"الخبز قوت الشعب".. بين كذبة الخط الأحمر وحقيقة صعوبة تأمينه في سوريا
"الخبز قوت الشعب".. بين كذبة الخط الأحمر وحقيقة صعوبة تأمينه في سوريا
● أخبار سورية ٢ يناير ٢٠٢٣

"الخبز قوت الشعب".. بين كذبة الخط الأحمر وحقيقة صعوبة تأمينه في سوريا

رغم تحول رغيف الخبز إلى حلم صعب التحقق، لا يزال إعلام النظام يتشدق بكذبة دعم المادة وتقديمها كخدمة أساسية للمواطنين، بزعم أنها كانت ولا زالت "خطاً أحمراً" لا يمكن المساس به، ونستعرض في هذا التقرير مدى صحة هذه الرواية التي يتبيّن أنها قائمة على التضليل والتزييف، إذ يعاني السوريين لا سيّما في مناطق سيطرة النظام من تأمين المادة الأساسية التي تتصدر المواد الغذائية في سوريا.

 

النظام يتلاعب.. آليات فاشلة والمواطن حقل تجارب

اعتمد نظام الأسد على التجويع كسلاح ضد الشعب السوري، بعد أن كان يحاضر بكذبة "دعم الخبز" في سوريا، وأثبت خلال تعامله مع الأزمة التي عصفت بالمادة الأساسية للسكان عدم جديته في حل هذه المعضلة المستمرة.

فمنذ العام 2020 شرع النظام ببيع المادة عبر البطاقة الذكية، وزعم بدايةً بأنّ الإجراء مؤقت قبل أن يعتمد ذلك بشكل دائم وصولاً إلى تصدير العديد من الآليات الفاشلة التي تتغير فيما تستمر ظاهرة الطوابير وصعوبة تحصيل المادة.

 

رغيف الخبز يرزح تحت استغلال وابتزاز النظام

قال مصدر في العاصمة السوريّة دمشق طلب عدم الكشف عن هويته خلال تصريح لشبكة "شام"، الإخبارية، إن الحصول على رغيف الخبز تحول إلى الهاجس الأبرز لمعظم المواطنين، ولفت إلى تصاعد حالة الاستياء من تردي جودة الخبز وسط الأسعار المتصاعدة التي تفوق القدرة الشرائية للمواطنين.

وأوضح أن النظام يشكل شبكة معقدة من الحلقات والعوامل التي تضمن زيادة أسعار الخبز، وقال إن في مكان إقامته تجمع عدد من الأهالي وأعدوا شكوى لتقديمها إلى تموين النظام بسبب انخفاض وزن الربطة عن الحجم المحدد، قبل أن يكتشفوا أن الشكوى لن تجدي نفعاً حيث تترابط حلقات الفساد والاتجار بقوت السوريين بإشراف نظام الأسد.

وبعد فترة وجيزة وردت دورية تموينية إلى المكان وخاطب رئيس الدورية صاحب الفرن أمام السكان بقوله: "كيف تستطيع أن تربح بهذا الشكل؟ معتبرا أن "الحجم المعتمد بهذا الفرن أكبر من المحدد"، ما شكل صدمة لدى السكان، ودفعهم لعدم الاعتراض مجدداً نظرا إلى صاحب الفرن تربطه علاقة مع تموين النظام الذي يرعى شبكات من الفساد.

 

كذبة الدعم تفضحها الأسعار المتصاعدة

كشف مسؤول بـ "حماية المستهلك" التابعة للنظام عن دراسة لزيادة سعر الخبز، الأمر الذي نفته وزارة التجارة الداخلية لاحقا، ويبيع المعتمدين ربطة الخبز في مناطق النظام بحوالي 500 ليرة بزيادة 300 ليرة عن الفرن، ومنهم من يبيع الربطة بسعر 1,500 ليرة سورية.

وحددت حكومة النظام مراكز بيع ربطة الخبز بسعر 1,300 ليرة، زعمت أنه سعر التكلفة، فيما صرح وزير التجارة الداخلية بأن ربطة الخبز أصبحت تكلف أكثر من 3,700 ليرة، وذكر خبير اقتصادي أن تكلفة الربطة لا تتجاوز 2,300 ليرة سورية.

