القائد العسكري في المنطقة الشرقية «إمداد حزب العمال الديموقراطي الكردستاني بجميع احتياجاتهم من سلاح وذخيرة ومعلومات ميدانية خاصة بمناطق وجبهات القتال الساخنة ومشاركتهم العمليات العسكرية».

في كل حالات الانسحاب من مواقع القتال سواء من جانب الأكراد أو «داعش» كان الخيار التلقائي تسليمها إلى قوات النظام وإيران، وكانت النتيجة دائماً تهجير من تبقّى من سكان. لم يحدث أن فضّل الأميركيون تسليم أي منطقة إلى فصائل معارضة ولو معتدلة بحسب تصنيفهم. والواقع أن إضعاف المعارضة وعدم تمكينها وكبح اندفاعاتها تحوّلت منذ منتصف 2012 استراتيجية اتّبعتها إدارة باراك أوباما وتتابعها إدارة دونالد ترامب، متوافقتَين فيها مع روسيا وإيران والنظام، ضمنياً وعملياً، على هدف واحد: شرذمة «الجيش السوري الحرّ»، وقد ساهمت الدول الداعمة لهذا «الجيش» بتنافساتها وتنافراتها في تحقيق الهدف ذاته، أرادت أو لم ترد. ولم يبقَ من هذا «الجيش» سوى فصائل صغيرة إما محاصرة وغير قادرة على التأثير في مجرى الأحداث، أو ناشطة في الحرب على «داعش» وفقاً للشروط الأميركية التي تحرّم عليها مقاتلة النظام. حتى أن تركيا فرضت هذا الشرط على قوات «درع الفرات» (وهي من «الجيش الحرّ») ليسمح لها الأميركيون والروس بالقتال لطرد «داعش» من شريط جرابلس شرق الفرات، من دون الوصول إلى مدينة الباب.

على رغم استمرار التواصل بين الخارجية الأميركية والائتلاف السوري المعارض، خصوصاً للتنسيق في شأن التفاوض السياسي وبعض الملفات الإنسانية، إلا أن واشنطن لا تفكّر في تمكين المعارضة من إدارة أي منطقة، فهي أقامت فصلاً تاماً بين المعارضة والفصائل المرتبطة بها وبين مجريات الحرب على الإرهاب التي يشرف عليها البنتاغون. كانت هناك فرصة مطلع عام 2015 عندما عرض الجنرال جون آلن على وفد للمعارضة (رئيس الائتلاف خالد خوجة وسلفه هادي البحرة ورئيس الحكومة أحمد طعمة ووزير الدفاع سليم إدريس) أن تنضم الفصائل المقاتلة إلى برنامج تدريب وتجهيز وتطوير لمحاربة «داعش» بمعزل عن الصراع الداخلي. كان عرضاً أميركياً يصعب قبوله بسبب شرطه الأساسي ويصعب رفضه بما ينطوي عليه من فرص، ولم يجرِ نقاش حرّ ومعمّق داخل الائتلاف، إذ كانت تركيا حسمت لجهة الرفض لأن الأميركيين لم يوافقوا على مشاركتها. وبناء عليه اختار البنتاغون الاعتماد على الأكراد ثم ضمّ إليهم ما أمكن جمعه من فصائل عربية.

كانت مقولة «مقاتلة داعش تعني مقاتلة النظام» تتردّد هنا وهناك، لكن أنقرة كانت تفكّر فقط بمقاتلة الأكراد، ولئلا تخسر أي دور ولو صغير في سورية اضطرّت لاحقاً للموافقة على الشروط الأميركية (والروسية). ولو أن أنقرة لم تمنع الائتلاف السوري من قبول العرض الأميركي آنذاك لربما اتخذت معركة الرقّة، بل بالأخص معركة دير الزور، مساراً آخر أكثر انسجاماً مع سعي حقيقي إلى حل سياسي للصراع الداخلي وأقلّ إثارةً للمنافسات الإقليمية. فالمسار الحالي في الرقّة يبدو واضحاً بأنه يشحذ منطق الغلبة والانتقام لدى النظام وإيران في استعدادهما لتأجيج صراعات عربية- كردية واستغلالها. أما بالنسبة إلى دير الزور، وإن لم يتّضح بعد، فإن المقدمات الراهنة لا تشير إلى تصميم أميركي على منع تواصل الميليشيات الإيرانية عبر الحدود العراقية- السورية، ولا إلى اتفاق أميركي- روسي محتمل على توزّع القوى في هذه المحافظة الشاسعة. فالاتفاق أكثر صعوبة لأن الروس لا يملكون قوة برية تابعة لهم ولا يضمنون عدم الاختراق الإيراني لقوات النظام، ثم أن كل الأطراف تريد حصّة في دير الزور الغنية بالنفط والأراضي الزراعية.

لا يزال التركيز الأميركي على الرقّة، ولم يحسم البنتاغون بعد تحضيراته الأولية لمعركة دير الزور التي غدت محط الأنظار ولا تبدو وشيكة لكن يُتوقع أن يتسارع الإعداد لها بعد معركة تلعفر في العراق وكذلك بعد الانتهاء من الرقة وترتيبات إدارتها. ويُنظَر إلى المواجهات الدائرة في مناطق البادية الممتدة من قاعدتي التنف والزغب الأميركيتين وصولاً إلى البوكمال، بين قوات النظام وإيران وفصائل مدعومة أميركياً، على أنها ذات علاقة مباشرة بمعركة دير الزور. وفيما تأكد أن الأكراد لن يشاركوا فيها لا تزال القوى المرشحة للقتال قيد الإعداد، إذ يحبذ الأميركيون صيغة مشابهة لـ «قسد» مع دور محوري للعشائر، ومع أنهم لم يحدّدوا بعد الفصيل الذي سيقود المعركة برّاً فإن قوات «مغاوير الثورة» التي درّبت في الأردن ويقودها المقدم مهند الطلّاع ستضطلع بدور رئيسي.

أياً تكن سيناريوات معركة دير الزور يعتقد الخبراء أن الولايات المتحدة مصممة على الاحتفاظ بـ «الجزيرة الفراتية» (الجزء الشمالي الشرقي من المحافظة)، ولذلك سببان: ثرواتها، ومتاخمتها للمناطق الكردية. أما الجنوب الغربي أو «الشامية»، الذي يتقاسمه حالياً «داعش» مع النظام، فسيتأثّر بنتائج معارك البادية وبالتقدّم المستمر لقوات النظام وايران من ناحية الغرب مروراً بريف الرقّة الجنوبي. وثمة توقّعات في أوساط المعارضة بأن «داعش» قد يتخلّى مع اشتداد المعارك عن الأحياء التي يسيطر عليها في هذا الجزء لمصلحة النظام وإيران.

بعد سقوط حلب أوائل العام الماضي، كرر الضباط الروس في لقاءات مع ممثلي فصائل المعارضة، أن روسيا «ستأخذ أيضاً دير الزور»، وفي ذلك دلالة على وجود استراتيجية لا تزال مفتقدة عند الجانب الأميركي أو أنها تقتصر في الشمال على تأمين الكيان الخاص بالأكراد. أما الهدف الاستراتيجي الآخر والمعلن عنه أميركياً، أي الحدّ من النفوذ الإيراني، فلا يزال متذبذباً، لكن محكه الأساسي يقترب وسيكون تحديداً في دير الزور، وإذا لم تكن هناك ضوابط أميركية- روسية لدور ايران في المعركة ولحركة ميليشياتها عبر الحدود مع العراق، فإن «الانتصار الاستراتيجي» الذي هللت له طهران طوال الشهور الماضية سيتحقق بامتداد متواصل لـ «الهلال الشيعي» أو «الفارسي» من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق.

اقرأ المزيد
٣ أغسطس ٢٠١٧
بين «دمعة» نصرالله و «فرح» أم القتيل

دمعت عينا الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصرالله على قتلاه في معركة جرود عرسال. لكن تلفزيون «المنار» التابع للحزب سرعان ما عوّض هذا البكاء العرَضي كي لا تتغبش صورة الحزب في أذهان جمهوره ومريديه، أو حتى أعدائه، أو يشك أحد في «صلابته» وقدرته على تقديم رجاله. فظهرت والدة أحد قتلى المعركة وهي توزع البقلاوة «فرحاً» بموت ابنها، وترفض أن يتوجه إليها أحد بالتعزية، مصرّة على تقبل التهاني. ثم ظهر أهالي قتلى آخرين وهم «مسرورون» بنيل أبنائهم «الشهادة على طريق الحسين».

ليس سحق المشاعر الإنسانية وتدجينها وتحويرها وتبجيل الموت، طقساً غريباً عن الحزب «الإلهي»، بل هو جزء أساس من عدته الإعلامية والتعبوية والسياسية، يستخدمه في تجييش طائفته وترويضها وكسر إنسانية المتأففين من جسامة الخسارة البشرية، مُطلقاً ما يشبه مباراة زجلية في المزايدة بين أهالي عناصره، الأموات منهم والأحياء، ورابطاً دوماً بين أي معركة يخوضها، مهما صغرت أو طاولت الشبهة دوافعها، وبين مصير الشيعة منذ كربلاء إلى اليوم. وكأن رجاله الذين ذهبوا لقتل السوريين في بلادهم وعلى أرضهم يواصلون «المعركة ذاتها»، بما فيها من إضافات مُتخيلة للتلاعب بالنفوس والعقول.

لكن في هذه المقاربة تناقضاً فادحاً وفاضحاً، إذ كيف يرعى الحزب في ذكرى «عاشوراء» من كل سنة، مختلف أنواع الندب والنوح والبكاء على الحسين ومن قضوا معه، ويجبر العاصمة بيروت ومناطق أخرى على الاتشاح بالسواد والمشاركة في الحداد، ثم يطلب من آباء وأمهات من «يكملون المسيرة» أن لا يبكوا قتلاهم؟

هو، إذاً، يستخدم البكاء متى كان يخدمه، ويرفضه متى كان يخدمه أيضاً، كأنه يحوّل «عاشوراء» متنفساً للذين اضطروا إلى كبت حزنهم ودموعهم أمام كاميراته ومسؤوليه الذين يقدمون التهاني والتبريكات، قبل أن يدرجوا المفجوعين المتنكرين لمشاعرهم في لائحة المستفيدين من تقديمات «مؤسسة الشهيد» المجزية.

