٢٥ يوليو ٢٠٢٦
أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أن سوريا انتقلت إلى موقع الشريك الفاعل مع الأمم المتحدة، معتبراً أن زيارة الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش إلى البلاد، وهي الأولى منذ 17 عاماً، تمثل إعلاناً واضحاً عن بدء مرحلة جديدة من الشراكة والتعاون بين الجانبين.
إعادة الإعمار أولوية المرحلة
أوضح الشيباني، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع غوتيريش، أن المباحثات تناولت سبل تطوير مسار التعاون مع الأمم المتحدة في مرحلة التعافي التي تمر بها سوريا، مؤكداً أن الأولوية خلال المرحلة الراهنة تتركز على إعادة الإعمار ورفع جميع القيود، بالتوازي مع العمل على تهيئة بيئة تشريعية تساعد البلاد على الانتقال من مرحلة الاستغاثة إلى التنمية المستدامة.
شدد الوزير على رغبة سوريا في أن تؤدي الأمم المتحدة دوراً فاعلاً وداعماً خلال المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن غوتيريش اتخذ موقفاً متزناً خلال السنوات الماضية برفضه الاصطفاف إلى جانب نظام الأسد البائد.
دعوة لدعم سوريا
دعا الشيباني المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي إلى الوقوف إلى جانب سوريا ودعم مسارها الحالي، مؤكداً أن نجاح التجربة السورية يتطلب مساندة دولية تسهم في تثبيت الاستقرار ودفع جهود التعافي والتنمية.
أشار إلى أن الشعب السوري يمتلك اليوم فرصة للمشاركة في إعادة بناء بلاده، معتبراً أن من يريد رؤية نموذج ناجح خلال هذه المرحلة عليه دعم سوريا ومساندة جهودها.
عودة 3.5 ملايين سوري
كشف الشيباني عن عودة نحو 3.5 ملايين سوري إلى بلادهم، واصفاً ذلك بأنه يمثل واحدة من أكبر حركات العودة الطوعية في العالم، ومؤكداً أن سوريا تعمل على تقديم نموذج استراتيجي للسلام يقوم على تأمين الحدود وحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز الانفتاح المؤسساتي والشفافية.
حذر في الوقت ذاته من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، مؤكداً أنها تمثل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها.
غوتيريش: سوريا في مرحلة تعاف واستثمار
أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن الشعب السوري تحمل سنوات طويلة من الصعوبات، لكنه حافظ على قدرته على الصمود والابتكار والإبداع وشعوره بالانتماء، مشيراً إلى أن سوريا تمر اليوم بمرحلة تجمع بين التعافي والاستثمار.
اعتبر غوتيريش أن سوريا تعمل على صناعة فرص لجميع أبنائها ووضع أسس مستقبل أفضل للسوريين، موضحاً أن تحقيق ذلك يحتاج إلى قيادة ورؤية وثقة تضمن أن يجد كل سوري مكانه ودوره في مستقبل بلاده.
دعم دولي لإعادة بناء سوريا
شدد الأمين العام على أن الدول الخارجة من نزاعات شديدة لا تستطيع إعادة بناء نفسها بمفردها، مؤكداً ضرورة مساعدة سوريا ودعم عزمها على إعادة البناء، ومشيراً إلى تطلع الأمم المتحدة إلى توسيع تعاونها مع دمشق في مختلف المجالات، بالتنسيق مع المجتمع الدولي، بما يدعم مستقبل البلاد وازدهارها.
أكد أن المرحلة الجديدة تفرض توجيه الجهود الدولية نحو مساعدة سوريا على تثبيت التعافي وخلق الظروف اللازمة لتحقيق التنمية والاستقرار، في ظل التحديات الكبيرة التي خلفتها سنوات الحرب في سوريا.
تأكيد أممي على سيادة سوريا والجولان
جدد غوتيريش موقف الأمم المتحدة من الجولان السوري، مؤكداً أنه أرض سورية، وأن المنظمة الدولية تقف إلى جانب سلامة سوريا واستقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها، مطالباً بوقف جميع الانتهاكات.
شدد الأمين العام للأمم المتحدة على تمسك المنظمة بحقوق السوريين، مؤكداً أن ما يعود للشعب السوري يجب أن يبقى له ولا يمكن انتزاعه منه، في رسالة جاءت بالتزامن مع تأكيد الجانبين السوري والأممي بدء مرحلة جديدة من التعاون والشراكة لدعم مستقبل البلاد.
وكان وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم السبت، إلى العاصمة دمشق، في أول زيارة يجريها أمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا وهو على رأس المنظمة الدولية منذ عام 2011، في خطوة تعكس الاهتمام الدولي بدعم المرحلة الانتقالية التي تشهدها البلاد، وبحث سبل تعزيز الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
كان غوتيريش قد وصف، عقب سقوط نظام الأسد البائد، ما أسماه "نهاية الدكتاتورية في سوريا" بأنها تمثل بادرة أمل للمنطقة، معتبراً أن التطورات السياسية فتحت الباب أمام فرصة تاريخية لتحقيق السلام والاستقرار، وبناء مؤسسات تستجيب لتطلعات السوريين.
٢٥ يوليو ٢٠٢٦
وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم السبت، إلى العاصمة دمشق، في أول زيارة يجريها أمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا وهو على رأس المنظمة الدولية منذ عام 2011، في خطوة تعكس الاهتمام الدولي بدعم المرحلة الانتقالية التي تشهدها البلاد، وبحث سبل تعزيز الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
استقبال رسمي في مطار دمشق
استقبل وزير الخارجية أسعد الشيباني الأمين العام للأمم المتحدة والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي، إيذاناً ببدء زيارة تستمر عدة أيام، من المتوقع أن تتضمن لقاءات مع كبار المسؤولين السوريين وممثلين عن المجتمع المدني.
لقاءات مع الرئيس أحمد الشرع ومسؤولين سوريين
يلتقي غوتيريش، خلال زيارته، الرئيس أحمد الشرع، إلى جانب وزير الخارجية أسعد الشيباني وعدد من المسؤولين الحكوميين، كما سيعقد اجتماعات مع ممثلين عن المجتمع المدني السوري، في إطار مناقشة أولويات المرحلة الانتقالية، ودور الأمم المتحدة في دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار.
رسالة أممية لدعم المرحلة الانتقالية
أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، قبل الزيارة، أن غوتيريش سيشدد خلال لقاءاته على أن سوريا تمتلك فرصة لا تقتصر على التعافي من آثار الحرب، بل تمتد إلى وضع أسس لمستقبل أكثر استقراراً وشمولاً وازدهاراً لجميع السوريين، في ظل المرحلة السياسية الجديدة التي تشهدها البلاد.
أول زيارة منذ اندلاع الحرب في سوريا
تمثل زيارة غوتيريش محطة غير مسبوقة في العلاقة بين الأمم المتحدة وسوريا، إذ تعد الأولى التي يقوم بها أمين عام للأمم المتحدة وهو في منصبه منذ اندلاع الحرب في سوريا قبل نحو 14 عاماً.
إشادة سابقة بنهاية نظام الأسد البائد
كان غوتيريش قد وصف، عقب سقوط نظام الأسد البائد، ما أسماه "نهاية الدكتاتورية في سوريا" بأنها تمثل بادرة أمل للمنطقة، معتبراً أن التطورات السياسية فتحت الباب أمام فرصة تاريخية لتحقيق السلام والاستقرار، وبناء مؤسسات تستجيب لتطلعات السوريين.
٢٥ يوليو ٢٠٢٦
أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية العليا (RTÜK) فتح تحقيق رسمي بشأن تصريحات وردت في أحد البرامج التي بثتها قناة Sözcü TV، بعد عبارات أطلقتها المذيعة سيراب بيلوفاجيكلي بحق الرئيس أحمد الشرع، اعتبرتها الهيئة اتهامات غير مستندة إلى أساس، مؤكدة أن التحقيق يجري وفق الصلاحيات الممنوحة لها بموجب قانون الإذاعة والتلفزيون التركي رقم 6112.
مراجعة قانونية لمحتوى البرنامج
أوضحت الهيئة، في بيان رسمي، أن خبراء الرصد والمتابعة باشروا مراجعة محتوى الحلقة للتحقق من مدى التزامها بالمبادئ المنظمة لخدمات البث الإعلامي في تركيا، مشيرة إلى أن التصريحات المتعلقة بالرئيس أحمد الشرع تخضع حالياً للتقييم القانوني.
اعتبار التصريحات مخالفة لنهج السياسة الخارجية
ذكرت الهيئة أن بعض العبارات المستخدمة لا تنسجم مع رؤية السياسة الخارجية التركية ولا مع النهج الدبلوماسي الذي تتبناه أنقرة، معتبرة أن مثل هذه التصريحات قد تلحق ضرراً بعلاقات حسن الجوار بين تركيا وسوريا، وهو ما استدعى فتح التحقيق.
التحقيق لا يعني صدور عقوبة
أكدت الهيئة أن فتح التحقيق لا يعني صدور قرار نهائي بحق القناة، وإنما يمثل مرحلة أولية لمراجعة المحتوى ودراسة مدى مخالفته لأحكام قانون البث التركي رقم 6112، على أن تُحدد نتائج التحقيق لاحقاً ما إذا كانت هناك مخالفات تستوجب اتخاذ إجراءات أو فرض عقوبات وفق التشريعات النافذة.
تصريحات المذيعة
أثارت المذيعة سيراب بيلوفاجيكلي، خلال تقديمها أحد برامج Sözcü TV، جدلاً بعد إطلاقها تصريحات وصفت فيها الرئيس أحمد الشرع بعبارات مسيئة، وقالت: "هذه ليست دولة يكون فيها الجميع مستعدين للتصفيق عندما تضعون ربطة عنق لقاتل، ولا يمكنكم أن تجعلوا الناس يحترمون شخصاً بمجرد وضع ربطة عنق له"، كما ربطت حديثها بتاريخ الجمهورية التركية ومؤسسها مصطفى كمال أتاتورك، معتبرة أن تركيا لا تقبل بهذا النوع من الطرح السياسي.
متابعة إعلامية وسياسية
يحظى التحقيق بمتابعة واسعة في الأوساط الإعلامية والسياسية التركية، نظراً لارتباطه بطبيعة الخطاب الإعلامي تجاه السياسة الخارجية، وبحساسية العلاقات بين أنقرة ودمشق، في وقت تؤكد فيه هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية العليا استمرارها في متابعة المحتوى الإعلامي الذي قد يخالف قواعد البث أو يتعارض مع الأطر القانونية المنظمة للعمل الإعلامي.
٢٤ يوليو ٢٠٢٦
طالبت منظمة العفو الدولية، يوم الجمعة 24 تموز 2026، الحكومة السورية بتعليق العمل بالقانون رقم 20 لعام 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي أقرته حكومة رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد، إلى حين إدخال تعديلات جوهرية تضمن توافق أحكامه مع التزامات سوريا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وقالت المنظمة إن وزارة العدل السورية أعلنت خلال حزيران 2026 مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية، واتخذت إجراءات تهدف إلى تقييد بعض جوانب تطبيقه، إلا أنها ادعت أن القانون ما يزال يُستخدم في قضايا مرتبطة بالتعبير عن الآراء عبر الإنترنت.
ووثقت منظمة العفو الدولية خمس حالات قالت إنها تعود إلى صحفيين ونشطاء احتُجزوا بين كانون الثاني وحزيران 2026، لفترات تراوحت مدتها ووصلت في أطولها إلى سبعة أيام، استنادًا إلى أحكام واردة في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022.
وبحسب المنظمة، استندت إجراءات القبض في الحالات الخمس إلى مواد تجرّم أفعالًا مرتبطة بالتعبير عبر الإنترنت، وتحمل توصيفات من بينها «النيل من هيبة الدولة»، و«النيل من مكانة الدولة المالية»، و«القدح والذم الإلكترونيان». وأضافت أن اثنين من الأشخاص الذين تابعت قضاياهم ما يزالان يواجهان ملاحقات جنائية قد تنتهي، وفق تقديرها، بأحكام مشددة بالسجن.
قالت مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، هبة مرايف، إن المجتمع المدني السوري تمكّن بعد سقوط النظام البائد من إيجاد مساحة أوسع لممارسة حرية التعبير وتكوين الجمعيات والانضمام إليها، رغم استمرار العمل بجزء من الإطار التشريعي الذي أُقر خلال الحقبة السابقة.
وزعمت مرايف أن استخدام قانون الجرائم الإلكترونية في قضايا تتعلق بانتقاد مؤسسات الدولة يثير القلق، مشيرة إلى أن الإعلان الدستوري لعام 2025 يكفل الحق في حرية التعبير، في حين يمكن أن يؤدي استمرار تطبيق المواد الحالية من القانون إلى تعريض أشخاص للاعتقال أو الملاحقة القضائية بسبب منشوراتهم وآرائهم على الإنترنت.
وأشارت المسؤولة الحقوقية إلى أن الحكومة السورية أعلنت مرارًا توجهها نحو بناء دولة جديدة، واتخذت خطوات وصفتها بالإيجابية لتجاوز الممارسات القمعية التي ارتبطت بالنظام البائد، لكنها رأت أن استمرار استخدام بعض القوانين الموروثة في القضايا المرتبطة بالنقاش العام والنقد قد يؤثر في هذا المسار.
