لماذا فرح السوريون بمقتل علي خامنئي؟
لماذا فرح السوريون بمقتل علي خامنئي؟
● محليات ٣ مارس ٢٠٢٦

لماذا فرح السوريون بمقتل علي خامنئي؟

من الدعم السياسي إلى الولوغ في الدم السوري… سردية أربعة عشر عاماً من التدخل

حين انتشر خبر مقتل "علي خامنئي"، لم يكن تفاعل شريحة واسعة من السوريين مجرد رد فعل سياسي عابر، بل بدا وكأنه انفجار ذاكرة ثقيلة امتدت لأكثر من عقد، لم يكن خامنئي بالنسبة لكثيرين مجرد مرشد أعلى لإيران، بل عنواناً لمرحلة كاملة من الدم السوري، وداعماً مباشراً لحرب مفتوحة على مدنهم وقراهم وأحلامهم منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة السورية المنتصرة.

لفهم هذا الشعور، لا بد من العودة إلى التسلسل الزمني للدور الإيراني في سوريا، ودور خامنئي شخصياً في صياغته وتثبيته، خامنئي الذي تولّى منصب المرشد الأعلى عام 1989 لم يكن لاعباً هامشياً في الملف السوري، منذ آذار 2011، ومع خروج السوريين إلى الشوارع مطالبين بالحرية، جاء موقفه حاسماً وسريعاً.

ففي عام 2011 قدّم دعماً سياسياً مباشراً للنظام البائد، وامتنع عن أي إدانة للقمع الذي كان يحصد أرواح آلاف السوريين، بل برّر ما يجري تحت عناوين "المؤامرة والمقاومة"، وفي 2012، شدد خامنئي على معارضة أي تدخل أجنبي في سوريا، معلناً دفاعه عن الأسد الهارب بحجة مواصلة "المقاومة"، ومؤيداً ما سُمّي آنذاك "إصلاحات" بشار الأسد، كان الخطاب واضحاً حماية النظام أولوية استراتيجية، حتى لو كان الثمن دماء المدنيين.

وشكل عام 2013 محطة مفصلية أخرى وفي ذروة الجدل حول استخدام السلاح الكيميائي، دافع خامنئي عن النظام البائد، معتبراً أن ضربه ومحاسبته يشبه إشعال مخزن بارود، ومتوعداً بأن أي تدخل سيكلف الولايات المتحدة ثمناً باهظاً في تلك المرحلة، لم يعد الدعم سياسياً فقط، بل انتقل إلى مستوى أكثر عمقاً بتوجيهاته، توسع تدخل حزب الله بقيادة حسن نصر الله، وتصاعد دور قاسم سليماني في إدارة المعارك ميدانياً، مع استقدام آلاف المقاتلين من ميليشيات عراقية وأفغانية وباكستانية تحت عناوين طائفية مثل "حماية المقامات".

وفي عام 2014، انتقل الخطاب إلى مستوى أكثر حدة، حين توعد خامنئي دول المنطقة بأنها "ستدفع الثمن" لدعمها من وصفهم بـ"تكفيريي سوريا"، في إشارة إلى الثوار، في الوقت ذاته، جرى تكريس فكرة أن بقاء الأسد أمر محسوم، وأن طهران ضامنة له.

وأما في عام 2015، ومع اتساع رقعة الدمار، تحدث خامنئي عن "انتخابات" تحدد مستقبل سوريا، لكن ذلك ترافق عملياً مع استمرار تدفق الميليشيات والسلاح والمال، وتثبيت البنية العسكرية الإيرانية داخل الجغرافيا السورية، مع نشر التشييع والمخدرات كثقافة دخيلة على المجتمع السوري.

وفي 2016 بلغ الخطاب ذروته الأيديولوجية حين وصف القتال في سوريا بأنه "حرب الإسلام على الكفر" معتبراً أن "باب الشهادة" فُتح مجدداً هناك بهذا التصنيف، تحولت سوريا رسمياً في خطاب المرشد إلى ساحة عقائدية عابرة للحدود، يُستدعى إليها "الشباب المؤمنون" للقتال دفاعاً عن مشروع إقليمي لا علاقة له بمطالب السوريين الأولى.

وفي أعقاب احتلال حلب وتهجير أهلها اعتبر خامنئي أن ما سماه "تحرير حلب" أفسد حسابات الولايات المتحدة والسعودية، واصفاً الأسد بـ"المقاتل والمقاوم الكبير" ومؤكداً أن التدخل الإيراني مصلحة استراتيجية، هنا لم يعد الحديث عن دعم حليف فحسب، بل عن جزء من محور جغرافي يمتد من طهران إلى المتوسط.

وفي 2018 و2019 تعمق هذا المفهوم أكثر، إذ وصف خامنئي سوريا بأنها "العمق الاستراتيجي" لإيران، واستقبل بشار الأسد في طهران في زيارة وُصفت بالتاريخية، معلناً أن "هوية المقاومة" هي سبب صمود النظام كانت الرسالة واضحة سوريا لم تعد مجرد ساحة دعم، بل ركيزة في هندسة النفوذ الإيراني.

وبين 2020 و2023، ورغم الضربات الإسرائيلية المتكررة وتزايد الضغوط الاقتصادية على إيران، استمر تثبيت الوجود العسكري والأمني، مع محاولات تعزيز النفوذ الاقتصادي والثقافي، وتكريس حضور طويل الأمد في مفاصل الدولة والمجتمع.

وعندما سقط النظام البائد أخيراً على يد الثوار في معركة ردع العدوان، خرج خامنئي بخطاب ينكر وجود وكلاء” لإيران في المنطقة، رغم سنوات من الحديث عن العمق الاستراتيجي وجغرافية المقاومة هاجم الثوار، واعتبر ما جرى فوضى متوقعاً أن تظهر "مجموعة شريفة" تهزمهم بالنسبة لكثير من السوريين، بدا هذا التصريح امتداداً لسنوات من الإنكار والوصاية والتدخل، وأكد أن إيران التي أغرقت البلاد بالخراب والمخدرات والديون والأفكار الدخيلة لن تتقبل فكرة انتصار الثورة السورية.

فرح السوريين لم يكن احتفالاً بالموت بقدر ما كان تعبيراً عن شعور بالتحرر الرمزي من أحد أبرز الداعمين للحرب عليهم في ذاكرتهم، ارتبط اسم خامنئي بالبراميل المتفجرة، وبالميليشيات الطائفية التي عبرت الحدود، وبالخطاب الذي حوّل ثورة شعب إلى معركة عقائدية عابرة للأوطان.

وعلى مدى أربعة عشر عاماً، لم يكن الخامنئي مراقباً من بعيد، بل شريكاً معلناً في معادلة القوة والبطش التي أطالت أمد الحرب، وعمّقت الانقسام، ورسخت حضور الميليشيات الأجنبية في قلب المدن السورية، لذلك، حين قتل، شعر كثيرون أن صفحة ثقيلة من تاريخهم الدموي طُويت.

إنها ليست قصة شماتة، بل قصة ذاكرة شعب يرى في رحيل أحد أبرز داعمي القتل والتهجير لحظة عدالة رمزية كانت مؤجلة لسنوات طويلة، قصة لحظة انتصار تستحق الاحتفال بقدر الألم، لحظة فرح وابتهاج حتى لو تأخرت، وحتى لو جاءت بعد كل ذلك الخراب والدمار.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