وحده الأمين العام يحق له أن يذرف دمعة بالنيابة عن كل أهالي القتلى، لأن بكاءه يعزز صورته «قائداً استثنائياً» لا تنطبق عليه معايير «الرعية». أما بكاؤهم فقد يلحق ضرراً بصورة «النصر الكبير» الذي تحقق في جرود عرسال، ويفتح باباً للتساؤل عن جدوى الحرب الدائمة التي يدعوهم الحزب إلى خوضها، كل الوقت وضد الجميع.

وإذا كان الحزب يُلقن بيئته بأن موت أبنائها أمر عادي، بل مرغوب ومطلوب ومفرح، فماذا يفعل مع سائر اللبنانيين الذين يسومهم قهراً يومياً في أصغر الشؤون وأكبرها، من العراضات المسلحة والقتل بالرصاص العشوائي، لمناسبة أو من دونها، إلى التسيب في الإدارات والمرافق، إلى الفساد المحمي بالنفوذ والمحاصصة، إلى التنكيل بالمعترضين والمحتجين، وحتى قبول فكرة السماح لقاتل جنودهم (أبو مالك التلي) المطلق السراح من سجون الأسد، بانتقال آمن، طالما أن ذلك يخدم خطة إلغاء الحدود.

ذرف نصرالله دمعة، لكنه منذ سنوات طويلة يُبكي معظم اللبنانيين الذين فتك حزبه بمقومات ما تبقى من دولتهم، بعدما وضعت التسويات التلفيقية للحروب الطائفية التي أجريت برعاية دمشق، البلد وأمنه وسياسته وتحالفاته بين يديه، وسلمته قرار الحرب والسلم والتدخل الخارجي من النهر الكبير شمالاً إلى الناقورة جنوباً، وصولاً إلى إلغاء عملي للحدود الشرقية مع «سورية الأسد»، ليضيف إبكاء السوريين إلى «إنجازاته».

اقرأ المزيد
٣ أغسطس ٢٠١٧
الاتفاق النووي وحقيقة «صراع الأجنحة» داخل إيران

يميل كثير من المحللين عند تقييمهم لتأثير الاتفاق النووي على الداخل الإيراني إلى الحديث عما يسمى «بصراع الأجنحة». المقصود هو اختلاف التوجهات الظاهر بين الاتجاه المنفتح الذي يمثله الرئيس حسن روحاني، والذي يدعم الاتفاق بقوة، والاتجاه الآخر المدعوم من المرشد، الذي أبدى منذ البداية تحفظاً عليه.

الحقيقة هي أن هذا الصراع بهذا المعنى لا وجود له. ببساطة، وبغض النظر عن خطاباته الحماسية، فإن المرشد لو كان يعارض هذا الاتفاق بشكل جاد لما كانت إيران قد سعت لتوقيعه وإنجاحه، كما أنه، لو كان لديه أي تحفظ على مشروع روحاني لما كان سمح له بالترشح ناهيك عن الفوز بالرئاسة.

لقد فصّلت ذلك في مواقع أخرى تعليقاً على الديمقراطية الإيرانية، وطريقة الانتخاب الفريدة التي تقود لمنح الحق في الترشح والانتخاب لتيار واحد يسانده المرشد، وتراقبه السلطة الدينية. قلت حينها إن ما يظهر من تنافس واشتباكات ليس في كثير من الأحيان إلا مجرد نسخ مختلفة من تيار واحد. يمكننا أن نقول إن الولي الفقيه، رأس النظام الحقيقي، يملك جناحان يتحكم بهما ويستخدمهما بحسب الظرف الزماني والمكاني. جناح الانفتاح والاعتدال الذي يخاطب به الغرب، معلناً عن مد جسور التعاون والتقارب معهم، وجناح التشدد الموجه إلى الجيران في المنطقة، وإلى كل عدو مفترض، والذي يقوم على لغة التهديد وتجهيز الميليشيات وأعمال الإرهاب.

المرشد هو الداعم الأهم لتنظيم الحرس الثوري الإيراني، النواة الأقوى للسياسة والدفاع والاقتصاد الإيراني، ولكنه في الوقت ذاته، المحدد الأهم لتوجهات الرئاسة الإيرانية وتحركاتها الخارجية. إذا اتفقنا على كون أن المرجعية التي يحتكم إليها الطرفان واحدة، فربما يكون من الأصح الحديث عن «تنافس» لا صراع الأجنحة، تنافس يأمل فيه كل فريق أن يكسب هذه المرجعية إلى صفه، إلا أن ذلك، أي انحياز المرشد التام لجهة دون أخرى، غير ممكن، حيث يدرك الرجل بخبرته الطويلة خلفيات أصحابه، فلا يستغني عن أحد منهم. على سبيل المثال فإنه حين كان الوقت وقت تشدد وتصعيد مع الغرب، قام بتصدير شخصيات مثل محمود أحمدي نجاد ووزير الخارجية علي أكبر صالحي. أما حين احتاج لإقناع العالم بإيران الجديدة التي تغيّرت، فقد استعان بشخصيات مثل الرئيس روحاني ومحمد جواد ظريف، الذي لم يكن فقط وزير خارجية، ولكنه أيضاً ممثل إيران والمفاوض الأهم في ما يتعلق بالاتفاق النووي، وهو الملف الذي كان يسيطر عليه سلفه الذي اشتهر بتشدده، سعيد جليلي رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي.

أكثر من ذلك فإن هذا التقسيم إلى معسكر اعتدال وتشدد، وهو ما يميل إليه أغلب المتناولين للشأن الإيراني، خاصة إبان الانتخابات، هذا التقسيم لا يرضي حتى مرشد الثورة، وهو ما عبر عنه بوضوح في كلمة ألقاها عقب فوز روحاني بالرئاسة، منتقداً نزعة «تقسيم الشعب».

كأن علي خامنئي أراد أن يقول إن مسألة المعسكرات هذه كانت مجرد لعبة انتخابية لإضفاء بعض التشويق على عملية الانتخاب والاقتراع، أما محاولة تحويل ذلك لاستقطاب جاد يهدد كيان الدولة، ويبني كياناً معارضاً موازياً، فهو أمر غير مقبول.

لم يكتف المرشد بالتلميح، ولكنه قال بشكل صريح أنه لن يسمح بتكرار ما حدث عام 2009 حيث تم «التساهل» مع تيار الإصلاح الذي نما وتقوى لدرجة كادت أن تضيّع الدولة. لقد قطعت كلمات خامنئي الواضحة الطريق على من كانوا يأملون في التستر خلف الرئيس المنفتح الجديد والمقبول من المؤسسة الدينية، من أجل تنفيذ مشروعات إصلاحية أو ليبرالية. كما حملت رسالة واضحة للرئيس روحاني نفسه مفادها تذكيره بضرورة الالتزام بالخط المرسوم الذي يجب ألا يحيد عنه.

في الواقع فقد كان روحاني شديد الانتقاد لتدخل مؤسسة الحرس الثوري في الحياة السياسية، حيث اعتبر أن دورها يجب أن يقتصر على تأمين الثورة وحماية البلاد، إلا أن الرسالة التي حرص المرشد وغيره من المقربين، كعلي لاريجاني، على تكرارها، هي أن هذه المؤسسة وغيرها من الأذرع الأمنية كقوات الباسيج هي خطوط حمر لا يجوز المساس بها. ما يمكن أن يوضح الحالة الفريدة التي نحن بصددها، أن الرئيس روحاني وفي انتقاده لمؤسسة الحرس الثوري لجأ للتذكير بإمام الثورة الأول، الخميني، الذي لم يكن يرضى بتحول هذه المؤسسة لذراع سياسية واقتصادية. أما الحرس الثوري فهم أيضاً، وحين يرغبون بكسب نقاط لصالحهم ضد مؤسسة الرئاسة، فإنهم يتهمونها بالتمييع والانحناء والتذلل للغرب، مما يخالف بشكل صريح مبادئ الثورة وخط مرشدها.

انتهز خط التشدد الحظ السيئ للرئيس روحاني، فقد كان واضحاً أن الأمور بدأت تخرج عن سيطرته، وأن مخططه الطموح لم يمض بالشكل الذي توقعه على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وهو ما جعل منافسيه يطرقون على وتر أن بلادهم قدمت الكثير دون أن تنال شيئاً بحجم تنازلاتها.

كان الرئيس روحاني قد قدم إبان ترشحه، مشروع الانفتاح على الغرب، كحل للأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد. بدا للقيادة ولعامة الشعب الإيراني حينها أن هذا الاتفاق يشكل أرضاً صلبة يمكن الاتكاء عليها، للخروج بالبلاد من الأزمة التي أفرزها الانغلاق السياسي، والعقوبات التي استمرت لما يقارب العقدين من الزمان.

بعد تلقي الضوء الأخضر من القيادة الدينية قام روحاني بعد أسابيع قليلة من توليه الرئاسة، بتوقيع اتفاق مبدئي في ما يتعلق بالاتفاق النووي. كان الرجل جاداً فعلاً وكان الانفتاح على الغرب والتطبيع مع مؤسساته يمثل بالنسبة له أولوية قصوى.

الأيام الأولى بعد توقيع الاتفاق كانت مثمرة، شعر فيها الجانب الإيراني ببعض الانتعاش، لكن الحال لم يلبث أن تغير مع تولي دونالد ترامب الرئاسة، فبعد أن تم منح النظام الإيراني الكثير من المليارات عبر الشركات، والشراكات مع الكثير من مؤسسات العالم، خاصة الأوروبية منها، في العام الماضي، إذ بالإدارة الجديدة ومنذ بداية هذا العام تقوم بفرض الكثير من العقوبات، وتجميد الكثير من الأموال استناداً إلى السلوك الإيراني غير البناء.