ودعت مرايف، بعد تشكيل البرلمان، إلى إعطاء أولوية لإصلاح التشريعات الموروثة وضمان توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بدءًا من المواد التي وصفتها بالمسيئة في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 وقانون العقوبات. وشددت على موقف المنظمة الرافض لاعتقال أي شخص أو ملاحقته أو معاقبته بسبب التعبير السلمي عن رأيه عبر الإنترنت.
وكانت وزارة العدل السورية قد أعلنت في 21 حزيران 2026 تشكيل لجان قانونية وفنية مكلفة بإعادة دراسة عدد من القوانين النافذة، من بينها قانون الجرائم الإلكترونية.
وقالت منظمة العفو الدولية إنها بنت تقريرها على مقابلات أجرتها مع ستة أشخاص، بينهم شخصان سبق أن اعتُقلا على خلفية التعبير عن آرائهما، وشخصان مطلعان على حالات اعتقال إضافية، إلى جانب محاميين قدما معلومات عن ملفات قضائية مرتبطة بالموضوع.
وأضافت المنظمة أنها راجعت ملخصات لوثائق محاكم وتقارير أصدرتها منظمات حقوقية محلية ودولية، إلى جانب تغطيات نشرتها وسائل إعلام وصفتها بالموثوقة، وبيانات وتعليمات رسمية صادرة عن الجهات السورية المختصة.
أشارت المنظمة إلى أن الحكومة السورية اعتمدت ضمانات إجرائية جديدة لتنظيم تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية، من بينها تعميم أصدرته وزارة العدل في 26 حزيران 2026، ألزم بالحصول على إذن قضائي قبل البدء بالتحقيقات المتخصصة في جرائم المعلوماتية.
ونص التعميم، وفق المادة التي نشرتها منظمة العفو الدولية، على حظر التوقيف الاحتياطي في هذه القضايا إلا ضمن ظروف استثنائية، تشمل منع طمس الأدلة أو التأثير على الشهود أو درء خطر محدق بالمجتمع أو بالشخص المتضرر.
كما قيّد التعميم إصدار أوامر إذاعة البحث بحق المطلوبين، وحصر استخدامها بالحالات الاستثنائية، ونص على مراجعة إذاعات البحث السابقة الصادرة في قضايا جرائم المعلوماتية.
ورحبت المنظمة بهذه القيود الإجرائية جزئيًا، لكنها قالت إن القانون بصيغته الحالية ما يزال يجيز إجراءات يمكن أن تتدخل في الحق في الخصوصية، ويقرر عقوبات سالبة للحرية على مخالفات مرتبطة بالتعبير.
ورأت منظمة العفو الدولية أن التعميم يحد من إحالة بعض الجرائم المتعلقة بالتعبير على الإنترنت إلى الضابطة العدلية المختصة، لكنه لا يضمن بصورة كاملة أن تخضع التحقيقات والملاحقات المتعلقة بالقدح والذم والتحقير للضمانات المرتبطة بحرية التعبير. وبناء على ذلك، جددت مطالبتها بتعليق القانون كاملًا إلى حين الانتهاء من تعديله.
وفي هذا السياق، تناولت المنظمة قضية الناشط المنحدر من مدينة إدلب مازن عرجا، الذي اعتُقل في 21 تموز 2026 بعد مراجعته فرع الجرائم الإلكترونية في دمشق إثر استدعائه.
وقالت المنظمة إن المعلومات المتاحة علنًا تشير إلى احتمال ارتباط القبض على عرجا بإعلانه نيته الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، معتبرة أن المعايير الاستثنائية التي وضعها تعميم وزارة العدل لتبرير التوقيف الاحتياطي لا تنطبق، بحسب تقديرها، على حالته.
كما أعادت المنظمة التذكير بقضية سابقة لمازن عرجا في تموز 2025، وقالت إنه احتُجز بأمر من النيابة العامة في إدلب على خلفية منشور عبر منصة فيسبوك تناول فيه الطريقة التي تعامل بها النظام القضائي معه.
وبحسب المنظمة، استمر احتجاز عرجا في تلك القضية مدة 63 يومًا، ووجهت إليه تهمة «النيل من هيبة القضاء».
وأضافت أن عرجا أُوقف مجددًا في نيسان 2026، إثر شكوى تقدم بها وزير الصحة السابق، ووجهت إليه اتهامات تتعلق بـ«النيل من هيبة الدولة ومكتب رئاسة الجمهورية ومكتب الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية الذي يرأسه ماهر الشرع».
وقالت المنظمة إن الاتهامات ارتبطت بمنشور نشره عرجا عبر فيسبوك، تحدث فيه عن العلاقة بين وزير الصحة السابق وماهر الشرع خلال كانون الثاني 2025.
استندت منظمة العفو الدولية في موقفها إلى قواعد القانون الدولي المتعلقة بالتوقيف الاحتياطي، وقالت إنه لا يجوز إبقاء الأشخاص الخاضعين لتحقيق جنائي أو المنتظرين للمحاكمة رهن الاحتجاز قبل المحاكمة إلا بوصفه إجراءً استثنائيًا تقتضيه الضرورة القصوى.
وأضافت أن اتخاذ قرار التوقيف يجب أن يستند إلى تقييم فردي لكل قضية، وأن تقدم الجهات المختصة أدلة تثبت أن الاحتجاز ضروري ومتناسب.
وبحسب المنظمة، يمكن أن تستند ضرورة التوقيف إلى وجود خطر جدي يتمثل في فرار الشخص أو إلحاقه أذى جسيمًا بالآخرين أو تكرار الجريمة أو التلاعب بالأدلة أو التأثير في التحقيق. وأكدت أنه ينبغي الإفراج عن المحتجزين احتياطيًا في حال عدم توفر أدلة تثبت وجود أحد هذه المخاطر.
وفي معرض عرضها للحالات التي تابعتها، قالت المنظمة إنها وثقت اعتقال صحفيين وناشط واتهامهم بـ«النيل من سمعة الدولة وهيبتها» و«القدح والذم والتحقير الإلكترونيين»، وهي اتهامات منصوص عليها في قانون الجرائم الإلكترونية.
كما قالت إنها تلقت معلومات عن توقيف ناشطين آخرين على خلفية اتهامات مرتبطة بـ«نشر أخبار كاذبة» والقدح والذم و«التحقير».
وأفرج عن الأشخاص الخمسة لاحقًا بعد فترات من الاحتجاز والتحقيق تراوحت بين 24 ساعة وسبعة أيام.
ووفق ما وثقته المنظمة، وجهت النيابة العامة اتهامات رسمية إلى ثلاثة من المجموعة، هم صحفي وناشطان، بينما قُدمت شكاوى فردية بحق صحفي وناشط آخرين.
وقالت إن الشكاوى المقدمة بحق الشخصين الأخيرين أُسقطت لاحقًا بعد تفاعل وضغط من الرأي العام. أما في القضايا التي حركتها النيابة العامة، فأشارت المنظمة إلى أن الصحفي ما يزال معرضًا للملاحقة القضائية، في حين بقيت الإجراءات المتعلقة بالناشطين معلقة بانتظار المحاكمة.
وأضافت منظمة العفو الدولية أنها راجعت المحتوى المنشور عبر الإنترنت الذي استندت إليه الادعاءات أو الاتهامات في الحالات الخمس، وقالت إنها لم تجد فيه ما يدل على التحريض على العنف أو الكراهية، أو ما يحقق الشروط التي تسمح بفرض قيود على التعبير تصل إلى الاعتقال أو الملاحقة الجنائية.
واعتبرت المنظمة أن المنشورات التي راجعتها تدخل ضمن نطاق التعبير المحمي، ودعت الجهات القضائية إلى إسقاط الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص الثلاثة، قائلة إنها ترتبط بممارستهم السلمية لحقوقهم.
تطرقت منظمة العفو الدولية إلى قضية الفنان والمخرج حسّان عقاد، وقالت إن قوات الأمن اعتقلته من مقهى في حي المالكي بمدينة دمشق في 17 حزيران 2026، من دون إبراز مذكرة توقيف.
وبحسب المعلومات التي أوردتها المنظمة، نفذ عملية الاعتقال ثمانية رجال يرتدون ملابس مدنية، كان اثنان منهم ملثمين ويحملان بنادق، وقال الرجال لاحقًا إنهم من عناصر إدارة المباحث الجنائية.
وكان عقاد قد أطلق في نيسان 2026 حملة حملت اسم «هاتوا الفلوس»، سعى من خلالها إلى مساءلة أفراد ورجال أعمال ومسؤولين عن تعهدات مالية سبق أن أعلنوا تقديمها لدعم جهود الإغاثة ومشروعات إعادة الإعمار والخدمات العامة، قبل أن يتهمهم بعدم الوفاء بهذه التعهدات.
وقالت المنظمة إن اعتقال عقاد في حزيران جاء إثر شكوى قدمها أحد الأفراد، اتهمه فيها بالقدح والذم و«التحقير»، وهي أفعال يجرمها القانون السوري، قبل إحالة الشكوى إلى النيابة العامة.
ونقلت المنظمة عن محامٍ قوله إن إجراءات الاعتقال استندت إلى المادتين 23 و24 من قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022.
وبعد تفاعل واسع مع القضية واعتراضات عبر الفضاء العام، تراجع صاحب الشكوى عنها، وأُفرج عن حسّان عقاد بعد خمسة أيام من احتجازه.
وقالت هبة مرايف إن الانتقال من إطار تشريعي قائم على ممارسات قمعية خلال عهد النظام البائد ليس أمرًا سهلًا، لكنها اعتبرت أن وزارة العدل والنيابة العامة تستطيعان، إلى حين اكتمال الإصلاحات التشريعية، إصدار تعليمات توقف الاعتقال والتوقيف الاحتياطي في الجرائم المتعلقة بالتعبير.
وأضافت مرايف أن الجرائم المرتبطة بالتعبير، بحسب تقييم المنظمة، لا تستوفي المعايير التي يسمح القانون الدولي بموجبها باستخدام التوقيف الاحتياطي.
قالت منظمة العفو الدولية إن قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 يجرّم صورًا مختلفة من التعبير يتعين على سوريا حمايتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي أصبحت سوريا دولة طرفًا فيه منذ عام 1969.
وأوضحت أن المواد 24 و25 والمواد الممتدة من 27 إلى 29، إضافة إلى المادة 31، تقرر عقوبات على أفعال تشمل «اقتراف القدح أو التحقير» و«الجرائم الواقعة على الدستور» و«النيل من هيبة الدولة».
وتشمل المواد كذلك «النيل من مكانة الدولة المالية أو زعزعة الثقة في أوراق النقد الوطنية»، و«الإساءة إلى الأديان أو المقدسات أو الشعائر الدينية»، و«الحض على الكراهية أو التحريض على العنف».
ورأت المنظمة أن بعض هذه الأفعال لا يعترف بها القانون الدولي بوصفها جرائم بالصورة التي وردت في التشريع، كما اعتبرت أن قضايا القدح والذم ينبغي أن تعالج ضمن المسؤولية المدنية بدل العقوبات الجنائية، وفق المعايير الدولية المعمول بها.
وقالت إن العبارات الفضفاضة أو غير المحددة الواردة في القانون يمكن أن تعرض أشخاصًا للاعتقال والمقاضاة بسبب آراء تنظر إليها الجهات المختصة على أنها انتقاد للحكومة.
وأشارت المنظمة أيضًا إلى أن القانون يمنح جهات إنفاذ القانون صلاحيات واسعة، إذ تعد المادتان 34 و35 معظم صور النشر وإعادة النشر على الإنترنت من وسائل العلنية، ما يوسع المسؤولية الجنائية لتشمل الأشخاص الذين يشاركون المحتوى أو يعيدون نشره، حتى عندما لا يكونون الناشرين الأصليين.
كما لفتت إلى أن المادة 37 تجيز للمحاكم حجب المواقع الإلكترونية أو النظم المعلوماتية إذا استُخدمت في ارتكاب جرائم منصوص عليها في القانون، لمدة تبدأ من ثلاثة أشهر ويمكن أن تصل إلى الحظر الدائم.
وتجيز المادة 43، وفق المنظمة، تقييد الدخول إلى المواقع الإلكترونية بموجب قرارات قضائية أو إجراءات إدارية تتخذها الهيئة الناظمة.
واستعرضت منظمة العفو الدولية المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل لكل شخص الحق في حرية التعبير، بما يشمل التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين عبر مختلف الوسائل.
وقالت إن الفقرة الثالثة من المادة ذاتها لا تسمح بتقييد حرية التعبير إلا ضمن حالات محددة بدقة، وإن العقوبات الجنائية لا تكون قيدًا مشروعًا، بحسب تفسيرها، إلا عندما يصل التعبير إلى مستوى التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف.
وأضافت أن أي قيد على حرية التعبير يجب أن يكون منصوصًا عليه في القانون، وأن يحقق غرضًا مشروعًا، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا، مع تحمل الدولة مسؤولية إثبات توافر هذه المعايير.
وذكّرت المنظمة بأن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أشارت، في ملاحظاتها الختامية المتعلقة بسوريا والصادرة في تموز 2024، إلى العقوبات المشددة التي يفرضها القانون على بعض صور التعبير.
وأثارت اللجنة حينها تساؤلات بشأن مدى توافق القانون مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأوصت سوريا بتعديل أحكامه وإلغاء النصوص المبهمة، وضمان خضوع أي قيود على التعبير لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.
