بما أن الأنظمة العربية، وخاصة الجمهوريات أو الجملكيات، أممت كل شيء، وأخضعت كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والحزبية والأهلية والاقتصادية والتربوية والفنية والفكرية للأمن السياسي، فلا عجب أن تقوم بإخضاع المؤسسة الدينية لسلطانها، بحيث تصبح تلك المؤسسة مجرد خادم ذليل لدى الحاكم ونظامه. لطالما سمعنا في الماضي عن وعاظ السلاطين، ولا ضير في ذلك، لكن التغول الأمني داخل المؤسسة الدينية في عصر الديكتاتوريات العربية تجاوز مرحلة وعاظ السلاطين بأشواط طويلة.
لقد غدت مؤسسة الإفتاء في العديد من الدول العربية أشبه بفروع المخابرات، وغدا العاملون فيها مجرد عناصر أمنية آخر ما يهمهم نشر الدين الحنيف وتوعية الناس أخلاقياً وروحياً. لقد أصبحوا بوقاً مفضوحاً للأجهزة الأمنية، وخاصة في بلد كسوريا، حيث يصعب التمييز بين الخطاب الأمني والإعلامي الرديء للنظام وبين خطاب المؤسسة الدينية، لا بل إن خطباء المساجد، وخاصة خطيب الجامع الأموي الشهير في دمشق، يزايد على فضائيات النظام التعبوية في خطبه الرديئة، فقد وصل به الأمر إلى تمجيد الرئيس الروسي بوتين الذي تقتل طائراته السوريين ليل نهار، كما وصفه بأنه أحد الفاتحين، مع العلم أن وزير الدفاع الروسي اعترف بأن الطائرات الروسية شنت أكثر من سبعة وسبعين ألف غارة جوية على المدن والقرى السورية، ناهيك عن أن روسيا اعترفت على الملأ بأنها استخدمت أكثر من مئتي نوع من الأسلحة الجديدة على الأرض السورية، بحيث تلوثت الأجواء والأراضي السورية بالمواد المشعة لمئات السنين، مع ذلك لم يتورع خطيب الجامع الأموي عن الإطناب في تمجيد الروس. حتى وسائل إعلام النظام تخجل من تمجيد الجيش الروسي ورئيسه بنفس الطريقة التي مجده فيها مأمون رحمة.
لماذا أوغلت الديكتاتوريات في تسييس المؤسسة الدينية، وحولت وظيفة المفتي وخطباء الجوامع إلى مجرد أبواق أمنية مفضوحة؟ أليس من المخجل أن قرار تعيين مفتي الجمهورية والخطباء وطبقة رجال الدين المعتمدة من قبل قسم الأمن السياسي في المخابرات السورية؟ أليس من المضحك أن تصل خطبة الجمعة للخطباء من فروع الأمن في سوريا وغير سوريا طبعاً؟ هل يخطب مأمون رحمة وأمثاله من الخطباء العرب من رؤوسهم، أم مما وصله من فرع الأمن السياسي؟ لاحظوا أيضاً أن منصب مفتي الجمهورية يصدر بمرسوم رئاسي… هل رأيتم مدى أهميته التعبوية والدعائية بالنسبة للأنظمة الديكتاتورية؟ لا عجب إذاً أن المفتي وشلته يلقون علينــا خطبــاً عن عدل سيدنا عمر بن الخطاب ،وفي نهـــاية الخطبة يدعون لحـاكم قاتل مجرم لص يسرق قوت الشـــعوب ويشردها ويقتلها بالملايين.
وبما أن وظيفة المفتي في الديكتاتوريات العسكرية وظيفة أمنية وسياسية بالدرجة الأولى، فإن كل نظام يختار المفتي الذي يعبر عن توجهاته ومنطلقاته السياسية والحزبية والعقائدية، فإذا كان النظام يدّعي العلمانية والانفلات الاجتماعي مثلاً كالنظام السوري، فيقوم بتعيين «مفتن» مستعد أن يمشي في الشارع عارياً بحجة أن لا إكراه في الدين، ومستعد أيضاً أن يحلل الخمر والفاحشة بحجة أن «لكم دينكم ولي دين». وقد شاهدناه ذات مرة وهو يتشدق أمام وفد أمريكي في دمشق بليبراليته الإسلامية الصارخة، حيث قال حرفياً: «لو طلب مني نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن أكفر بالمسيحية أو اليهودية لكفرت بمحمد». وهي بلا شك رسائل سياسية من النظام للأمريكيين لا علاقة للمفتي الدجال بها أبداً، بل هو مجرد بوق يوصل رسائل سيده الدينية للغرب كي يرضى عنه ويعتبره متحرراً دينياً. ومعروف أنه كلما انقلب النظام على الدين لاقى تأييداً واحتضاناً غربياً أكثر. لهذا وضع على رأس المؤسسة الدينية مهرجين مستعدين أن يحللوا له كل شيء لإفراغ الدين من مضمونه وتوجيهه لخدمة الأهداف السياسية الدنيئة.
وإذا كان بعض الأنظمة العربية يريد أن يوهم الناس بأنه ملتزم جداً بالدين، وأن كل شيء في البلد يسير حسب التعاليم والقوانين الدينية فيقوم بتعيين «مفتي» يحرّم حتى الاستماع إلى زقزقة العصافير بحجة أنها حرام. وإذا كان النظام يدّعي التعايش ومحاربة الطائفية فيقوم بتعيين «مفتي» يحرّم حتى الحديث عن أي طائفة أو مذهب إسلامي آخر بحجة أن ذلك يثير الفتنة بين المذاهب والطوائف، مع العلم أن النظام نفسه يكون غارقاً في الطائفية والمذهبية حتى أذنيه، لهذا يتحجج بضرورة التعايش بين المذاهب والطوائف لا كي يسود الوئام بين الشعب، بل كي يحمي طائفته ونفسه من أتباع المذهب العام الذين يعاديهم في الباطن.
هل إذاً المفتي ورجال الدين في الديكتاتوريات العربية صوت الدين فعلاً، أم سوط المخابرات؟
بعد عقود على رأس السياسة الروسية، لا يمكن لفلاديمير بوتين أن يكون شخصية غير معروفة القدرات والإمكانات على الأقل فيما يتعلق باهتمامات المختصين في السياسة الغربية. ومن أهم التساؤلات التي ينبغي عليهم طرحها يدور حول: إلى أي مدى ووفق أي قوة يمكن دفع السيد بوتين للالتزام بحدود السلوك المقبول لديهم.
فتحت زيارة بوتين القصيرة إلى فرنسا خلال هذا الأسبوع، وبالتحديد إلى قصر فرساي، المجال لطرح هذا التساؤل بطريقة أكثر هدوءاً وتعقلاً.
وحقيقة أن السيد بوتين تقبل الدعوة لزيارة موجزة من الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون عكست رغبة الزعيم الروسي المتقدة لمحاولة «إعادة» الدخول إلى ما يعرف بدائرة القوى العظمى العالمية. وبعد استبعاد روسيا من مجموعة دول الثماني، كان السيد بوتين شديد الحرص على التقاط صورة «ما» تعكس ولو «ثُلمة» صغيرة في جدار العزلة الدولية المفروض عليه.
وبعد ذلك، كان من بين المواضيع التي طرحها السيد بوتين في قصر فرساي هو أمله في أن يعتبر المختصون الغربيون روسيا العصر الحاضر كما هي عليه، وليست كمثل ما كان الاتحاد السوفياتي البائد من قبل.
وكانت ذريعة زيارة قصر فرساي هي الذكرى الثلاثمائة لزيارة بطرس الأكبر القيصر الروسي الخامس ومؤسس روسيا الحديثة إلى فرنسا. وكان القيصر بطرس هو مؤسس ما يسمى المدرسة «التغريبية» الفكرية - اعتناق الثقافة الغربية، وهي من مدارس الفكر القومي الروسي والتي يدور طرح مثقفيها حول اعتبار أن روسيا جزء من القارة الأوروبية، وأنه ينبغي عليها تحرير ذاتها من وحشية التراث الآسيوي العقيمة.
رغب القيصر بطرس الأكبر في أن تتبنى بلاده العلوم الحديثة، ونظم التعليم المتقدمة، والذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك بدعوة «البويار - أفراد النخبة الأرستقراطية الإقطاعية من نبلاء روسيا» إلى حلق لحاهم الكثيفة، ودعوة «الموزيك – الفلاحين والمزارعين الروس» إلى ارتداء الملابس الأوروبية التقليدية. وخلال مدة زيارته إلى فرنسا التي استغرقت 12 أسبوعاً، استأجر القيصر الروسي مجموعة من الفرنسيين، وغيرهم من الأوروبيين، من المعلمين، والمؤرخين، والفنانين، والمهندسين، والمعماريين، والإداريين لمرافقته إلى روسيا ومساعدته في تحويلها إلى أمة حديثة على غرار أوروبا وبلدانها. وكان مطلوباً من هؤلاء الموظفين أن يحولوا مدينة بتروغراد، والتي هي سان بطرسبرغ اليوم، إلى مدنية على الطراز الإيطالي، وإعادة تصميم العاصمة موسكو لتكون كمثل المدن الفرنسية الحديثة في ذلك الوقت.
