الجيش السوري في محافظة السويداء (ارشيفية)
الجيش السوري في محافظة السويداء (ارشيفية)
● أخبار سورية ١٦ يناير ٢٠٢٦

هيومن رايتس ووتش توثق انتهاكات للقوات الحكومية والجماعات المسلحة الدرزية والبدوية في السويداء

أفاد تقرير نشرته “هيومن رايتس ووتش” في 15 يناير/كانون الثاني 2026 بأن القوات الحكومية السورية والجماعات المسلحة البدوية والدرزية المحلية تتحمل المسؤولية عن انتهاكات وصفتها بالجسيمة خلال الاشتباكات التي اندلعت في محافظة السويداء جنوبي سوريا في يوليو/تموز 2025، وقالت المنظمة إن هذه الانتهاكات شملت القتل التعسفي والاعتداء على الكرامة الشخصية والخطف، وإن موجات النزوح بلغت، بحسب تقديرات الأمم المتحدة التي أوردتها، ما يصل إلى 187 ألف شخص بحلول أواخر يوليو/تموز.ب

وشددت المنظمة على أن على السلطات السورية “إثبات أنها حكومة لجميع السوريين” عبر ملاحقة المسؤولين عن الفظائع “على أعلى المستويات” ومن جميع الأطراف، بما يشمل القادة العسكريين وكبار المسؤولين الذين أمروا بالانتهاكات أو يتحملون تبعات جرائم حرب بموجب مسؤولية القيادة.  

شرارة الاشتباكات ومسار التصعيد في يوليو 2025

روت “هيومن رايتس ووتش” أن المواجهة بدأت عند نقطة تفتيش في محافظة السويداء يوم 12 يوليو/تموز بين جماعات مسلحة بدوية وأخرى درزية قبل أن تتطور إلى اشتباكات استمرت أياما، وقالت المنظمة إن قوات الأمن الحكومية قصفت في 14 يوليو/تموز مواقع للدروز دعما للجماعات المسلحة البدوية، في حين رد الدروز بهجمات ضد القوات الحكومية والبدوية، وهو ما أسفر، وفق تقريرها، عن مقتل وإصابة مئات المدنيين ونزوح عشرات الآلاف، مضيفة أن الوضع “تحسن” لاحقا لكن النازحين ظلوا يواجهون ظروفا معيشية صعبة.  

وبينما قدّمت المنظمة خلفية اجتماعية عن المحافظة باعتبار أن سكانها في الغالب من الدروز مع أقلية من البدو، قالت إن المجموعتين تعايشتا لعقود قبل أن يشعل حادث الحاجز في 12 يوليو/تموز القتال، وزعمت أن تدخل القوات الحكومية لدعم جماعات البدو صعّد التوتر بين الحكومة والمجتمع الدرزي.  

شهادات الدروز والبدو ترسم مشهداً لانتهاكات واسعة النطاق

قالت هيومن رايتس ووتش إن شهادات جمعتها من 19 شخصاً من سكان محافظة السويداء، بينهم 14 درزياً وخمسة من البدو، والمدعومة بصور وفيديوهات تحققت المنظمة من صحتها، كشفت عن نمط متكرر من الانتهاكات التي نُسبت إلى القوات الحكومية السورية والجماعات البدوية المتحالفة معها والجماعات الدرزية المسلحة، شملت عمليات قتل تعسفي طالت مدنيين داخل منازلهم أو في محيطها، واقتحامات رافقتها تهديدات ومطالب مالية ثم إحراق للمنازل وتدمير واسع للممتلكات ونهب منظم للمنازل والمتاجر عقب المداهمات.

ونقلت المنظمة عن شهود أن جماعات بدوية مسلحة نفذت عمليات خطف واحتجاز ونهب بحق مدنيين، في حين أفاد شهود آخرون بأن جماعات درزية مسلحة هاجمت مدنيين واحتجزتهم تعسفاً بعد انسحاب القوات الحكومية من بعض المناطق، كما وثقت شهادات عن اعتداءات على الكرامة الشخصية على خلفية الهوية، شملت استخدام عبارات طائفية مهينة وإذلالاً متعمداً أثناء الهجمات.

وفي روايات فردية أوردها التقرير، نقلت هيومن رايتس ووتش استغاثات هاتفية سبقت اقتحام منازل، وشهادات ناجين من مضافات قالوا إن المهاجمين حطموا الأثاث ودمروا مقتنيات دينية ثم أطلقوا النار من مسافات قريبة، إضافة إلى شهادات عن إطلاق نار على مركبات مدنية أثناء محاولتها الفرار عبر نقاط التفتيش، وأخرى لمدنيين بدو تحدثوا عن احتجاز استمر أياماً في مواقع متعددة تخلله ضرب وإهانات وتهديدات قبل الإفراج عنهم ونقلهم لاحقاً عبر الهلال الأحمر العربي السوري إلى مناطق آمنة.