واختتمت هبة مرايف موقف المنظمة بالإشارة إلى أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل أبلغتا منظمة العفو الدولية خلال عام 2025 بأن الإصلاح التشريعي يمثل أولوية.
وقالت مرايف إن تشكيل البرلمان يتيح للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل فرصة لتسريع مراجعة القوانين الموروثة عن النظام البائد، وإظهار أولوية الحريات السياسية وحماية حقوق الإنسان، عبر جعل التشريعات السورية متوافقة مع الالتزامات الدولية.
٢٤ يوليو ٢٠٢٦
أكدت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كينتانا، أن سوريا تُعد من بين الدول التي تضم أعلى أعداد المفقودين في العالم، سواء من حيث العدد المطلق أو قياساً بعدد السكان، مشيرة إلى أن كل سوري لديه شخص مفقود أو يعرف شخصاً يبحث عن مفقود، في قضية وصفتها بأنها جرح عميق يمس المجتمع السوري بأكمله.
وقالت كينتانا، خلال إحاطة قدمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من تموز 2026، إن البحث عن المفقودين يجب أن يبقى أولوية قصوى في سوريا، نظراً إلى ارتباطه بإعادة بناء الثقة وتعزيز المؤسسات وإرساء أسس السلام الدائم، مؤكدة أن الاستقرار والمصالحة لا يمكن أن يتحققا من دون كشف مصير مئات الآلاف من المفقودين وتقديم إجابات واضحة لعائلاتهم.
وأوضحت أن المؤسسة عالجت خلال العام الماضي أكثر من 75 ألف وثيقة، بزيادة تجاوزت تسعة أضعاف عدد الوثائق التي عالجتها خلال الفترة التي تناولها التقرير السابق، بالتزامن مع توسيع نطاق البحث ليشمل حالات الاختفاء القسري في عهد النظام السوري البائد، والأطفال المفقودين، وحالات مرتبطة بتنظيم داعش وجماعات مسلحة أخرى، إضافة إلى السوريين الذين فقدوا خلال رحلات الهجرة وطلب اللجوء.
قالت كينتانا إن سوريا دخلت قبل تسعة عشر شهراً فصلاً جديداً من تاريخها، موضحة أن صباح الثامن من كانون الأول 2024 فتح آفاقاً جديدة أمام السوريين بعد أكثر من خمسة عقود من الخوف والاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري في ظل النظام السوري البائد.
وأضافت أن الأمل الذي رافق التحول الجديد اصطدم بواقع صعب في بلد تعرضت مدنه للدمار، وتمزقت عائلاته، وأُنهكت مؤسساته خلال سنوات طويلة من الحرب والانتهاكات، مشيرة إلى أن سوريا بدت في كثير من الجوانب وكأن الزمن توقف فيها.
وبينت كينتانا أن مصير المفقودين يأتي في مقدمة التحديات التي تواجهها البلاد من حيث العمق والخطورة، لأن اختفاء فرد واحد لا يترك أثره في الشخص الغائب وحده، وإنما يمتد الألم والقلق إلى جميع أفراد أسرته، بينما يؤدي فقدان مئات الآلاف من الأشخاص إلى نشر حالة من الألم الجماعي داخل المجتمع كله.
وشددت على استحالة تصور استقرار أو مصالحة أو سلام دائم في سوريا من دون معرفة مصير المفقودين وأماكن وجودهم، لافتة إلى أن عدداً من الدول الأعضاء في الجمعية العامة يدرك حجم هذا التحدي والسنوات الطويلة التي قد يحتاج إليها التعامل معه.
وأشارت إلى أن السوريين لا يواجهون القضية بمفردهم، بفضل إصرار عائلات المفقودين، والجهود التي بذلتها منظمات المجتمع المدني السوري، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين.
أكدت كينتانا أن ولاية المؤسسة تتسم بالطموح، إذ تشمل توضيح مصير جميع الأشخاص المفقودين في سوريا وتحديد أماكن وجودهم، إلى جانب تقديم الدعم لعائلاتهم التي انتظرت سنوات طويلة للحصول على معلومات موثوقة.
وأوضحت أن تنفيذ هذه المهمة لا يمكن أن يعتمد على تحقيقات منفصلة ومعزولة، وإنما يحتاج إلى بناء منظومة شاملة تسمح بجمع المعلومات وتحليلها ومشاركتها وتحويلها إلى إجابات يمكن تقديمها إلى الأسر.
وقالت إن المؤسسة بدأت خلال العام الماضي بتزويد بعض العائلات بمعلومات متعلقة بذويها، بالتزامن مع تطوير الأنظمة التي يفترض أن تمكّنها من تقديم المزيد من الإجابات خلال المراحل المقبلة.
وبحسب كينتانا، عالجت المؤسسة أكثر من 75 ألف وثيقة، وهو رقم يزيد بأكثر من تسعة أضعاف على حجم الوثائق التي عولجت خلال الفترة المشمولة بالتقرير السابق، كما دمجت مجموعات ضخمة من البيانات وطورت أدوات التحليل التي تساعد على الربط بين المعلومات المتفرقة عبر آلاف الحالات.
وأضافت أن المؤسسة رسخت منهجاً قائماً على دراسة الأنماط، بما يسمح بمقارنة الحالات والوقائع والسجلات وتحديد الروابط التي قد تساعد في كشف مصير الأشخاص المفقودين أو تحديد الجهات والأماكن المرتبطة باختفائهم.
ووسعت المؤسسة نطاق عملها ليشمل الأشخاص الذين تعرضوا للاختفاء القسري في عهد النظام السوري البائد، إلى جانب الأطفال المفقودين، وحالات الاختفاء المرتبطة بتنظيم داعش والجماعات المسلحة الأخرى، والأشخاص الذين فقدوا أثناء رحلات الهجرة وطلب اللجوء.
كما بدأت المؤسسة متابعة حالات الاختفاء المبلغ عنها منذ كانون الأول 2024، وشرعت بصورة تدريجية في تسجيل حالات السوريين المفقودين خارج البلاد، في ظل وجود أعداد من الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم خلال عبور طرق الهجرة أو أثناء وجودهم في دول مختلفة.
قالت كينتانا إن مشاركة المعلومات تمثل ضرورة أساسية لإنجاح عمليات البحث، رغم أنها تشكل في الوقت نفسه أحد أكبر التحديات، موضحة أن المؤسسة أتاحت للجهات الدولية الفاعلة والسلطات السورية إمكانية الوصول إلى أنظمتها ومعلوماتها.
وأضافت أن المؤسسة أبلغت شركاءها السوريين بالتزامها بالعمل المشترك على تأسيس نظام شامل لتبادل المعلومات المتعلقة بالمفقودين في سوريا، وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.
ورأت أن نجاح هذا التعاون لن يرفع فرص كشف مصير المفقودين السوريين وأماكن وجودهم فحسب، وإنما قد يقدم تجربة يمكن الاستفادة منها على المستوى الدولي في البلدان التي تواجه أزمات اختفاء واسعة النطاق.
وأشارت كينتانا إلى أن المؤسسة المستقلة تتميز بأنها أُنشئت استجابة لمطالب الأسر، وتعمل من أجلها وتنفذ ولايتها بالتعاون معها، مؤكدة أن دعم العائلات يمثل الركيزة الثانية في عمل المؤسسة إلى جانب البحث عن المفقودين.
وأقرت بأن الوصول إلى مئات الآلاف من الأسر داخل سوريا وخارجها، والتعامل مع توقعاتها بعد سنوات من الانتظار، يشكل تحدياً كبيراً، لكنها أوضحت أن المؤسسة وسعت خلال العام الحالي نطاق تواصلها المباشر مع العائلات، بما في ذلك أسر لم يسبق لها التواصل مع المؤسسة.
وعملت المؤسسة مع أبناء الجاليات السورية في تركيا ولبنان والأردن وألمانيا، فيما أعربت كينتانا عن تقديرها لحكومات هذه الدول ومنظمات المجتمع المدني العاملة فيها على ما قدمته من تسهيلات ودعم.
وفي داخل سوريا، عقدت المؤسسة عدداً من الاجتماعات مع عائلات المفقودين، كما تواصلت معها أسر أخرى بصورة مباشرة، إلا أن كينتانا أوضحت أن فرق المؤسسة لم تتمكن حتى الآن من التواصل مع الأسر خارج دمشق.
وأضافت أن المؤسسة عززت قنوات إحالة العائلات للحصول على الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي وغيره من أشكال المساعدة، كما عمقت مشاركة الأسر ومنظمات المجتمع المدني السوري من خلال مجلسها الاستشاري وآليات المشاركة الأخرى.
شددت كينتانا على ضرورة وجود آلية بحث وطنية في بلد تنتشر فيه حالات الاختفاء على امتداد أراضيه، مشيرة إلى أن المؤسسة المستقلة اقترحت منذ البداية خطوات عملية واستراتيجية لتقديم دعم مستدام ومنهجي للهيئة الوطنية للمفقودين منذ إنشائها خلال العام الماضي.
وقالت إن الطرفين اتفقا على تنفيذ عدة مشاريع مشتركة، قدمت المؤسسة في إطارها أدوات لرسم الخرائط والمساعدة في تحديد مئات المقابر الجماعية، إلى جانب معلومات مرتبطة بحالات أشخاص فقدوا على طرق الهجرة.
وشملت مساهمات المؤسسة المشاركة في إعداد الإطار القانوني المطلوب للتعامل مع قضية المفقودين، ووضع أساس لنظام تبادل المعلومات بين المؤسسات والجهات المعنية.
كما قدمت المؤسسة خبرتها في بناء السياسات العامة الخاصة بالمفقودين، وتعزيز قدرات الموظفين وتدريبهم، والمساهمة في تطوير البنية التحتية التي تحتاج إليها عمليات البحث وجمع البيانات وتحليلها.
وأوضحت كينتانا أن التجارب المقارنة في دول أخرى أظهرت أن بناء استجابة متكاملة لأزمة مفقودين بهذا الحجم يحتاج إلى سنوات، بسبب ما يتطلبه من قدرات مؤسسية ومنهجيات ملائمة وثقة وتمويل مستدام وأنظمة معلومات قوية.
وأضافت أن نجاح عمليات البحث يحتاج أيضاً إلى دعم جميع المؤسسات الوطنية المعنية، مشيرة إلى أن عدة دول أعضاء ممثلة في الجمعية العامة اختبرت بصورة مباشرة صعوبة التعامل مع قضايا الاختفاء الواسعة.
ورأت أن هناك واجباً أخلاقياً يفرض تسخير خبرة المؤسسة المستقلة ومعرفتها لخدمة سوريا، مؤكدة أن هذا الدعم يمثل مطلباً رئيسياً لعائلات المفقودين وحقاً تستحقه بعد سنوات الانتظار.
جددت كينتانا طلب المؤسسة السماح لها بإنشاء مكتب دائم في سوريا، موضحة أن هذا الطلب قُدم للمرة الأولى في أيار 2025.
وأشارت إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة أكد في تقريره أن إنشاء وجود دائم للمؤسسة المستقلة داخل سوريا سيعزز بدرجة كبيرة قدرتها على دعم نظرائها السوريين وتنفيذ ولايتها بفعالية في البحث عن جميع المفقودين.
وقالت إن وجود مكتب داخل البلاد سيخدم مصالح المفقودين وعائلاتهم، ويسهل التنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين وغيرها من المؤسسات السورية، كما سيساعد على التواصل المباشر مع الأسر في مختلف المحافظات، بعد أن بقي نشاط المؤسسة الميداني داخل سوريا محدوداً بصورة أساسية في دمشق.
وأكدت كينتانا أن البحث عن المفقودين يتطلب تدفقاً مستمراً للمعلومات، ومنهجية علمية موجهة نحو العثور عليهم، وإرادة سياسية على جميع المستويات، إضافة إلى بناء الثقة بين الأسر والمؤسسات والجهات المشاركة في عمليات البحث.
وشددت على أن أي مؤسسة لا تستطيع إنجاز المهمة بمفردها، وأن تحقيق تقدم ملموس يرتبط باستعداد جميع الجهات المعنية للعمل بصورة منسقة ومتكاملة، وتقاسم المسؤولية في خدمة المفقودين وعائلاتهم.
وأضافت أن المؤسسة المستقلة ستواصل عملها إلى جانب العائلات السورية ومنظمات المجتمع المدني والهيئة الوطنية للمفقودين والمؤسسات السورية الأخرى، فضلاً عن الشركاء الدوليين والدول الأعضاء.
أعربت كينتانا عن امتنانها للأفراد والعائلات ومنظمات المجتمع المدني التي ائتمنت المؤسسة على معلومات تشكل جوهر عمليات البحث، مؤكدة أن البيانات والشهادات التي تقدمها الأسر تمثل أساساً ضرورياً للربط بين الحالات والوصول إلى نتائج.
كما شكرت الدول الأعضاء التي فقد سوريون على أراضيها أو أثناء محاولتهم الوصول إليها خلال رحلة الفرار، والتي تقدم حالياً دعماً للمؤسسة من أجل كشف مصير هؤلاء الأشخاص ومعرفة أماكن وجودهم.
ووجهت تقديراً إلى الدول التي دعمت عمل المؤسسة من خلال التبرعات الطوعية، ولا سيما ألمانيا وكندا والسويد ولوكسمبورغ وهولندا ومالطا.