عارض السلافيون جهود التغريب المحمومة التي كانت يقودها القيصر بطرس الأكبر في البلاد، وكان السلافيون يعتقدون أن لروسيا شخصيتها المميزة وروحها الأصيلة ومن ثم ينبغي عليها الوفاء بمصيرها الواضح من خلال توسيع الإمبراطورية الروسية ونشر نسختها الخاصة من الديانة المسيحية.
حاول السيد بوتين، خلال حياته المهنية في المضمار السياسي، أن يلعب على كلا الوترين، فلقد كان متطلعاً للغرب في بعض الأحيان، وسلافياً محضاً في أحيان أخرى. ولكن في قصر فرساي، كانت الإشادة المضطرمة بالقيصر بطرس الأكبر قولاً والتماهي مع الدور الغربي لسيد الكرملين فعلاً.
وكانت الرسالة الاستثنائية التي أراد بوتين أن يبعث بها تدور حول الفتوحات الروسية الأخيرة في كل من جورجيا وأوكرانيا، وأنه لا ينبغي على الغرب النظر إليها من زاوية محاولة أوسع لإعادة إحياء الإمبراطورية السوفياتية التي عفى عليها الزمن. وخلال المؤتمر الصحافي المشترك الذي جمعه بالرئيس الفرنسي في قصر فرساي، تخلى السيد بوتين عن روتينه القومي المعتاد ووصف الغرض الأوْلى من مهام السياسة بمحاولة تحسين حياة الشعوب.
وكان غرضه هو طمأنة الفئات الوسطى من المجتمع الروسي والتي تأثرت للغاية جراء العقوبات الاقتصادية الدولية، وانخفاض أسعار النفط العالمية، والتدهور العام في الاقتصاد الروسي منذ عام 2012.
ثم حاول الرئيس الروسي تغيير مسار الحوار من خلال طرح قضايا مثل الأزمة السورية والأوكرانية باعتبارها من بعض البنود المدرجة على جدول الأعمال العالمي المثقل بكثير من المشاكل والأزمات. ولقد دندن حيناً ورقص حيناً حول تيمة مكافحة الإرهاب، وهي من التيمات التي يعلم جيداً أنها تجذب على الدوام المزيد من الانتباه في الغرب، ومن ثم تحدث عنها عارضاً المساعدة والتعاون الروسي الأكيد. ومن الواضح بجلاء حرص السيد بوتين على إظهار «إعادة» ربط روسيا بدوائر الدول العالمية الكبرى حتى ولو بالحد الأدنى من الوسائل على أقل تقدير، ثم تقبل بوتين على الفور اقتراح السيد ماكرون بإقامة مجموعة عمل مشتركة لوضع استراتيجيات مكافحة الإرهاب.
وإجمالاً للقول، كان بوتين الذي رأيناه في قصر فرساي هذا الأسبوع يبدو أقل تحدياً، وأكثر قابلية لخوض غمار اللعبة الدولية وفقاً لبعض قواعدها المتعارف عليها. ومن المؤكد، أن هذا لا يمكن أن يكون سوى موقف مؤقت متخذ في لحظة صعبة.
لقد وضع بوتين بلاده على مسار شديد الاضطراب. ولكن الهدف ينبغي أن يكون العودة بروسيا من هذا المسار المضطرب.
وإن كان السيد بوتين مستعداً لفتح نافذة جديدة من الفرص السانحة فلن يكون من الحكمة بحال أن نُغلق هذه النافذة في وجهه. غير أن هذا لا يعني دعوة الرجل إلى مائدة متنوعة من التنازلات تماماً كما صنع الرئيس باراك أوباما عبر سياسة «إعادة تعيين العلاقات» الطفولية.
كان السيد بوتين محقاً في إشارته إلى أن روسيا اليوم ليست هي الاتحاد السوفياتي السابق. حيث كان الاتحاد السوفياتي عدواً مباشراً للديمقراطيات الغربية، في حين أن روسيا اليوم في أسوأ حالاتها مع الغرب ليست إلا خصماً من الخصوم.
ووفقا إلى المصادر الفرنسية المطلعة، صدر عن السيد بوتين في قصر فرساي مجموعة من التلميحات المثيرة للحيرة. فعند حديثه عن سوريا عطف على ذكر الرئيس بشار الأسد، الدمية التي تتلاعب بها طهران وموسكو سعياً وراء تحقيق غايات خاصة. بدلا من ذلك، أصر السيد بوتين على أن أي تسوية بشأن الأزمة السورية لا ينبغي أن تكون على حساب الإطاحة بمؤسسات الدولة. وهذا من الأمور التي سوف تجد القوى الغربية، وجموع الشعب السوري، صعوبة ليست بالبالغة في قبوله.
ومع استبعاد بضع مئات من الأشخاص المتورطين بشكل مباشر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فلا يوجد سبب يمنع البقية المتبقية من موظفي الدولة السورية في أن يكون لهم مكان في مستقبل سوريا الحرة.
ويأتي الموقف الجديد للسيد بوتين على خلفية الانخفاض الحاد في النشاط العسكري الروسي في سوريا. ولقد أعلن بشار الأسد ووزير خارجيته وليد المعلم في الشهر الماضي عن عملية عسكرية على غرار عملية حلب، ولكنها موجهة هذه المرة نحو محافظة إدلب مع القوات الجوية الروسية التي سوف تشن عمليات القصف الضخمة والمروعة. غير أن هذا لم يحدث. كما ابتلعت روسيا، مرغمة، هجومين شنتهما القوات الأميركية على مواقع ووحدات تابعة لقوات بشار الأسد من دون أن تحاول الرد بأي صورة من الصور. وصار السيد بوتين الآن يستخدم مصطلح «عدم التصعيد» حيال كل من الأزمات في سوريا وأوكرانيا.
وربما يحاول السيد بوتين شراء بعض الوقت لغرض ما أو هو يحاول تقسيم خصومه.
ولكنه قد يعكس حقيقة مفادها أنه صار يتعلم من تجاربه وأن السياسات الإمبريالية القديمة قد عادت بالهزيمة على نفسها في نهاية المطاف. ولا ينبغي رفض موقفه المتخذ أخيراً، ولا يجب تعريضه للاختبار كذلك، فإن تحقق أنه يريد العودة إلى المجتمع الدولي مرة أخرى، فلا غرو من مساعدته على القيام بذلك.
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خروج بلاده من اتفاقية باريس للمناخ التي وقعها سلفه باراك أوباما عام 2015. الاتفاقية كانت علامة فارقة على أن البشرية قرّرت (أن تحاول) الخروج من طريق الفناء الذي بدأت بسلوكه منذ دخول أوروبا العصر الصناعيّ وصولاً إلى هذه المرحلة التي شمل التلوّث التربة والبحار والأنهار والهواء، وأدّى تراكم الغازات الصناعية إلى التأثير على الغلاف الجوّي المحيط بالأرض مما ساهم بدوره في احترار متزايد للكرة الأرضية مع كل العناصر المرتبطة بهذا الاحترار من قحط وجفاف وتصحّر وذوبان الثلوج وارتفاع مدّ البحر، وهذه كلها عوامل لا يمكن مقارنتها بما يمكن أن يحصل من مخاطر في العقود المقبلة من غرق بلدان وجزر وانقراض حيوانات ونباتات وارتفاع لدرجة حرارة الأرض ما يجعلها مكانا غير صالح للحياة.
حسب وسائل الإعلام الأمريكية فإن ترامب اتخذ القرار بـ»الغريزة»، بعد أن كان يعلن، منذ حملته الانتخابية للرئاسة، كرهه للاتفاقية ويصفها بأنها «صفقة سيئة» تضرّ العمال الأمريكيين، وبعد أن استمع إلى نقاشات شارك فيها مستشاره للشؤون الاستراتيجية ستيفن بانون (المدافع الشرس عن قرار حظر المسلمين والمعجب بروسيا)، وبدعم من نوّاب للحزب الجمهوري تدعمهم شركات النفط والغاز والفحم.
القرار، حسب ترامب، يستند إلى شعاريه الأثيرين: «أمريكا أولا» و»لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، غير أن الشعارين مضلّلان بأكثر من طريقة.
الأكيد في شعار «أمريكا أوّلا» أن سحب حصّة أمريكا من دعم الاتفاقية سيضرّ حقّاً بباقي بلدان العالم، وسيؤدي إلى معاناة هائلة للبلدان التي تعيش «على الخط الأمامي للتغير المناخي» حيث سيقلص موارد المياه وهطول الأمطار ويؤثر على الإنتاج الزراعي ومصائد الأسماك ويساهم في سوء التغذية والأمراض المعدية والسيول وأسعار الغذاء، ولكنّه، بالقدر نفسه، سيضرّ البيئة الأمريكية وصناعاتها الأكثر تفوقاً في العالم، في مجالات الإبداع كافّة، التكنولوجية والرقمية والاقتصادية والغذائية، وكان هذا واضحاً من خلال اتصال رئيسي شركتي أبّل للإلكترونيات وتيسلا لصناعة السيارات الكهربائية بترامب ومحاولة إثنائه عن قراره، وفي الغضب العارم الذي اجتاح الكثير من الشركات والقطاعات الاقتصادية في أمريكا نتيجة هذا الانسحاب.
ما قام به ترامب لا يتعلّق بـ»أمريكا أولا» بل بالجزء العنصري والجشع والمتغطرس فيها، بحيث يهتمّ بمصالحه اليوم والآن ولو كان ذلك على حساب أولاده وأحفاده، وهو بالتالي ليس ضد العالم فحسب بل ضد أمريكا ذاتها.
