صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي
صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي
● محليات ٣ مارس ٢٠٢٦

تضخيم أزمة الطاقة… خطاب منسّق وأهداف تتجاوز الواقع الخدمي

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية تصاعداً لافتاً في وتيرة المنشورات المتعلقة بأزمة الغاز المنزلي وانخفاض ساعات التغذية الكهربائية في عدة محافظات سورية، ترافقت مع تداول واسع لصور تظهر الازدحام أمام مراكز التوزيع ومحطات الوقود، ورغم أن الأزمة حاصلة وهي جزء من حياة المواطنين غير قابل للإنكار والتبرير إلا أن هناك أطراف تسعى لتحويلها إلى استثمار إعلامي.

وبالعودة إلى طبيعة المحتوى المتداول، يتضح أن ثمة نشاطاً منظماً تقوده أطراف متعددة ومتباينة الخلفيات، تتقاطع جميعها في هدف واحد تضخيم الواقع المعيشي، وبث حالة من القلق الجماعي، ودفع المواطنين إلى سلوك استهلاكي قائم على الخوف، ما يؤدي عملياً إلى زيادة الطلب ورفع حدة الأزمة التي تضرب المنطقة برمتها.

في ظل تصاعد الجدل على منصات التواصل الاجتماعي حول أزمة الغاز المنزلي وانخفاض ساعات التغذية الكهربائية، أجرت شبكة شام الإخبارية عملية رصد موسعة لتتبع مسار الخطاب الرقمي وتحليل أنماطه ومصادره وتوقيته، وصولاً إلى كشف شبكة تفاعلات معقدة تقف خلف تضخيم الواقع المعيشي بصورة ممنهجة.

التحقيق الرقمي لم يتوقف عند ظاهر المنشورات، بل تتبع ديناميكية انتشارها، وسياق إعادة نشرها، وأنماط التفاعل عليها، ليخلص إلى نتيجة مفادها أن أطرافاً عديدة ومتباينة الخلفيات السياسية تتقاطع عند هدف مشترك يتمثل في تضخيم الأزمة وتحويلها من تحدٍ خدمي ظرفي إلى سردية انهيار شامل.

منهجية الرصد: تتبع المسار لا المحتوى فقط

اعتمد فريق الرصد في شبكة شام الإخبارية على تحليل زمني دقيق لمسار انتشار المنشورات، بدءاً من لحظة نشر أولى الصور لمشاهد الطوابير، مروراً بالحسابات التي أعادت تدويرها، وصولاً إلى الصفحات التي دفعت بها إلى قوائم التداول الواسع.

أظهر التتبع أن الخطاب لم ينشأ بصورة عفوية، بل سلك مساراً متكرراً تبدأ القصة بصورة أو مقطع قصير، يتبعه تعليق انفعالي، ثم تدخل حسابات ذات جمهور أكبر لإعادة صياغة الحدث ضمن إطار سياسي أو مقارنات تاريخية، قبل أن تتلقفه صفحات خارجية لتقديمه كدليل على "فشل شامل" هذا النمط المتكرر كشف أن هناك عملية تضخيم تدريجية، قائمة على إعادة تأطير الحدث، لا مجرد نقله.

أطراف متعددة… خطاب واحد

خلص الرصد إلى أن جهات مختلفة شاركت في إنتاج الخطاب ذاته، من بينها أتباع حكمت الهجري وبعض الشخصيات المحسوبة عليه، إضافة إلى شخصيات عُرفت بولائها للنظام البائد مثل كنان وقاف ورفعت علي الأسد، إلى جانب حسابات عراقية ولبنانية وصفحات تدار من خارج البلاد.

كما رُصد نشاط مكثف لمنصات مثل المرصد السوري لحقوق الإنسان، ونبض سوريا، وقناة النبأ، وإكس ميديا، التي أعادت إنتاج المشهد ضمن سياقات توحي بانهيار بنيوي لا أزمة ظرفية.

المفارقة أن هذه الأطراف، رغم تباين توجهاتها، استخدمت مفردات متشابهة، وصيغاً متقاربة في عرض الحدث، مع تركيز مكثف على مفردات "الطوابير، الانهيار العودة إلى البطاقة الذكية، فشل الوعود"، ما يعكس وجود إطار سردي جاهز يُعاد تعبئته عند كل حدث خدمي.

هندسة الصورة… الطوابير كسلاح رمزي

أظهرت عملية التحليل البصري أن صور الطوابير شكّلت الأداة المركزية في صناعة التأثير النفسي الصورة الواحدة جرى استخدامها بعناوين مختلفة، وأحياناً أُعيد نشر صور قديمة من سنوات سابقة ضمن سياق يوحي بأنها آنية.