وخصت كينتانا النساء السوريات بالتقدير، مشيرة إلى أن النساء في البلدان المتضررة من حالات الاختفاء يتحملن في كثير من الأحيان العبء الأكبر في البحث عن أحبائهن المفقودين، إلى جانب مسؤولية إعالة أسرهن والمحافظة على الأمل خلال سنوات الانتظار.
وقالت إن النساء السوريات عملن على تحويل ما بدا مستحيلاً إلى أمر ممكن، معربة عن تقديرها واحترامها للدور الذي اضطلعن به في إبقاء القضية حاضرة ومواصلة البحث والمطالبة بالإجابات.
وختمت كينتانا إحاطتها بالتأكيد أن الأشهر التسعة عشر التي أعقبت الواقع الجديد في سوريا شهدت اتخاذ خطوات أولى مهمة، إلا أن حجم القضية يفرض مواصلة العمل، مشددة على ضرورة أن يقترن الأمل بالحقائق، وأن تُقاس المقاصد بالنتائج التي تصل فعلياً إلى العائلات المنتظرة.
٢٤ يوليو ٢٠٢٦
حذّر نائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث من تكرار خذلان الشعب السوري، داعياً المجتمع الدولي إلى تقديم دعم عاجل لسوريا ومساندة جهود إعادة بناء اقتصادها، بالتوازي مع توفير بيئة قانونية أكثر أماناً وقدرة على جذب الاستثمارات الخاصة.
وقال غريفيث، في مقال نشره موقع «الجزيرة الإنجليزية» بعنوان «يجب ألا يُخذَل الشعب السوري مرة أخرى»، إن تحقيق الاستقرار في سوريا يرتبط بصورة مباشرة باستقرار اقتصادها، مؤكداً أن البلاد تحتاج إلى دعم دولي واسع وإلى معالجة المخاطر التي لا تزال تمنع المستثمرين من دخول السوق السورية.
أقر غريفيث بأن الملف السوري ظل حاضراً في تفكيره فترة طويلة، بعد خمسة عشر عاماً من المعاناة التي عاشها السوريون، مقابل خمسة عشر عاماً من الإخفاق في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع قضيتهم.
وأوضح أنه كان جزءاً مباشراً من هذا المسار، بداية بعمله عضواً بارزاً في مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، ثم توليه رئاسة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مشيراً إلى أنه لا يستطيع، انطلاقاً من تلك المسؤوليات، أن يدّعي البراءة أمام الشعب السوري من نتائج الفشل الدولي.
وتحدث غريفيث عن مشاركته، خلال عمله في الأمم المتحدة، في اجتماعات عديدة مع مسؤولين كبار في نظام بشار الأسد، شملت لقاءات مباشرة مع رئيس النظام السوري البائد. وقال إن بعض المنتقدين اتهموه واتهموا الأمم المتحدة بالحفاظ على هذا التواصل ضمن مقايضة هدفها الحصول على تسهيلات أفضل لوصول المساعدات الإنسانية.
ورفض غريفيث هذا التفسير، موضحاً أن الوكالات الإنسانية ومسؤوليها يلتقون عادة كل من يملك القدرة على تسهيل وصول المساعدات أو عرقلتها، وأن هذا التواصل تفرضه طبيعة العمل الإنساني. وأضاف أن الوسطاء يتبعون النهج نفسه عندما يلتقون أطراف النزاع سعياً إلى إنهائه.
وأشار إلى أن اجتماعاته المتكررة مع بشار الأسد كانت تهدف إلى الضغط عليه لاتخاذ قرارات تتعلق بحقوق السوريين وسلامتهم، لافتاً إلى أن رئيس النظام البائد كان واحداً من عدة أشخاص امتلكوا، خلال العقود الخمسة التي أمضاها غريفيث في العمل الدبلوماسي، سلطة واسعة استخدمت في صناعة المعاناة واستمرارها.
واستعاد غريفيث واقعة تعود إلى عام ٢٠١٢، عندما كان يقيم في دمشق ويجري مفاوضات يومية وصفها بالعقيمة مع مسؤولي النظام البائد نيابة عن الأمم المتحدة. وقال إنه كان يثير باستمرار قضية المعتقلين، قبل أن يوقف المسؤول الجالس قبالته الساعة خلال أحد الاجتماعات، ويطلب إغلاق الميكروفونات ووضع الأقلام جانباً.
وبحسب رواية غريفيث، أبلغه المسؤول حينها بأن عليه التوقف عن إضاعة وقته في هذا الملف، مؤكداً أن النظام لن يفرج عن المعتقلين ولن يعترف بحقيقة احتجازهم.
وأضاف أنه اقترح على بشار الأسد، خلال اجتماع خاص عقد عام ٢٠٢٢، إفراغ السجون، إلا أن رئيس النظام السوري البائد ادعى أن السجون أُفرغت بالفعل وأنها لم تعد تضم أي معتقل.
وفي العام التالي، وبعد الزلازل المدمرة التي ضربت سوريا، التقى غريفيث بشار الأسد ثلاث مرات، موضحاً أن مهمته كانت إقناعه باتخاذ الإجراءات الضرورية والواضحة لحماية حقوق السوريين وتحسين أوضاعهم، قبل أن يقر بأن تلك الجهود فشلت بصورة كاملة.
اعتبر غريفيث أن التحرك العسكري الذي انتهى بدخول دمشق وسقوط النظام البائد هو الذي أنقذ الشعب السوري ومهّد الطريق أمام مرحلة السلام، في وقت لم تتمكن فيه سنوات الحوار والجهود الدبلوماسية من وقف المعاناة.
وقال إن هذا الاستنتاج يمثل حقيقة قاسية بالنسبة إلى شخص كرّس حياته للحوار والتفاوض، مضيفاً أنه أدرك متأخراً أن التحرك العملي كان مطلوباً منذ سنوات، وأن الاكتفاء بالمحادثات لم يكن قادراً على تحقيق النتائج التي احتاج إليها السوريون.
ورأى غريفيث أن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه المجتمع الدولي تمثل في استبعاد تغيير النظام منذ البداية بوصفه طريقاً لإنهاء معاناة السوريين، والاتجاه بدلاً من ذلك إلى إنشاء مجموعة «أصدقاء سوريا»، التي ضمت بصورة رئيسية دولاً غربية وحلفاء إقليميين.
وأوضح أن المجموعة قدمت دعماً للمعارضة السورية في مواجهة بشار الأسد، لكنها لم تُحدث تأثيراً ملموساً في وقف الاعتقالات والقتل اليومي الذي طال، بحسب وصفه، كل عائلة سورية تقريباً.
وأضاف أن الأكاذيب استمرت طوال سنوات المعاناة السورية، معتبراً أن الحرب انتهت الآن وأن المهمة الأساسية باتت بناء السلام. وأشار إلى أن موجة التفجيرات الأخيرة في دمشق أظهرت وجود جهات تسعى إلى إفشال سوريا وعرقلة انتقالها إلى الاستقرار.
أكد غريفيث أن إعادة بناء الاقتصاد يجب أن تتصدر أولويات المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن السوريين أصبحوا أكثر فقراً عاماً بعد آخر تحت التأثير المتزامن للحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي.
وقال إن ثلثي سكان سوريا يعيشون حالياً في فقر مدقع، رغم ما تمتلكه البلاد من طاقات بشرية كبيرة وموقع يجعل استقرارها مهماً للدول المجاورة.
وأشار إلى أن المساعدات لا تزال تصل إلى سوريا، وأن دول الخليج والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تواصل تقديم الدعم، إلا أن الموارد المتاحة تُوزع على نطاق واسع ولا تكفي لتأسيس استجابة مستدامة للأزمات المتراكمة.
ورأى غريفيث، استناداً إلى تجربته الطويلة في العمل الإنساني، أن معالجة الأزمة السورية على نحو مستدام تتطلب توجيه استثمارات خاصة إلى الاقتصاد، وعدم الاعتماد على المساعدات وحدها.
وأوضح أن سوريا تملك فرصاً كبيرة للنمو في قطاعات المصارف والطاقة والبناء ومعالجة الأغذية والزراعة التجارية والصناعات الخفيفة، مشيراً إلى أن رؤوس أموال السوريين المقيمين في الخارج تستطيع المساهمة في إطلاق التعافي الاقتصادي.
واستدرك بأن مساهمة المغتربين لن تكون كافية بمفردها، إذ تحتاج عملية النهوض الاقتصادي إلى رؤوس أموال دولية كبيرة، إلى جانب الدعم التقني والخبرات اللازمة لتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية.
حدد غريفيث مشكلتين رئيسيتين ما زالتا تواجهان جهود التعافي، تتمثل الأولى في ضرورة إزالة ما تبقى من العقوبات المفروضة على سوريا، وهو إجراء وصفه بالمتأخر، محذراً من أن استمرار العقوبات يشكل تهديداً لجهود بناء السلام.
أما المشكلة الثانية، وفق غريفث، فتتعلق بكيفية إدارة المخاطر التي يواجهها المستثمرون الراغبون في دخول السوق السورية.
واعتبر أن إعلان الولايات المتحدة الأخير عزمها إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل خطوة مهمة على طريق معالجة ملف العقوبات وتخفيف القيود المرتبطة به.
ونقل غريفيث عن سفير بارز في دمشق قوله إن هناك توافقاً دولياً على دعم سوريا، لكن البلاد لا تزال غير قادرة على توفير قواعد مستقرة يمكن توقعها، أو ضمانات وحماية قانونية تجعل الاستثمار ممكناً وآمناً.
ودعا غريفيث الحكومة السورية إلى تهيئة بيئة أكثر أماناً للاستثمار، وتخفيف مستوى المخاطر التي قد تتحملها الشركات ورؤوس الأموال، من خلال تشريعات مدروسة وواضحة، بدلاً من الاعتماد على المراسيم أو الوعود.
ورأى أن قدرة المؤسسات السورية على تنفيذ الالتزامات المعلنة لا تزال محدودة، معتبراً أن الجمود الإداري والتردد في اتخاذ القرارات يؤديان في حالات كثيرة إلى تعطيل الفرص الاستثمارية.
وطالب الحكومة السورية باتخاذ خطوات معلنة وحاسمة، وإشراك الجهات المعنية في صياغة السياسات الاقتصادية والقانونية المطلوبة، بما يعزز ثقة المستثمرين ويمنحهم القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل.
وختم غريفيث مقاله بالتأكيد أن أهمية هذه الخطوات تتجاوز حدود الاقتصاد السوري، نظراً إلى الدور المحوري لسوريا في استقرار المنطقة، ولا سيما في ظل تصاعد النزاعات والتوترات في الشرق الأوسط.
٢٣ يوليو ٢٠٢٦
أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، أن ملف المفقودين يمثل واجباً إنسانياً وأخلاقياً وقانونياً، ولا يجوز التعامل معه بوصفه قضية سياسية، مشدداً على ضرورة التعاون الوثيق بين السلطات السورية والشركاء الدوليين، ضمن مسار يحفظ الملكية الوطنية للملف ويحترم سيادة سوريا في معالجته باعتباره إحدى أولوياتها الوطنية.
وقال علبي، خلال جلسة عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الأربعاء بعنوان «صون الأمن والسلم الدوليين»، أن سوريا شهدت خلال العقد الماضي واحداً من أسوأ فصول تاريخها، بعدما ارتكب النظام البائد انتهاكات جسيمة بحق السوريين، كان الإخفاء القسري أحد أبرز أشكالها، ما حوّل قضية المفقودين إلى معاناة يومية متواصلة لعشرات آلاف العائلات.
وأضاف أن تلك الوقائع دفعت المجتمع الدولي في حينه إلى إنشاء المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، معرباً عن تقدير بلاده للدور الذي اضطلعت به المؤسسة منذ تأسيسها في متابعة هذه القضية الإنسانية والقانونية.
وقال علبي إن سوريا تغيّرت اليوم، وأصبحت تبحث عن المفقودين بدلاً من أن تصنعهم، وتسعى إلى تحقيق العدالة بدلاً من طمسها، مؤكداً اعتزاز الدولة بصمود عائلات الضحايا وحرصها على تسهيل حضورهم ومشاركتهم في المسارات المرتبطة بالملف.
وأشار إلى أن السلطات السورية سهّلت مشاركة عائلات المفقودين خلال اليومين الماضيين، ووضعتهم في صميم عملية صنع السياسات، انطلاقاً من دورهم الأساسي في تحديد الأولويات والمساهمة في بناء آليات وطنية قادرة على الوصول إلى الحقيقة.
وأكد أن معالجة الملف تتطلب تكاملاً وانسجاماً بين عمل اللجنة الوطنية للمفقودين والمؤسسة المستقلة، مع التمسك بالملكية الوطنية للملف واحترام سيادة سوريا في إدارته، بوصفه أولوية وطنية تتحمل الدولة مسؤولية التعامل معها.
ولفت علبي إلى أن اللجنة الوطنية للمفقودين قطعت شوطاً كبيراً منذ تأسيسها، وتعمل حالياً على إعداد مشروع قانون وطني شامل للمفقودين، بالشراكة مع عائلات المفقودين وروابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني.
وأوضح أن اللجنة افتتحت مكاتب في عدد من المحافظات لتقديم الدعم إلى ذوي المفقودين، كما تعمل على إطلاق منصة إلكترونية قريباً تتيح إدخال البيانات المتعلقة بالمفقودين وتوثيقها ضمن آلية وطنية منظمة.