تحليل ردود الفعل الدولية يبيّن وجود تقارب بين كتلتين اقتصاديتين هائلتين، هما الاتحاد الأوروبي والصين، وابتعاد الولايات المتحدة الأمريكية التي صارت، إضافة إلى نظام سوريا الكيميائي، ودولة نيكاراغوا الصغيرة في أمريكا اللاتينية، هي ثالث دول العالم التي لم ترفض اتفاقية باريس.
يلفت النظر هنا، أن روسيا، بلسان رئيسها فلاديمير بوتين، لم تنتقد قرار الرئيس الأمريكي، وهو ما يضيف بعدا «مناخياً» إلى العلاقة السياسية غير المسبوقة بينهما، والتي تبادل فيها الرئيسان الإعجاب أكثر من مرّة، ولا تنفك تزداد كل يوم الأخبار المربكة التي تربط بين بطانة ترامب الخاصة مع سيّد الكرملين، وتتأكد الأنباء أن الروس ساعدوا ترامب في الحصول على منصبه الرئاسي، وهو أمر لا يجد تفسيراً، على ابتعاد المنظومتين السياسيتين للبلدين، غير التقارب الفكري في النظرة إلى شؤون إدارة العالم.
التقارب «المناخي» بين روسيا وأمريكا، وبين الصين وأوروبا، يقدّم مفاتيح جديدة لفهم اتجاهات العالم لكن اللغز الكبير فيه هو: ما هو موقع العالم الإسلامي؟
ثمة دعوة إلى إصلاح «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» تدور في أوساط المعارضة السورية أطلقها أعضاء حاليون أو سابقون فيه على خلفية حالة الترهل التي بلغها والمطالبة بالخروج منها من دون ظهور ضوء في نهاية النفق على رغم مرور مدة زمنية كافية لذلك.
لم وأين المشكلة؟
أولاً، لم تنجح الدعوة في استقطاب قوى اجتماعية وسياسية مؤثرة لاعتبارات كثيرة وخطيرة أولها حالة الشقاق والانقسام داخل صفوف المعارضة وحواضن الثورة التي ترتبت على استبدال «الائتلاف» بـ «المجلس الوطني السوري» ودوافع القوى الإقليمية والدولية التي عملت على تشكيله ورعت ولادته.
ثانياً، حالة انعدام الثقة بـ «الائتلاف» وبالشخصيات التي تسلمت قيادته، ومنها أصحاب دعوة الإصلاح بخاصة، المنتشرة بين أوساط حواضن الثورة والتي ترتبت ليس على الفشل في إدارة الصراع من قبل «الائتلاف» ومؤسساته فقط، بل على الأمراض الذاتية التي عكستها سلوكياتهم من جهة، وانحيازهم خلال ممارستهم أدوارهم للاعتبارات والمصالح الخاصة (هروب معظمهم من ساحة المواجهة عند شعورهم باحتمال تعرضهم للخطر وقبولهم العيش خارج سورية، العمل بشروط مريحة، الترف، البذخ، النجومية، وما تفرضه من تنازلات وخضوع للجهة الممولة والراعية، الارتجال ورد الفعل، العجز عن العمل الجماعي المنظم والمدروس) من جهة ثانية، حيث لم تشاهد حواضن الثورة أياً من تلك الشخصيات، إلا على شاشات التلفاز وفي قاعات الفنادق الفاخرة، لم تلتق بهم لا في مخيمات اللجوء ولا في الأراضي المحررة. إنها هوة واسعة وشرخ عميق بين واقعين: الشعب السوري بعامة وحواضن الثورة بخاصة (حيث مواجهة القتل والدمار والتشرد والجوع والبرد واللجوء والموت غرقاً)، وشخصيات وقوى سياسية، يفترض أنها تقدمت لتمثيلهم وقيادتهم من أجل تحقيق مطالبهم، تعيش في «فقاعة» رفاهية خمسة نجوم خارج البلاد وعلى الضد من معاناة العباد.
ثالثاً، عدم الثقة بأهلية أصحاب دعوة الإصلاح للقيام بهذه المهمة الحيوية والخطيرة والشك في منطقية المراهنة على وعودهم في ضوء التجربة المرة معهم عملاً بالمثل الشعبي «اللي يجرب المجرب عقلو مخرب».
رابعاً، تقدير الحواضن الشعبية لدوافع الدعوة وارتباطها بدواعٍ ذاتية (الهرب من مركب يغرق، تبرئة الذات والهروب من المسؤولية عن الفشل في إدارة الصراع والتسبب بهدر الإمكانيات والتضحيات، الادعاء بالتميز والقدرة على اجتراح المعجزات) وبمستدعيات الصراع على سورية بين دول «أصدقاء» الشعب السوري، إذ ولّد التنافس على الإمساك بالورقة السورية صراعاً على الإمساك بالمعارضة السورية وزجها في سجالات وحروب سياسية وعسكرية بالوكالة.
خامساً، وهو الأخطر، ارتباط نجاح عملية الإصلاح بحالة الثورة في شكل عام وبالتقديرات لطبيعة النهاية المنتظرة للصراع في سورية وعليها بشكل خاص. فالمشهد العام يشي بسلبيات كبيرة (تصدر الصراع على سورية المسرح، تبعية قوى الثورة والمعارضة للدول الداعمة، انخراطها في صراعات وحروب بالوكالة، قتل ودمار، خسائر ميدانية، فوضى، انكسار معنويات الثوار وخضوع لمستدعيات اللحظة بسبب غياب الأمل بنجاح الثورة في تحقيق أبسط مطالبها والذي جسدته حالات انتقال ثوار للقتال في صفوف ميليشيات النظام وحلفائه بعد أن قاتلوه لسنين). والتقديرات السياسية تنذر بكوارث كبيرة وخطيرة قادمة تحت تأثير انفجار الصراعات الدينية والمذهبية من جهة، وانخراط قوى ودول في الصراع على سورية وفرض خططها وأجنداتها على الصراع في سورية الذي أطلقته الثورة ضد نظام مستبد وفاسد من جهة ثانية.
تقتضي عملية إصلاح «الائتلاف»، إن كان ثمة إمكانٌ لإصلاحه، إعادة نظر في منطق التعاطي مع المشكلة والتدقيق في سلم الأولويات، بدءا من التفكير في أسباب انكسار الثورة وتراجع الأمل في تحقيق أهدافها إلى مواجهة الذات وتحدي حالة الرضا الخادعة عنها وتحديد المسؤوليات والاعتذار عن الأخطاء والممارسات السابقة التي قادت إلى كثير من السلبيات والنتائج المدمرة مروراً بوضع تصور منطقي وعملي لإخراج الثورة من عنق الزجاجة كمدخل لإصلاح «الائتلاف» ومؤسسات الثورة الأخرى. فالجدوى مرتبطة، وجوداً وعدماً، بإمكان إحياء الثورة وإطلاق مفاعيلها وتحقيق إجماع على أهدافها ومستدعياتها.
في هذا الشهر من العام 2014 وبعد سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» على محافظة نينوى العراقية وإعلانها ولاية قام عناصره بإزالة السواتر الترابية على الحدود العراقية ـ السورية ونشر على حساب أخبار ولاية البركة (الحسكة السورية) على موقع «تويتر» صورا لعملية إزالة السواتر وعبور آليات عسكرية تابعة للتنظيم معلنا أنه «ستبقى الشام والعراق ساحة واحدة ولن تفصل بينهما حدود» ومتوعداً بـ»مسح الحدود من الخريطة»، وفي أيار/مايو 2016 قبل خمسة أشهر من الذكرى المئوية للاتفاقية البريطانية ـ الفرنسية الشهيرة باسم وزيري خارجيتي البلدين آنذاك سايكس ـ بيكو تباهى التنظيم المذكور بالقضاء على الاتفاقية المذكورة.
وكما طبع التنظيم حدث كسر الحدود بين البلدين بطابع طائفي بإعلانه حينها بأن «الدولة الإسلامية» أرسلت «مجاهديها إلى الشام لقتال النصيرية (العلويين) لكنها لم تترك قتال الروافض (الشيعة) في العراق» فإن الميليشيات العراقية الموالية لإيران عزفت على الأسطوانة الطائفية نفسها فأعلنت عن تأسيس «جيش المؤمل في العراق والشام» في مثل هذا الشهر من العام الماضي، للقتال في العراق وسوريا «دفاعاً عن المقدسات الشيعية»، وانضافت إليها ميليشيات أخرى كـ»لواء أبو الفضل العباس» و»لواء ذو الفقار» و»كتائب حزب الله ـ العراق»، ومن داخل سوريا شهدنا تقدّم «حزب الله» اللبناني وميليشيات عراقية تقاتل داخل سوريا باتجاه الحدود السورية العراقية بحيث يلتقي الطرفان ويصنعان «وحدة عراقية -سورية» ولكن… تحت راية إيران!
الافتراق الطائفي والمذهبي بين «الدولة الإسلامية» والميليشيات الموالية لإيران لا يمنع رؤية التشابه في «المنطلقات النظرية» الطائفية التي تجمعهما، والتي تجعل كل منهما صورة مقلوبة للآخر، وكونهما ضرورة وجودية ولازمة لكل طرف منهما، وكذلك الأحلام التي يسعى الطرفان إليها.