كل ذلك شكّل ضغطاً على الرئيس روحاني وفريقه، الذي كان يراهن على مخطط الانفتاح. في الداخل، وعلى صعيد الشارع والاقتصاد الإيراني، لم تخل الصورة من قتامة، فقد تزايدت الشائعات والإحباط، كما زادت نسبة البطالة والتضخم الذي تسبب بدوره في تزايد ارتفاع الأسعار. بالنسبة للأغلبية فإن الحال لم يتغير كثيراً بعد الاتفاق وهو أمر محبط بعد سيل من الوعود والآمال.

بالتأكيد فإن أسباب التعثر الاقتصادي لا تعود فقط إلى العقوبات الغربية أو الأمريكية، وإنما تسببت فيها عوامل أخرى، لعل أهمها التدخلات العسكرية الإيرانية الخارجية، وإصرار النظام على إغداق الملايين على أذرعٍ وخلايا مسلحة في أكثر من مكان.

ما يمكن أن نخلص إليه هنا هو أن الحديث عن صراع بين أجنحة مختلفة غير دقيق ويستند بشكل كبير إلى المقارنة بما يحدث في دول أخرى. بالمقابل فإن التنافس وتضارب المصالح موجود ولا يمكن إنكاره، على سبيل المثال فإن التطبيع والاستفادة الكاملة من الاتفاق النووي يمر عبر تحجيم دور الحرس الثوري، وهو ما تعرفه جميع الأطراف. رؤية روحاني هي تقليل دور هذه المؤسسة السياسي وتغلغلاتها الاقتصادية الواضحة، من أجل مساعدة البلاد على الانخراط أكثر في الحياة الاقتصادية الدولية. قيادات الحرس التي وقعت عليها عقوبات إضافية هذا العام تنظر بتشكك لهذا الرأي، الذي يبدو لها وكأنه مجرد وسيلة لتجريد إيران من قوتها العسكرية عبر استهداف الحرس وغيره من المؤسسات الأمنية والعسكرية.

سواء كان الرئيس روحاني صادقاً في انتقاداته للحرس الثوري، أو كانت آراؤه تلك مجرد مناورة سياسية، فإن خيار تحجيم القبضة السياسية والأمنية للحرس الثوري يبدو مستبعداً، وهو ما أكده بداية هذا الأسبوع أحمد جنتي رئيس «مجلس خبراء القيادة» الذي يمثل الأصولية السياسية الحاكمة. رأى جنتي في محاولات تفكيك هذه المؤسسة مخططاً أمريكياً لإضعاف الدولة، ووصف من يلمحون للتخلي عن الحرس الثوري بأنهم «تيار فتنة» وأنهم بفعلهم هذا إنما يساندون الأعداء.

بقي أن نقول إنه لا توجد خطوط واضحة هنا بين التشدد والاعتدال. على سبيل المثال بعد شروع الرئيس ترامب في تنفيذ سلسلة عقوبات قاسية جديدة ضد النظام الإيراني فإن روحاني، المعتدل، سرعان ما نزع رداء دبلوماسيته مهدداً برد إيران على ذلك. أما رموز التشدد فإنهم كذلك يغيّرون خطابهم بحسب واقع الحال، فلا تستغرب إن رأيتهم في بعض المناسبات وهم يتحدثون بدبلوماسية عن أهمية الحوار ومراعاة حقوق الجوار والتعاون الإقليمي. هي لعبة ذات احترافية عالية يصعب على الكثيرين فهمها أو ملاحقتها.

اقرأ المزيد
٢ أغسطس ٢٠١٧
هل تصاعد التوتّر بين واشنطن وموسكو مدعاة للسرور؟

إن الصراع الحالي بين روسيا والولايات المتحدة صراعٌ بين دولتين إمبرياليتين على شاكلة الصراع الذي أدّى إلى الحربين العالميتين أكثر مما هو استمرار للحرب الباردة التي كان فيها خطاب موسكو معادياً للإمبريالية (بحلّتها الرأسمالية، علماً بأن موسكو كانت تمارس من جهتها اضطهاداً قومياً وهيمنة دولية في فلكها). وكان الاتحاد السوفييتي يدعم حركات التحرّر الوطني خارج دائرة نفوذه الخاص، بما في ذلك منطقتنا من الجزائر إلى فلسطين مروراً باليمن الجنوبي. فكان تصاعد الصراع بين القطبين العالميين في زمن الحرب الباردة يؤدي إلى تصعيد في الدعم السوفييتي لمعظم حركات التحرر. والحال أن الحرب الباردة أدّت إلى انقلاب موسكو على دولة إسرائيل بعد أن أيّدت تأسيسها، وإلى مساندة الاتحاد السوفييتي للأنظمة القومية العربية ضد الأنظمة الرجعية الموالية للغرب.

أما اليوم، فالصورة أكثر تعقيداً بكثير بحيث أن أوساط السلطة في الولايات المتحدة ذاتها منقسمة إزاء روسيا بين من ينظر إليها بالدرجة الأولى كمنافس إمبريالي ويرى في تسعير العداء ضدها وسيلة لضمان ولاء أوروبا لواشنطن، وبين الذين يرون في بوتين في المقام الأول حاكماً غارقاً في اليمينية يشاطرون منحاه الرجعي وينظرون إليه كحليف. وتشمل الفئة الأولى غالبية المؤسسة الحاكمة وكافة المصالح الأمريكية المرتكزة إلى مواصلة استراتيجية الحرب الباردة، وهي المصالح التي حدت الرئيس الأمريكي السابق كلينتون إلى الإبقاء على الحلف الأطلسي وتوسيعه شرقاً. أما الفئة الثانية فتضمّ التيار الأيديولوجي اليميني المتشدّد في الولايات المتحدة، الذي تشكّل كراهية الإسلام إحدى سماته البارزة والذي غدا يحتل مركزاً مرموقاً في البيت الأبيض.

والمحصّلة أن قضية التحرّر الديمقراطي في منطقتنا العربية ما لها ناقة ولا جمل في هذا الصراع بين قوتين إمبرياليتين تتساويان في لهثهما وراء التعاون مع الأنظمة الرجعية الاستبدادية العربية على اختلافها. وقد تكون المعزّة التي يبديها كل من الرئيسين بوتين وترامب تجاه الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي خير دليل على ما نقول. فجلّ ما يهمنا اليوم في العلاقات بين واشنطن وموسكو هو كيف تنعكس على المعركة الكبرى في سبيل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي دشّنها «الربيع العربي». وبما أن سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي كانت ولا تزال تقع في دائرة النفوذ الروسي، والدولة العربية الوحيدة التي تشهد تدخّلاً عسكرياً روسياً واسع النطاق، فمن الطبيعي أن تكون هي الساحة الأكثر تأثراً بمجرى العلاقات الأمريكية/الروسية.

فما هي إذاً معطيات الوضع السوري من منظور قضية التحرّر الديمقراطي التي انطلقت الثورة السورية على أساسها سنة 2011، قبل أن تتحوّل إلى نزاع مسلّح بين نظام قمعي مضطهِد وقوى معارضة له لا يختلف معظمها عنه من حيث القمع والاضطهاد. وقد نتج عن ذلك التحوّل أن الاحتمال الديمقراطي في سوريا بات محصوراً بالأمل في التوصّل إلى تسوية بين النظام والمعارضة، تُوقف النزاع المسلّح وتُفسح مجالاً للنضال السياسي أمام مناوئي المعسكرين. بيد أن التوصّل إلى مثل تلك التسوية كان يقضي إضعاف النظام إلى حدّ اضطراره إلى المساومة. وهذا ما حال دونه التدخّل الإيراني الميداني منذ ربيع 2013 ومن ثمّ التدخّل الروسي بدءًا من خريف 2015، بعد أن بلغ الدعم الإيراني حدوده وبات النظام مرة أخرى في وضع عسكري حرج.

في ذلك الوقت، لو كانت واشنطن متشدّدة في وجه موسكو لحالت دون التدخّل الروسي بما كان من شأنه أن يفرض المساومة على النظام تداركاً لاندحاره. إلّا أن التخاذل الذي ميّز إدارة أوباما قد شجّع فلاديمير بوتين على التدخّل في سوريا بعد تدخّله في أوكرانيا وضمّه لشبه جزيرة القرم في السنة السابقة. وكانت نتيجة تضافر جهود إيران وروسيا في دعم نظام آل الأسد أن كفة هذا الأخير رجحت في ميزان النزاع السوري، على الأخص بعد معركة حلب في خريف 2016. إثر ذلك استعدّ بوتين للتعاون مع رئيس أمريكي جديد كان يعلن للملأ رغبته تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو. فانقلبت موسكو من طرف في النزاع إلى حكَم بين أطرافه الرئيسية السورية والإقليمية، جامعةً في آستانا النظام والمعارضة وإيران وتركيا.

في هذا الإطار، كانت الصيغة الوحيدة التي بوسعها أن تحقق في آن واحد رغبة الدول الغربية جمعاء في إنهاء النزاع السوري وعودة اللاجئين ورغبة إدارة ترامب بوجه خاص في إخراج إيران من سوريا، هي اتفاق دولي يكرّسه مجلس الأمن الدولي وينصّ على انتشار قوات حفظ سلام دولية في سوريا، تشكّل القوات الروسية عمودها الفقري، كما ينصّ على خروج كافة القوى الأجنبية غير المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة بما يشمل القوات الإيرانية وحلفائها الإقليميين. ومثل هذه التسوية لو تمّت لشكّلت أفضل ما يمكن توخّيه لسوريا ولقضية الديمقراطية فيها في الأفق المنظور. وهي ترتهن طبعاً بعقد صفقة كبرى بين واشنطن وموسكو، تشمل كافة نقاط التوتّر بينهما.