وتشمل جهود اللجنة، وفق علبي، تقديم خدمات الدعم القانوني والنفسي إلى العائلات، وتنفيذ جولات ميدانية للوصول إليها في أماكن وجودها، إلى جانب الاستجابة لأكثر من مئة وسبعين مقبرة جماعية، في إطار العمل على جمع الأدلة وتحديد هويات الضحايا والكشف عن مصير المفقودين.
واختتم علبي كلمته بالتأكيد على أن الملف يستوجب تعاوناً وثيقاً بين السلطات السورية والشركاء الدوليين، بما في ذلك المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، بهدف بناء القدرات المحلية وتجهيز المخابر الوطنية.
وشدد على ضرورة نقل جميع البيانات ذات الصلة إلى السلطات السورية بصورة آمنة وموثوقة، وبما يتوافق مع الأعراف الدولية، بما يساعد المؤسسات الوطنية على استكمال عمليات التوثيق والتحقق والوصول إلى نتائج تستجيب لحقوق المفقودين وعائلاتهم.
٢١ يوليو ٢٠٢٦
أكد مجلس الأمن الدولي، اليوم الثلاثاء، دعمه لمسار العدالة الانتقالية في سوريا، خلال جلسة خصصت لمناقشة ملف الأشخاص المفقودين، وسط توافق دولي على أن كشف مصير المفقودين يمثل ركيزة أساسية لتحقيق العدالة والمصالحة، مع ترحيب أممي بالخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية في هذا المجال، ودعوات لتعزيز التعاون الدولي وبناء القدرات الوطنية.
وفي مستهل الجلسة، اعتبرت مندوبة الدنمارك لدى الأمم المتحدة أن سقوط نظام الأسد، إلى جانب التزام سوريا بالعدالة الانتقالية، أتاح فرصة حقيقية لإحراز تقدم في مساري العدالة والمساءلة.
كما أكدت مندوبة كولومبيا أن الكشف عن مصير المختفين والمفقودين يشكل واجباً إنسانياً، ويسهم في استعادة ثقة السوريين بمؤسسات الدولة، فيما أشار مندوب لوكسمبورغ إلى أن مئات الآلاف من السوريين أصبحوا في عداد المفقودين خلال حكم النظام البائد، ولا يزال مصير معظمهم مجهولاً، معتبراً أن الآليات الدولية المعنية بالمفقودين تمثل خطوة مهمة لمعالجة هذه القضية.
من جانبه، استعرض مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي الجهود التي تبذلها الحكومة السورية في ملف العدالة الانتقالية، موضحاً أن السابع من كانون الأول شكّل بداية مرحلة التحرر، حين توجهت القوات إلى السجون وكسرت القيود، بينما كان الأهالي ينتظرون فتح أبواب المعتقلات لمعرفة مصير ذويهم بعد سنوات من الغياب.
وأضاف أن الحكومة واجهت تحديات كبيرة في هذا المسار، وأنشأت الهيئة الوطنية للمفقودين لمعالجة القضية، مؤكداً أن الغالبية العظمى من المفقودين لم يُكشف عن مصيرهم بعد، وأن عمليات البحث لا تزال مستمرة، داعياً إلى الاستماع لجهود الهيئتين الوطنيتين للمفقودين والعدالة الانتقالية، وتكريم النساء اللواتي واصلن البحث عن أحبائهن رغم سنوات المعاناة.
بدوره، رحب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بالخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية، معتبراً أنها تضع أساساً لمستقبل أكثر استقراراً.
وأكد أن المجتمع الدولي مطالب بالمساهمة بخبراته لدعم مسار العدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن الحكومة بدأت بإصلاح المؤسسات وتعزيز المساءلة، بما يشمل معالجة ملف المفقودين، فيما شدد على أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب عملية ترتكز على الضحايا والناجين وأسر المفقودين، في ظل تطلع السوريين إلى العدالة والشفافية.
وفي السياق ذاته، أكدت الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة ورئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كوينتانا، استمرار دعم الأمم المتحدة والدول الأعضاء للسوريين في جهودهم لبناء مستقبل أفضل، مشيرة إلى أن المعلومات المتعلقة بالمفقودين غالباً ما تكون مخفية أو متفرقة، وهو ما يشكل أحد أكبر التحديات أمام الوصول إلى الحقيقة.
وأضافت أن نجاح عمليات البحث يتطلب بناء قدرات وطنية مستدامة، وتعزيز الثقة بين المؤسسات السورية والشركاء الدوليين، نظراً إلى أن قضية المفقودين تحتاج إلى عمل معقد ومتعدد الاختصاصات ومدعوم بالخبرات.
من جهته، أكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن السوريين عانوا لعقود من انتهاكات جسيمة تركت آثاراً عميقة في المجتمع والدولة، وأن التحولات التي تشهدها البلاد تتيح فرصة تاريخية لمعالجة هذا الإرث.
وأوضح أن الهيئة تعمل على إطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية يستند إلى الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، بالتوازي مع إعداد مشروع قانون للعدالة الانتقالية، وتجهيز منظومة الأمن الرقمي، وحفظ الأرشيف، وبناء السجل الوطني للضحايا، فضلاً عن توقيع مذكرات تفاهم مع الأمم المتحدة وشركاء دوليين لبناء القدرات والاستفادة من التجارب الدولية.
وفي ملف المفقودين، شدد رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي على أن معرفة مصير المفقودين حق إنساني أصيل للعائلات، وأن هذه القضية تمثل ركيزة لتحقيق السلام المستدام في سوريا.
وأعلن أن الهيئة تمكنت من كشف مصير أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة، واستجابت لأكثر من 170 بلاغاً عن مواقع يشتبه بوجود مقابر أو رفات بشرية فيها، كما وقعت إعلان مبادئ للتعاون مع ثلاث جهات دولية معنية بالمفقودين، يحدد أدوار التعاون بين الجانبين، بحيث تقود الهيئة الوطنية العمل داخل سوريا، فيما يتركز الدعم الدولي على الجوانب الفنية والتقنية ونقل الخبرات وبناء القدرات.
كما دعا إلى اعتماد يوم دولي لنساء عائلات المفقودين، تقديراً لصمودهن ودورهن في الدفاع عن حق الحقيقة.
من ناحية أخرى، رحبت مندوبة اليونان لدى الأمم المتحدة بإنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، معتبرة أن الشعب السوري بات أمام فرصة لبدء مرحلة جديدة من العدالة بعد عقود من المعاناة، فيما أكد مندوب جمهورية الكونغو الديمقراطية أن العدالة الانتقالية تمثل أداة أساسية لتحقيق المصالحة الوطنية، وتعزيز سيادة القانون، ومنع تجدد النزاعات والانتهاكات.
وتعكس مداولات مجلس الأمن توافقاً دولياً متزايداً على دعم جهود العدالة الانتقالية في سوريا، مع التركيز على كشف مصير المفقودين باعتباره أحد أبرز استحقاقات المرحلة المقبلة، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين، بما يسهم في ترسيخ المساءلة، وإنصاف الضحايا، ودعم مسار السلام المستدام في البلاد.
٢٠ يوليو ٢٠٢٦
اتفقت سوريا والكويت، خلال زيارة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني إلى الكويت اليوم الإثنين، على حزمة من الخطوات لتطوير العلاقات الثنائية، شملت إنشاء لجنة تنسيق عليا مشتركة، ومجلس أعمال سوري – كويتي، إلى جانب تعزيز التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والتنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ووصل الشيباني إلى الكويت في زيارة رسمية استقبله خلالها وزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، قبل أن يلتقي ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، حيث تناولت المباحثات سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع آفاق التعاون المشترك، إلى جانب مناقشة التطورات الإقليمية والجهود المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة.
واتفق الجانبان على إنشاء لجنة تنسيق عليا مشتركة برئاسة وزيري خارجية البلدين، تتولى متابعة ملفات التعاون الثنائي، كما توافقا على تفعيل اللجان المشتركة، وتعزيز التنسيق السياسي، وتبادل السفراء، في خطوة تعكس توجهاً نحو إضفاء طابع مؤسسي على العلاقات بين دمشق والكويت، وتطوير التعاون الدبلوماسي بينهما.
وفي الجانب الاقتصادي، اتفقت سوريا والكويت على إنشاء مجلس أعمال سوري – كويتي، إلى جانب تفعيل التعاون بين غرف التجارة ومجالس رجال الأعمال، بما يهدف إلى تشجيع الاستثمارات، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص في دعم العلاقات الثنائية.
كما شملت المباحثات تعزيز التعاون الدولي والتنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك العمل في المحافل الدولية، في إطار رؤية مشتركة لتوسيع مجالات التعاون بما يخدم مصالح البلدين.
وأكد الشيباني خلال الزيارة أن الكويت تمثل شريكاً أساسياً لسوريا وفاعلاً مهماً في المنطقة، معرباً عن تطلع دمشق إلى الارتقاء بالعلاقات الثنائية وفتح آفاق أوسع للتعاون، كما جدد موقف سوريا الداعم للكويت واحترام سيادتها، وإدانتها لأي اعتداءات تستهدف أراضيها أو أراضي دول مجلس التعاون الخليجي.
وتأتي زيارة الشيباني امتداداً للمسار الذي بدأ مع الزيارة التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى الكويت في الأول من حزيران/يونيو 2025، تلبية لدعوة أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، والتي أعادت تنشيط العلاقات بين البلدين، وأرست إطاراً لتطوير التعاون السياسي والاقتصادي، فيما تعكس الزيارة الحالية انتقال هذا المسار إلى مرحلة تنفيذية تقوم على آليات مؤسسية ومشروعات تعاون مشتركة.
١٧ يوليو ٢٠٢٦
وقعت سوريا وألمانيا، اليوم الخميس، اتفاقية لتشكيل اللجنة السورية–الألمانية المشتركة، في خطوة تؤسس لإطار مؤسسي دائم لتنظيم العلاقات الثنائية، وتعزيز التعاون في مختلف القطاعات، بما يعكس تطور مسار التقارب بين البلدين، ويفتح المجال أمام شراكات أوسع في ملفات الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار.
وجرت مراسم التوقيع في قصر تشرين بدمشق، حيث مثّل الجانب السوري مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين قتيبة قاديش، فيما مثّل الجانب الألماني وزير الدولة في وزارة الخارجية الاتحادية غيزا أندرياس فون غاير.
وأعقب ذلك عقد الجلسة الافتتاحية للجنة برئاسة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، لبحث آليات توسيع التعاون في مجالات التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، والاستثمار، والطاقة، والنقل، والطيران المدني، والعدالة الانتقالية، وملفي المفقودين واللاجئين.
وأكد الشيباني أن اللجنة تمثل تتويجاً لمسار متصاعد من التقارب بين دمشق وبرلين، مشيراً إلى أن ألمانيا كانت من أوائل الدول الأوروبية التي أعادت فتح قنوات التواصل مع سوريا، وهو مسار تعزز بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين في آذار الماضي، وما تبعها من تكثيف للاتصالات والزيارات الرسمية.
وأوضح أن الحكومة السورية اتخذت خطوات لترشيد الإنفاق وإبرام عقود استراتيجية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، من بينها تفاهمات مع شركة سيمنز إنيرجي، بما يعزز فرص الاستثمار وينقل التعاون نحو مرحلة التنمية وإعادة الإعمار، مؤكداً في الوقت ذاته أهمية الموقع الاستراتيجي لسوريا كممر للطاقة والنقل والتجارة بين الشرق والغرب.
كما أشار إلى أن الشراكة بين البلدين تتجه نحو التركيز على قطاعات الطاقة والكهرباء والمياه والبنية التحتية والقطاع المصرفي والصحة والتعليم والزراعة، مثمناً دور ألمانيا في دعم رفع العقوبات الأوروبية عن سوريا، مع استمرار المشاورات بشأن ملفات القطاع المصرفي والتحويلات المالية والنقل، وداعياً الشركات الألمانية إلى الاستثمار في سوريا والمشاركة في معرض دمشق الدولي وتفعيل مجلس الأعمال السوري–الألماني المشترك.
وبحسب الاتفاقية، ستتولى اللجنة المشتركة متابعة تنفيذ التفاهمات في مجالات التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، والاستثمار، والطاقة، والنقل، والطيران المدني، والعدالة الانتقالية، والمفقودين، واللاجئين، بما يوفر آلية مؤسسية دائمة لتنسيق التعاون بين الحكومتين.
من جانبه، وصف مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين قتيبة قاديش تشكيل اللجنة بأنه محطة مهمة في تنظيم العلاقات الثنائية، مؤكداً أن ألمانيا دعمت استقرار سوريا وأسهمت في إعادة التمثيل الدبلوماسي ودعم رفع العقوبات الأوروبية، وأن اللجنة ستعزز التعاون السياسي والاقتصادي وتناقش مختلف الملفات ذات الاهتمام المشترك.
بدورها، أوضحت مديرة إدارة أوروبا في وزارة الخارجية والمغتربين سالي شوبط أن اللجنة تربط سبع وزارات سورية بنظيراتها الألمانية، إضافة إلى المستشارية الاتحادية، وستتابع ملفات اقتصادية وتنموية وأمنية وسياسية، مؤكدة أن تشكيلها يمثل أول إطار مؤسسي من نوعه بين سوريا ودولة أوروبية، ويأتي ضمن مسار إعادة بناء العلاقات السورية مع أوروبا، في ظل وجود أكثر من مليون سوري في ألمانيا يعكس عمق الروابط بين البلدين.
