كسوة العيد بين فرحة الأطفال وضغوط المعيشة.. ارتفاع أسعار الملابس في سوريا
مع اقتراب عيد الفطر، تتحول أسواق الألبسة في المدن السورية إلى وجهة رئيسية للعائلات التي تسعى لتأمين كسوة العيد لأطفالها، في تقليد اجتماعي راسخ يرتبط بفرحة العيد ومظاهره.
إلا أن هذه العادة التي طالما شكّلت مصدر بهجة للأطفال، باتت بالنسبة لكثير من الأسر تحدياً اقتصادياً متزايداً في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يدفع الأهالي للبحث عن خيارات أقل تكلفة أو الاكتفاء بالحد الأدنى من المشتريات.
وخلال جولة ميدانية في عدد من الأسواق، رصدت شبكة شام الإخبارية حركة تسوق ملحوظة مع اقتراب العيد، حيث تتجول العائلات بين واجهات المحال لمقارنة الأسعار والبحث عن قطع ملابس تتناسب مع ميزانياتها المحدودة.
ورغم الازدحام النسبي في بعض الأسواق، إلا أن كثيراً من المتسوقين يؤكدون أن زياراتهم في هذه المرحلة غالباً ما تكون استطلاعية بهدف معرفة الأسعار قبل اتخاذ قرار الشراء.
وتشير الأسعار المعروضة في الأسواق إلى تفاوت كبير بين الألبسة ذات العلامات التجارية المعروفة وتلك المتوفرة في الأسواق الشعبية أو محال البالة
فقد تجاوز سعر الطقم الرجالي الكامل في بعض المحال حاجز 10 آلاف ليرة سورية جديدة، بينما يصل سعر بنطال الجينز الرجالي إلى نحو 35 دولاراً، في حين يبلغ سعر الجاكيت قرابة 50 دولاراً، ويصل سعر الحذاء إلى نحو 30 دولاراً، ما يجعل تكلفة شراء لباس كامل مرتفعة بالنسبة لعدد كبير من العائلات.
أما ألبسة الأطفال، التي تشهد عادة الإقبال الأكبر مع اقتراب العيد، فقد أصبحت أيضاً من السلع المكلفة نسبياً بالنسبة لكثير من الأسر وتشير الأسعار في بعض المحال إلى أن تكلفة بدلة عيد كاملة لطفل واحد قد تصل إلى نحو 100 دولار في حال كانت من ماركات معروفة، حيث يبلغ سعر البنطال نحو 13 دولاراً، والحذاء قرابة 16 دولاراً، فيما يصل سعر الجاكيت إلى نحو 30 دولاراً.
وفي المقابل، توفر الأسواق الشعبية خيارات أقل تكلفة نسبياً، إذ يمكن شراء بدلة عيد للأطفال بنحو 7000 ليرة سورية جديدة تقريباً، بينما يلجأ عدد كبير من الأهالي إلى محال “البالة” التي تبيع الألبسة بالكيلو، حيث قد تكلف ملابس الطفل نحو 3000 ليرة سورية جديدة، إضافة إلى حذاء بسعر يقارب 2000 ليرة ويعد هذا الخيار بالنسبة لكثير من العائلات وسيلة لتخفيف الأعباء المالية مع الحفاظ على تقليد شراء ملابس جديدة للأطفال في العيد.
وخلال استطلاع أجرته شبكة شام الإخبارية في عدد من الأسواق، عبّر متسوقون عن استيائهم من ارتفاع الأسعار مقارنة بمستويات الدخل وقال أحد المتسوقين، وهو موظف يعمل شرطياً في المرور ولديه ستة أطفال، إن تكلفة كسوة العيد لأبنائه هذا العام تجاوزت 150 دولاراً، موضحاً أن شراء الملابس لجميع أطفاله أصبح يشكل عبئاً مالياً كبيراً على ميزانية الأسرة، خاصة في ظل تعدد المصاريف المعيشية الأخرى.
وأضاف المتسوق أنه قام بالشراء من الأسواق الشعبية وذكر أن العائلات باتت تضطر إلى توزيع مشترياتها بين أكثر من سوق بحثاً عن الأسعار الأقل، أو الاكتفاء بشراء الحد الأدنى من الملابس لكل طفل، لافتاً إلى أن كثيراً من الأهالي يحرصون رغم ذلك على عدم حرمان أطفالهم من فرحة العيد ولو بقطعة ملابس جديدة.
وفي سياق متصل، تشير تقارير اقتصادية إلى أن أسعار الألبسة في الأسواق السورية تتحدد وفق مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تكاليف الإنتاج المحلي وأسعار المواد الأولية وأجور العمال، إضافة إلى تكاليف الطاقة والنقل والشحن بالنسبة للبضائع المستوردة كما تلعب الرسوم الجمركية دوراً إضافياً في رفع التكلفة النهائية للمنتج.