وأكد العديد من سكان دمشق ارتفاع سعر ربطة الخبز في السوق الموازية، من 1,500 ليرة إلى 1,750 ليرة، في حين وصلت إلى 2,000 ليرة في أوقات الازدحام عند الأفران مثل أفران ابن العميد بدمشق.

 

نفي الواقع.. الأفران تعمل والمازوت متوفر!!

على وقع أزمة المحروقات قدر مسؤول سابق أن 50% من الأفران الخاصة توقفت عن العمل بدمشق، و30% منها شبه تعمل بسبب عدم توفر المازوت، و20% تشتري المحروقات بأسعار مرتفعة.

فيما تزعم تموين النظام أن كل المخابز الخاصة تحصل على مخصصاتها من المازوت يوميا، مع عدم توقف مخابز خاصة عن العمل بدمشق، وذكرت أن توقف أي مخبز عادة ما يكون بسبب الصيانة في خطوط الإنتاج.

 

صيانة لا تنتهى.. المطاحن منفذ لسرقة لقمة العيش

يزعم نظام الأسد أن أهم الأعمال المنجزة خلال عام 2022، هي إعادة تأهيل وتطوير ماكينات الطحن مع استكمال تجهيز مطحنة تلكلخ بحمص مع شركة سوفوكريم الروسية، ومطحنة سلحب بحماة مع شركة أرد ماشين الإيرانية مع ادعاء دخولها الخدمة بداية 2023، و تندرج هذه الصفقات ضمن صفقات الفساد، ولا ينعكس ذلك إيجابيا على واقع المادة.

وفي كانون الأول الماضي، أعلن نظام الأسد إعادة تأهيل مطحنة كفر بهم في حماة بعد طول انتظار دام لأكثر من 40 عاما، مع تآكل معداتها وتراجع إنتاجها، وقال إن الصيانة تمت بأيد وطنية، وبذلك تم توفير الملايين على الخزينة العامة، وتعد أعمال الصيانة من جملة الذرائع التي يقوم إعلام النظام بترويجها حيال تردي واقع الخبز.

ونشرت تموين النظام بياناً قالت فيه إن "ملف فرع الحبوب بحلب أحيل إلى القضاء" في إشارة إلى قضايا فساد المطاحن في حلب وإثبات اختلاس 40 مليار ليرة سورية، وسبق ذلك كشف الستار عن قضايا فساد مماثلة في مطاحن دمشق وحمص وغيرها.

 

الشمال السوري تحذيرات من المجاعة!

تتوفر مادة الخبز في مناطق شمال غربي سوريا، لكن يعد سعر الربطة غير مناسب مقارنة مع قلة فرص العمل ودخل الفرد العامل، وتعمل بعض المنظمات الإنسانية على تقديم الخبز المدعوم حيث تباع ربطة الخبز بسعر 5.25 ليرة تركية بوزن 800 غرام.

إلّا أن توفر "الخبز المدعوم"، لا يشمل مناطق واسعة من الشمال السوري، وسط تذبذب ملحوظ وتقلص مثل مشاريع دعم المادة وتقديمها كخدمة أساسية للمواطنين، وسط تحذيرات من حلول مجاعة مع غلاء سعر المادة وقلة الدعم المخصص لهذا الشأن.

وفي سياق حالات انقطاع الدعم وانعكاساتها على توفر المادة الأساسية للمواطنين، ارتفعت نسبة المخيمات التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي إلى 83.6 % من المخيمات و94.4 % منها من صعوبات في تأمين مادة الخبز، وخاصةً مع توقف دعم الخبز عن بعض المخيمات، وفق تقديرات فريق منسقو استجابة سوريا.

إلى ذلك تتزايد عوامل أدت إلى تردي واقع مادة الخبز وأبرزها تهريب مادة القمح إلى تركيا ومناطق سيطرة نظام الأسد خلال الموسم الماضي، فيما تتصاعد التحذيرات من تفاقم أزمة تحصيل رغيف الخبز ما زيادة احتياجات المواطنين وسط كثافة سكانية كبيرة ترفع من الطلب على مادة الخبز الأساسية.