ويأتي إطلاق اللجنة استكمالاً لمخرجات الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا في آذار الماضي، والتي شهدت توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات في مجالي الطاقة والنقل الجوي، بما يعزز مسار الشراكة السورية–الألمانية خلال المرحلة المقبلة.
١٥ يوليو ٢٠٢٦
حذّرت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة من استمرار فجوات استهلاك الغذاء في مناطق واسعة من سوريا حتى كانون الثاني 2027، رغم التحسن الكبير في الأمطار ومحصول الحبوب، متوقعة أن يبلغ عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية ذروته بين تشرين الأول 2026 وكانون الثاني 2027، ليتراوح بين 6 ملايين و6 ملايين و990 ألف شخص.
واستندت الشبكة في تحليلها إلى المعلومات المتاحة حتى 22 حزيران 2026، وخلصت إلى أن مكاسب موسم الحصاد لم تصل بصورة كافية إلى الأسر الفقيرة، بعدما تركزت العائدات لدى مالكي الأراضي والأسر الأكثر قدرة، بينما استُخدم قسم كبير من الإيرادات في سداد الديون المتراكمة واسترداد تكاليف الزراعة والإنتاج.
ويعتمد التحليل سلماً دولياً يتكون من خمس مراحل متصاعدة، تبدأ بالمرحلة الأولى التي تعني أوضاعاً غذائية طبيعية أو محدودة، تليها مرحلة الضغط، حيث تستطيع الأسر تأمين الحد الأدنى من الطعام لكنها تعجز عن تغطية نفقات أساسية أخرى. وتشير المرحلة الثالثة إلى الأزمة، عندما تظهر فجوات فعلية في استهلاك الغذاء أو تضطر الأسر إلى استنزاف مصادر دخلها لتأمينه، بينما تمثل المرحلتان الرابعة والخامسة حالتي الطوارئ والكارثة أو المجاعة.
وتوقعت الشبكة استمرار المرحلة الثالثة من انعدام الأمن الغذائي، المعروفة بمرحلة الأزمة، في شمال شرقي سوريا وشمال غربيها حتى كانون الثاني المقبل، مع انتقال محافظة اللاذقية إلى المرحلة نفسها اعتباراً من تشرين الأول، بالتزامن مع انحسار دخل السياحة والعمل الزراعي وارتفاع نفقات التعليم والتدفئة والاستعداد للشتاء.
أما معظم مناطق الجنوب ومحافظة طرطوس، فرجحت الشبكة بقاءها ضمن المرحلة الثانية، المعروفة بمرحلة الضغط، حيث تستطيع غالبية الأسر تأمين الحد الأدنى من الغذاء، لكنها تعجز عن تغطية النفقات الأساسية الأخرى من دون الاقتراض أو شراء المواد بالدين أو استنزاف مدخراتها.
أعادت الشبكة جذور أزمة الأمن الغذائي إلى أكثر من عقد من الحرب التي شهدتها البلاد بين عامي 2011 و2024، وما خلفته من تضرر للبنية التحتية الزراعية وتقييد الوصول إلى الأسواق وتراجع الخدمات العامة وقدرات مؤسسات الدولة، إلى جانب تعطيل قطاعات الزراعة وإنتاج النفط والتجارة وإضعاف القدرة الشرائية.
وقالت إن سقوط نظام رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد في كانون الأول 2024، وتشكيل الحكومة الانتقالية في آذار 2025، أدخلا البلاد في مرحلة انتقالية، فيما بقيت بعض الملفات الإدارية والأمنية موزعة بين جهات محلية متعددة، واستمرت أعمال العنف التي تنفذها مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة في التسبب بحركات نزوح محلية وتعطيل النشاط الاقتصادي.
وفي شمال شرقي سوريا، ما تزال الإدارة التي تقودها جهات كردية وذراعها المسلحة، ميليشيا قسد، تفرضان سيطرة فعلية على مساحات واسعة، في ظل المفاوضات الجارية بشأن الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وبقيت إدلب وشمال حلب وأجزاء من حماة وحمص من أبرز وجهات النازحين والعائدين، مع وجود أكبر تجمعات المخيمات في إدلب وشمال حلب، بينما شهدت محافظتا اللاذقية وطرطوس حوادث عنف طائفية. أما الجنوب، فظل عرضة لتحركات مجموعات محلية مسلحة وعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة.
وعاد مليونان و40 ألف نازح داخلياً إلى مناطقهم الأصلية منذ كانون الأول 2024، لكن أكثر من 5 ملايين و870 ألف شخص ما يزالون نازحين داخل سوريا، فيما بقي نحو 4 ملايين و600 ألف لاجئ سوري خارج البلاد.
وانخفض عدد المقيمين في مواقع النزوح شمال غربي سوريا بنحو الثلث منذ شباط 2026، مع مغادرة أسر كثيرة للمخيمات، إلا أن معظم العائدين وصلوا إلى مساكن متضررة وأراض ملوثة بالمخلفات الحربية، بعدما فقدوا جانباً كبيراً من معداتهم الزراعية ومواشيهم ومدخراتهم.
وأبقت هذه الظروف الوضع المعيشي للعائدين قريباً من أوضاع النازحين، رغم وصولهم إلى مناطقهم الأصلية، إذ واجهوا تكاليف مرتفعة لإصلاح المنازل وإعادة تأسيس مصادر الدخل، إلى جانب محدودية الخدمات وفرص العمل والأسواق.
وتقيم غالبية النازحين خارج المخيمات الرسمية، ضمن المدن والبلدات المستضيفة، حيث تبقى فرص العمل المستقرة والخدمات العامة والغذاء المقبول السعر محدودة. كما أدى النزوح المتكرر إلى تعطيل الإنتاج الزراعي وأسواق العمل وشبكات الدعم الاجتماعي، وخلق عوائق إدارية وتشغيلية أمام وصول المساعدات الغذائية.
وتعتمد الأسر الريفية بصورة أساسية على زراعة المحاصيل وتربية المواشي والعمل الزراعي الموسمي والتجارة الصغيرة والحوالات والمساعدات، بينما تعتمد الأسر الحضرية على الأجور والتجارة المحدودة وفرص العمل الرسمية القليلة.
وتوفر الأسواق معظم احتياجات الغذاء في المدن والأرياف، ما يجعل القدرة الشرائية العامل الحاسم في تحديد قدرة الأسر على تأمين طعامها، إلى جانب نفقات الوقود والكهرباء والرعاية الصحية والسكن والنقل.
وكان موسم الأمطار لعامي 2024 و2025 من بين الأكثر جفافاً خلال عقود، بعدما انخفضت الأمطار بأكثر من 50 في المئة عن المتوسط، ما تسبب بتراجع إنتاج الحبوب وتدهور المراعي، ولا سيما في مناطق زراعة القمح البعلي.
ورغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية خلال عام 2025، بما في ذلك ارتفاع محدود في الحوالات ورواتب القطاع العام وتباطؤ تضخم الغذاء في بعض المناطق، بقيت أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية مرتفعة، وحافظ الاعتماد الواسع على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي ونقص السيولة وارتفاع تكاليف النقل على هشاشة التعافي الاقتصادي.
أكدت الشبكة أن أمطار موسم 2025 و2026، ولا سيما بين شباط وأيار، أحدثت تحسناً واضحاً في الغطاء النباتي وإنتاج المحاصيل بعد سنوات متتابعة من الجفاف، لكنها لم تعوض بصورة كاملة ما فقدته الأسر من أصول إنتاجية أو ما استُنزف من المياه الجوفية والمراعي.
وقدرت إنتاج القمح السوري خلال الموسم الحالي بما يتراوح بين مليونين و300 ألف ومليونين و500 ألف طن متري، مقارنة بنحو 900 ألف طن في موسم 2024 و2025، الذي كان أسوأ محصول حبوب في البلاد منذ 36 عاماً.
وساهم تحسن المحصول في رفع كميات الحبوب المتاحة وزيادة الدخل الزراعي الموسمي، وخاصة في شمال شرقي سوريا، لكن المزارعين سلموا حتى منتصف حزيران نحو 62 ألف طن فقط إلى مراكز التجميع في الحسكة، مقابل هدف شراء يصل إلى مليون طن.
وعزت الشبكة بطء التسليم إلى التأخير المرتبط بمنصة شراء القمح الإلكترونية الجديدة، ما أدى إلى تأخر وصول عائدات الحصاد إلى بعض الأسر، وأثار حالة من عدم اليقين بشأن الكميات التي ستُشترى عبر القنوات الرسمية.
وكانت التقديرات السابقة قد أشارت إلى أن سعر شراء القمح الذي حددته الحكومة السورية دعم أرباح المزارعين المعتمدين على الزراعة البعلية، فيما حقق أصحاب الأراضي المروية عوائد إيجابية أقل نسبياً. غير أن تراجع الليرة وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والري قلصا لاحقاً هامش الربح.
وأورد التقرير سعر شراء ثابتاً قدره 46 ألف ليرة سورية للطن، معتبراً أنه بات أدنى من تكاليف الإنتاج، ولا سيما في الزراعات المروية، رغم وجود حوافز إضافية تخفف جزءاً من الخسائر.
وتوقعت الشبكة أن يدفع ضعف السعر بعض المزارعين إلى البيع في الأسواق الخاصة أو تخزين القمح داخل المزارع، مع احتمال تقليص المساحات المزروعة خلال موسم 2026 و2027.
وبقي الإنتاج المحلي، رغم تحسنه الكبير، أقل من الاحتياجات الوطنية، لأن نقص الأمطار خلال فترة الزراعة الممتدة بين تشرين الأول وكانون الأول 2025 دفع مزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة بالقمح والشعير أو ترك أراضيهم من دون زراعة.
ولهذا توقعت الشبكة استمرار حاجة سوريا إلى استيراد كميات من القمح أعلى من المتوسط طوال فترة التوقعات، مع بقاء الأسعار المحلية مرتبطة بتكاليف الاستيراد والشحن وسعر الصرف.
وساعدت أمطار شباط وأيار على تحسين المياه السطحية والجوفية وتدفقات أنهار الفرات والعاصي وبردى والأعوج، ما دعم الزراعة الصيفية والمراعي وقدرة المزارعين على الري.
كما تحسنت أوضاع الثروة الحيوانية نتيجة وفرة المراعي وبقايا المحاصيل، الأمر الذي قلل الاعتماد على الأعلاف المشتراة، وحسن صحة المواشي، وسمح للمربين بتأخير البيع ومحاولة إعادة بناء قطعانهم.
لكن كثيراً من الأسر الرعوية الفقيرة لم تستفد بصورة مؤثرة من تحسن المراعي أو ارتفاع إنتاج الحليب، لأنها لم تعد تملك عدداً كافياً من الحيوانات بعد سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف والاضطرار إلى البيع.
وسجل صغار مربي المواشي عوائد محدودة خلال عيد الأضحى، نتيجة ضعف القدرة الشرائية المحلية وارتفاع الأسعار وإعادة فتح قنوات التصدير، التي وجهت جزءاً من المعروض إلى الأسواق الخارجية وكبار التجار.
كما ساعد تحسن المراعي المربين على الاحتفاظ بمواشيهم وعدم طرحها في الأسواق، ما أسهم في تقليص المعروض ورفع الأسعار إلى مستويات تجاوزت قدرة كثير من الأسر الفقيرة.
وأشارت الشبكة إلى أن قسماً كبيراً من عائدات الحصاد لم يتحول إلى إنفاق غذائي، بعدما استخدمه المزارعون لسداد ديون تراكمت خلال سنوات الجفاف، أو لتعويض تكاليف البذار والأسمدة والري والوقود والإنتاج.
تعرضت أجزاء من الرقة ودير الزور خلال النصف الثاني من أيار لفيضانات مرتبطة بارتفاع غير معتاد في تدفق نهر الفرات، بعدما دفعت كميات المياه القادمة من تركيا والأمطار الأعلى من المتوسط مخزون البحيرة إلى مستويات قاربت كامل طاقتها.
ووصل مخزون بحيرة سد الفرات إلى نحو 98.5 في المئة، ما اضطر الجهات المعنية إلى فتح بوابات التصريف بأقصى طاقتها للمرة الأولى منذ عام 1988، رغم بقاء جريان النهر ضمن مجراه الطبيعي في معظم المناطق.
وأثرت الفيضانات على نحو 27 ألف شخص، وأدت إلى نزوح أكثر من 8 آلاف شخص في دير الزور، كما غمرت مواقع للنازحين في الرقة وألحقت أضراراً بطرق الوصول وشبكات المياه والزراعة وحركة الأسواق.
وبلغت المساحات المغمورة في دير الزور نحو 7200 هكتار، أي أكثر من 8 في المئة من الأراضي المزروعة في المحافظة، فيما وصلت تقديرات الأضرار في الرقة ودير الزور معاً إلى نحو 17 ألف هكتار.
ووقعت الفيضانات بالتزامن مع حصاد القمح، ما تسبب بخسائر في الأراضي والمحاصيل وشبكات الري ومصادر الدخل الزراعي. وانحسرت المياه في أواخر أيار، بعدما تركزت الأضرار في الأراضي والمساكن التي أُقيمت داخل مناطق المجرى النهري خلال سنوات انخفاض المياه والجفاف.