وتتبعت شبكة شام الإخبارية بيانات النشر الأولي لبعض الصور المتداولة، لتجد أن جزءاً منها يعود لفترات سابقة، ما يشير إلى إعادة تدوير متعمدة للذاكرة البصرية بهدف إحياء سردية الطابور كرمز للأزمة الدائمة، هنا لا تصبح الصورة توثيقاً، بل أداة تعبئة، حيث تُختزل الأزمة في مشهد بصري مكثف يسهل تداوله وإعادة إنتاجه.

ويكشف التحليل الشبكي لحركة التفاعل كشف أن منشورات معينة تحظى بدفعة أولى من حسابات محددة خلال دقائق من نشرها، ثم تنتقل إلى دوائر أوسع عبر صفحات ذات طابع إخباري أو تحريضي.

هذا النمط يشير إلى وجود آلة إعلامية تعمل وفق آلية توزيع أدوار حسابات صغيرة لإطلاق الرسالة، صفحات متوسطة لإعادة صياغتها، ومنصات أكبر لتثبيتها كسردية عامة. كما لوحظ استخدام وسم موحد في أوقات متقاربة، ما يعزز فرضية التنسيق.

هذه المنهجية لا تستهدف مجرد النقد، بل تهدف إلى خلق حالة إدراك جمعي بأن الأزمة شاملة ومستمرة، حتى في ظل بيانات رسمية توضح الأسباب الفنية والظروف الإقليمية المرتبطة بتراجع الإمدادات.

وفي سياق دولة ناشئة تسعى لإعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات من الحرب، يشكل الخطاب الممنهج خطراً مضاعفاً فالدولة الوليدة تعتمد على الثقة العامة كركيزة أساسية لترسيخ الاستقرار، وأي عملية منظمة لتقويض هذه الثقة تنعكس مباشرة على سلوك السوق والمجتمع.

ويؤدي تضخيم الأزمة إلى زيادة الطلب الاستباقي على المواد الحيوية، ما يخلق ضغطاً حقيقياً على منظومة التوزيع. ومع تكرار المشهد، تتكرس صورة ذهنية بأن الاختلال دائم، حتى لو كانت أسبابه ظرفية أو خارجية بهذا المعنى، تتحول الشائعة إلى عامل اقتصادي فعلي، وتصبح إدارة الوعي جزءاً من إدارة الموارد.

ويعتبر ما كشفه رصد شبكة شام الإخبارية لا يتعلق بأزمة غاز فحسب، بل بنمط تواصل سياسي – إعلامي يسعى إلى إعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار عبر أدوات رقمية منخفضة التكلفة عالية التأثير، تعدد الأطراف المنخرطة في الخطاب، وتطابق مفرداته، وتزامن نشره، يعكس وجود منظومة سردية جاهزة تُفعّل عند كل حدث خدمي والهدف يتجاوز النقد المشروع إلى صناعة انطباع عام بانهيار مستمر، بما يضعف ثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم في مرحلة دقيقة من إعادة البناء.

وفي إطار التتبع النوعي للمحتوى، أولت شبكة شام الإخبارية أهمية خاصة لتحليل منشورات الأفراد الذين تصدّروا خطاب الطوابير وانهيار الواقع المعيشي، ولاحظت أن القاسم المشترك بينهم أنهم عُرفوا خلال السنوات الماضية بولائهم العلني للنظام البائد، أو بتبنيهم خطاباً مدافعاً عنه ومهاجماً للثورة السورية وتداعياتها.

اللافت في محتوى هذه الشخصيات أنه لا يقتصر على نقل مشاهد الازدحام أو انتقاد الأداء الخدمي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء سردية سياسية كاملة تقوم على ثلاث ركائز تمجيد مرحلة ما قبل 2011، تحميل مرحلة ما بعد الثورة كامل المسؤولية، وإسقاط أي سياق إقليمي أو خارجي من التحليل.

وأعادت شخصيات مثل رفعت علي الأسد إحياء خطاب المقارنة الصفرية، مقدمة صورة مثالية عن أربعين عاماً من الاستقرار والكهرباء 24 ساعة، مقابل تصوير المرحلة الحالية كفترة "فوضى وخراب شامل" أما كنان وقاف فذهب باتجاه أكثر تحريضاً، عبر ربط أزمة الغاز بسردية مناطقية، والادعاء بتحويل الموارد من منطقة إلى أخرى في سياق "خصخصة ونهب".

وتبنى الصحفي أدهم الطويل خطاباً يقوم على التشكيك بغياب التصريحات الرسمية، مع التركيز على روايات متداولة حول وصول سعر أسطوانة الغاز إلى أرقام مبالغ فيها من جهته، استخدم حسن الصافي لغة شعبوية مكثفة تقوم على المقارنات الرمزية، مثل توصيف الأسعار بأنها سنغافورة والبلد تعيش على التسول، وهي صياغات تعتمد على المبالغة البلاغية لإنتاج أثر صادم، أكثر مما تعتمد على بيانات رقمية دقيقة.