يتجلى هذا في حلم تنظيم «الدولة» بالخلافة الإسلامية التي بدأها باحتلال أجزاء كبيرة من بلاد دولتي العباسيين والأمويين، ولكنه وصل لنهاياته وانسداد آفاقه تحت ضربات «التحالف الدولي» وهجمات «الحشد الشعبي» وقوّات الجيش والشرطة والقوات الخاصة العراقية، وهو ما فتح الباب لأحلام الميليشيات الشيعية في المنطقة بتأسيس خلافة فاطميّة جديدة تبدأ في طهران وتمر ببغداد ودمشق وتنتهي (أو لا تنتهي) ببيروت.
ووردت أنباء أمس أن «الحشد الشعبي» وصل إلى بعض القرى في ريف محافظة الحسكة السورية (ثم تردّد أن من استولوا على القرى هي قوّات إيزيدية عراقية على علاقة بالحشد)، ويبدو أن مزيداً من هذه الأخبار سيتوالى في الأيام المقبلة كدليل على التوتّر الإقليمي الكبير الناشئ عن خطط الميليشيات العراقية المذكورة.
الإيرانيون، على ما يبدو، متحمّسون لهذا الحلم الكبير وقد حشدوا حشودهم من ضفتي الحدود العراقية ـ السورية، وهو أمر يصبّ الزيت على نار الصراعات الإقليمية والمحلّية المشتعلة، ويثير القلق في الجوار القريب، وخصوصاً في تركيا والأردن، ولدى الأطراف المتصارعة والإثنيات والطوائف والجماعات، كما القوى الكبرى التي تراقب تحوّل الانتصار (وهو انتصار مؤقت لأن عوامل الأزمة ما زالت موجودة) على تنظيم «الدولة» إلى اندياح كبير للميليشيات الموالية لإيران في محاولة لتغيير كبير في معالم المنطقة السياسية.
مفارقة كبيرة أن يكون البلدان اللذان حكمهما حزب البعث العربي الاشتراكي بشعارات الوحدة العربية والأمة ذات الرسالة الخالدة لم يتمكن من توحيدهما وأن «تبعث» ظلاماته وقهره وخساراته العسكرية ومغامراته حلم الوحدة مرة على يد غلاة السنّة ومرّة على يد غلاة الشيعة وأن يكون الحصاد الأخير لصالح أمّة أخرى!
مع اقتراب حملة «غضب الفرات» التي تقودها «قوات سورية الديموقراطية» في محافظة الرقة من نهايتها، تضمحل الخيارات العسكرية لـتنظيم «داعش» بعدما بات شبه محاصر في مدينة الرقة آخر معاقل التنظيم في المحافظة.
المعطيات العسكرية منذ معركة الطبقة وسد الفرات، ثم التقدم السريع لـ «قسد» نحو الشرق باتجاه مدينة الرقة، تدل على أن التنظيم لن يخوض معركته المصيرية في هذه المدينة التي تعتبر ساقطة من الناحية العسكرية وليس من الناحية الزمنية.
والاتفاق الذي أجري بين «قوات سورية الديموقراطية» و «داعش» لترك المدينة والمغادرة نحو البادية ودير الزور، لم يكن ليتم لولا إدراك «قسد» أن التنظيم مستعد لمثل هذه الصفقة بعدما ظهر كثير من المؤشرات، مثل سرعة الانسحاب من بعض المناطق، ونقل قياداته وقواته الرئيسية إلى دير الزور.
ومع أن «قسد» نفت هذا الاتفاق، إلا أن معطيات كثيرة تؤكد وجوده، وأنه بُدئ بتطبيقه على الأرض، ولم يكن بيان «قسد» قبل أيام عبثياً اذ جاء فيه «نظراً للنتائج الإيجابية للبيان الذي أصدرناه بتاريخ 15/5/2017 والذي أعلنا من خلاله حماية حياة من يسلم نفسه وسلاحه من المنتمين إلى المجموعات المسلحة بمن فيهم داعش مهما كانت صفتهم ومهمتهم لقواتنا تمهيداً لتسوية أوضاعهم وحماية لعائلاتهم وذويهم وأهلهم نعلن تمديد هذه الفترة لغاية نهاية هذا الشهر 31/5/2017».
يحقق الاتفاق لـ «قوات سورية الديموقراطية» وتنظيم «داعش» جملة من الأهداف، فبالنسبة الى التنظيم تعتبر معركة الرقة خاسرة، بينما معركة دير الزور مفتوحة على احتمالات كثيرة، في ظل المساحات الجغرافية الواسعة والمفتوحة، وفي ظل الثقل الديموغرافي المتوافر هناك، فضلاً عن أن القوة العسكرية الحقيقية للتنظيم تكمن في دير الزور وليس في الرقة التي أخذت زخماً إعلامياً كبيراً كونها عاصمة التنظيم.
وبالنسبة الى «قسد»، يعني خروج «داعش» من الرقة نصراً عسكرياً سهلاً وبلا ثمن بشري يُدفع، ويعني بالنسبة الى الولايات المتحدة التخفيف من وتيرة قتل المدنيين بعدما ارتفعت حصيلة القتلى منهم إلى أرقام كبيرة خلال الشهر الجاري. كما يسمح الاتفاق للمحور المدعوم أميركياً بسرعة فتح معركة دير الزور التي أصبحت هدفاً واضحاً للنظام السوري وإيران وروسيا.
على أن أهم ما يمكن تحقيقه - وهذا ما جعل موسكو تهدد بضرب الاتفاق – هو أن انتقال التنظيم إلى جنوب محافظة الرقة بعد تجاوزه نهر الفرات وإلى دير الزور، سيجعل التنظيم وجهاً لوجه مع قوات النظام وحلفائه في الصحراء الممتدة بين محافظة الرقة والشمال الشرقي لمحافظة حمص، حيث يسعى النظام هناك إلى السيطرة على مساحات واسعة، وتحديداً السيطرة على بلدة السخنة الواقعة على الطريق الدولي بين تدمر ودير الزور، ليشكل بذلك مثلثاً جغرافياً يمتد من خناصر في الريف الشمالي الشرقي لحماة إلى تدمر فالسخنة، قبيل الانتقال إلى كباجب، أولى بلدات محافظة دير الزور من ناحية حمص.
ولم يكن مفاجئاً أن يعترض الروس على هذا الوضع الذي سينشأ نتيجة الاتفاق بين «قسد» و «داعش». فبالنسبة الى الروس، ستكون معركة الأميركيين وحلفائهم في الرقة سهلة بينما تكون معركة روسيا وحلفائها في شرق حمص ودير الزور صعبة، وسينجم عن ذلك خسائر في الأرواح لدى المحور الروسي وصعوبة في التقدم السريع على عكس ما سيحدث للمحور الأميركي.
ولهذا السبب، ستضرب موسكو أية محاولة من التنظيم للهروب من الرقة نحو الجنوب أو الجنوب الشرقي، ولن تعطي الأميركيين نصراً سهلاً، بل على العكس تبدو روسيا مرتاحة كثيراً من سقوط كثير من المدنيين بطائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
أمام ذلك، تبدو خيارات «داعش» قليلة أو شبه معدومة، ولن يكون أمامه سوى القتال حتى النهاية في المدينة، أو الانتقال نحو دير الزور وليس صحراء حمص باتجاه تدمر، كي لا يتعرض للقصف الروسي كما حدث قبل أيام حين استهدف الطيران الروسي رتلاً عسكرياً للتنظيم كان متوجهاً نحو تدمر عبر صحراء الرقة جنوب نهر الفرات.
لكن التوجه إلى دير الزور لن يكون بلا ثمن، حيث سيتعرض التنظيم لقصف التحالف الذي يحاول إجباره على التوجه نحو تدمر لمقاتلة النظام والقوى التابعة لإيران، فضلاً عن أن التحالف و «قسد» عزلوا الريف الشرقي لمحافظة حمص، ولن يكون أمام التنظيم سوى الطريق نحو تدمر والتعرض للقصف الروسي.
وقد يجد التنظيم طريقاً وسطاً من خلال التوجه نحو الجنوب الشرقي لمحافظة الرقة، فيبتعد عن المناطق المعزولة في الشرق ولا يدخل صحراء حمص نحو تدمر، إلا أن هذا الاحتمال قد يعرضه للقصف من الجانبين الأميركي والروسي معاً.
لقد تحول تنظيم «داعش» إلى هدف مشترك لكل أطراف الصراع المحلي والإقليمي والدولي بغية الاستحواذ على تركته، لكن إذا كانت محافظة الرقة قد حسمت للمحور الأميركي، فإن محافظة دير الزور لم تحسم بعد، وتبدو أصعب من أن يستحوذ عليها طرف بعينه.
هل تقترب الصراعات في سورية والعراق واليمن وليبيا من نهايات قريبة نسبياً؟ على رغم ندرة المبادرات الداخلية فإن التنافس بين الأطراف الخارجية، دولية وإقليمية، فتح فصولاً صراعية جديدة لا تعد بإنهاء بل بإطالة كل صراع. هناك تحالفات جديدة، سباقات تسلّح، اصطفافات متبدّلة وخلط أوراق... هذه مرحلة تحوّلات ربما تمثّل قمم الرياض ذروتها، إذ تحاول إعادة الدور الأميركي قبل أفوله في المنطقة، لكن سبقتها تقلّباتٌ في العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، بينها وبين حليف مثل تركيا، وحتى مع حلفاء مزمنين في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. كل ذلك ينعكس على البلدان الأربعة المأزومة وجوارها، وليس مؤكّداً أن التشوّش الراهن سينجلي متى حسمت أميركا خياراتها، إذا حسمتها فعلاً، فهي تركّز على محاربة الإرهاب وتتجاهل الأسباب الداخلية التي أجّجت هذا الإرهاب، أما الأطراف الأخرى كروسيا وإيران وإسرائيل وتركيا فتتلاعب، خصوصاً في سورية، وكلٌّ على طريقته، بورقتي الإرهاب والأزمة الداخلية معاً.