 


وفي ملف النزوح، أورد التقرير تقدير “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” بأن أكثر من 93 ألف شخص نزحوا خلال أسبوع من الاشتباكات، وأن العدد بلغ 187 ألفا بحلول أواخر يوليو/تموز، مع حديث المنظمة عن نقص حاد في الغذاء والمأوى والأدوية.  

تعثر التحقيقات الرسمية وقيود الإغاثة ومواقف الأطراف

انتقدت “هيومن رايتس ووتش” ما وصفته بتقاعس الحكومة السورية عن اتخاذ خطوات مناسبة لتحقيق “نزيه” في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، وقالت إن السلطات أدانت في 16 يوليو/تموز “الانتهاكات” ووصفتها بأنها “إجرامية وغير قانونية” وتعهدت بالتحقيق.

وأشارت إلى أن الرئاسة والشرطة العسكرية ووزارة الدفاع أصدرت بين 17 و22 يوليو/تموز بيانات تعهدت فيها بالمساءلة وأعلنت تشكيل لجنة للتحقيق في “انتهاكات صادمة وجسيمة” ارتكبتها “مجموعة غير معروفة ترتدي الزي العسكري”، قبل أن توضح المنظمة أن الهيئة كُلفت بتقديم تقرير خلال ثلاثة أشهر، وأن اللجنة أعلنت في 16 نوفمبر/تشرين الثاني أنها طلبت تمديدا لشهرين وستنشر التقرير “بحلول نهاية العام”، لكن التحقيق “لم ينته بعد”.  

وفي ميدان الإغاثة، قالت المنظمة إن المساعدات الإنسانية واجهت عرقلة شديدة بسبب القيود الحكومية على دخول المنطقة واستمرار انعدام الأمن، وإنه رغم تخفيف القيود لاحقا ظلت هناك “تأخيرات بيروقراطية” وعقبات أمام التوزيع والتنسيق داخل المحافظة بحسب مصدرين مطلعين.

فيما نقلت عن عامل إغاثة قوله إن عشرات الأشخاص ما زالوا في عداد المفقودين أو المختطفين دون أن تتلقى أسرهم معلومات عن أماكنهم أو حالتهم.  

وفي سياق متصل أوردته المنظمة، قالت إن خبراء الأمم المتحدة أفادوا في 21 أغسطس/آب بأن هجمات شنتها الميليشيات المحلية والسلطة والجماعات المسلحة التابعة لها على ثلاث قرى فقط في السويداء أسفرت عن مقتل “حوالي ألف شخص”، بينهم 539 مدنيا درزيا تم التعرف على هوياتهم، مضيفة أن العدد الكامل للضحايا المدنيين لم يُبلّغ عنه لأن عددا كبيرا من الجثث قد يكون ما يزال في منازل لم يُسمح لفرق الإنقاذ بدخولها.  

وعلى خط التحقيق الدولي، قالت “هيومن رايتس ووتش” إن “لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا” التابعة للأمم المتحدة دخلت السويداء في 2 أكتوبر/تشرين الأول للتحقيق في انتهاكات يوليو/تموز في أول زيارة يقوم بها خبراء حقوقيون دوليون، ثم نفذت زيارات أخرى لاحقا.  

الانتهاكات المنسوبة للأطراف كافة وسياق القانون والحرب ونداءات الإصلاح

عرضت “هيومن رايتس ووتش” الإطار القانوني بالقول إن القانون الإنساني الدولي وقوانين الحرب تنطبق على القتال الدائر بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة في السويداء، وإن المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد الحرب العرفية تحظر الهجمات على المدنيين والإعدامات بإجراءات موجزة والاعتداء على الكرامة الشخصية وتدمير ممتلكات المدنيين ونهبها، معتبرة أن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بنية إجرامية تعد جرائم حرب.  

وفي خلفية أوسع، ذكرت المنظمة أن القوات العسكرية التابعة للحكومة الانتقالية السورية سبق أن تورطت في انتهاكات جسيمة ضد الأقليات ولا سيما السوريين العلويين في مارس/آذار 2025، وأن التحقيقات الحكومية في الجرائم المزعومة برّأت كبار المسؤولين لعدم وجود أدلة على أوامر مباشرة، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن القادة والمسؤولين الكبار قد يتحملون المسؤولية الجنائية عن جرائم حرب ارتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا يعلمون أو كان ينبغي أن يعلموا ولم يمنعوا الجرائم أو يعاقبوا مرتكبيها.  