 

شمال وشرق سوريا.. موطن القمح يكابد لتحصيل الخبز

أكدت عدة مصادر محلية شرقي سوريا في حديثها لشبكة "شام" حول واقع مادة الخبز بأن هناك شكاوى متكررة بشأن نوعية الخبز المقدم عبر الأفران العامة، إذ يتسم رغيف الخبز بنوعية سيئة، فضلا عن أنه غير ناضج بشكل كامل، وتعزو المصادر تردي نوعية الخبز بسبب خلط الدقيق بمادة "النخالة" العلفية.

ووفقا للمصادر ذاتها فإنّ الخبز المقدم عبر إدارة الأفران التابعة لـ"الإدارة الذاتية" لشمال وشرق سوريا، لا يصلح للاستهلاك البشري مع تصاعد حالة الاستياء الشعبي لا سيّما مع تداول معلومات حول تكرار حالات سرقة الطحين والوقود.

ونوهت المصادر إلى أن سعر الربطة من الفرن 2,000 ليرة سورية، ويتم توزيع الخبز عن طريق مندوب يقوم باستلام المادة وتوزيعها، ويتراوح وزن الربطة بين (900 إلى 1,000 غرام)، وعن بدائل الأفران العامة يتجه بعض المواطنين إلى الحصول على المادة عبر الأفران الخاصة.

ويقوم بعض السكان بصناعة المادة في المنزل عن طريق أفران الطين "التنور"، ويصل سعر كيس الطحين إلى 160 ألف ليرة، في مناطق شمال وشرق سوريا التي تضم الجزيرة السورية وتعد الأخيرة سلة القمح الرئيسية للبلاد، وتكرر "الإدارة الذاتية" قرارات رفع سعر المادة ورفعت الخبر السياحي مؤخرا، كما قلّصت عدد الأرغفة في كل ربطة إلى 7 فقط.

 

أرقام تتعلق بمادة الخبز.. اشتداد الأزمة ينذر بالأسوأ

كشف المدير المؤسسة السورية للحبوب التابعة للنظام "عبد اللطيف الأمين" أن كمية الأقماح الموردة خلال عام 2022 وفق العقود المبرمة بلغت بحدود 1.646 مليون طن قمح بتكلفة وصلت إلى 552 مليون دولار، كما تم طحن الأقماح المحلية والمستوردة حيث تجاوزت نسبة الإنتاج الفعلي 110 % من الخطة المقررة للتسعة أشهر الأولى من عام 2022.

وقدر رئيس الاتحاد المهني لعمال الصناعات الغذائية والزراعة "ياسين صهيوني" خسارة الفلاحين في موسم الحبوب الماضي 1718 مليار ليرة منها 532 مليار ليرة في محصول القمح و1186 مليار ليرة في محصول الشعير، وصف هذه النتيجة بالكارثية على البلاد، رغم تشدق النظام بما أطلق عليه "عام القمح".

وتستهلك سوريا 2.5 مليون طن من القمح سنوياً، يتم تأمين بعضها من القمح المحلي فيما تستورد الباقي من روسيا، وذلك بعدما كانت مكتفية ذاتياً قبل الأزمة بإنتاج يصل إلى 4 ملايين طن سنوياً مع إمكانية تصدير 1.5 مليون طن منها.

هذا واشتدت أزمة الخبز لتدق ناقوس الخطر من مشاكل إنسانية جديدة تبرز نصب أعين الفقراء من السوريين، وقد امتدت الأزمة إلى جميع المحافظات والبلدات والقرى، فالكثير من الأفران والمخابز كانت مغلقة، وبعضها عمل لساعات قليلة فقط، ما يعني انخفاضاً بكميات الدقيق المخصص لإنتاج رغيف الخبز فيها، وبالتالي، عدم حصول الكثير من المواطنين على مخصصاتهم، برغم قلتها.

الكاتب: فريق العمل

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