بعد قمم الرياض أصبحت المعادلة كالآتي: الإرهاب هو إيران. كان ذلك واضحاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة منذ وجودها في السعودية بعد حرب الخليج، ثم عندما أصبحت سلطة احتلال في العراق ولمست مباشرة كيف استفادت إيران من الحرب على أفغانستان بإيواء فلول تنظيم «القاعدة» ومن الحرب على العراق بإدخال مواليها من معارضي صدام حسين الذين أصبحوا لاحقاً نواة الميليشيات التي فرّخت عشرات لتكون «حرساً ثورياً» بديلاً من الجيش الوطني، تماماً كما فعل ملالي طهران بعد إطاحة الشاه. بل اتضحت أكثر للأميركيين علاقة إيران بالإرهاب بعد انسحابهم من العراق ثم دعوتهم إلى العودة للمساعدة في محاربة الإرهاب، تحديداً في ضرب «داعش»- وليد «القاعدة»- الذي تمدّد إلى سورية وأعلن «دولة الخلافة» في مساحة جغرافية واسعة معظم سكانها من السُنّة، وهي المساحة التي أرادت إيران إخضاعها لتحصّن هيمنتها على عموم العراق وتتحكّم بمناطق شرق سورية ووسطها وصولاً إلى لبنان، استكمالاً لـ «هلالها» الفارسي أو الشيعي.
هذا «الهلال» سيطر بميليشياته على الأرض، فلم يتأثّر بالتدخّل الروسي في سورية بل تعايش معه، ولا بعمليات «التحالف الدولي ضد الإرهاب» بل كشف حاجة الأميركيين إليه في العراق، حتى أن الخلافات الأميركية- الروسية تترك له مساحات مريحة لمواصلة عمله، إلى حدٍّ تبدو معه الدولتان الكبريان وكأنهما تخدمان الاستراتيجية الإيرانية. لم تعبّر روسيا، حتى في سعيها إلى تدعيم نفوذها في سورية، عن أي نيّة أو مخطط لتقليص نفوذ إيران، وفضّلت حتى الآن التنسيق معه على رغم تناقضه مع خططها لتطبيع الوضع السوري. أما الولايات المتحدة فأكّدت مراراً أن الحدّ من التمدّد الإيراني أحد أبرز خياراتها الاستراتيجية، بالتزامن مع ضرب الإرهاب وإنشاء مناطق آمنة، أي أنها تقترب من معادلة «الإرهاب هو إيران» وبالتالي فإن المنطقة تترقّب تنفيذ توجّهها هذا ومدى تأثيره في مستقبل الأوضاع، تحديداً في سورية والعراق واليمن، وبات ممكناً أن تُضاف ليبيا إلى السياق ذاته، لماذا؟ لأن كشف واشنطن عن نياتها وتحالفاتها، وتأخّرها في التحرك، دفعا بالمتضرّرين المحتملين إلى «تحالف» تسعى إيران إلى بلورته مستفيدةً من مسار أستانة السوري للتقارب مع تركيا واستمالة تيار الإسلام السياسي «الإخواني» القلق من ربطه أميركياً وعربياً بالإرهاب. ولا تبدو موسكو ممانعة نشوء تحالف كهذا بل تعتبر أنه يمدّها بأوراق إضافية في مساوماتها مع أميركا.
إذا كان الإرهاب هو المعضلة الرئيسية فإن وشوك انتهاء معركة تحرير الموصل بهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في معقله الأهم يرشّح العراق لأن يوفّر النموذج الأول لما ستكون عليه الحال في مرحلة «ما بعد داعش». بعد ذلك، وبالمفهوم نفسه، سيشكّل إطلاق معارك تحرير الرقّة ودير الزور خطوة نحو حسم الأزمة في سورية لتأخذ عندئذ بشيئ مما يكون قد تبلور سياسياً في العراق. في المقابل، لم يكن الإرهاب سوى جزء تفصيلي في اليمن، إذ كان تنظيم «القاعدة» متوطّناً في بعض مناطق الجنوب والوسط قبل أزمة 2011 ويرجّح أنه كان يتلقّى دعماً من قيادته في إيران وقد استخدمه علي عبدالله صالح لابتزاز الخارج، ويرجّح أنه لا يزال على تواصل معه. أمّا في ليبيا فارتبط بفلول «القاعديين» الذين تغلغلوا في نسيج «الثورة» وميليشياتها ثم ظهر «داعش» فجأة وبجهوزية تامة مكّنته بسرعة قياسية من إنشاء إمارة في سرت، إلى أن طُرد منها لكنه لا يزال تهديداً ماثلاً حتى أنه سجل حضوراً في مانشستر البريطانية.
في جميع هذه البلدان تمسّ الحاجة إلى إطلاق حلول سياسية بمقدار ما تمسّ إلى محاربة الإرهاب، أولاً لأن الظروف التي أنضجت «داعش» وظهوره لا تزال قائمة بل إنها قد تزداد تغوّلاً، وثانياً لأنها قد تنتج جيلاً آخر من هذا التنظيم بسرعة قياسية. فعلى سبيل المثال، حضّ النظام الإيراني نظام نوري المالكي على عدم تقديم تنازلات لحل الأزمة السياسية في العراق لكنه شجعه على التنازل لـ «داعش» بعدم مقاومته في الموصل وبسحب أي قوات حكومية قادرة على التصدّي له. كذلك حقّق النظامان السوري والإيراني أكبر المكاسب من تمكين «داعش» في زرع وجوده في الشمال ومن انشقاق «جبهة النصرة» عنه ترجيحاً لوضع فصائل المعارضة في سياق إرهابي يرفضه العالم، ويتذرّع به لقبول نظام بشار الأسد كخيار سيئ أفضل من الآخر الأسوأ. وفي الحالين كانت المشكلة في ممارسات النظام القائم، وفي المشروع الإيراني لنشر الفوضى والاستثمار فيها. هذا ما كان عليه الأمر أيضاً في اليمن، بتوظيف أنانية الرئيس المخلوع وأحقاده واحتكاره بعض القوات المسلّحة واستهتاره بالبلد في خدمة الميليشيات الحوثية للسيطرة على الدولة والجيش والمؤسسات كافة، من دون أي ازعاج للتنظيمات الإرهابية الموجودة.
لن يستعاد أي استقرار في أي من هذه البلدان، ولن يستقيم أي حل سياسي، ما لم تُرفع يد إيران عنها أو يُقلّص نفوذها الى أدنى حدّ. هذا مشروع حرب أخرى وستتجنّب إيران وخصومها تعريض أراضيها، وستحارب إيران وخصومها بالسوريين والعراقيين واليمنيين. يترافق انتهاء معركة الموصل مع تكثيف ميليشيات «الحشد الشعبي» اندفاعاتها إلى الحدود السورية، فوليّ الفقيه الإيراني الذي يتصرف كـ «خليفة» يعتبر أنه الأحقّ في وراثة أرض «خلافة» أبي بكر البغدادي، و «الحشد» يريد أن يحلّ محل «داعش». هذا اختبار مهم لاستراتيجية «احتواء النفوذ الإيراني» الأميركية، وسباق مفتوح بين مَن يملك الأرض ومَن يملك الجو، بين طهران التي تعتبر معابر الحدود شرايين حياة لوجودها في سورية وستواصل ضغوطها للسيطرة عليها، وبين واشنطن التي تسعى إلى تحويل المعابر ومحيطها «مناطق آمنة» لكن تلكؤها قد يخسّرها السباق، فالغارة الجوية على ميليشيات عراقية مندفعة إلى الجانب السوري من معبر التنف لن تثني الإيرانيين، مثلما أن الشروط الأميركية لم تمنع الحكومة العراقية من تشريع «الحشد» وإشراكه في معركة الموصل، ومن بعدها استعادة عربداته في الأنبار في طريقه إلى الحدود.
ثمة تفاهمات أوليّة، محدودة لكن مهمّة، قد تكون أميركا وروسيا توصّلتا إليها من دون إعلانها. بينها مثلاً عدم العرقلة الأميركية لاتفاق مناطق خفض التوتر في سورية مع اشتراط منع الميليشيات التابعة لإيران من عبور الحدود لإقامة خط طهران- بغداد- دمشق- بيروت. وبينها أيضاً اشتراط روسيا عدم التعرّض للجيش النظامي السوري، لكن معظم التحركات المنسوبة إلى النظام قوامها من أتباع إيران مع أنفار نظاميين كأدلّاء، وليس معروفاً إذا كان الأميركيون والروس توافقوا على معايير الفصل أو التمييز بين هذين الطرفين. غير أن المضي في اتفاق أستانة، بتشارك الروس والأتراك والإيرانيين في رسم «الحدود» بين مناطق خفض التوتر، بات يؤسّس لتوافق رباعي يضم الأسد كتحصيل حاصل، ومن شأن ذلك أن يهمّش مفاوضات جنيف أو يتركها عقيمة وشكلية ليلتفّ عليها بترتيبات تعكس ما تتوافق عليه الدول الثلاث مع الأسد.
