قسد من التفاهم مع الأسد والقبول بالقليل إلى التعطيل والرفض مع الدولة الجديدة
لم يكن نفاق الخطاب السياسي لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” طارئًا أو مرتبطًا بمرحلة ما بعد سقوط النظام السوري البائد، بل هو سلوك متجذّر في ممارسات قيادتها، سبق سقوط الأسد واستمر بعده، ويتكرر كلما اصطدمت شعاراتها بالتهديدات المحيطة بها، وكلما وُضعت قيادتها أمام الاستحقاقات والقرارات.
قبل سقوط النظام، اعتادت قسد التفاوض مع دمشق من موقع الضعف، مطالِبة بالقليل، وقابلة بأقل منه في كثير من الأحيان.
فكلما شعرت قيادتها بتهديد محدق، كما حدث مرارًا خلال العمليات العسكرية التي نفذها الجيش التركي شمال سوريا، كانت تسارع إلى أبواب دمشق، لا للمطالبة بحقوق سياسية أو صيغة حكم، بل للطلب من النظام البائد أن يتدخل سياسيًا وعسكريًا، وأن “يدافع عن البلاد” في مواجهة تركيا، في مفارقة تختصر حجم التناقض بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.
وفي هذا السياق، لم يكن خافيًا أن قسد أبدت استعدادًا للانخراط في جيش الأسد مقابل دخول النظام الحرب إلى جانبها ضد تركيا، ولولا تحفظ موسكو حينها وخشيتها من تدهور علاقاتها مع أنقرة، لكانت قسد اليوم جزءًا معلنًا من جيش النظام، لا مشروعًا “تحرريًا” كما رُوّج لها.
الفارق الوحيد بين الأمس واليوم أن الوثائق باتت أكثر وضوحًا، والتصريحات أكثر مباشرة، وأن هامش المناورة أمام الرأي العام لم يعد واسعًا كما كان.
في عام 2019، وقّعت قيادة قسد، ممثلة بمظلوم عبدي وسيبان حمو، على مذكرة تفاهم تقبل صراحة بانتشار قوات الجيش العربي السوري على مساحات واسعة من شمال وشرق البلاد، وتؤكد الالتزام بوحدة الأراضي السورية والعمل تحت راية الجمهورية العربية السورية.

لم تتضمن الوثيقة أي ذكر لروجآفا، ولا للحكم الذاتي، ولا لأي توصيف قومي خاص، بل جاءت نصًا عمليًا أسقط، دفعة واحدة، الخطاب الذي جرى تسويقه طويلًا عن مشروع بديل للدولة السورية وهويتها.
يومها، لم يُسمع صوت احتجاج من القيادات الكردية ولا من الإعلاميين الذين يرفعون اليوم رايات “الخصوصية” و”المكتسبات التاريخية” و”الهوية القومية”. صمتوا تمامًا، ولم يطالبوا حتى بجزء يسير مما يطالبون به اليوم من حكم ذاتي، وجيش مستقل، وإدارة منفصلة، وهي مطالب تتجاوز الحقوق المشروعة، وتمهّد فعليًا لمشروع انفصالي مؤجل.
والمفارقة الأوضح أن غالبية مناطق شرق سوريا ذات أغلبية عربية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا تتجاهله قسد عمدًا: كيف يستقيم، سياسيًا أو أخلاقيًا، أن تحكم قيادة ذات طابع قومي منطقة يغلب عليها العرب، ثم تروّج لمشروع دولة كردية تحت مسمى “روجآفا – غرب كردستان”؟
بعد سقوط النظام البائد، تغيّر السياق بالكامل، وتغيّرت طبيعة العرض. الدولة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، لم تطرح على قسد مجرد ترتيبات أمنية أو عودة شكلية لسلطة مركزية، بل قدّمت اتفاقًا سياسيًا يتضمن اعترافًا صريحًا بالمجتمع الكردي كمكوّن أصيل، وضمان حقوق المواطنة، والمشاركة السياسية، ودمج المؤسسات، ووقف إطلاق النار، وفتح باب الوساطة مع تركيا، وهي تنازلات لم يكن النظام السابق ليقترب منها أصلًا. ومع ذلك، قوبل هذا العرض بالتلكؤ والمماطلة، بما لا يمكن تفسيره بذريعة الخوف أو انعدام الثقة وحدهما.