ومن هذه الزاوية فإن التصعيد الراهن للتوتّر بين العاصمتين بنتيجة قرار الكونغرس الأمريكي زيادة العقوبات على روسيا ومنع ترامب من إلغائها بدون الرجوع إليه، هذا التصعيد إنما هو مصيبة علينا. فمن شأنه وأد أفق التسوية في سوريا الذي كان قد بدأ يلوح في الأفق من خلال جملة بوادر، منها الاتفاق الروسي/الأمريكي الأخير على وقف النزاع في الجنوب السوري. ومن شأن ذلك التصعيد توطيد العلاقات بين روسيا وإيران وتعاونهما في الساحة السورية بما ينذر بمواصلة الحلف الثلاثي الروسي/الإيراني/الأسدي حملته من أجل توسيع رقعة سيطرته، ويُبعد بالتالي أفق إنهاء القتل والتدمير.

اقرأ المزيد
٢ أغسطس ٢٠١٧
بين شيعة العراق وإيران!

اليوم، هناك أربعة أقطاب من شيعة العراق لا يسرّهم نفوذ إيران الكاسح في بلدهم. وأغلب الظنّ أنّهم، وبغضّ النظر عمّا يقولون، لا يمانعون في نفوذ آخر يوازن النفوذ الإيرانيّ، متيحاً للوطنيّة العراقيّة أرضاً أوسع للمناورة.

حيدر العبادي، كرئيس حكومة، يعرف أنّ الدولة التي يقف على رأسها ستبقى بلا رأس في ظلّ هذا التضخّم الإيرانيّ. السيّد علي السيستاني، المرجع الشيعيّ الأعلى والأوّل، يعرف أنّ عمائم قم ستبقى قيداً على عمامته. السيّدان مقتدى الصدر وعمّار الحكيم، ممثّلا العائلتين الأوثق صلة بـ «الشيعيّة العربيّة» في العراق، يعرفان أنّ قدرة الشيعيّة الإيرانيّة على القضم أقوى من أن يعيقها اعتداد العشائر الشيعيّة العربيّة بأصلها وفصلها.

هؤلاء الأربعة يعبّرون عن ذلك، كلّ بطريقته. حيدر العبادي قد ينشئ «تكتّلاً انتخابيّاً جديداً»، وقد يؤسّس حزباً جديداً يسمّيه «الحرّيّة وإعادة البناء» ينشقّ به عن «حزب الدعوة» الذي تقيم زعامته الفعليّة في يد نوري المالكي. والأخير، كما نعلم، مُعتَمد إيران الأوّل في بغداد والرقيب المباشر على العبادي. السيستاني يحتجب وينكفئ في الملمّات إلى خطوط دفاعه الخلفيّة: إلى الصلاة والتضرّع، وربّما إلى تمنّيات لا يُهمَس بها إلى أقرب المقرّبين. الصدر يزور الرياض للمرّة الأولى منذ عقد ونيّف. عمّار الحكيم هو آخر الأخبار: ينشقّ عن حزبه وحزب أهله «المجلس الإسلاميّ الأعلى» أو يشقّ حزب أهله عنه. يؤسّس «تيّار الحكمة الوطنيّ». يتذرّع بـ «صراع الأجيال» الذي يفصل الشبّان عن جيل مؤسّسي «المجلس» من ذوي الهوى الإيرانيّ، والذين أسّسوه، مع عمّ عمّار، في طهران. يستذكر، على الأرجح، أنّ الإيرانيّين سبق لهم أن شقّوا «منظّمة بدر» عن آل الحكيم ومجلسهم.

الأربعة يعرفون، كلٌّ بطريقته، أنّ إيران سبق لها أن أدمتهم واحداً واحداً، كما يعرفون أنّ القواعد الشيعيّة العريضة صارت، بخليط من ترغيب وترهيب، ومن إفساد وتوظيف وسلاح وإيديولوجيا، تقبل من طهران ما لم تكن تقبله في السابق، وقد ترفض منهم ما لم تكن ترفضه في السابق. لكنّ أهمّ ما يعرفونه أنّ حكّام إيران... يقتلون. يفعلون هذا، كمثل أيّ نظام إيديولوجيّ وتوسّعيّ، بلا رحمة وبلا تردّد. وأن واحداً من أهداف «الحرب المقدّسة» التي تخاض في الشمال السنّيّ تأبيد هذه القدرة الإيرانيّة على القتل وعلى التحكّم.

أمّا من أراد إجراء حساب صارم، فلن تفوته مسؤوليّة الأقطاب الأربعة، ولو بتفاوت، عمّا وصلت إليه الأحوال. آخر تعابير تلك المسؤوليّة أنّ العبادي حسم الجدال المتعلّق بمشاركة «الحشد الشعبيّ» في معركة تلّعفر المرتقبة. لقد قرّر، بعد طول تمعّن، تأييد المشاركة.

لكنْ من دون التقليل من أهميّة التطوّرات الجديدة، ومن خطورتها، فإنّ قائمة طويلة من المهمّات تنتظر القادة الأربعة كي ينجزوا ما يتوقون إلى إنجازه: درجة أعلى في بلورة فكرة المعارضة ولغتها تواكبها درجة أعلى من التقارب والتنسيق بين الأربعة أنفسهم. ديمومة وتماسك في المواقف التي تُتّخذ بحيث لا تنقلب، بفعل المزاج، إلى شيء آخر في اليوم التالي. فرز ما هو ممكن اليوم عمّا لا بدّ من تأجيله إلى الغد. مدّ جسور أقوى وأوضح إلى شركاء الوطنيّة العراقيّة، أي السنّة العرب والأكراد...

والحال أنّ الهجمة الإيرانيّة الراهنة على المنطقة ليست بسيطة، وهي في بغداد تكلّل انتصاراتها، وفي بغداد تبدأ هزيمتها. وليس متاحاً للعراقيّين، والشيعة العرب منهم خصوصاً، أن يتمتّعوا بكماليّات الجمع بين تلك الهجمة وبقاء العراق: فإمّا توسّع إيرانيّ يوالي قضم العراق، وقضم المنطقة انطلاقاً منه، وإمّا عراق سيّد خارج النفوذ الإيرانيّ. وسيادة العراق هي، بالتعريف والضرورة، تداعٍ في نفوذ إيران. المسألة إمّا وإمّا.

لقد كان من نتائج ذاك النفوذ أنّ مفهوم المقاومة بات لا يعني للشيعة العراقيّين إلاّ «ثورة العشرين» ضدّ الإنكليز! أغلب الظنّ أنّ هناك معاني أخرى للمفهوم أشدّ راهنيّة وإلحاحاً بكثير.

اقرأ المزيد
٢ أغسطس ٢٠١٧
مشكلة لبنان: هيمنة «الدويلة» على «الدولة»

أخفق «حزب الله» في حسم معركته مع فلول «جبهة النصرة» في جرود عرسال. فتدخلت «الدولة» لإنقاذ «الدويلة». تمكن اللواء عباس إبراهيم مدير جهاز «الأمن العام» الرسمي، من عقد صفقة هشة مع «جبهة فتح الشام» أحد فصائل «النصرة» المعسكرة في الجرود، لوقف القتال مع الحزب.

شكراً للدولة. فمصداقية اللواء عباس أقوى من مصداقية «حزب الله». وعليه أن يستكمل الصفقة، بإقناع فصائل «النصرة» بالهجرة إلى محافظة إدلب في شمال غربي سوريا التي باتت ملجأ للفصائل الدينية المتزمتة والمعتدلة.

لكن يتعين على «حزب الله» أن يشرب أولاً كأس الهزيمة حتى الثمالة. فيتوسل بشار للسماح بتمرير فلول «النصرة» إلى إدلب. ثم عليه أن يسمح للجيش اللبناني بتصفية الجيب الحدودي الذي تحتله «داعش» في جرود «رأس بعلبك».

هل يستطيع الجيش الحسم مع «داعش»؟ أم يجب على اللواء عباس التوسط لوقف القتال. والتفاوض مع الدواعش للمغادرة... إلى أين؟ لم تعد هناك ديار «للدولة الداعشية». وعلى «داعش» أن يقبل بخيارين أحلاهما مر: الاستسلام، أو القتال حتى الموت.

لماذا باتت الحرب التي أشعلها الحزب والجيش صعبة الحسم للغاية؟ السبب كون الحدود اللبنانية/ السورية غير مرسومة بدقة. هناك من يقول إن عرسال ورأس بعلبك أرض سورية. السبب الآخر غياب تأييد الشارع الإسلامي/ المسيحي لحروب «حزب الله». فما الفائدة التي يجنيها لبنان، من إحلال مرتزقة إيران محل فلول «داعش» و«القاعدة» على الحدود السورية/ اللبنانية؟

السبب الثالث مسايرة الجيش اللبناني لـ«حزب الله». فقد غض الجيش النظر عن توريط إيران للحزب في الحرب السورية. وعن تسليحها للحزب بالصواريخ والأسلحة الثقيلة، بحيث بات أقوى من «جيش الوطن». ثم عن هيمنة «دولة» الحزب على مؤسسات «الدولة الشرعية». ووصلت هذه الهيمنة إلى صيدا وبيروت الغربية (السنية) التي اجتاحها الحزب قبل تسع سنوات.

هناك أكثر من شاهد على هذه الهيمنة الكريهة. فقد ترافقت حرب «حزب الله» بحملة عنصرية على السوريين اللاجئين. وباجتياح الجيش لمخيماتهم المجاورة لعرسال. ووفاة أربعة إلى عشرة من المعتقلين تحت التعذيب. ونحج اللواء عباس في الإفراج عن أسرى الحزب لدى «جبهة النصرة»، فيما بقي مصير جنود الجيش الأسرى مجهولاً: هل قتلوا أم جرحوا بنيران «حزب الله» الصديقة؟ هل أقدمت «النصرة» على إعدامهم انتقاماً من الحزب؟ أم هل أفلتوا فعادوا إلى أهاليهم سراً؟

لا يعني التذمر السياسي والشعبي من «حزب الله» أن اللبنانيين منحازون أو متعاطفون مع التنظيمات المتزمتة المتسللة إلى الأراضي اللبنانية. فقد فقدت هذه التنظيمات ذرائع وجودها، لتعاملها بقسوة وصلت إلى حد الوحشية مع المدنيين العرب في سوريا والعراق. وكان تفسيرها الضيق للدين، وتطبيقها المتشدد لأحكام الشريعة غير مقبولين لدى سائر المذاهب الفقهية الإسلامية.