خلال الحملة الانتخابية، أدان الرئيس حسن روحاني كشف الحرس الثوري لمدن الصواريخ الإيرانية الباليستية القائمة تحت الأرض. بعد فوزه بأسبوع تقريباً أعلن قائد قطاع الطيران في الحرس الثوري العميد أمير علي حجي زادة أن إيران شيدت مصنعاً ثالثاً لإنتاج صواريخها. بعده رد روحاني «أن إيران لا تحتاج إذناً من الولايات المتحدة لإجراء تجارب صاروخية، وأنها مستمرة بها عندما يكون ذلك ضرورياً من الناحية الفنية».
يقول محدثي الغربي إن إيران وفي شكل لم يسبق له مثيل، منكبة على توسيع أصولها العسكرية بعد المليارات التي حصلت عليها من الولايات المتحدة إثر التوصل إلى الاتفاق النووي، ويفخر العسكريون الإيرانيون بإجراء تحول في قدراتهم القتالية، مما يعطي إيران خياراً بأن تصبح قوة هجومية في كل أنحاء منطقة الشرق الأوسط، وهذه الادعاءات كما قال، تشكل قلقاً كبيراً لدى كبار الشخصيات في واشنطن.
وكانت تقارير في أواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي خرجت من إيران، أشارت إلى وصف مسؤولين هناك، زيادة ميزانية الدفاع بنسبة 145 في المائة في ظل فترة ما يسمى بالرئيس «المعتدل» روحاني، وأن قوات النظام العسكرية تهدف إلى إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية للنظام بحيث تصبح قوة مستعدة دائماً للمبادرة وفي كل الظروف. ومنذ تنفيذ الاتفاق وما تلاه من «مكافآت»، عمد المسؤولون الكبار في إيران إلى استخدامها في شراء معدات عسكرية جديدة وأسلحة إضافية، كما وقعت إيران عقوداً عسكرية مع روسيا بقيمة ملايين الدولارات.
يقول محدثي الغربي، إن كبار المسؤولين الأميركيين وأعضاء الكونغرس تنتابهم الشكوك من أن إيران تستخدم جزءاً كبيراً من النقد - الذي أثار الجدل - 1.7 مليار دولار الذي وفرته لها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، لدعم شبكاتها الإرهابية المنتشرة في أنحاء عدة من الشرق الأوسط.
العميد كيومارس حيدري خلال مراسم الاحتفال بيوم الجيش أعلن عن الإضافات من الأسلحة التي توفرت للجيش. هذا الإعلان الذي لم يكتسب أهمية في وسائل الإعلام الغربية، جعل المسؤولين عن الأمن القومي الأميركي يناقشون هذه المسألة خلال الأسابيع الماضية.
إن هدف إيران هو تحويل جيشها إلى قوة ذات قدرات «هجومية» مما يشير إلى تحول لافت عن دورها الداعم للحرس الثوري الذي يعتبر قوة طهران الأساسية.
يقول محدثي: إن تعزيز القدرات اللوجيستية والأسلحة والدعم هي الأهداف التي يعمل عليها النظام لإعادة إحياء دور وقدرات جيشه النظامي. ويرى المراقبون العسكريون أن هذا يعتبر تحولاً كبيراً لسياستها تجاه الجيش النظامي بحيث يوفر لطهران القدرة على التدخل في منطقة الخليج العربي، وهي منطقة حساسة حيث تتمتع القوات الأميركية فعلياً، بنفوذ ووجود جديرين بالملاحظة.
لإيران تاريخ طويل في تحويل المليارات إلى برامجها العسكرية وشبه العسكرية. وكانت استخدمت المكاسب المتراكمة من العملة الأوروبية من الاتحاد الأوروبي خلال الفترة من 1998 حتى 2005 للاستثمار بكثافة في برامجها النووية والصاروخية السرية. ومن المفارقات المثيرة أن الشخص المسؤول عن هذه الجهود لم يكن سوى سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي حسن روحاني، الذي أصبح الغرب، وبالذات الإعلام الأميركي، يطلق عليه لقب «إصلاحي». وعلى الرغم من كل التهديدات الإيرانية ومواقع الصواريخ تحت الأرض والتي كان العميد أمير علي حجي زادة قال في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2015 «إنها على عمق 500 متر تحت الأرض وخزنت فيها صواريخ متفاوتة المدى». على الرغم من هذا، كما يقول محدثي: إن إيران تحكي، لكن لن تمشي على أقدامها لإثارة مواجهة عسكرية خطيرة مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
إن إعادة انتخاب روحاني لا تشير إطلاقاً إلى تغيير أو اعتدال في إيران، بل إنها تعزز فقط تكتيك المرشد الأعلى في خلق سرد كاذب لإيران معتدلة، كغطاء للحملة المستمرة للنظام للسيطرة على الخليج العربي وشرق البحر المتوسط من خلال التخويف والعدوان. وكما ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأبرز أعضاء إدارته، فإن إعادة النظر بالسياسات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، تبقى أولوية. إذ بسبب بنوده، يمكن لإيران الالتزام تماماً بالاتفاق طوال العقد المقبل، وتستمر في بناء رؤوس حربية نووية في غضون 10 إلى 15 سنة.
يقول محدثي: قد تلتزم إيران على الأقل لسنوات مقبلة، لأنها تطمع إلى رفع ما تبقى من العقوبات عنها، وزيادة تجارتها مع الغرب، فهذه الطريقة تجعل من الصعب إعادة فرض العقوبات لاحقاً إذا ما دعت الحاجة. ويضيف: وللأسف هذا ما يحدث، إذ تم الإفراج عن المليارات المجمدة وحولت إلى طهران فازدادت الصادرات الاستراتيجية الأكثر نفعاً لإيران - النفط - خصوصا إلى أوروبا وآسيا. وبدلاً من استخدام المكاسب الاقتصادية من الصفقة لتحسين حياة الإيرانيين أو تنمية علاقات مع الغرب للدخول في حقبة من الازدهار والإصلاحات، زادت إيران ووسعت بصمتها العسكرية على المنطقة.
في كلمته في المملكة العربية السعودية قبل أسبوعين، أظهر الرئيس ترمب أنه غير مخدوع عندما قال: «من لبنان إلى العراق، إلى اليمن تمول إيران، وتسلح وتدرب الإرهابيين والميليشيات والمجموعات المتطرفة، وهذا ينشر الدمار والفوضى في المنطقة. على مدى عقود غذت إيران حرائق الصراع الطائفي والإرهاب».
يشرح محدثي، أن الحروب بالوكالة التي تخوضها إيران في سوريا واليمن من خلال مجموعاتها مثل «حزب الله» والحوثيين، والتلاعب بالصراع العراقي هو لخدمة أجندة طائفية شيعية.
في زيارته الأخيرة، قبل زيارة ترمب، إلى إسرائيل أكد جيمس ماتيس وزير الدفاع الأميركي امتثال إيران للاتفاق النووي: «لكن هذا لا يخفف بأي حال من الأحوال أو يعفي سلوكها الإقليمي المؤسف في المنطقة: خراب وفوضى وقتل». بعده ردد ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي مشاعر ماتيس لكنه ذهب أبعد من ذلك عندما قال إن «الصفقة مع إيران تمثل النهج الفاشل نفسه الذي جلب لنا التهديد الحالي الوشيك الذي نواجهه مع كوريا الشمالية».
يقول محدثي: إذا كانت كوريا الشمالية، التي أقدمت هذه السنة على تجربة تسعة صواريخ، مجرد طعم لما يمكن أن تطلقه إيران، فإن هذا بحد ذاته يكفي، لكننا نعرف أن الروابط بين كوريا الشمالية وإيران تذهب إلى أعمق، وللبلدين تاريخ طويل من التعاون العسكري. إضافة إلى ذلك صدرت كوريا الشمالية تكنولوجيا الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط وساعدت بشكل مباشر سوريا على بناء مفاعل قامت إسرائيل بقصفه بشكل استباقي عام 2007.
ويتخوف الخبراء النوويون من أن إيران ستواصل على الأرجح، المضي قدماً في برنامجها النووي بعيداً عن جولات المفتشين الدوليين، من خلال إجراء أنشطتها البحثية في كوريا الشمالية، أو أن كوريا الشمالية قد تنقل يوماً وبطريقة غير شرعية طبعاً، جهازاً نووياً مباشرة إلى إيران.
يقول محدثي: «من أجل منطقتنا وهي تمتد من اوستراليا، حتى اليابان، حتى كوريا الجنوبية والفلبين يجب احتواء التهديد النووي لكوريا الشمالية، لكن من أجل العالم كله، يجب تحييد التهديد النووي الإيراني على المديين القصير والطويل».
بعد القمم العالمية والعربية والإسلامية التي عقدت في المملكة العربية السعودية، صعدت إيران لتخفيف تضييق الخناق، ومساء الاثنين الماضي نشرت صورا لقاسم سليماني قائد فيلق القدس مع أفراد من الميليشيات الشيعية العراقية، وهو يقف على الحدود بين العراق وسوريا.
خلال الحرب العراقية - الإيرانية قالت إيران إن هجماتها الدموية ضد العراق هي للوصول إلى إسرائيل. وتستخدم إيران نفوذها داخل العراق للوصول إلى سوريا للدفاع عن نظام بشار الأسد، ويسمح الأسد لإيران بالوصول إلى «حزب الله» لتسليحه للحرب مع إسرائيل. حسب مصادر الحزب (يخزن مائة ألف صاروخ موجه إلى إسرائيل في خرق واضح للقرار الدولي 1701 وتهديد مباشر وقاتل لأي أمل للبنان).