أحداث الشيخ مقصود والأشرفية في حلب جاءت لتعرّي هذا التناقض بأوضح صوره. فبينما كانت الدولة تتحدث عن تنفيذ الاتفاق وإنهاء الجيوب المسلحة داخل المدن، قدّمت قسد روايات متضاربة، وأنكرت بداية وجودها العسكري في حلب، وادّعت أن الموجودين مجرد عناصر أمن بأسلحة خفيفة. غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما كشفت زيف هذا الخطاب، مع سقوط قتلى من قيادات قسد، والعثور على دبابات وعربات مدرعة وأسلحة ثقيلة، إضافة إلى شبكة أنفاق أُعدّت لمعركة طويلة الأمد.
وحين شعرت قسد بفقدان سيطرتها على الحيين، لجأت إلى سلوك انتقامي عبثي، تمثل في استهداف مواقع حكومية ومدنية بالقذائف والمسيرات، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، في سلوك يعكس منطق الميليشيا لا منطق الشراكة.
تصريح وزير الخارجية أسعد الشيباني لمجلة “المجلة” جاء ليضع النقاط على الحروف. حين قال إن الحكومة السورية ذهبت إلى أقصى ما يمكن في التسهيلات، وإنها عرضت ما لم يكن نظام الأسد ليمنحه حتى بنسبة عشرين في المئة، لم يكن يطلق خطابًا دعائيًا، بل كان يقدّم مقارنة سياسية قاسية بين مرحلتين: قسد قبلت سابقًا بأقل بكثير، وتحت سلطة نظام إجرامي، ومن دون أي ضمانات، لكنها تتردد اليوم أمام عرض أوسع وأكثر احترامًا، ومدعومًا بضمانات دولية، بينها الولايات المتحدة وتركيا.
الخلاصة أن المشكلة لم تكن يومًا في “ما يُعرض” على قسد، بل في القرار الذي لا تريد قيادتها اتخاذه. فقراراتها لم تعد تصدر من قياداتها السورية بقدر ما تُصاغ في جبال قنديل، وفق حسابات حزب العمال الكردستاني، لا وفق مصلحة السوريين.
الشعارات القومية التي رُفعت طويلًا سقطت عمليًا عام 2019 مع توقيع وثيقة أسقطت كل الادعاءات السابقة، وتسقط اليوم مجددًا مع تحوّل فلول النظام البائد إلى جزء فاعل في تنظيم قسد، فمن المؤكد أن المئات من الفلول انتقلوا إلى مناطق سيطرة قسد بعد سقوط النظام البائد، وباتوا الآن جزءا أساسيا وبدعم أمريكي ماليا وعسكريا من قوات قسد، ولك أن تتخيل أن واشنطن باتت تدعم قوات الأسد وإن بطريقة غير مباشرة.
وفي النهاية، ما يُسوّق له خطاب قسد عن “الدمج” لا يتجاوز كونه محاولة لفرض جيش داخل جيش، وكيان داخل كيان، بما يفتح الباب مستقبلًا لتهديد الاستقرار والانقلاب العسكري على الدولة، وإعادة إنتاج نموذج الاستبداد بمسميات جديدة.
هذه ليست دعوة للإقصاء، ولا قراءة عدائية، بل توصيف لوقائع سياسية وعسكرية موثقة. فمن يريد أن يكون جزءًا من الدولة، لا يمكنه أن يبقى أسير شعارات بالية تسقط عند أول امتحان، ولا أن يكون مرآة لإملاءات المجرمين في جبال قنديل، بدل أن يكون تعبيرًا حقيقيًا عن المكوّن الكردي السوري العريق وتطلعاته الوطنية.