وفي شمال إدلب، ألحقت فيضانات محلية أضراراً بنحو 800 هكتار من المحاصيل والأشجار المثمرة، فيما تسببت فيضانات آذار ونيسان بخسائر في مناطق الإنتاج المروي، ولا سيما سهل الغاب وسهل الروج وحوض السيحة.
وسجلت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية نحو 6500 حريق في أنحاء البلاد خلال حزيران، أصاب 4026 منها أراضي زراعية.
وأتلفت الحرائق التي طالت المحاصيل الناضجة قبيل الحصاد أجزاء من الإنتاج، وحرمت أسر متضررة من دخل الموسم والمخزون الغذائي العيني، بينما أضرت النيران التي امتدت إلى بقايا المحاصيل والمراعي بمصادر الأعلاف التي تحسنت خلال العام.
وتوقعت الشبكة بقاء خطر الحرائق مرتفعاً خلال موسم الجفاف الصيفي، ولا سيما في غابات وبساتين اللاذقية وطرطوس، مع احتمال تسببها بخسائر جديدة في الإنتاج الزراعي والدخل ورفع تكاليف التعافي.
أوضحت الشبكة أن الظروف الاقتصادية بدأت بالتدهور مجدداً منذ شباط 2026، مع تسارع التضخم وانخفاض قيمة الليرة السورية بنحو 15 في المئة في السوق الموازية بين مطلع نيسان ومطلع حزيران.
واتسعت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، ما أثر على القوة الشرائية، وأضعف القيمة الحقيقية للحوالات الخارجية التي يتعين تحويلها وفق السعر الرسمي الأدنى.
وارتفعت الكلفة الشهرية المتوسطة للسلع والخدمات الأساسية بنسبة 10 في المئة بين شباط وأيار، نتيجة اعتماد البلاد على استيراد المواد الغذائية الأساسية والوقود ومدخلات الإنتاج.
وقلصت الحكومة حصة الخبز المدعوم مرتين خلال 6 أسابيع، فانخفض الوزن أولاً من 1200 غرام إلى 1050 غراماً، ثم تراجع العدد من 10 أرغفة إلى 8 أرغفة بوزن إجمالي قدره 1000 غرام.
وأدى التقليص إلى زيادة نفقات الأسر الفقيرة التي تعتمد على الخبز المدعوم بوصفه مادة غذائية رئيسية، بينما لم تعوض زيادة رواتب القطاع العام بنسبة 50 في المئة خلال أيار الارتفاع المتواصل في الأسعار.
كما ارتفع سعر أسطوانة غاز النفط المسال بنسبة 19 في المئة، وزادت أجور النقل العام في دمشق وحلب بما يتراوح بين 15 و20 في المئة، ما أضاف أعباء جديدة على الأسر المعتمدة على الأجور.
ورفعت شركة النفط السورية أسعار الوقود الرسمية في مطلع أيار، فصعد سعر لتر المازوت من 0.75 دولار إلى 0.88 دولار، وارتفع سعر البنزين من فئة 90 أوكتان من 0.85 دولار إلى 1.10 دولار للتر.
وأورد التقرير نسبة زيادة قدرها 1729 في المئة، غير أن الأسعار التفصيلية المنشورة فيه تعكس ارتفاعاً يقارب 17.3 في المئة للمازوت و29.4 في المئة للبنزين، ما يرجح وجود خطأ طباعي في النسبة الإجمالية الواردة في النص.
وانتقلت زيادة أسعار الوقود إلى تكاليف النقل والري وتسويق المحاصيل وأسعار السلع الغذائية، ولا سيما خلال فترتي الحصاد والزراعة الصيفية.
وتوقعت الشبكة استمرار تراجع الليرة في السوق الموازية بسبب الاعتماد الواسع على الاستيراد ومحدودية القطع الأجنبي واتساع الفجوة مع السعر الرسمي، على أن تبقى الدخول الحقيقية دون مستوى الحد الأدنى من سلة النفقات.
ورجحت تحسن كميات السلع المتاحة في الأسواق تدريجياً مع عودة حركة التجارة وتخفيف العقوبات وتوسع طرق التبادل عبر الحدود، لكنها توقعت بقاء إمدادات الوقود محدودة ومرتبطة بموثوقية إنتاج مصفاتي بانياس وحمص.
وتراجعت المساعدات الإنسانية بصورة حادة منذ أيار بسبب نقص التمويل، بعدما خفض برنامج الأغذية العالمي عدد المستفيدين وقلص عملياته في حلب وإدلب وشمال شرقي سوريا.
وتركزت المساعدات المتبقية في المناطق المصنفة الأكثر احتياجاً، فيما استمر توزيع الخبز على أعداد كبيرة في شمال غربي سوريا والجنوب، وبقي محدوداً أو غائباً في المنطقة الوسطى والساحل وشمال شرقي البلاد.
وأنهى البرنامج في أيار مشروع الخبز المدعوم الذي كان يدعم أكثر من 300 مخبز ويخدم ما يصل إلى 4 ملايين شخص يومياً، وخفض مساعدات الطوارئ الغذائية من مليون و300 ألف مستفيد إلى 650 ألفاً.
كما توقع انخفاض وجود البرنامج من 14 محافظة إلى 7 محافظات خلال الصيف، من دون مؤشرات على تمويل جديد كبير خلال الفترة الممتدة حتى كانون الثاني 2027.
شمال شرقي وغربي سوريا يبقيان في مرحلة الأزمة
أكدت الشبكة استمرار المرحلة الثالثة في شمال شرقي سوريا رغم تحسن الحصاد، بسبب أعباء الديون وضعف سوق العمل وفقدان مصادر دخل رئيسية.
واستُخدم جانب كبير من عائدات الزراعة في سداد ديون سنوات الجفاف واستعادة تكاليف الإنتاج، بينما أدت فيضانات الفرات والحرائق وأمراض المحاصيل إلى خسائر محلية إضافية، وأخرت إجراءات شراء القمح وصول الإيرادات إلى بعض المزارعين.
وفقد عدد كبير من سكان دير الزور مصدر دخله بعد قرار الحكومة حظر تكرير النفط غير النظامي، بالتزامن مع انضمام عمال المصافي السابقين وأشخاص كانوا يعملون لدى ميليشيا قسد، وما يزالون ينتظرون التسوية والاندماج، إلى سوق العمل.
وأدى ارتفاع عدد الباحثين عن عمل مقارنة بالطلب إلى خفض الأجور وتقليص استفادة العمال الفقراء من موسم الحصاد، بينما بقي النازحون والعمال السابقون في المصافي والأسر المرتبطة بعاملين سابقين لدى ميليشيا قسد عاجزين عن تأمين كامل احتياجاتهم الغذائية.
وسجلت أسعار الوقود في شمال شرقي سوريا ارتفاعاً بنسبة 17.33 في المئة عند احتسابها بالدولار، مع تأثير أكبر عند حسابها بالليرة، وانعكس ذلك على عمل الأفران والزراعة ونقل المنتجات.
وستوفر زراعة القطن والشوندر السكري والذرة والخضراوات فرص عمل موسمية حتى أيلول، لكن معظم المكاسب ستبقى محصورة لدى مالكي الأراضي، فيما يعتمد النازحون والعمال اليوميون على سوق عمل مزدحم ومنخفض الأجور.
ومع تراجع الطلب على العمالة الزراعية ابتداء من تشرين الأول، ستصبح مبيعات المواشي مصدراً أساسياً للنقد لدى المربين، إلا أن تكاليف الأعلاف وإعادة بناء القطعان ستستنزف جانباً من الإيرادات.
كما ستزيد نفقات التعليم ومدخلات الزراعة الشتوية الأعباء على المزارعين المدينين، وستتسع فجوات الغذاء مع استنزاف المخزون قبل موسم الشح الذي يبدأ في كانون الثاني.
وفي شمال غربي سوريا، بقيت المرحلة الثالثة قائمة رغم الأمطار والمحصول، لأن كثيراً من ملاك الأراضي زرعوا متأخرين أو تركوا أراضيهم من دون زراعة خلال الفترة الجافة الممتدة من تشرين الأول إلى كانون الأول.
ويشكل النازحون والعائدون نحو 61 في المئة من سكان إدلب و32 في المئة من سكان حلب، لكن معظمهم لم يستفد من الموسم بسبب فقدان الأراضي والمواشي والمعدات، وتلوث الحقول بالذخائر غير المنفجرة، وخسارة بساتين بصورة دائمة.
ويعتمد هؤلاء على العمل الزراعي، إلا أن ارتفاع المعروض من العمال وتفضيل الأسر الزراعية تشغيل أفرادها بدلاً من استقدام عمال مأجورين أبقيا الأجور منخفضة.
كما واصلت أسعار الغذاء ارتفاعها مع الوقود وتراجع الليرة، ولم تنخفض موسمياً رغم الحصاد، ما دفع أسر فقيرة، ولا سيما المقيمة في المخيمات والعائدة حديثاً، إلى زيادة الديون وشراء الغذاء بالدين وبيع أصول إنتاجية.
وأدى خفض مساعدات برنامج الأغذية العالمي بنسبة 50 في المئة إلى تراجع وصول أكثر من مليوني نازح إلى الغذاء، في ظل محدودية مصادر الدخل البديلة.
كما تسببت إغلاقات المصافي غير النظامية في ريف حلب الشرقي بفقدان مئات العمال وظائفهم، بينما أعاقت شروط نقل أماكن العمل انتقالهم إلى وظائف رسمية، وواصلت الذخائر غير المنفجرة وتلوث الأراضي تقييد الحركة والوصول إلى الحقول.
وفي سهل الغاب، تسببت حالات نفوق واسعة للأسماك بخسائر شديدة لأصحاب المزارع السمكية، وأعاقت تعافي القطاع. وفي المقابل، حسن تعافي الدواجن والثروة الحيوانية كميات البروتين الحيواني المتاحة، إلا أن الأسعار بقيت أعلى من قدرة الأسر الفقيرة.
وتوقعت الشبكة استمرار الأزمة في شمال غربي سوريا حتى كانون الثاني، مع انتهاء عوائد الزيتون والفستق في تشرين الأول، وبدء نفقات التعليم والتدفئة والاستعداد للشتاء ومدخلات الزراعة.
صنفت الشبكة معظم جنوب سوريا ضمن المرحلة الثانية، حيث تتمكن غالبية الأسر الفقيرة من تأمين الحد الأدنى من الغذاء، لكنها لا تستطيع تغطية النفقات الأساسية الأخرى من دون الاقتراض أو شراء الطعام بالدين أو بيع ممتلكات غير إنتاجية.
وساعدت المحاصيل القريبة من المتوسط والزراعة الصيفية والعمل الموسمي على توفير دخل في معظم مناطق الجنوب، لكن الذخائر غير المنفجرة والأراضي المتضررة في مناطق خطوط التماس السابقة بريف دمشق ما تزال تقيد الوصول إلى الأراضي الزراعية.
وفي السويداء، لم تحل الأمطار الأعلى من المتوسط مشكلة نقص المياه المزمن في المناطق الشرقية، وظلت الزراعة مقيدة، فيما عطلت اعتداءات ميليشيات الحرس الوطني التابعة للهجري وحوادث العنف الحركة والأسواق والخدمات.
وأشار التقرير إلى أن الاشتباكات بين مجموعات محلية وقوات مرتبطة بالحكومة السورية، إلى جانب الغارات الأردنية في مطلع أيار على شبكات تهريب، أثرت على حركة الأسواق ووصول الرواتب العامة.
واستهدفت الضربة الأردنية، وفق التقرير، منشآت تستخدم لتخزين أسلحة ومواد مرتبطة بتهريب المخدرات، فيما أدت تأخيرات الرواتب إلى دخول أسر في دورات اقتراض غير رسمية.
وبقيت أسعار الغذاء في السويداء من بين الأعلى في سوريا، نتيجة زيادة تكاليف الوقود والنقل وتراجع الدخل الحقيقي وتأخر الرواتب في قطاعات عامة.
وفي القنيطرة وغرب درعا، واصل الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ توغلات وإقامة حواجز مؤقتة وتفتيش منازل واحتجاز مدنيين وتخريب أراض زراعية، ما قيد الحركة والوصول إلى الحقول والمراعي.
وأدى تكرار العمليات منذ مطلع 2026 إلى تقليص الزراعة لدى الأسر الموجودة قرب الشريط الحدودي، فيما قدرت الشبكة أن قسماً محدوداً من الأسر في السويداء ومناطق القنيطرة الحدودية يواجه المرحلة الثالثة، رغم بقاء التصنيف العام للجنوب ضمن المرحلة الثانية.
وسجلت درعا أوضاعاً زراعية أفضل، مع توقع محصول شعير يتراوح بين المتوسط وفوق المتوسط، وتوسع إنتاج البطاطا مع احتياجات ري أقل، إلا أن ارتفاع أسعار المواشي وضعف القدرة الشرائية حدّا من الطلب خلال موسم عيد الأضحى.
وستدعم عوائد الزراعة والبساتين والتجارة السورية الأردنية أسعار المنتجات لدى المزارعين حتى أيلول، لكن العائدين إلى درعا وريف دمشق سينفقون قسماً كبيراً من دخلهم على إصلاح المنازل وإعادة الاستقرار.