القصد من احتمال التفجير هذا هو وصول إيران إلى البحر الأبيض المتوسط. يقول محدثي: «كان هناك وقت حيث مواجهة إيران في سوريا كانت ممكنة وغير مكلفة، نسف الرئيس أوباما كل ذلك. اليوم التكاليف باهظة والمخاطر هائلة. لكن، يشدد محدثي: لا تزال هناك حاجة لإخراج إيران من سوريا، أو أننا سوف ندفع ثمناً أثقل في المستقبل»!
كما العين لا تخطئ فى رؤية حجم الحشودات التي يتم الزج به بشكل متواتر في درعا ، لا تخلط العين ذاتها أن الهدف لا يقتصر على درعا وحدها ، بل هي هدف مرحلي وصولاً إلى ما بعد درعا و ملامسة المنطقة التي تعتبر الهدف الأهم .
تتضارب التصريحات في الوقت الراهن حول نفي النية باتجاه فتح معارك في درعا ، ويصل النفي حتى إلغاء فكرة الحشود التي تتقاطر باتجاه درعا ، على مبدأ أن الاتفاقيات الدولية تقضي بعدم الاقتراب من هذا الخط الأحمر سيما من قبل المملكة الأردنية ، التي وجدت نفسها حالياً خط الدفاع الأخير قبيل وصول المليشيات الشيعية لملامسة الخليج العربي ميدانياً ، وفي جعبتها طموحات بـ“بدر شيعي” يبتلع المنطقة بسرعة عجيبة.
لا يمكن فصل الملف السوري عن دول المنطقة سواء الملاصقة أو الأبعد ، فالجميع سيتضرر من تعزيز وجود السرطان “الشيعي - الفارسي” المتمثل بإيران و مليشياتها ، هذا الوجود الذي دفع بدول الخليج لاستقدام وتعزيز دفاعاتها بترسانات من الأسلحة ، وصل حجمها لما يفوق عدد القادرين على السلاح في تلك البلدان ، في الوقت جلست مطمئنة حاليا بانتظار وعود الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للحصول على الأمان من السرطان “الشيعي - الفارسي” ، أمان لن يكون موجود مع الانتشار المتشظي للسرطان في كامل المحيط.
درعا اليوم قد تكون هي مهد الثورة ومصدر فخارها ، لكنها تقف على أعتاب مرحلة مصيرية في حياة الثورة و سورياً أولاً و في رسم وضع المنطقة ، والتخلي عنها لن يكون له توابع على سوريا ، فسوريا التي نعرف باتت في حكم الماضي ، والمتواجدين حالياً يحاولون تأخير تمدد السرطان “الشيعي - الفارسي” ، الذي يملك فكرا ينافس “داعش” في الإجرام و حب القتال ، فالسلام يعني وأده و ساحات القتال المنتشرة و المشتعلة هي ملاذه.
إذا يبدو أن الأردن قد استشعرت خطر السرطان “الشيعي - الفارسي” ، بدأت تحركات على الصعيد الدولي عبر مفاوضات شديدة اللهجة خيضت بينها وبين روسيا لردع التمدد الإيراني، هذا الردع الذي يبدو أن روسيا عجزت عنه ، مع تواصل التدفقات بالسلاح و العتاد والعناصر الشيعية بأحجام فهمت الأردن أنها ليست لدرعا ، بل للحصن الأخير الذي سيوصل هذه الجحافل باتجاه الخليج ، و السعودية على وجه التحديد .
تمر العلاقة الأميركية- الروسية في مرحلة اختبارية دقيقة بفعل التطورات الميدانية على الأرض السورية، وبعد أن تبادلت الدولتان العظميان الرسائل العسكرية المباشرة وغير المباشرة، لا سيما حول الموقف من الاندفاع الإيراني نحو السيطرة على معبرين من العراق هما التنف الواقع على مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية، والقائم (المسمى الأبوكمال من الجهة السورية) عبر قوات «الحشد الشعبي» وسائر الميليشيات المدعومة إيرانياً من الجهة العراقية، لتلتقي مع قوات النظام السوري والميليشيات التي تقودها طهران ومعها «حزب الله» من الجهة السورية.
في 18 الجاري قصفت الطائرات الأميركية تجمعات وأرتال لقوات النظام و «حزب الله» والميليشيات الإيرانية عند محاولتها الاقتراب من الطريق المؤدي إلى معبر التنف، ثم ألحقت ذلك نهاية الأسبوع الماضي برمي منشورات تطالب هذه القوات بالعودة إلى نقطة بعيدة من التنف (حوالى 55 كيلومتراً).
وقبل يومين، قصف الطيران الروسي بالتزامن مع إطلاقه صواريخ من أسطوله البحري على مواقع لـ «داعش»، قوات للمعارضة السورية المدعومة أميركيا أثناء محاولتها التقدم نحو مواقع جيش النظام و «حزب الله». وأرفق الجيش الروسي ذلك بظهور العلم الروسي على رتل من القوات المشتركة ينضم إلى حشود قوات النظام على الجبهة الجنوبية بهدف شن معركة لاستعادة السيطرة على معبر نصيب على الحدود مع الأردن.
تعددت التفسيرات لكل من الخطوتين الأميركية والروسية. فإذا كانت واشنطن تريد الحؤول دون سيطرة طهران على الطريق من طهران إلى العراق وصولاً إلى سورية، تطبيقاً لسياستها وجوب انسحاب إيران و «حزب الله» من سورية، فإن موسكو تؤشر في خطوتها الجديدة إلى أنها ترسم حدوداً لإمكان شن هجوم من الأردن على منطقة درعا يدعمه الأميركيون، في سياق الحديث عن إقامة مناطق آمنة تبدأ من هناك.
تضع الخطوة الروسية علامات استفهام حول مدى صحة المعلومات عن أنها مستعدة لغض النظر عن توجه واشنطن لوضع حد للتدخل الإيراني في بلاد الشام، وأن شرطها كان عدم التعرض لقوات النظام السوري، إذا كان الهدف الأميركي الذي تتفهمه، ألا تسيطر إيران والقوات الموالية لها على مناطق تهدد أمن إسرائيل. لكن الخطوة الروسية الأخيرة تتجاوز عملية رسم خطوط للقوات التي يحميها كل من الدولتين العظميين في الميدان السوري، وربما لها أبعاد سياسية أكثر عمقاً. فقصف قوات المعارضة السورية جاء بعد القمة الأميركية- العربية الإسلامية التي لا ترتاح موسكو إلى نتائجها. كما جاء بعد اجتماع الرئيس فلاديمير بوتين مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي انتهى إلى مطالبة الثاني الأول بأن يمارس نفوذه مع الرئيس السوري بشار الأسد كي يسهل محادثات الانتقال السياسي في إطار المفاوضات المفترض استئنافها في جنيف لاحقاً، في وقت تسعى موسكو إلى تعزيز المسار الموازي لمفاوضات جنيف، عبر تطوير صيغة آستانة الأمنية لتصبح بديلاً من جنيف التي تعتبر أنها لم تف بالغرض، لأنها تريد نزع ورقة بيان جنيف- 1 من أيدي شركائها الدوليين.
الخلاف الغربي الروسي كان واضحاً، خصوصاً أن ماكرون ألحق لقاءه مع بوتين باجتماع مع منسق الهيئة العليا للمفاوضات في الائتلاف الوطني السوري رياض حجاب في رسالة دعم لموقف المعارضة، فالجانب الروسي ينوي التحكم بمسار التفاوض الطويل المدى حول سورية، على وقع ما يأمله من تفاهم مع واشنطن ودول أوروبا حول رفع العقوبات الغربية عليه بفعل أزمة أوكرانيا والقرم وفي شأن الخلاف على توسع «النيتو» في دول أوروبا الشرقية. وهو أمر لن يتضح قبل اللقاء المنتظر بين بوتين ودونالد ترامب الشهر المقبل.
وبقدر ما يؤشر تبادل الرسائل بين واشنطن وموسكو عبر التناوب على توجيه الضربات للتشكيلات العسكرية «الموالية» لكل منهما إلى رسم حدود لتواجد وخطط كل من هذه القوى، فإن الخطورة في هذه اللعبة أنها تقحم سورية في مرحلة جديدة من المواجهات غير المباشرة التي لا يمكن التحكم بتحولها إلى اصطدام مباشر.
وما يزيد الأمر خطورة أن موسكو مضطرة في هذه اللعبة إلى تغطية اندفاع الميليشيات الموالية لإيران نحو ما باتت تسميه «فتح طريق طهران نحو القدس» عبر سورية ولبنان، كما يصفه الإعلام الإيراني بوضوح، فالتغيير في ميزان القوى الميداني بخفض تأثير إيران في الملعب السوري يقابله حصول القيادة الروسية على الثمن المقبول بنظرها. وطهران تدرك ذلك وتستفيد منه وصولاً إلى تحدي الملاحة الدولية في باب المندب مجدداً.
أن يحظى اندفاع إيران بمظلة موسكو، قد ينقل المواجهة إلى مستوى جديد يقحم سورية ولبنان معها.