ومن زاوية التطورات اللاحقة التي أدرجتها المنظمة ضمن حجتها بضرورة إصلاح قطاع الأمن، قالت إن اشتباكات متجددة وقعت في يناير/كانون الثاني 2026 بين القوات الحكومية و“قوات سوريا الديمقراطية” بقيادة الأكراد وأسفرت عن 23 قتيلا وتهجير أكثر من 100 ألف شخص، معتبرة أن هذه الاشتباكات بين القوات الحكومية وجماعات مسلحة تقودها أقليات تؤكد الحاجة إلى إصلاح شامل لقطاع الأمن ومساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة.  

وفي توصياتها، دفعت المنظمة باتجاه مساءلة تتجاوز المستويات الدنيا، وقالت إن على الحكومة السورية ضمان تحقيقات نزيهة في اشتباكات يوليو/تموز ومارس/آذار تشمل التدقيق في دور كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين، وإنه إذا كانت السلطات غير راغبة أو غير قادرة على إجراء محاكمات تستوفي معايير المحاكمة العادلة الدولية فعلى الأمم المتحدة والحكومات المعنية التدخل لدعم جهود المساءلة. 

ودعت هيومن رايتس ووتش إلى “إصلاح حقيقي” لقطاع الأمن عبر تدقيق الموظفين الذين ارتكبوا انتهاكات وفرض الانضباط وإخضاع الجماعات المسلحة لسلطة الدولة المسؤولة أو تسريحها.  

ونقل التقرير عن آدم كوغل قوله إن “اعتراف الحكومة بالفظائع لا يكفي” إذا كان قادة القوات التي ترتكب الانتهاكات والمشرفون عليها “محصنين من العدالة”، محذرا من أن غياب مساءلة كبار المسؤولين والإصلاح الهيكلي لقطاع الأمن سيبقي سوريا أمام دورات متكررة من العنف والانتقام.  

كما سردت المنظمة، ضمن تسلسل الأحداث والقرارات الرسمية، أن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة قال في 15 يوليو/تموز إن الوحدات العسكرية ستبدأ بتسليم الأحياء إلى “قوات الأمن الداخلي” بعد انتهاء “عمليات التمشيط” ونشر الشرطة العسكرية لمراقبة سلوك القوات، وأن القوات الحكومية بدأت الانسحاب من السويداء في 16 يوليو/تموز.

وأشارت المنظمة إلى حشد جماعات بدوية مسلحة من مختلف أنحاء سوريا على الأطراف الشرقية والجنوبية للمحافظة، وإلى أن الرئاسة وصفت المقاتلين الدروز بـ“مجموعات خارجة عن القانون” وأشادت بتعبئة المقاتلين البدو، ثم شكرتهم في 19 يوليو/تموز ودعتهم إلى الانسحاب.  

ولفتت “هيومن رايتس ووتش” أيضا إلى أن القوات الإسرائيلية شنت في 16 يوليو/تموز غارات جوية على مواقع عسكرية سورية، وإلى أن اتفاقا أعلنت الحكومة السورية عنه في 20 يوليو/تموز قضى بنقل المقاتلين البدو والعائلات البدوية إلى خارج المحافظة، ما زاد من النزوح والتوترات حول احتمالات العودة الآمنة، قبل أن تذكر أن نحو 30 فصيلا درزيا توحدت في 23 أغسطس/آب تحت قيادة “قوات الحرس الوطني” التي أعلنت ولاءها للشيخ حكمت الهجري.

وفي ملف العاملين الإنسانيين، قالت المنظمة إن اختطافهم عطّل الإغاثة، وإن وسائل إعلام أفادت بأن مسلحين مجهولين اختطفوا رئيس مركز الطوارئ في “الخوذ البيضاء” حمزة العمارين في 16 يوليو/تموز أثناء استجابته لنداء استغاثة في السويداء وما يزال مكانه مجهولا، وإن خمسة عمال إغاثة اختطفوا في 13 أغسطس/آب في ريف درعا الشرقي أثناء نقل مساعدات إلى السويداء، لتضيف أن وزارة الداخلية قالت لاحقا إن الرجال أطلق سراحهم دون تقديم تفاصيل عن الجهة المسؤولة أو الإجراءات المتخذة.  

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