ربما كان من الأفضل تأجيل زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى واشنطن. فقد قال إنه ذاهب للدفاع عن «المؤسسات الشرعية» للدولة اللبنانية، بما فيها المؤسسة العسكرية. غير أن الزيارة ترافقت مع شن «حزب الله» حربه الجديدة داخل لبنان. ففسرت الزيارة لدى دوائر العاصمة الأميركية بأنها جاءت للدفاع عن «حزب الله». وعن هيمنته على الدولة اللبنانية.

أجّل الرئيس دونالد ترمب استقبال الحريري إلى اليوم الخامس من الزيارة. ثم فاجأه خلال المؤتمر الصحافي المشترك بشن حملة عارمة على إيران و«حزب الله». ووصف الحزب بأنه يهدد الاستقرار والأمن في المنطقة.
كان على الدبلوماسية اللبنانية التمهيد جيداً لزيارة الحريري. وتبصيره بالمطبات التي قد يواجهها في واشنطن. فقد سبق الزيارة تخفيض إدارة ترمب ولجان الكونغرس الدعم العسكري الأميركي للجيش اللبناني بمعدل 82 في المائة. واتهام أطراف داخله بتسريب أسلحته الأميركية إلى «حزب الله». فعزز الحزب هيمنته على لبنان. وحربه إلى جانب بشار ضد المدنيين السوريين.

الجيش اللبناني ينفي بشدة هذه الاتهامات. وعلى الرغم من ازدياد مصداقيته الأمنية لدى اللبنانيين عموماً، فإنه لا يستطيع إنكار حمايته لجحافل الحزب. وتأمين وصولها إلى الحدود السورية. وفيما يتم اعتقال مسلح (سني) يحمل مدية أو مسدساً، فالجيش لا يستطيع مصادرة 55 ألف صاروخ كدستها إيران في طيات الحزب العسكرية، ومستودعات الذخيرة الخطيرة في مناطق مدنية آهلة بالسكان الشيعة.

ملابسات الزيارة الحريرية للعاصمة الأميركية انعكست فوراً على الموقف السياسي والشعبي المتوتر في لبنان. استغرب «حزب الله» حملة الحريري عليه وهو شريك له في الحكومة التي يترأسها، فيما اعتبرت قطاعات وتيارات في الشارعين الإسلامي والمسيحي مواقف الحريري، أنها تضمنت تقديم «تنازلات» للحزب ولحلفائه ممثلين بـ«التيار الوطني الحر» الذي يتزعمه الرئيس ميشال عون. ويديره صهره وزير الخارجية. وبالداهية نبيه بري الرئيس المزمن لمجلس النواب، والحليف الأول لنظام بشار في لبنان.

لكن تحركات الساسة السنة كانت أصرح. وأقوى من موقف الشارع الشعبي. أقول هنا إن الزعامات السنية المتعاقبة منذ أجيال، تعيش دائماً في انتظار ضعف وارتباك موقف زميلهم رئيس الحكومة، للتحرك ضده أملاً في الحلول محله.

ولذلك جاء موقف الحكومة السعودية حكيماً، في إسناد رئيس الحكومة، لتعزيز الصلاحيات والمسؤوليات التنفيذية لمجلس الوزراء اللبناني، حفظاً للتوازن بين الطوائف الرئيسية الثلاث (الموارنة. السنة. الشيعة) وتأميناً لاستقرار «الدولة الشرعية» في مواجهة شغب «الدويلات».

لم يعد سراً أن هناك اليوم زعامات سنية لبنانية قد فرغ صبرها وهي في انتظار دورها لتولي منصب رئاسة الحكومة. لكنها لا تعارض مباشرة سعد الحريري. هذه الزعامات توَّاقة لإثبات جدارتها. وكفاءتها في الحكم. والحفاظ على استقرار لبنان.

وأستطيع هنا أن أسمي أسماء متداولة كمرشحة لتولي منصب رئاسة الحكومة: اللواء المتقاعد أشرف ريفي المدير السابق لجهاز «قوى الأمن الداخلي» الذي كشف قسم العمليات فيه عدة «مؤامرات» على أمن لبنان. وكافح حلقات التجسس الإسرائيلي. ونبّه القوات السورية و«حزب الله» إلى الاختراقات الإسرائيلية لها. وقبل ريفي هناك «صائم الدهر» المستمسك بالله عبد الرحيم مراد. ولا أنسى أيضاً الملياردير نجيب ميقاتي الذي يعرف أكثر من الحريري كيف يتنسم هبوب رياح التغيير، تلك القادمة من الخليج. أو عبر الحدود مع سوريا الأسد.

اقرأ المزيد
٢ أغسطس ٢٠١٧
شعارات إيرانية كُشفَ زيفها من 'الأقصى' إلى 'وحدة الأمة'

لم يسبق أن كانت القيادة الإيرانية وامتدادات فيلق القدس التابع للحرس الثوري شديدة “التهذيب” حيال الإجراءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، كما شهدنا خلال الأسابيع القليلة الماضية، والحديث عن “التهذيب” هنا يفرضه منطق الأيديولوجيا الإيرانية التي طالما بررت تمددها ودعمها لمجموعات تابعة لها في معظم الدول العربية، في سياق ما تسميه تحرير القدس أو إنهاء إسرائيل من الوجود إلى الإدعاء بالقدرة على تدمير إسرائيل خلال سبع دقائق ونصف الدقيقة، فالقضية الفلسطينية هي الذريعة التي بها نجحت قيادة ولاية الفقيه في اختراق المجتمعات العربية ودولها، وأظهرت قدرة على العرقلة والتدمير من دون أن تستطيع هذه “القيادة الإلهية” أن تقدم نموذجا سياسيا ودنيويا يظهر مدى قدرتها على تقديم مثال حي وجذاب لإطار إنساني أو إلهي أو دستوري يفضح النماذج السياسية القائمة في الدول العربية.

الأيديولوجيا الإيرانية قدمت أسوأ النماذج على صعيد الاجتماع السياسي في المنطقة العربية، ليس بسبب الدمار الذي رافق سيطرتها الجزئية أو الكلية في بعض الدول العربية، بل في تلازم هذه السيطرة مع الانقسام داخل هذه الدول وتفتت مجتمعاتها وبرز المثال الإيراني عربيا متفوقا على كل أعداء المنطقة في أدلجة الانقسام باسم الدين أو المذهب وترسيخه.

رفعت هذه الأيديولوجيا شعار وحدة المسلمين كسبيل لنهوض الأمة العربية والإسلامية من كبوتها، وطريقا للتخلص من النفوذ الغربي في المنطقة، لكنّها فعليا كانت في العقد الأخير أكثر من تفوق في الاستثمار في تفتت الأمة وانقسامها، وأكثر من نأى عن مواجهة من يفترض أنّهم أعداء هذه الأمة بحسب ما روجت القيادات الإيرانية منذ نحو أربعة عقود، فأكبر صفقة أنجزتها إيران مع الغرب، أي المشروع النووي الإيراني، تمّ بقوة طاقة مشاركتها عمليا في تدمير العديد من الدول العربية، وهنا لسنا في إطار تبرئة النظام العربي من مسؤولياته على هذا الصعيد، لكن ما لا يجب أن يغيب عن بال المراقب وهو يقيم السياسة الإيرانية في المنطقة العربية، أنّها كانت من الأساس تصف الأنظمة العربية على أنّها أنظمة لا تمثل شعوبها، بل خانت دولها والأمة، وهذا خطاب مستمر ولا يزال منذ عقود.

وبالتالي لأن الأيديولوجيا الإيرانية تنطلق في مشروعها في المنطقة العربية من هذا الأساس وتضيف إليه أنّها تفضح تآمر العرب على فلسطين، فإن الحصيلة الأولية التي يمكن تلمسها لهذا المشروع على امتداد نفوذه هو أن فيلق القدس كان شديد الاحترام للمصالح الأميركية والإسرائيلية. لم يطلق يوما رصاصة واحدة في وجه إسرائيل، كما كان ولا يزال يفعل حيال العديد من القوى التي تهدد نفوذ إيران وأذرعها في العراق أو سوريا، بل إنّ السياسة الإيرانية الإسلامية أو القومية تتناغم مع أيّ اقتراح يعيد بلورة المجتمعات على أساس مذهبي أو طائفي، إذ تتهاوى كل الشعارات عن وحدة المسلمين أمام أطماع السيطرة والنفوذ، أو في سبيل المصالح المباشرة للسلطة الإيرانية، ودائما على حساب وحدة المجتمعات الوطنية أو وحدة المسلمين.

في المقلب اللبناني وهو البلد الوحيد الذي يمكن أن نقول إنّ إيران من خلال حزب الله تسيطر على مفاصل الدولة فيه، لم يتح لحزب الله أن يتعامل مع هذه الدولة باعتبارها وطنا ودولة يحق له أن يكون موجودا بكل ما تقتضيه شروط الدولة الطبيعية.

فحزب الله طالما ميّز نفسه عن بقية اللبنانيين باعتباره قوة مقاومة تواجه الخطر الإسرائيلي، وتروج دائما للقضاء على الكيان الصهيوني وتحرير القدس، هو دخل إلى سوريا وفي إحدى الذرائع التي روج لها لتبرير قمع الثورة السورية ، أنّه يريد أن يواجه المشروع الأميركي الصهيوني في هذا البلد، فكانت الحصيلة أنّ المحترم في سوريا من قبل إيران هو المشروع الأميركي الصهيوني، وهذا ما أكده اتفاق الجنوب السوري الذي طرد إيران وأتباعها من جنوب سوريا من دون أيّ اعتراض إيراني، رغم أن وظيفة هذا الاتفاق ضمان أمن إسرائيل، وهذا ما تؤكده القواعد الأميركية التي تقام في سوريا من دون أن تتلقى أي تهديد إيراني أو من قبل حزب الله. ما أنجزته إيران في سوريا قمع المعارضين السوريين أما العدو الإسرائيلي بحسب التنظير الإيراني فلا رصاصة وجهت لجندي إسرائيلي أو أميركي.