ومع حلول تشرين الأول، ستتزامن نفقات التعليم والتدفئة والاستعداد للشتاء مع انتهاء الدخل الصيفي، ولا سيما لدى العائدين الذين يواجهون أول شتاء بعد العودة.
وستوفر عائدات بساتين الخريف ومبيعات المواشي تعويضاً جزئياً لبعض الأسر، إلا أن العائدين حديثاً والنازحين وسكان المناطق الحدودية في السويداء والقنيطرة قد يواجهون فجوات غذائية من المرحلة الثالثة، مع بقائهم أقلية ضمن مجموع السكان.
وفي المناطق الحضرية بدمشق وحلب، بقي الوصول إلى الدخل والغذاء أفضل نسبياً من الريف، لكن ارتفاع الوقود وغاز المنازل والنقل وتراجع الليرة قلص القدرة الشرائية.
وساهمت أعمال إعادة تأهيل مدينة الشيخ نجار الصناعية في حلب، أكبر تجمع صناعي في سوريا، في توفير فرص عمل مستقرة بصورة تدريجية وتقديم دعم محدود لدخل بعض الأسر.
أما في اللاذقية وطرطوس، فساعدت عائدات الصيد والسياحة الصيفية والمرافئ والبيوت المحمية والبساتين غالبية الأسر على تأمين الحد الأدنى من الطعام، لكن كثيراً منها واصل الاقتراض أو شراء المواد بالدين لتغطية النفقات الأخرى.
وأعادت الأمطار ملء الخزانات وحسنت فرص الري، ولا سيما في طرطوس، فيما بلغ إنتاج البطاطا الساحلي نحو 33 ألفاً و500 طن متري، ما دعم دخل المزارعين وفرص العمل الموسمية.
وتواصلت إجراءات مكافحة الصيد غير القانوني في طرطوس، مع زيادة متوقعة في نشاط الصيد ابتداء من حزيران، بينما فقدت أسر كانت تعتمد على وظائف حكومية أو عسكرية خلال عهد النظام البائد دخلاً ثابتاً واضطرت إلى العمل اليومي.
وتوقعت الشبكة بقاء طرطوس واللاذقية ضمن المرحلة الثانية حتى أيلول، ثم استمرار طرطوس في التصنيف نفسه حتى كانون الثاني، مقابل انتقال اللاذقية إلى المرحلة الثالثة اعتباراً من تشرين الأول.
وتستفيد طرطوس من إنتاج البيوت المحمية على مدار العام، وفرص العمل في مصفاة بانياس والصيد والمرفأ، ما يساعد الأسر على تغطية الغذاء والتدفئة خلال الخريف والشتاء.
أما اللاذقية، فتفتقر إلى مصدر دخل مستمر مماثل، في وقت يُتوقع فيه بقاء تعافي السياحة محدوداً، مع زيادة أعداد الباحثين عن العمل وضغطها على أجور العاملين الموسميين.
ومع انتهاء عائدات السياحة وارتفاع نفقات المدارس والتدفئة والاستعداد للشتاء، سيرتفع عدد الأسر غير القادرة على تأمين الحد الأدنى من الغذاء، وخاصة النازحين ومن لا يملكون مصادر دخل ثابتة.
وحذرت الشبكة من أن انخفاضاً أكبر من المتوقع في قيمة الليرة، بسبب تراجع الثقة بالعملة أو تغير سياسات تحويل الحوالات أو حدوث تصعيد إقليمي، سيرفع سريعاً أسعار الغذاء المستورد والوقود ومدخلات الزراعة، ويخفض القيمة الحقيقية للرواتب والحوالات.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة عدد الأسر الواقعة في المرحلة الثالثة في أنحاء البلاد، وانتقال مناطق في الجنوب والساحل من المرحلة الثانية إلى الثالثة. وفي المقابل، يمكن لاستقرار الليرة أو تحسنها أن يخفف تضخم الغذاء ويحسن القوة الشرائية.
كما حذرت من أن تأخر أمطار تشرين الأول وكانون الأول أو انخفاضها بصورة كبيرة سيقللان المساحات المزروعة بالقمح والشعير وفرص العمل الزراعي وتجدد المراعي.
وأشارت إلى أن 3 موجات جفاف رئيسية بين عامي 2016 و2021 استنزفت نحو 60 في المئة من احتياطي المياه الجوفية في شمال شرقي سوريا، ما يجعل موسم الزراعة المقبل شديد الحساسية لكميات الأمطار وتكاليف الري والوقود.
وسيؤدي موسم مطري ضعيف إلى زيادة الاعتماد على الري المكلف، ودفع مزارعين مدينين إلى تقليص المساحات أو الامتناع عن الزراعة، وخفض دخل النازحين والعمال اليوميين قبل موسم الشح.
وفي الجنوب، رجحت الشبكة أن يؤدي توسع العمليات الإسرائيلية خارج المنطقة الحدودية في القنيطرة، أو انهيار التهدئة في السويداء، أو تجدد العنف بين المجموعات المحلية، إلى تقييد الوصول إلى الأراضي والمراعي والأسواق والعمل، وتعطيل موسم الزراعة ورفع أسعار الخبز والوقود والخضراوات.
ونظراً إلى صغر عدد سكان القنيطرة، قد يؤدي ارتفاع محدود في عدد الأسر التي تفقد دخلها الزراعي إلى انتقال المحافظة من المرحلة الثانية إلى الثالثة، كما يمكن لاستمرار العنف في السويداء أن يدفعها إلى التصنيف نفسه.
واعتمدت الشبكة في تحليلها على بيانات من المجلس الدنماركي للاجئين بشأن آثار الجفاف على المزارعين، والمنظمة الدولية للهجرة بشأن النازحين والعائدين، وبرنامج الأغذية العالمي بشأن أسعار المواد الأساسية، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن حركة السكان، ومنظمة أوكسفام بشأن فيضانات الفرات.
كما استعانت بتقييم للأمن الغذائي أعدته الحكومة السورية وبرنامج الأغذية العالمي، وبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بشأن مصادر الغذاء والدخل، ومعلومات قطاع الأمن الغذائي وسبل العيش عن المساعدات الفعلية والمخططة.
وأوضحت الشبكة أن توقعاتها تمثل السيناريو الأكثر ترجيحاً، ولا تعد تنبؤاً قطعياً، إذ تستند إلى مسار الأسعار والأمطار والوضع الأمني ومصادر الدخل وقدرة الأسر على التكيف.
وتقيم الشبكة قدرة الأسر على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، وتستخدم تصنيفاً مؤلفاً من 5 مراحل، مع احتساب أثر المساعدات الإنسانية على الحد من تدهور الأوضاع.
وتعتبر المساعدة الغذائية مؤثرة عندما يتلقى 25 في المئة على الأقل من أسر منطقة معينة ما يعادل 25 في المئة على الأقل من احتياجاتها من السعرات الحرارية، سواء كانت المساعدة مواد غذائية أو مبالغ نقدية أو قسائم.
١٢ يوليو ٢٠٢٦
يمثل انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب بعد سقوط نظام الأسد البائد، محطة سياسية ومؤسساتية فارقة في مسار إعادة بناء الدولة السورية، بعد سنوات طويلة من الحرب في سوريا، وانهيار مؤسسات الحكم، وهيمنة الحزب الواحد على الحياة السياسية، فالمجلس الذي يبدأ أعماله اليوم يضع اللبنة الأولى لمرحلة انتقالية تستهدف إعادة تأسيس السلطة التشريعية ضمن منظومة دولة تقوم على المؤسسات وسيادة القانون.
من التشكيل إلى ممارسة السلطة
ينتقل مجلس الشعب، مع انعقاد جلسته الأولى، من مرحلة التشكيل إلى ممارسة صلاحياته الدستورية، عبر أداء القسم، وانتخاب هيئة رئاسته، والانطلاق في أداء وظائفه التشريعية والرقابية، باعتباره إحدى السلطات الأساسية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار متكامل لاستكمال بناء مؤسسات الدولة، بعد تشكيل الحكومة، وإعادة تأسيس المحكمة الدستورية العليا، بما يعكس انتقال سوريا تدريجياً من مرحلة إدارة الانتقال إلى مرحلة ترسيخ مؤسسات الحكم.
مجلس يؤسس للدولة لا لتقاسم السلطة
تختلف مهمة المجلس الحالي عن التجارب البرلمانية التقليدية، لأن طبيعة المرحلة الانتقالية تفرض عليه دوراً تأسيسياً قبل أن يكون دوراً تشريعياً، فالمطلوب اليوم ليس إدارة تنافس سياسي على المواقع أو النفوذ، وإنما بناء البيئة القانونية التي تحتاجها الدولة لإعادة الإعمار، واستكمال الإصلاح المؤسسي، وتعزيز الرقابة، وإقرار التشريعات التي تواكب مرحلة التعافي الاقتصادي والإداري.
ولهذا فإن نجاح المجلس لن يقاس بعدد القوانين التي يصدرها فقط، وإنما بقدرته على ترسيخ ثقافة مؤسساتية جديدة، تجعل المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشخصية أو الفئوية.
الدرس الذي يجب ألا يتكرر
يحمل التاريخ السياسي السوري درساً بالغ الأهمية في هذا السياق.
فخلال خمسينيات القرن الماضي تحولت الحياة البرلمانية إلى ساحة صراع بين الأحزاب والتكتلات، وغلبت المنافسة السياسية على بناء مؤسسات الدولة، حتى أفضت حالة الانقسام والتجاذب إلى إضعاف النظام السياسي، وهو ما مهّد لانقلاب آذار عام 1963، ودخول سوريا في مرحلة امتدت لعقود من حكم الحزب الواحد، وانتهت بسيطرة نظام الأسد البائد على الدولة ومؤسساتها.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه التجربة الجديدة هو إعادة إنتاج الثقافة السياسية ذاتها، القائمة على الاصطفافات والمحاصصة، بدلاً من ثقافة البرامج والكفاءة والعمل المؤسسي.
الموروث السياسي والتحدي الحقيقي
لا يزال جزء من النخب السياسية يحمل إرثاً طويلاً من التفكير بمنطق الحصص والتوازنات، وهو موروث تشكل عبر عقود من الاستقطاب والانقسام، لكن المرحلة الحالية تتطلب تجاوز هذا الإرث، لأن مجلس الشعب ليس ساحة لإعادة تشكيل كتل متنافسة، ولا منصة لإحياء الانقسامات القديمة، وإنما مؤسسة دستورية هدفها إنتاج تشريعات تخدم جميع السوريين، وتعزز وحدة الدولة واستقرارها.
وفي هذا السياق، فإن أي نزعة نحو تشكيل اصطفافات غير برامجية أو إعادة إنتاج الولاءات الضيقة، لا تمثل مجرد خلاف سياسي، بل قد تتحول إلى عامل يضعف المؤسسة التشريعية ويؤثر في قدرتها على أداء دورها الوطني.
رسائل خطاب الرئيس أحمد الشرع
جاءت كلمة الرئيس أحمد الشرع أمام المجلس لتؤكد هذه المعاني بصورة واضحة.
فقد ركز الرئيس على قيم الشورى، والحوار، والعمل الجماعي، معتبراً أن تنوع الآراء يمثل مصدر قوة للدولة عندما يكون الهدف خدمة الوطن، وليس تحقيق المكاسب الشخصية.
كما شدد على أن سوريا تدخل مرحلة جديدة تقوم على الكفاءة والمسؤولية، وأن إعادة بناء الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وتهيئة بيئة الاستثمار، مسؤوليات تشترك فيها جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس الشعب.
ولم يكن لافتاً فقط مضمون الخطاب، بل أيضاً طبيعته، إذ انتهت كلمة الرئيس دون تصفيق، في مشهد حمل دلالة على ترسيخ تقاليد مؤسساتية جديدة، تقوم على احترام الخطاب الدستوري بوصفه وثيقة توجيهية للعمل الوطني، بعيداً عن المظاهر الاحتفالية التي ارتبطت لعقود بثقافة تمجيد السلطة.
مجلس يؤسس للمستقبل
المرحلة التي تبدأ اليوم لا تتعلق بمقاعد أو مناصب داخل المجلس، وإنما بمستقبل الدولة السورية.
فالمجلس مطالب بإقرار تشريعات تدعم إعادة الإعمار، وتعزز الاستثمار، وتطور الإدارة العامة، وتواكب مسار الإصلاح الاقتصادي، وتؤسس لبيئة قانونية مستقرة تشجع عودة النشاط الاقتصادي والانفتاح الدولي الذي تشهده سوريا خلال المرحلة الحالية.
كما يضطلع بدور رقابي يضمن كفاءة أداء المؤسسات العامة، ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة، بما يسهم في ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
بداية مرحلة لا نهاية مسار
ويمثل انعقاد مجلس الشعب بداية مرحلة جديدة من العمل الدستوري والمؤسساتي، فنجاح التجربة لن يتوقف على تشكيل المجلس أو انتخاب رئاسته، وإنما على قدرته في التحول إلى مؤسسة فاعلة، تعمل وفق الدستور والقانون، وتضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر.
وفي النهاية، فإن الرسالة الأهم التي يحملها انعقاد أول مجلس شعب بعد سقوط نظام الأسد البائد، هي أن سوريا تنتقل من منطق السلطة الفردية إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن إرث الانقسام إلى مرحلة تتطلب الشراكة والمسؤولية والكفاءة، باعتبارها الأساس الحقيقي لبناء سوريا الجديدة.