كدت أكتب يقتل مرتين، لولا أن الطفل السوري عمران لم يمت ولله الحمد، بل نجا بأعجوبة، وخرج من بين أنقاض بيت أسرته الذي تهدّم بالكامل، إثر غارة جوية بالبراميل المتفجرة شنتها المقاتلات الروسية، بالتعاون مع قوات النظام السوري على الحي السكني الذي يقع فيه البيت في حلب قبل شهور. نجا الطفل الصغير بجروح كثيرة احتلت مساحات جسده، لكنه مع هذا لم يبك بعد لحظاتٍ من إنقاذ المسعفين له، بل جلس في سيارة الإسعاف هادئا ساكنا، يحاول أن يزيح الدماء والغبار عن وجهه وعينيه اللتين كان بالكاد يستطيع فتحمها، ليواجه الكاميرا بنظراتٍ مندهشةٍ، أذهلت العالم كله، وحولته إلى أيقونة للبراءة المغتالة على يد الطغيان مجانا.
يومها، احتلت صورة عمران معظم صحف العالم، ولم يستطع إعلام النظام السوري، ولا أي إعلام موال له، تغطية آثار انتشار تلك الصورة التي كانت من أهم صور الأحداث السورية. ولا شك أنها ستكون صورةً تاريخية، تؤرخ لتلك الأحداث، وتنضم إلى رزمة من الصور الفوتوغرافية التاريخية منذ اكتشاف التصوير الفوتوغرافي، والتي أصبحت عناوين لمراحل وأحداث عالمية، اختصرت في مشهدٍ واحد تفاصيل كثيرة خلفها.
نجا عمران من الموت، لكن الموت الذي واجهه، في تلك السن الصغيرة على هذا النحو المدوي، سيظل يسكنه إلى نهاية عمره، وستظل صورته الفريدة تذكّره إن داهمه النسيان يوما. ولأن عمران تحول إلى رمز عالمي تاريخي لبشاعة الأنظمة الديكتاتورية، عندما تستهدف شعوبها، ليكون الأطفال هم الضحية الأولى لها، فقد أصبحت صورته تخص الجميع، ولا تخصه هو أو أسرته وحسب. وبالتالي، أصبح من حق الجميع استثمار تلك الصورة، بما يوحي بمعناها، ويعزّز دلالتها الإنسانية على الأقل، لكن هذا لا يعني أنها أصبحت مشاعا لمن يريد تزوير الحقيقة، أو يستخدمها بعكس معناها، وما توحي به، وتدل عليه بقصدٍ أو من دون قصد.
ظهرت تلك الصورة، أخيرا، في إعلان تلفزيوني تجاري لإحدى الشركات في سياق أغنيةٍ يفترض أنها تهدف إلى محاربة ما يسمى الإرهاب، لكن السيئ في الإعلان أنه اختزل "الإرهاب"، كما يراه القائمون عليه، في جهةٍ واحدةٍ، هي تنظيم داعش المتطرّف. وفي ذلك الاختزال مغالطة كبرى، خصوصا أن فريق العمل لجأ إلى إعادة تصوير بعض العمليات التي أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها، ودسّ من بينها صورة عمران في استغلالٍ رخيص لمشاعر الناس التي تولدت يومها تجاه تلك الصورة بالذات، ضد المجرم الحقيقي الذي تسبب في تفجير بيت أسرة عمران، والبيوت المجاورة له.
ولا أظن أن ذلك المجرم سيجد ما هو أفضل من إعلان تلك الشركة لتبرئة ساحته من التهمة التي ستظل تلاحقه إلى الأبد، ذلك أن الإعلان الذي شاهده على موقع يوتيوب خلال الأيام الثلاثة الأولى من شهر رمضان، حيث أطلق، مع بدايته، ما يزيد على مليوني مشاهد، نجح في ترويج فكرته لدى الصغار والكبار بطريقةٍ فنيةٍ لا بأس بها، وبتقنيات إخراجية هائلة، وبصوت فنان جماهيري يحظى بشهرة واسعة، وقد تضافرت كل هذه العناصر في تشويه الحقيقة فعلاً. وإذا كان كثيرون يعرفون "الحقيقة" هنا باعتبار أن الحادثة لم تمضِ عليها سوى شهور، فإن الخطورة أن يقل العدد حتى ينعدم تحت وطأة انتشار مثل هذه التشويهات الفنية، فإذا كانت جروح عمران الأولى قد شفيت، فإن الإعلان الجديد جرحه مجدّدا.. وإنْ بشكل أعمق.
لست أتهم الشركة أنها قصدت ذلك المعنى الذي رسّخه الإعلان أخيرا، فليس من مصلحتها ذلك، ولا سوابق لها إلا بإعلاناتٍ تحاول فيها أن تساهم في تعزيز قيم مجتمعية إيجابية، ولكن فريق العمل الفني لا يمكن تبرئته، فالحدث طازج، وصورة عمران ما زالت شاهدة، والمجرم الحقيقي معروف جدا.
في انتظار تبلور صورة واضحة لـ «المنطقة الآمنة» التي تسعى الولايات المتحدة لإقامتها في جنوب سورية، والدور الذي ستلعبه واشنطن لاحقاً في البلد المنكوب، تستغل روسيا وإيران الوقت الضائع لتحسين شروط كل منهما في المفاوضات على التسوية النهائية، في حال اتفاق اللاعبين الدوليين جميعهم على أن الوقت حان لإبرامها، وهو أمر مستبعد في المستقبل القريب.
ففيما تقول واشنطن إنها تحاول إقناع موسكو بالنأي بنفسها عن المشروع الإيراني في سورية والمنطقة، وتعدها بتنازلات في ما خص مصالحها، وحتى في ما يتعلق بوضع بشار الأسد، على رغم المواقف العلنية الداعية إلى رحيله، يربط الروس ببراعة بين حاجة الأميركيين إلى إرضائهم وبين ملفات أخرى عالقة بين الدولتين، ويبدون قلقهم من عدم حصول تقدم فيها.
ولا تترك موسكو فرصة للتذكير بتمسكها بالنظام السوري، ولإعادة المفاوضات غير المباشرة مع الأميركيين إلى نقطة الصفر. وهو ما يشير إليه دفاع بوتين المستجد عن الأسد قبل يومين، ونفيه القاطع أن يكون الجيش السوري استخدم سلاحاً كيماوياً في خان شيخون، متنصلاً من إيحاءات وتلميحات كانت على ما يبدو مجرد «طعم» ابتلعه الأميركيون.
وكلما ضغط الأميركيون في اتجاه توسيع «فالق» مفترض بين أهداف روسيا وإيران، الدولتين الحاميتين للنظام السوري، أعربت موسكو وطهران عن رغبتهما في تعزيز التعاون بينهما، خصوصاً في سورية، مستغلتين عدم وجود خطة ناظمة للتحركات الأميركية المنفصلة على المحاور السورية المتعددة، من «داعش» والأكراد والأتراك، إلى المعارضة وتنظيماتها، وصولاً إلى النظام وحلفائه.
كما لو أن واشنطن تتعامل بالتقسيط ويوماً بيوم مع المسألة السورية. فهي تمنح الأولوية لهزيمة «داعش» وتركز معظم جهودها لتحقيق هذا الهدف، لكنها تدخل من أجله في توتر مع تركيا التي تحتاجها، قد يتطور إلى حد القطيعة بسبب قرارها الاعتماد على الأكراد. وهي ترى أن الوجود الإيراني يعرقل التسوية السياسية، وتربط بشكل صحيح بينه وبين التدخلات الإيرانية الأخرى في المنطقة، من دون أن تفعل ما يوحي بالسير نحو مواجهة مع الإيرانيين على الأرض، باستثناء ما يحكى عن خطة قطع الطريق البرية من طهران إلى ضاحية بيروت، وهو ما تملك إيران بدائل متعددة منه، لا سيما إذا نجح حلفاؤها في «الحشد الشعبي» العراقي في الإطباق على الحدود العراقية– السورية الشاسعة.
أما بالنسبة إلى الأسد، فهي على رغم تجديد واشنطن الدعوة إلى رحيله وقصفها إحدى قواعده الجوية، إلا أنها تبدي مرونة في التعامل مع جيشه في منطقة مثلث الحدود بين العراق وسورية والأردن، وأكدت أنها ستقبل بوجود رمزي له هناك.
وفي ما خص معركة الرقة، تبدو الآمال الأميركية المعلقة على الأكراد مبالغاً فيها، ذلك أن «قوات سورية الديموقراطية» التي يغلبون عليها، عاجزة عن القيام بذلك وحدها، وأن الخبراء الأميركيين المشرفين على تدريبها وتوجيهها يدركون الحاجة إلى حشد المزيد من القوات والأسلحة، على رغم التلويح المستمر باقتراب موعد الحسم.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات عما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لزيادة تدخلها المباشر في معركة الرقة، ليشكل ذلك مقدمة لموازنة الانتشار الروسي في سورية. ويتوقع خبراء أميركيون أن يلجأ ترامب إلى «إحماء خارجي» ما هرباً من اشتداد الطوق الداخلي على إدارته، لكن دون ذلك عقبات كثيرة بينها خصوصاً شبح التورط في العراق والخسائر المادية والبشرية الفادحة التي نجمت عنه.
ومع أن غموض خطة التحرك الأميركية ينعكس ارتباكاً في مواقف جميع الأطراف الفاعلين على الساحة السورية، إلا أنه يترك لروسيا وإيران وقتاً وهامشاً للمناورة يتيحان لهما الالتفاف على محاولات تطويقهما.