بحجّة مقاتلة إسرائيل احتفظ حزب الله بالسلاح في لبنان، لكنّه استقوى على اللبنانيين والسوريين، وبحجّة القدس دخلت إيران إلى العديد من الدول العربية، لكن حينما قامت إسرائيل بتهديد المسجد الأقصى بإجراءات عدوانية، كان حزب الله كما إيران منهمكا في حرب أخرى عنوانها قتال الإرهابيين في جرود عرسال اللبنانية والقيام بحملة تطويع للبنانيين باعتباره ينوب عن جيشهم في مواجهة هذا الخطر الذي كان هو أحد مسبباته، وأول من استثمر هذا الوجود لمصالح إيرانية ولحماية سلاحه الذي لا ينافس إلا سلاح الشرعية اللبنانية ولا يهدد فعليا إلا قيام دولة لبنانية ذات سيادة.

أوراق التوت تتساقط عن عورة المشروع الإيراني لتكشف أنه مشروع رفع شعار المقاومة والغاية هي السلطة والتحكم باللبنانيين والسوريين وعدم المس بالمصالح الإسرائيلية والغربية في هذين البلدين، رفع شعار وحدة المسلمين وأفضل من استثمر في الشروخ المذهبية التي قسمت المنطقة وقزمتها فيما حزب الله يعلن عن انتصار وراء انتصار. تتدمر المنطقة وحزب الله منتصر، وإيران تبتهج بانتصارها، تُحاصَرُ القدس فلا نسمع أيّ تهديد إيراني شبيه بما دفع حزب الله قبل خمس سنوات إلى الزج بالآلاف من مقاتليه في سوريا لأنّه اعتبر أنّ مقامات شيعية مهددة في سوريا، أولى القبلتين لم تهز وجدان حزب الله، وإذا أحسنا الظن بنوايا حزب الله وإجراءاته فإنّ القدس ليست على وزن دمشق، ولا المسجد الأقصى بأهمية مقام السيدة زينب في دمشق، وإذا أسأنا الظن فليست الشعارات الدينية إلا وسيلة يجري استخدامها وقت الحاجة.

اقرأ المزيد
١ أغسطس ٢٠١٧
اندلاع الصراع على لبنان من جديد!

ما عاد الحزب الإيراني يُحْسنُ إخفاء نياته ومقاصده منذ سنواتٍ طويلة. وقد كان هناك من قال من المراقبين منذ عام 2008 إنّ صوت الأمين العام للحزب هو من ضمن العُدَّة الإيرانية للتخويف وللإنذار، ولذلك فإنّ الإعلان عن الحرب مقصود، بل والمقصود أيضاً التهديدات بالقتل التي صدرت عن بعض أبواق الحزب ومشايعيه في لبنان في الأيام الأخيرة.

إنّ المحيِّر في هذه التهديدات أنها تصطنع أجواء حربٍ على خصومٍ ما عادوا موجودين، وإن كانوا موجودين بأشخاصهم، فإنهم لا يُعالنون الحزبَ وميليشياته العداء. ولذا فالمرجح أنّ تكونَ المعركة كلها معركةَ الصوت العالي، ولا شيء غير. إنما الخَطرُ فيها إرادة الوصول إلى أهداف مُشابهة لتلك الأهداف المتحققة من وراء مقاتلة إسرائيل!

العنوان الحالي في الحرب على عرسال وجرودها أنها معركةٌ هائلةٌ ضد الإرهاب، ولحماية لبنان منه. وكان الحزب قد مضى إلى سوريا أواخر عام 2012 ليقاتل التكفيريين والإرهابيين للحيلولة دون دخولهم إلى لبنان. ولأنّ حركة 14 آذار كان لا يزال فيها حياة وقوة، فقد تمكنت أواخر عام 2011 رغم الانقلاب على حكومة الحريري، من جمع سائر القوى السياسية اللبنانية عند رئيس الجمهورية ميشال سليمان، حيث صدر إعلان النأي بالنفس عن المجريات السورية. إنما بعد شهور تجاوز نصر الله ذلك ومضى للقتال في سوريا بدءاً ببلدة القصير على الحدود، ولماذا؟ لأن التكفيريين الإرهابيين يوشكون أن يزيلوا التشيُّع ومزارات آل البيت من سوريا ولبنان!

وقد انقضى عامٌ أو أكثر على تدخل الميليشيات الإيرانية والمتأيرنة في سوريا قبل أن «يظبط» خطاب الحملة على الإرهاب. وكان الذي سبق لاستعماله النظام السوري الذي اعتبر كل خصومه إرهابيين. أما حسن نصر الله فقد ظلَّ لسنتين (2013 - 2015) يستخدم مصطلح التكفيريين، إشعاراً للأنصار قبل الخصوم أنّ المعركة طائفية. كان يريد حشد الشيعة بالزعم أنّ التفكيريين السنة يريدون إبادتهم وهدم رموزهم الدينية. وقد بلغ من ثورانه التحشيدي القول للكوادر: إن لم تقاتلوهم في سوريا، فستضطرون لقتالهم في النجف وقم! وفي هذه الفترة كان الجدال بلبنان حول تدخله في سوريا ذا شقين؛ الأول أنّ الحزب بسلاحه غير الشرعي ليس من حقه القتال بداخل الحدود، فكيف بما وراء الحدود، لأن معنى ذلك أنه لا سيادة للدولة، وأنّ هذه الميليشيا هي التي تقرر الحرب والسلم. والثاني أنّ الوطنيين اللبنانيين مسلمين ومسيحيين لا يريدون ولا يقبلون قَتْلَ الشعب السوري وتهجيره بأي ذريعة، لأن ذلك حرام وجريمة من الناحية القومية والأخرى الدينية. وكان نصر الله ومعه التيار الوطني الحر يجيب بأنّ المستنكرين للتدخل في سوريا هم حلفاء للتكفيريين والإرهابيين. وتحدانا نصر الله أن نندفع وراءه لنقاتل كتائبه على أرض سوريا ما دمنا حريصين على الدفاع عن التكفيريين!

ومع ظهور «داعش»، وتجدد وتمدد حرب التحالف الدولي على الإرهاب بعد عام 2014، استمات الإيرانيون، واستماتت ميليشياتهم المتجمعة والمتحشدة في سوريا والعراق، في الانضمام إلى تلك الحرب للإفادة من القوة الأميركية والأخرى الروسية، في مكافحة الإرهاب الداعشي من جهة، وفي التنافس فيما بينهما من جهةٍ أخرى. وما واجه الإيرانيون وميليشياتهم «داعش» مباشرةً لا في سوريا ولا في العراق. وفي كل مرةٍ تدنو فيها الجبهات، كان يمكن أن يحصل اشتباك مع «النصرة» وحلفائها، وإن لم يكن ذلك غالباً؛ أما «داعش» فقد كان ينسحب من وجه قوات النظام السوري أو العكس بمعنى أن ينسحب النظام والإيرانيون والمتأيرنون من وجه «داعش» كما حصل في تدمر وفي البادية، وفي دير الزور ونواحي حمص، وهو يحصل الآن في الجرود الشمالية الغربية للبنان مع سوريا!

ما حقيقة المعركة «الهائلة» التي تحصل الآن في جرود عرسال على الحدود الشرقية للبنان مع سوريا؟ المنتشرون هناك من المسلحين السوريين، هم في الأصل من سكان القصير وقراها، والقلمون السوري، وقراه. وقد شردهم النظام مع عائلاتهم، وشردهم الحزب مع عائلاتهم. ولا شك أنه مع الألوف المؤلَّفة من النازحين القسريين من النساء والأطفال والشيوخ، كان هناك مئات من الشبان الذين كانوا مسلحين وتشردوا في الجبال، أو تسللوا بين النازحين إلى المخيمات العشوائية، أو أنهم وهم المشردون في الجبال كانوا يأتون إلى عائلاتهم أو لاستمداد الغذاء والدواء. أما «النصرة» و«داعش» فهي تسميات لاحقة على تشردهم في الجبال، واستناداً إلى التقسيمات القروية والجهوية؛ إذ تظهر بينهم شخصيات قيادية عندها قدرات تنظيمية، وهمها الرئيسي تأمين الغذاء والدواء وبعض السلاح في تلك الشخاريب والجبال العالية والوديان السحيقة. ومن طريق هذه التسميات دخلت عليهم الجهات المموِّلة، وظهر بينهم المفاوضون والمورِّدون والمصدِّرون والخاطفون والمخطوفون. بل وقد تبين نتيجة القتال الأخير مع الحزب أنّ عندهم في تلك الشواهق والسواحق التي لا يسكنها الإنسان ولا الحيوان مئات من العائلات التي عمل الصليب الأحمر على إجلائها إلى عرسال، بينما كان الهدف المعلن للحزب إجلاءهم عنها! وقد قال كاتب شيعي من المناهضين للحزب: إنّ الأولى بالحزب كان لا أن يرسل لقتال هؤلاء البائسين مقاتلي نخبته، بل مهرِّب المخدِّرات الشيعي الأبرز في المنطقة واسمه نوح زعيتر!

بدأت هذه الحرب إعداداً للنصر الإلهي الجديد قبل ثلاثة أشهر عندما تصاعدت حملات جبران باسيل على اللاجئين من جهة، وحملات نصر الله على إرهابيي عرسال والجرود من جهةٍ ثانية. ورغم أن نصر الله أعلن عن انسحابه من الجرود وترْكها للجيش؛ فإنه وفي خطاباتٍ متتالية كان يطلب من المسلحين وقد خسروا المعركة أن ينسحبوا، ويطلب في الوقت نفسه من الجيش اللبناني أن يقاتلهم أو أنه سيقوم بذلك بنفسه. ولأنّ الجيش تردد بعد سوء تصرفه بعرسال، وغضب السنة، والأميركيين، فقد اكتفى بتطويق البلدة والمخيمات والحيلولة دون نزول المسلحين إذا تضايقوا إليها؛ فاندفعت ميليشيات نصر الله لتحقيق النصر المؤزر على أولئك البائسين المشردين تحت اسم الإرهاب. وبالفعل وخلال ثلاثة أيام لا أكثر انتهى كل شيء مع «النصرة»، وهي هناك اسم دون مسمى. فقسم تحت اسم «سرايا أهل الشام» انقسم واستسلم، وقسم انضمّ إلى «داعش»، أما مجموعة التلّي فقد تقبل أخيراً الذهاب إلى إدلب. الملف الآخر المجهول هو للمسمى «داعش» على الجانب الشمالي الغربي لتلك الجرود. وإذا راعينا السوابق التي تحدثنا عنها، فسينسحب «داعش» إلى شمال سوريا دون قتال، إن لم يكن قد فعل!

