هل بالغ "الشرع" في مجاملة بوتين..؟ جدل واسع بعد وصف روسيا بـ"الأرض المباركة"
أثار الخطاب الترحيبي الذي ألقاه الرئيس أحمد الشرع خلال لقائه بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين بالعاصمة موسكو، أمس الأربعاء، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، عقب استخدامه تعبير "الأرض المباركة" لوصف روسيا، وإشادته بـ"شجاعة الجنود الروس" في مواجهة الحملات العسكرية التاريخية.
العبارة التي فجّرت الانقسام
قال الشرع مخاطباً بوتين: "عند قدومي من المطار، رأيت كمية كبيرة من الثلج على الطريق المؤدية إلى الكرملين، فتذكّرت التاريخ، وتذكّرت عدد الحملات العسكرية التي حاولت بعض الأطراف من خلالها الوصول إلى موسكو، وكيف فشلت بسبب شجاعة الجنود الروس، وكيف ساعدتكم الطبيعة في الدفاع عن هذه الأرض المباركة".
تلك العبارة كانت كفيلة بإشعال نقاش محتدم بين سوريين، انقسمت فيه الآراء بين من وصف ما صدر عن الرئيس بـ"زلة لسان"، وبين من رآها انحناءة سياسية ضرورية في سياق العلاقات الدولية، بينما رفضها فريق ثالث رفضاً قاطعاً، معتبراً أنها مجاملة لروسيا التي ارتكبت مجازر مروعة بحق السوريين، وكانت الحليف العسكري الأبرز للإرهابي الفار بشار الأسد.
أبازيد: لا تزلّ ذاكرة الناس وإن زلّ اللسان
انتقد الباحث السوري أحمد أبازيد ما ورد في خطاب الرئيس، قائلاً: "قد تزلّ السياسة واللسان، لكن ينبغي ألا تزلّ ذاكرة الناس"، مضيفاً أن "الأرض المباركة" ليست موسكو، بل هي معرة النعمان ودرعا والغوطة الشرقية وداريا وحلب وخان شيخون ودير الزور، حيث واجه الثوار آلة الحرب الروسية والإيرانية، ودفعوا دماءهم ثمناً للحرية، فيما دمّرت روسيا المدن فوق ساكنيها، وقصفت بالمحرّمات الكيماوية، وهجّرت ملايين السوريين من أرضهم.
وأضاف أبازيد أن كل حبة تراب في سوريا تحمل دماً وشهادة وصموداً، وهي التي تستحق وصف "الأرض المباركة"، لأنها تحتضن قبور الشهداء، وجراح المصابين، وصدى أصوات الثوار، وأهازيج المهجّرين الذين لم ينسوا الوطن ولو طال الزمن.
حذيفة: الشرع مأزوم بين المجاملة والضمير
أما الكاتب أحمد حذيفة، فرأى أن الرئيس أحمد الشرع "تلعثم كمَن يعاني من متلازمة توريت أثناء محاولته مجاملة بوتين"، معتبراً أن زلّة وصف روسيا بـ"المباركة" وخلطه بين اسم سوريا وروسيا مرتين يكشف ارتباكاً داخلياً سببه شعور بالذنب تجاه مجاملة مجرم حرب.
وشدد حذيفة على أن بوتين ليس سوى نسخة أخرى من الطاغية الأسد، تسببت قراراته بقتل مئات الآلاف في سوريا وأوكرانيا، وقاد واحدة من أعنف الحروب في العصر الحديث، مضيفاً أن الشرع لا ينبغي له مجاملة هذا النوع من القادة، بل ينبغي أن يطالب بتعويضات سياسية وأخلاقية عمّا اقترفته روسيا بحق السوريين.
مواقف متباينة: بين التبرير والرفض
في المقابل، دافع بعض الناشطين عن خطاب الرئيس، واعتبروا أن كلماته تدخل ضمن البراغماتية السياسية الهادفة لحماية مصالح سوريا، وأنّ السياسي يحق له قول ما لا يقال في السياقات العامة، إذا كان ذلك يخدم رؤية استراتيجية واضحة، مؤكدين أن الشرع حقق مكاسب من هذه الزيارة رغم كل الجدل.