الحسابات الأخرى، مثل رفيق لطف ونتالي عبيد، اعتمدت السخرية السوداء كأسلوب رئيسي، عبر الحديث عن حرية الطوابير أو تحويل الطوابير إلى مشهد كاريكاتوري دائم السخرية هنا ليست مجرد تعبير فردي، بل أداة لتطبيع فكرة الأزمة الدائمة في الوعي الجمعي، بحيث تتحول من حدث ظرفي إلى واقع بنيوي لا أمل بتغييره.

وأما منشورات إبراهيم شير فجاءت بصيغة استفهامية مباشرة: أين اختفى الغاز في سوريا؟، وهي صيغة تبدو بريئة ظاهرياً، لكنها في سياق الحملات المتزامنة تعمل كعنصر تغذية للسردية العامة، إذ تطرح الأسئلة دون انتظار إجابة، وتترك في فضاء رقمي مشحون أصلاً بالاتهامات.

التحليل النصي لهذه المنشورات أظهر تكرار مفردات بعينها، مثل العودة للطوابير، البلد ضاعت لا سيادة، وهي مفردات تتجاوز النقد الخدمي لتلامس خطاب نزع الشرعية السياسية كما أن تزامن نشر هذه العبارات مع أي مشهد ازدحام محدود يشير إلى جاهزية خطابية مسبقة، تُفعّل فور توفر صورة أو فيديو قابل للتوظيف.

ومن زاوية الرصد الاستراتيجي، يتضح أن هذه الشخصيات لا تعمل بمعزل عن بيئة رقمية حاضنة تعيد تدوير محتواها وتضخيمه، سواء عبر صفحات تدار من الخارج أو عبر منصات ذات جمهور واسع. والنتيجة هي خلق انطباع بوجود إجماع شعبي على سردية معينة، رغم أن مصدرها مجموعة محددة من الحسابات المعروفة بولائها السابق للنظام البائد بهذا المعنى، لا يمكن قراءة محتوى هؤلاء الأفراد بوصفه آراء متفرقة، بل كجزء من نمط دعائي متكامل، يوظف الأزمة الخدمية لإعادة إنتاج خطاب سياسي يسعى إلى إعادة تأهيل صورة الماضي، وإضعاف الثقة بالحاضر، والتأثير على المزاج العام في مرحلة حساسة من عمر الدولة السورية الجديدة.

وكانت أوضحت وزارة الطاقة أن الانخفاض الحاصل في ساعات التغذية الكهربائية يعود إلى تراجع إمدادات الغاز الطبيعي القادمة عبر الأردن نتيجة التصعيد الإقليمي الراهن، مؤكدة أن الفرق الفنية تدير المنظومة بالاعتماد على الإنتاج المحلي المتاح، مع تعزيز خطط زيادة الإنتاج لدعم التغذية الكهربائية وتحسين واقعها خلال الفترة المقبلة.

وفي محافظة حلب، طمأن محافظ المدينة عزّام الغريب المواطنين بشأن توفر الوقود، موضحاً أن الكميات المخصصة تدخل السوق يومياً بالوتيرة المعتادة، وحذر من محاولات بعض تجار الأزمات تخزين الوقود والمتاجرة به بطرق غير مشروعة، داعياً الأهالي للاعتماد على الصفحات الرسمية وعدم الانجرار وراء الشائعات.

وأكدت وزارة الطاقة عدم وجود أي نقص في المشتقات النفطية، مشيرة إلى أن ما شهدته بعض المحطات من ازدحام ناتج عن ارتفاع غير مسبوق في الطلب تجاوز 300% من المعدل الطبيعي بسبب التخوف من التطورات الإقليمية وانتشار الشائعات، ودعت المواطنين إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية لتفادي الضغط غير المبرر على منظومة التوزيع.

هذا وتشهد بعض المحافظات السورية ازدحاماً واضحاً أمام مراكز توزيع الغاز المنزلي ومحطات الوقود، مع انخفاض ساعات التغذية الكهربائية في عدد من المناطق، ما يعكس واقعاً صعباً يعيشه المواطنون ويؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية.

في حين أدى هذا الوضع إلى زيادة الضغوط على الأسر السورية، خصوصاً مع الاعتماد على الغاز لتوفير التدفئة والطهي، وتكرار انقطاع الكهرباء يفاقم صعوبات الأعمال المنزلية والصناعية على حد سواء، لا سيما مع تزايد التكاليف المعيشية بشهر رمضان الحالي.

ويذكر أن الأزمات الاقتصادية والخدمية ملموسة مع وجود تقصير حكومي واضح في بعض القطاعات، ما يزيد من صعوبة الوضع على الأرض، وفق مراقبون مع التأكيد على أن بعض القطاعات الحكومية لم تتمكن من تلبية الاحتياجات بالشكل المطلوب، سواء بسبب ضعف البنية التحتية أو التحديات اللوجستية، ما يزيد من صعوبة الوضع ويترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع تداعيات النقص والخدمات المتقطعة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