وفي هذا الإطار، قال رئيس غرفة تجارة ريف دمشق عبد الرحيم زيادة، إن السوق السورية تعتمد إلى حد كبير على آلية العرض والطلب في تحديد أسعار الألبسة، موضحاً أنه لا توجد جهة رسمية تفرض تسعيرة محددة لهذه المنتجات خلال مواسم الأعياد.
وأشار إلى أن التجار وأصحاب المحال يعتمدون في تحديد الأسعار على عوامل متعددة، من بينها تكلفة الاستيراد وسعر صرف الدولار والرسوم الجمركية والضرائب، إضافة إلى ارتفاع الطلب الموسمي خلال فترة الأعياد.
وأضاف زيادة أن العديد من التقارير الواردة من الأسواق تشير إلى تمسك بعض التجار بمستويات أسعار مرتفعة، بل ورفعها أحياناً مع اقتراب العيد، حتى في حال انخفاض بعض التكاليف، موضحاً أن ارتفاع الطلب على ملابس الأطفال قبل العيد يعد من العوامل التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع في كثير من الأحيان.
من جهتها، أوضحت نائبة رئيس غرفة تجارة دمشق ليلى السمان، أن التكلفة تشكل العامل الأساسي في تحديد سعر المنتج بالنسبة للتاجر، حيث تضاف إليها هوامش الربح لتشكّل السعر النهائي للمستهلك. وأشارت إلى أن مواسم الأعياد تشهد عادة زيادة في الطلب على الألبسة، خاصة ملابس الأطفال، وهو ما يدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار لتحقيق أرباح أكبر خلال فترة محدودة من العام.
أما عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها ورئيس القطاع النسيجي في الغرفة نور الدين سمحا، فأكد أن تحديد أسعار الألبسة يعتمد على عدة عوامل رئيسية، أبرزها تكلفة الإنتاج التي تشمل أسعار المواد الخام وأجور العمال وتكاليف الطاقة، إضافة إلى مصاريف التشغيل المختلفة في المصانع.
وفي السياق ذاته، اعتبر خازن غرفة صناعة دمشق وريفها ونائب رئيس القطاع النسيجي في الغرفة أدهم الطباع أن مبدأ العرض والطلب يشكل المحرك الأساسي لتسعير الألبسة في السوق المحلية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية هي التكلفة الإنتاجية وهامش الربح والقدرة الشرائية للمستهلك المستهدف.
ويرى مختصون اقتصاديون أن المشكلة الأساسية في سوق الألبسة حالياً تكمن في اختلال العلاقة بين الدخل والأسعار وفي هذا السياق، قال الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق زكوان قريط إن الأسعار الحالية للألبسة تتحدد بشكل أساسي نتيجة ارتفاع التكاليف وهوامش الربح غير المنضبطة، مع تجاهل واضح لمستوى دخل المواطن.
وأوضح أن تكلفة الإنتاج المرتفعة، بما في ذلك أسعار المواد الأولية المستوردة وتكاليف الطاقة والشحن والنقل، تسهم بشكل كبير في رفع الأسعار، بينما يبقى دخل المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
وأشار قريط إلى أن سعر طقم ملابس لطفل واحد قد يتجاوز أحياناً نصف راتب الموظف الحكومي، ما يجعل شراء الملابس الجديدة، خاصة خلال مواسم الأعياد، أمراً صعباً بالنسبة لكثير من الأسر.
من جانبه، رأى أمين سر غرفة صناعة حمص السابق عصام تيزيني أن تحقيق التوازن في سوق الألبسة يتطلب توافق ثلاثة عوامل أساسية هي التكلفة والربح والدخل، موضحاً أن أي اختلال في هذه المعادلة يؤدي إلى ضعف القدرة الشرائية وتراجع حركة السوق.
ورغم هذه التحديات الاقتصادية، تبقى كسوة العيد تقليداً اجتماعياً مهماً بالنسبة للعائلات السورية، حيث يحرص كثير من الأهالي على شراء ملابس جديدة لأطفالهم ولو بحدود ضيقة، بهدف إدخال الفرح إلى قلوبهم والحفاظ على طقوس العيد التي ارتبطت بذاكرة المجتمع لسنوات طويلة.
ومع استمرار حركة التسوق في الأسواق خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، يبقى السؤال المطروح بين كثير من العائلات تطرح تساؤلات حول كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات العيد والقدرة المادية المحدودة، في ظل واقع اقتصادي يفرض تحديات إضافية على الحياة اليومية.