ما بعد غرب الفرات… هل تلتقط "قسد" الفرصة الأخيرة قبل السقوط..؟
انتهت المرحلة الأولى من عملية تفكيك ميليشيا "قسد" بإحكام السيطرة على المناطق التي كانت تحتلها غرب نهر الفرات، في تحرك عسكري مدروس فتح الباب أمام تحولات كبرى شرق سوريا، وما جرى بمثابة نقطة تحوّل استراتيجية تكرّس استعادة الدولة لسيادتها وتعيد رسم خريطة النفوذ في الجزيرة السورية.
اتفاق آذار… آخر الفرص
أمام "قسد" اليوم فرصة حقيقية – وربما أخيرة – لتطبيق اتفاق العاشر من آذار بروح واقعية، وبالوسائل السياسية، قبل أن يُفرَض عليها التنفيذ بالقوة كما جرى في غرب الفرات، ولا شك أن دخول الدولة إلى المحافظات السورية شرق الفرات وبسط سيادتها بات مسألة وقت لا أكثر، خاصة مع تغيّر المعادلات الدولية والإقليمية، وتراجع الغطاء الأميركي السياسي والعسكري عن ميليشيا "قسد".
الخيارات تضيق بسرعة أمام مظلوم عبدي، قائد "قسد"، الذي يجد نفسه بين مسارين لا ثالث لهما: إما الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة السورية وطيّ صفحة المشاريع الانفصالية، أو التمسك بوهم التجزئة، الذي لن يؤدي إلا إلى نهايات مأساوية ومصير لا يليق بمن كان يمتلك فرصة أن يكون جزءاً من الحل.
بين الجغرافيا والسياسة
من يقرأ المعطيات الميدانية والسياسية بدقة، يدرك أن مشروع "قسد" لم يعد قابلاً للحياة، فمع تحوّل المنطقة إلى ساحة تفاهمات دولية جديدة، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التنظيم بوصفه حليفاً إستراتيجياً طويل الأمد، بل ورقة استُنزفت أغراضها، ويمكن التخلي عنها في أي لحظة.
في المقابل، ظهر البديل الوطني الذي يمتلك مرونة سياسية، وحضوراً ميدانياً، وقدرة تفاوضية تستند إلى الأرض، وإلى مشروع جامع لا يفرّق بين مكون وآخر، بل يسعى إلى استعادة الدولة الواحدة بحدودها ومؤسساتها.
الكرة في ملعب "قسد"
لم يعد أمام مظلوم عبدي إلا خيار الاندماج الوطني، لا من باب الضعف بل من موقع الإدراك العاقل أن الزمن لم يعد يسمح بالمراوغة، فالانخراط في مسار بناء الدولة السورية يبقى أقل كلفة من الاحتماء بمشاريع عابرة للوطنية، لا جذور لها ولا مستقبل.
ولعل قرار التحول من كيان عسكري فرضته الحرب، إلى شريك مدني سياسي داخل بنية الدولة، هو ما سيحكم على "قسد" بالبقاء أو بالذوبان، فإما أن تختار لنفسها مكاناً في سوريا المستقبل، أو يُترَك لها مصير الخروج من المدن إلى الجبال، كما خرج غيرها من المغامرين.
ما بعد العملية... لحظة الحقيقة
من المؤكد أن ما بعد إحكام السيطرة على غرب الفرات ليس كما قبله، وأن الدولة السورية لن تتوقف عند نصف الإنجاز، فاستعادة السيادة مسار مستمر، وخيارات "قسد" تنكمش باطراد، كما أن وحده قرار شجاع من عبدي يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة تحفظ ما تبقى من التنظيم وتعيد ربطه بالوطن، بدلاً من رهنه لقوى عابرة لن تبقى معه إلى الأبد.
في الختام، لقد انتهت مرحلة العبث بالجغرافيا السورية، وحان وقت تثبيت الحدود السياسية تحت راية الدولة الواحدة، وها هي الدولة السورية تمد يدها مجدداً نحو التنظيمات الخارجة عن سلطتها، بفرصة للانخراط، لا للإقصاء، لكن على "قسد" أن تُدرك أن الوقت ليس في صالحها، وأن الفرصة التي بين يديها اليوم قد لا تتكرر غداً.