لماذا كانت المعركة الوهمية إذن؟ لثلاثة أسباب: إيجاد خط آمِن شيعي لبناني فيما بين القلمون وحمص واللاذقية بالمشاركة مع النظام السوري (سوريا المفيدة) - السيطرة على حدود لبنان الشرقية بغطاء الجيش اللبناني أو دون غطاء - والصراع لكي يحصل في لبنان ما حصل بالعراق من شرعنةٍ لجيشين: الجيش الرسمي، وميليشيا حزب الله، التي تناظر الحشد الشعبي بالعراق!

إنها عودةٌ للصراع على لبنان والتحكم فيه داخلياً وخارجياً. أما التهديدات بالقتل، وبعظمة الانتصار على أبو مالك التلي من جبهةٍ أخرى، فالمقصود بها إخضاع المعارضة الخفية والتي يمكن أن تظهر في أي لحظة. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

اقرأ المزيد
١ أغسطس ٢٠١٧
قاتلوا «داعش» وأعطونا سوريا!

فور انتهاء العشاء السري بين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في هامبورغ، تدفقت الإعلانات الروسية عن إقامة مناطق «خفض التوتر»، التي كان قد اتفق عليها في آستانة في شهر مايو (أيار) الماضي، ثم تطور الحديث عن «خفض التوتر» إلى إعلانات لوقف النار، لتتدفق بعدها قوات المراقبة الروسية إلى سوريا!

في أقل من أسبوعين أعلنت موسكو عن اتفاق لوقف النار في جنوب غربي سوريا، يشمل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، ثم عن اتفاق مشابه في الغوطة الشرقية، يفترض في الأساس أن يتوسع ليشمل محافظة حمص، وفي نهاية الأسبوع لمحت إلى أن محافظة إدلب ستكون المنطقة الثالثة، وكان إبراهيم كالين، المتحدث باسم إردوغان، قد أعلن أن تركيا ستكون حاضرة بقوة في إدلب إلى جانب روسيا لضبط خفض التصعيد، لكن سيطرة «هيئة تحرير الشام» (النصرة سابقاً) على كامل إدلب فرملت مرحلياً الحديث عن هذه المنطقة.

هل حصل الاتفاق بين ترمب وبوتين على كل هذا في خلال اجتماعهما مرتين في هامبورغ؟ وهل كانت الساعات الثلاث في الاجتماعين كافية للتفاهم ولو على طريقة افتح يا سمسم؟ طبعاً لا، لهذا يبدو أن كل شيء كان يجري على خطين موازيين لمحادثات آستانة؛ خط المحادثات المكمِّلة بين عسكريين أميركيين وروس بمشاركة أردنية في عمان، وخط تنسيقي يربط محادثات عمان وآستانة بمشاورات تفصيلية مع واشنطن!

الكشف عن مشاورات حثيثة بين موسكو وتل أبيب حول اتفاق وقف النار من القنيطرة إلى الحدود الأردنية، الذي أبعد إيران و«حزب الله» مسافة 30 كيلومتراً عن الجولان، توازى مع الكشف عن مشاورات روسية إيرانية، لترتيب صفقة موافقة طهران على اتفاق جنوب غربي سوريا، لقاء احتمالات إمساكها بالممرات بين العراق وصولاً إلى لبنان، عبر المعابر التي تخترق محافظة حمص من محيط دير الزور إلى امتدادات الغوطة الشرقية وتلال عرسال والقلمون، حيث تندلع الآن معارك النظام السوري و«حزب الله»، للسيطرة على هذه المناطق الجبلية المهمة.

كانت الدبلوماسية السرية ناشطة منذ أشهر بين واشنطن وموسكو. الروس نشطوا عبر كلمتهم المسموعة في إيران، والأميركيون تحركوا عبر كلمتهم النافذة في دمشق والمسموعة في تل أبيب، أما تركيا الشريك في آستانة فقد غرقت في الغيظ إلى درجة السعي للتزود بصواريخ «إس-400» الروسية، نكاية بالأميركيين الذين يواصلون دعمهم القوي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» ذات الأرجحية الكردية التي باتت تسيطر على نصف الرقة!

وسط هذه التطورات كان مفاجئاً أن تؤكد تقارير دبلوماسية صحة ما نشرته «واشنطن بوست»، من أن ترمب أوقف برنامج «CIA» لدعم المعارضة السورية، ووصفه بأنه مُكلف وخطير وغير فعّال، على خلفية توسيع إطار التعاون مع موسكو، الذي تقول الصحيفة إنه بات نقطة أساسية في استراتيجية ترمب حيال الأزمة السورية. رغم تغريدات النفي التي بثها ترمب، تؤكد التقارير المذكورة أن كل شيء كان يُعَد سلفاً قبل قمة هامبورغ، وأن ترمب قرر إلغاء البرنامج منذ شهر خلال اجتماع مع مدير المخابرات المركزية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر، وفي حين يؤكد مسؤولون في الإدارة الأميركية، أن قرار ترمب لم يأتِ استجابة لشروط تتصل بـ«مفاوضات الأقنية المتصلة» بين آستانة وعمان وواشنطن، يرى الذين يدعمون البرنامج أن «قرار ترمب شكّل تنازلاً كبيراً، وأن بوتين هو الفائز في سوريا»!

ورغم أن الجنرال طوني توماس قائد القوات الخاصة الأميركية هو الذي كان قد أعلن عن وقف البرنامج، مؤكداً أنه لم يُتخَذ إرضاء لموسكو، بهدف التوصل إلى تسوية معها للنزاع في سوريا، سارع مسؤولون في إدارة ترمب إلى انتقاد القرار، معتبرين أنه يخدم رؤية روسيا وإيران والنظام السوري، وثمة من يتحدث هنا عن مقايضة أعطت لروسيا السيطرة على جنوب ووسط سوريا، في مقابل ضمان سيطرة الأميركيين على الشمال الشرقي وتحديداً في الحرب على «داعش»!

هذه الصفقة جرت وراء أبواب مغلقة تحضيراً لقمة هامبورغ، لكن سيرغي لافروف كعادته يرسم صورة زهرية تخلع على بوتين أجنحة الملائكة بالقول إنه ينطلق دائماً من تطابق الأهداف الأميركية الروسية فيما يخصّ تحقيق المهمات الرئيسية، التي تكمن في محاربة الإرهاب واجتثاث تنظيمي «داعش» و«النصرة»، إضافة إلى تنفيذ الاتفاقات حول التسوية السياسية على أساس القرار «2254».

وإذا كان الاتفاق على إعلان مناطق وقف النار جاء كما يقول لافروف، نتيجة اجتماعين في هامبورغ بين ترمب وبوتين، سبقتهما ثلاث مكالمات هاتفية، وأن «في إمكانهما العمل معاً وإيجاد حلول تصب في مصلحة التسوية الإقليمية والتسوية العالمية الواسعة لمختلف المشكلات»، فإن هذا الكلام يشكّل مؤشراً على رغبة موسكو في تأكيد ما سعى إليه بوتين دائماً، وهو ليس إعادة الحضور الروسي على خريطة السياسة الدولية، بل العودة حتى إلى نظرية «الاستقطاب الثنائي» من دون الانزلاق بالضرورة إلى مناخات الحرب الباردة!

بالعودة إلى التطورات السورية، تجري عمليات وقف النار من الجنوب الغربي إلى غوطة دمشق الشرقية، في انتظار ريف حمص الغربي، وانقشاع الوضع في إدلب وأجزاء من ريفي حلب واللاذقية، بطريقة تؤكد أن بوتين يتصرف بذهنية الأمر لي، فقد صادق مجلس الاتحاد الروسي يوم 19 الجاري على البروتوكول الذي أقره مجلس الدوما يوم 23 الجاري، والذي يعطي موسكو حق استخدام مطار حميميم وقاعدتها الجوية كقاعدة روسية مطلقة السلطة ودون مقابل، لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد التلقائي 25 عاماً.

على خط موازٍ توسّع موسكو نقاط سيطرتها من درعا إلى الغوطة الشرقية عبر إقامة بوابات للدخول والتفتيش ونقاط وقواعد عسكرية، وتعلن أن واشنطن حاولت قدر الإمكان ضمان أمن إسرائيل خلال مفاوضات مع موسكو لكنها فشلت، بمعنى أنها تمكنت من إبعاد النظام السوري وحلفائه عن الجولان، عبر الاتفاق على إبعاد النظام وحلفائه مسافة 30 كيلومتراً عن الجولان، ولكنها فشلت في الإمساك بالحدود العراقية السورية، وهذا يكفي لنقل إيران الأسلحة والذخيرة إلى لبنان عبر العراق وسوريا!

هذا تخريج مضحك طبعاً، لأن تلك الحدود مرتبطة بمحافظة حمص، التي لم يتضح موقعها من اتفاقات وقف النار، وهو مضحك في ظل حرص بوتين ولافروف على التأكيد أن اتفاق الجنوب هو لمصلحة إسرائيل، والمضحك ثالثاً أن تولي روسيا تنفيذ الاتفاق جعلها تنوب عن أميركا في تأمين المصالح الإسرائيلية!

قبل أيام انهمك النظام السوري في إزالة إلغام زرعها «حزب الله» في منطقة دير البلح شمال درعا، بإشراف خبراء روس، ثم قام بإخلاء كتيبة الإشارة في مقر الفرقة التاسعة في مدينة الصنمين، ثم وصلت قوات الفصل الروسية وأقامت قاعدتين عسكريتين واحدة شمال درعا والثانية في بلدة موثبين، في حين أقيمت بوابات للدخول و10 نقاط تفتيش من درعا إلى السويداء، وانتشرت نقاط المراقبة والتدقيق على مداخل الغوطة... وبوتين يقول بعد هامبورغ الأمر لي في سوريا!