ورأى آخرون أن التلعثم في الخطاب لا يُنقص من مقام الرئيس، وأن وصف الأرض بـ"المباركة" قد يكون لفظاً شائعاً في خطاباته تجاه بلاد الشام، مما جعله يستخدمه بصورة لاواعية، وطالبوا بعدم تحميل الكلمة أكثر مما تحتمل، مؤكدين أن تاريخ الشرع لا يُلغى بزلة لسان.
قراءة مغايرة: رسالة مبطنة لبوتين؟
بعض المغردين حاولوا تحليل العبارة من زاوية مغايرة، معتبرين أن ما قاله الشرع قد يحمل سخرية مبطنة أو تلميحاً يفهمه بوتين جيداً، بكون "الثلج" هو ما أنقذ روسيا من الغزاة، وليس قوة جيشها فقط، وكأن الرسالة تقول: "لولا الطقس، لكنتم اليوم تتحدثون الألمانية"، في إشارة إلى فشل غزاة سابقين من بينهم هتلر.
واختُتمت ردود الأفعال بمواقف متناقضة؛ فبين من يرى الخطاب زلّة عابرة لا تؤثر في جوهر المسار السياسي، ومن يعتبرها خيانة لذاكرة السوريين ودماء الشهداء، بدا واضحاً أن خطاب الرئيس أحمد الشرع في موسكو لم يكن عادياً، بل عكس حجم التحدي الذي يواجهه في تحقيق التوازن بين المصالح السياسية وواجب الوفاء لدماء السوريين، وهي المعضلة التي ستلازمه طويلاً في أي تقارب مستقبلي مع أطرافٍ تسببت في مأساة بلاده.
وفي تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بمناسبة الذكرى العاشرة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، طالبت الشبكة موسكو بتقديم اعتذار رسمي ودفع تعويضات للضحايا وتسليم بشار الأسد إلى العدالة الدولية.
وأكدت الشبكة في ختام تقريرها أن أي انفتاح سياسي جديد بين سوريا وروسيا يجب أن يبدأ باعتراف رسمي من موسكو بمسؤوليتها عن الجرائم المرتكبة، وتسليم الأسد إلى العدالة، وإطلاق برنامج شامل لجبر الضرر وتعويض الضحايا، بما يضمن تحقيق العدالة الانتقالية الحقيقية التي تضع حقوق الضحايا في صميم عملية إعادة الإعمار.
حصيلة الانتهاكات الروسية الموثَّقة (30 أيلول/سبتمبر 2015 – 8 كانون الأول/ديسمبر 2024)
وذكر التقرير حصيلة أبرز الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الروسية منذ تدخلها العسكري في سوريا في 30 أيلول/سبتمبر 2015 حتى سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024؛ إذ وثَّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة (أنثى بالغة).
كما وثَّقت الشَّبكة ما لا يقل عن 363 مجزرة ارتكبتها القوات الروسية خلال الفترة ذاتها، وهو ما يدل على اعتمادٍ واسع النطاق على الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة، ويؤكد أنَّ التدخل الروسي كان عاملاً أساسياً في تصعيد معاناة المدنيين وارتكاب انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب.
ووثَّقت الشَّبكة أيضاً مقتل ما لا يقل عن 70 من أفراد الطواقم الطبية، بينهم 12 سيدة (أنثى بالغة)، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 24 من أفراد الطواقم الإعلامية على يد القوات الروسية خلال الفترة ذاتها.
وسجَّلت الشَّبكة ما لا يقل عن 1262 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها 224 مدرسة، و217 منشأة طبية، و61 سوقاً، على يد القوات الروسية منذ تدخلها وحتى سقوط نظام بشار الأسد. وقد جاءت محافظة إدلب في صدارة المحافظات من حيث عدد حوادث الاعتداء، تلتها حلب ثم حماة، بما يعكس نمطاً ممنهجاً في استهداف المرافق المدنية.
ورصدت الشَّبكة الدور السياسي لروسيا في تعطيل قرارات مجلس الأمن، والتصويت ضد إدانة نظام الأسد، والتلاعب بآليات المساعدات، إضافة إلى حملات التضليل الإعلامي. ورغم ما تعرَّضت له من هجمات وتشويهٍ منظَّمَين، واصلت الشَّبكة إصدار تقارير دقيقة أسهمت في توثيق انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.