اقرأ المزيد
١ أغسطس ٢٠١٧
بلادي وإن جارت علي عزيزة أم لئيمة؟

ما قيمة الوطن بلا مواطن يتمتع بكل ميزات المواطنة؟ أليس الوطن هو مجموع المواطنين الذين يعيشون فيه، أم إنه قطعة أرض؟ ألا يجب أن نتعامل مع مفهوم الوطن بموضوعية وعقلانية بعيداً عن التقديس الأجوف؟ لماذا لا نسمي الأشياء بمسمياتها بدل التغني بالوطن حتى لو داسنا وشردنا وجعلنا نهيم على وجوهنا في بلاد الله الواسعة بحثاً عن وطن حقيقي؟ لماذا ؟ لماذا يتميز العرب عن بقية شعوب الأرض بتلذذهم بالظلم والألم والعذاب والجور والاستغلال الذي يعانونه على أيدي أنظمتهم وحكوماتهم وجلاديهم؟ إنه نوع غريب من المازوخية العجيبة التي تحتاج إلى معالجة نفسية فورية. ولعل شعراءنا وفقهاءنا وبعض أدبائنا ساهموا بطريقة أو بأخرى في ترسيخ هذا الاستمتاع المرضي بالبطش والاضطهاد من باب أن الإنسان يجب أن يتحمل كل أنواع التنكيل التي ينزلها الوطن بساكنيه، حتى لو داسهم ليل نهار، وسامهم سوء العذاب. فالوطن في ثقافتنا العربية المريضة يتقدم على المواطن، والأرض العربية القاحلة الجرداء أهم من الإنسانية، ومسقط الرأس غال حتى لو أطار رؤوسنا، وقدمنا طعاماً مفروماً للكلاب والقطط وأسماك البحر!

أما آن الأوان لتلك الجوقة العربية الزاعقة التي ترفع سيف الوطنية الصدئ في وجه كل من يحاول أن ينتقد الوطن وحكامه، ويكشف عورات الأوطان وسرطاناتها المتقيحة أن تبلع ألسنتها، وتكف عن المتاجرة بالمشاعر الوطنية «عمّال على بطـّال»؟ أليس هناك من لديه الشجاعة لأن يقول لهؤلاء الغوغائيين الذين ينصرون الوطن ظالماً أو مظلوماً: إن «الوطنية هي الملاذ الأخير للسفلة والأنذال» كما صاح الأديب الإنكليزي صامويل جونسون ذات مرة؟

إلى متى نتشدق ببيت الشعر السخيف: «بلادي وإن جارت علي عزيزةٌ وأهلي وإن ضنوا علي كرامُ»؟ أليس مثل هذا الكلام الفارغ هو الذي ساهم في وجود الدولة التسلطية، ومنع تحقيق المواطنة بمفهومها الحديث في العالم العربي، وأعاق تقنين حقوق المواطن وتحديد واجبات الوطن وحكامه؟ إلى متى نردد العبارة المهترئة: «ما أجمل أن يموت الإنسان من أجل وطنه»؟ لماذا لا نقول: «ما أجمل أن يحيا الإنسان من أجل وطنه»؟ لماذا ترتكز ثقافتنا العربية المازوخية على الموت والعذاب لا الحياة والمتعة في جنبات الوطن؟ هل أخطأ أحد الساخرين عندما أعاد كتابة البيت الشهير المذكور آنفاً ليصبح: «بلادي وإن جارت علي حقيرةٌ… وأهلي وإن جنوا علي لئامُ»؟

متى نتعلم من الأمم الحية التي وضعت الوطن عند حدوده، ولم تعامله كإله يجب تقديسه حتى لو أهانك وأذلك صبح مساء؟ هناك مثل انكليزي شهير يقول: «إن الوطن حيث القلب». فإذا كنت تعيش وتحب بلداً ما حتى لو لم تولد به فهو وطنك الحقيقي، وليس مسقط رأسك الذي أخذ على عاتقه تجريدك من آدميتك منذ اللحظة التعيسة الأولى التي خرجت بها من رحم أمك. ما الفائدة أن تعيش في وطنك غريباً؟ أليست الغربة الداخلية أصعب وأقسى عشرات المرات من الغربة الخارجية؟ لماذا أدرك الغربيون هذه الحقيقة، بينما ما زال بعض مثقفينا الموتورين يؤنبون، ويتطاولون على كل من ينبس ببنت شفة ضد أوطاننا المزعومة؟ إن المواطنة والديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان الحديثة هي التي جعلت المواطن الغربي يعتبر المكان الذي يعشقه هو وطنه الأصلي غير عابئ بالعواطف الوطنية التقليدية السخيفة.

للأسف الشديد لقد استطاعت الأيديولوجيات «القومجية» العربية أن تضحك علينا بشعاراتها الكاذبة على مدى أكثر من خمسين عاماً، وأرغمتنا على التظاهر بحب الوطن رغماً عن أنوفنا، بالرغم من أن أفئدة الملايين في هذا «الوطن العربي» الجريح كانت دائماً تتوق إلى أوطان خارج «الوطن» لعلها تحقق شيئاً من آدميتها المسلوبة. ليت الشعوب العربية تنبهت إلى مقولة الإمام علي بن أبي طالب «كرّم الله وجهه» عندما قال في عبارته المأثورة الشهيرة: «ليس هناك بلد أحب بك من بلد، خير البلاد ما حملك». ليتها تمسكت بتلك النصيحة العظيمة في وجه حملات المكارثية القومية العربية التي حاولت دائماً أن تجرّم كل من يتذمر من سياطها «الوطنية» متهمة إياه بالخيانة القومية، مع العلم أن أكثر من خان الأوطان وسلمها للأعداء على أطباق من ذهب هم رافعو الشعارات الوطنية والقومجية البائسة. وكما يقولون: الأمور دائماً بخواتيمها. ألم تصبح البلدان التي تشدقت على مر الزمان بالوطنية والقومجية الساحقة الماحقة، رمزاً للانهيار سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً؟ سوريا والعراق وليبيا مثالاً؟

لم تعد العبارات الوطنية «البايخة» تنطلي على أحد. لقد غدت المشاعر الوطنية في «وطننا» العربي، وللأسف الشديد، كالمنتجات الوطنية التي تُعتبر عادة رديئة النوعية. ثم ألم يصبح عدد الذين يريدون هجرة «الوطن» العربي أكبر بعشرات المرات من الذين يريدون البقاء فيه؟ لماذا أصبحت كلمة «وطن» بالنسبة للكثيرين من العرب مفردة بالية؟

لماذا زال البعض يردد مقولة المعتمد بن عباد الشهيرة: «لأن أكون راعي جمال في صحراء أفريقية خير من أن أكون راعي خنازير في بيداء قشتالة»؟ بينما نرى آخرين يتسلحون بالقول الشعبي: «زيوان بلدك ولا قمح الغريب». والزيوان هو نوع من الحبوب السوداء التي تمتزج بحبوب القمح ولا بد من إزالتها عند الطحين. ولا أدري لماذا يُطلب من هذه الملايين العربية المضطهدة والجائعة أن تقبل بزيوان الوطن بينما تستأثر الطبقات الحاكمة والمتحكمة ومن لف لفها بقمح الأوطان وحتى زيوانه؟ أي مازوخية أسوأ من هذه المازوخية العروبية القبيحة التي تحاول تغطية عين الشمس بغربال؟

ألم ينقطع نتاج أدباء المهجر الذي كان مفعماً بحب الوطن؟ أين أمثال إيليا أبي ماضي وجبران خليل جبران وشفيق المعلوف وفوزي المعلوف وبدوي الجبل ونسيب عريضة؟ هل مات الأدب المهجري بسبب العولمة وسهولة الاتصال والسفر بين الدول فقط، أم بعدما أصبح العديد من الأوطان العربية طارداً لمواطنيه؟ لماذا أصبح شعار المغترب العربي «أنا مهاجر يا نيّالي»؟ لماذا «تغرورق» عينا الإنسان العربي بدموع الحزن والأسى عندما يريد أن يعود إلى أرض الوطن ؟ ربما لأن المنفى تحول إلى وطن حقيقي والوطن إلى منفى!
صدق من قال: بلادنا كريمة إذا أكرمتنا، ولئيمة إذا أهانتنا.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
٢٤ يناير ٢٠٢٥
دور الإعلام في محاربة الإفلات من العقاب في سوريا
فضل عبد الغني - مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان
● مقالات رأي
١٦ يناير ٢٠٢٥
من "الجـ ـولاني" إلى "الشرع" .. تحوّلاتٌ كثيرة وقائدٌ واحد
أحمد أبازيد كاتب سوري
● مقالات رأي
٩ يناير ٢٠٢٥
في معركة الكلمة والهوية ... فكرة "الناشط الإعلامي الثوري" في مواجهة "المــكوعيـن"
Ahmed Elreslan (أحمد نور)
● مقالات رأي
٨ يناير ٢٠٢٥
عن «الشرعية» في مرحلة التحول السوري إعادة تشكيل السلطة في مرحلة ما بعد الأسد
مقال بقلم: نور الخطيب
● مقالات رأي
٨ ديسمبر ٢٠٢٤
لم يكن حلماً بل هدفاً راسخاً .. ثورتنا مستمرة لصون مكتسباتها وبناء سوريا الحرة
Ahmed Elreslan  (أحمد نور)
● مقالات رأي
٦ ديسمبر ٢٠٢٤
حتى لاتضيع مكاسب ثورتنا ... رسالتي إلى أحرار سوريا عامة 
Ahmed Elreslan  (أحمد نور)
● مقالات رأي
١٣ سبتمبر ٢٠٢٤
"إدلب الخضراء"... "ثورة لكل السوريين" بكل أطيافهم لا مشاريع "أحمد زيدان" الإقصائية
ولاء زيدان